رواية المشاكسة المتمردة للكاتبة منال سالم الفصل الرابع
بدا كل ما يحتويه هذا القصر الشاسع من أثاثٍ فاخرًا ومهيبًا، يشير لكون من يقطن به أحد أهم أباطرة الزمن الغابر، وكأن من قام بتنسيق ما به أحد فناني العصور الوسطى، ليضفي المزيد من شعوري القوة والمهابة على من يتواجد بين جدرانه. توقفت في البهو لأمعن النظر في التصاميم الخاطفة للأنظار، استطلعت بنوعٍ من الفضول الأرجاء من حولي، لحظة التأمل هذه كلفتني الكثير، فيد ذلك البغيض طالتني، وطوقتني من خصري، لأشهق مذعورة من التصاقه بي، رغمًا عني استندت براحتي على صدره، كما اتسعت عيناي في شيءٍ من الرعب الممزوج بالاستنكار، وأنا أشعر بقبضته تشتد على لحمي، ابتسامته الخبيثة راحت تبرز أكثر على زاوية فمه، خاصة وهو يتفحصني عن قربٍ أرجف أوصالي، حاولت جاهدة المناص منه وأنا أزجره: -اتركني.
جاء رده متحكمًا: -ليس بهذه البساطة.
شعرت به يزيد من ضمي إليه، وكأنه يستلذ بذلك، نظرته بقيت كما هي لعوب وماجنة، كورت قبضتي لألكزه مرة أخرى، وأنا أهدده في غيظٍ مختلط بغضبي: -أتريد القتال معي؟
أظهر استمتاعه الكبير باستفزازي، وسألني في تحدٍ مثير: -وهل أنتِ قادرة على مجابهتي؟
بلا خجلٍ كان يخفض يده على طول ظهري ليتحسسه، ما أوقفه عن التمادي في تصرفه المسيء هو ظهور عمه الذي أمره في الحال: -كف عن إزعاج ضيفتنا لوكاس، ودعها لشأنها...
للغرابة استجاب له، وقام بتحريري، فابتعدت عنه مسافة كافية لأسلط بصري على هذا الرجل المهيب، وجدته يبتسم إلى في وقار عندما تحدث عني: -إنها تبدو متعبة.
ثم سار نحوي ممددًا يده تجاهي لمصافحتي وهو يرحب بي: -أهلًا بكِ في بيتك.
قام بتقديم نفسه إلى برنةِ فخرٍ: -أنا مكسيم.
قلت مجاملة وبتهذيبٍ واضح وأنا أبادله المصافحة: -أهلًا بك سيدي.
في هذه اللحظات انضمت إلينا صوفيا، كنت ممتنة لوجودها، اتجهت نحوه، وخاطبته في لباقةٍ: -شكرًا لك سيد مكسيم على استضافتنا هنا.
ترك يدي ليلتفت إليها قبل أن يقول: -لا تقولي ذلك، نحن الآن عائلة واحدة، وأنتما مسئولتان منا، مثل عزيزتنا ريانا.
أشحت بناظري عنهما وأنا بالكاد أحاول ضبط انفعالاتي المستثارة، فأجواء العائلة والصداقات الوطيدة لا تنطلي أبدًا علي، فما يحدث الآن من إظهار مشاعر الود والألفة مجرد قناع زائف يضعه الجميع عن عمدٍ لتجنب الانخراط في المزيد من المشاكل غير الضرورية. همهمت مع نفسي بلا صوتٍ، رغم يقيني بأن ملامح وجهي تشي بالعكس: -أشعر بالاختناق من هذا التملق السخيف.
تنحنحت بصوتٍ شبه مسموع، وحادثت أمي بتعابيرٍ جادة، لا تخلو من الضيق: -أمي، أيمكننا الذهاب الآن؟ أنا أكاد أفقد أعصاب...
صححت كلمتي الأخيرة عندما رأيت هذا التعبير المحذر ينتشر على وجه صوفيا، فقلت: -أقصد أني مجهدة للغاية، ولا أستطيع الوقوف.
حينئذ وجه إلينا مكسيم كلامه متفهمًا الوضع: -غرفتكما بالأعلى، سأرسل أحد الخدم معكما لإرشادكما إليها.
في التو تحولت بعيني تجاه لوكاس عندما هتف في تحمسٍ يصيبني بالانزعاج: -يمكنني القيام بذلك أيها الزعيم.
رفضت عرضه بتعصبٍ مريب: -لا نريد منك شيئًا.
تدخلت صوفيا لتلطف من الأجواء عندما وجدتني هكذا: -لا داعي لإزعاجك، إنها مسألة بسيطة.
قام مكسيم باستدعاء إحدى الخادمات لتقوم بالانحناء في احترامٍ زائد قبل أن تقول في رسمية: -سيدتي، آنستي، تفضلا من هنا.
تحركت والدتي أولًا، وتبعتها في خطوات أظهرت إنهاكي لأستمع لصوت مكسيم وهو يهتف من خلفي في شيء من الإشفاق: -يا لها من مسكينة!
سرعان ما انتفضت شعيرات جلدي عندما وصفني هذا المقيت بنبرة تعمد أن تكون مسموعة لي: -بل الأحرى مثيرة!
لحظتها فقط تحاملت على نفسي لأسير بسرعة كبيرة حتى أهرب من نظراته الماكرة التي كنت واثقة من ملاحقتها لي.