قصص و روايات - روايات صعيدية :

رواية وخفق القلب عشقا (الدهاشنة 3) للكاتبة آية محمد رفعت الفصل الرابع

رواية وخفق القلب عشقا (الدهاشنة 3) للكاتبة آية محمد رفعت الفصل الرابع

رواية وخفق القلب عشقا (الدهاشنة 3) للكاتبة آية محمد رفعت الفصل الرابع

تمنت من كل قلبها لو استدار مرة ليتطلع عليها، عل قلبه القاسي يرق لها، ولكنه استكمل طريق دون أن يعبئ بها وبصراخ قلبها المسكين، تركها تواجه نظرات تلك المرأة الحاقدة، تركها تنازع في مكانٍ لا تعلم به أحدًا سواه هو، سوى من ألقى بها بالجحيم، ذاك الذي وهبته قلبها ونفسها وأغلى ما تمتلكه المرأة من لباس العفة، ليتها كانت تملك بعض القوة لتنهض على قدميها فتلحق به للأعلى، ولكنها عاجزة حتى عن الحركة التي قيدتها، ابتلعت روجينا ريقها الجاف بصعوبةٍ بالغة حينما نهضت فاتن عن مقعدها لتدنو منها، فتراجعت للخلف بخوفٍ شديد بينما انحنت الاخرى لتمتم بكلماتٍ ناقمة:.

اوعاكي شيطانك يلعب بيكي وتفكري تهربي، ده قبرك الاخير ومفيش ليكي غيره.
ثم ابتسمت وهي تسترسل بسخريةٍ:
وتبقى هبلة لو فكرتي ان ولدي هيبصلك ولا كان هيحبك.
ولطمت بيدها على صدرها وهي تخبرها بغنجهيةٍ:
أني اللي ربيته وربيت جواه الكره لعيلتك كلتها، ومن سابع المستحيل انه يحب المرة اللي عيلتها كانت السبب في موت أمه.
وانتصبت بوقفتها وهي تستطرد حديثها بكبرياء:.

انتي اهنه خادمة لحد ما تيجي ستك ومرت ابني اللي هتخدميها برموش عنيكي، أني مش هجوزه أي حد لا هجوزه زينة البنته كلتها، بنت متربية زين وتستحقه مش واحدة رخيصة بعتله نفسها.

ترقرقت الدموع بعينيها وهي تستمع لتلك الاهانات اللازعة، فالمرأة هي التي تجبر الجميع على احتراماها حينما تكن عفيفة وتصون ذاتها، حينها سيحترمها الجميع، كيف ستحتمل تلك المعاملة المهينة في هذا المنزل، والأهم من ذلك كيف ستتحمل رؤيته وهو يتزوج أخرى، الأمر بأكمله عذاب حتى وان كان مصنف فبالنهاية يتشارك بالوجع، صعدت فاتن الدرج وهو تخبرها بحزمٍ قاسٍ:.

اتخمدي في أي حتة لحد بكره الصبح، ويا ويلك لو صحيت من نومي وملقتكيش محضرة الفطار هسلخ جلدك.

انتفض جسدها حينما استمعت لصراخها وأوامرها القاتلة، فضمت جسدها اليها وهي تبكي بانهيارٍ، اشتاقت بتلك اللحظة لعائلتها، ودت لو احتضنتها أمها، تمنت لو كان أخيها لجوارها فمن المؤكد بأنه لن يسمح لأحدًا باهانتها، تذكرت كيف كان يخشاها الجميع كونها ابنة كبيرهما، فلم يجرأ أحدًا على رفع عينيه بها، هي الآن منكسرة وبحاجة لمن يضمد جروحها النازفة..

حينما تنجرف خلف جانبك المظلم وتتبع أهواك التي حاربك بها الشيطان، ربما ستجد العالم بأكمله يحاربك الا شخصًا واحد سيذبح فؤاده لأجلك أنت، حتى وإن لم تكن على درب الصواب، ذلك الشخص لطالما تحمل أعباءك وخطاياك، فإن كان تحملك حينما كنت ضعيفًا تتعلم الخطى كيف سيتخلى عنك الآن!

انظر الآن جوارك وأخبرني من التي تتمسك بيدك حينما يقهرك الزمان؟، أجل أنت على صواب فهي الأم، نبع الحنان وطاقة صبر لأخطاءك، كذلك كان حال رواية لن يدرى بها أحدًا سوى سيدات منزلها، لذا لم تتخلى عنها ريم ولا نادين بالرغم من الموقف الحساس الذي تختبره هي وعائلتها بعدما أصبحت ابنتها زوجة لأحمد بين ليلة وضحاها، ساعات ظلوا بها لجوارها إلى أن خرجت عن نطاق صمتها حينما قالت بصوتها الشاحب:.

أنا عايزة أكون لوحدي، سبوني أرجوكم.
ردت عليها ريم وهي تمسد على ظهرها:
ليه يا راوية أحنا عايزين نكون جارك.
أطبقت بجفنيها على تلك الدموع الحارقة التي تبتلعها بينهما ثم قالت:
أنا محتاجة أكون لوحدي شوية يا ريم، عشان خاطري اطلعوا.
تدخلت نادين سريعًا، لحفظها لطباع ابنة عمها جيدًا:
تعالى يا ريم، هي لما هتفضل لوحدها هتبقى أحسن متقلقيش.

انصاعت إليها وخرجت معها، فتمددت رواية على الفراش بانهيارٍ، فقلبها يذبح ألمًا لما ارتكبته ابنتها من جريمة بحقها وبحقهم جميعًا، وإن كانت مخطئة فبالنهاية هي ابنتها الوحيدة ولن ترضى أبدًا بأن تتأذى في تلك السرايا المظلمة التي خيم الظلم بأركانها، ومن المؤكد بأنه سيطول ابنتها الضحية، نهضت رواية عن الفراش ثم ارتدت حذائها لتسرع تجاه غرفة فهد التي تحمل عدد طائل من الكتب الذي يعشق الانفراد بالساعات، حررت مقبض بابها ولكنها تفاجئت بانغلاقه من الداخل، لذا صاحت به بهدوءٍ عكس تعصب نبرتها:.

افتح الباب ده يا فهد، أنا عايزة أتكلم معاك في حاجة مهمة.

كان يعلم بأنها تلجئ لأي حجة حتى يفتح بابه الموصود، فبالنهاية لن يكون هناك ما تتحدث عنه الا ما حدث اليوم، ومهما هرب ستكون مواجهتها أمرًا أساسي، لذا فتح الباب ثم تحرك ليقف بمنتصف الغرفة وظهره يقابلها، اتبعته رواية للداخل بعدما أغلقت الباب من خلفها، وحينما استدار وجدها تقفت خلفه تفرك أصابعها في توترٍ، وكأنها ذات الفتاة التي ولجت لمنزله حينما كان عمرها لا يتعدى الثالثة والعشرون، لم يتغير بها شيئًا من طباعها ربما تغير شكلها ولكنها مازالت كما هي، فقرر قطع حيرتها بما تبحث عنه لقوله حينما قال بلهجتها:.

لو جاية تكلميني عن اللي حصل من شوية يبقى الافضل توفري كلامك يا رواية أنا مش هتراجع في كلامي.
دنت منه خطوة وهي تردد ببكاءٍ حارق:
دي بنتك يا فهد، معقول هتتخلى عنها بالبساطة دي!
ابتسم بسخرية يخفي من خلفها ألمًا عظيم:
بنتي كسرتني ولطخت شرفي مع كلب ولا يسوى.
دنت خطوة أخرى وهي تذكره ببكاءٍ:
لعب بيها يا فهد، أنت عارف انها مشتتة وأي كلمة بتوديها وبتجبها.
أظلمت عينيه، وكأنها بيدها أبادت سكنة هدوئه:.

ده عذر أقبح من اللي هي عملته، هي لو كانت متربية كويس مكنش قدر يطول منها نظرة واحدة مش يتجوزها ويخلف منها!
جحظت عينيها في صدمةٍ:
قصدك أيه، انا معرفتش أربيها!
تطلع لها بحزنٍ قبل أن يرد عليها:
مش برمي عليكي ذنب اللي حصل يا رواية، لان احنا الاتنين غلطتنا واحدة، لما بعتناها القاهرة ومكنتيش انتي جنبها على الاقل أغلب الوقت.
انهمرت دمعاتها تباعًا وهي تخبره:.

أخوها وولاد عمها كانوا جنبها طول الوقت، هو اللي لعب عليها ووقعها يا فهد، ودلوقتي لازم تطلعها من اللي هي فيه.
هز رأسه بيأسٍ، ثم قال:
مبقاش في مبرر هيغفرلها اللي عملته، ثم إنها اللي إختارت يبقى تتحمل نتيجة اختيارها ده..
واستدار بجسده تجاه الشرفة وهو يخبرها بقسوةٍ:
هي بالنسبالي ميتة والميت مبيرجعاش للحياة تاني، أنا سمحتلك تدخلي عشان تسمعي النهاية بالموضوع ده وتبطلي تفتحيه تاني، إحنا معندناش بنات..

قذفتها الدموع بألسنة من النيران التي حرقت خدها، فاتجهت إليه ثم انحنت وجلست أرضًا وأمسكت بيديه قائلة من وسط بكائها:
متعملش فيها كده يا فهد، أنت عمرك ما هيجيلك قلب تعيش وأنت عارف ان بنتك بتتهان في البيت ده.
مازال يقف شامخًا أمامها، لا يستجيب لتواسلاتها، فعادت لتسترسل بدموعٍ:
أنت وعدتني انك هتحمي ولادنا من التار ده، ولازم توفي بوعدك يا فهد.

انحنى بجسده تجاهها، ثم رفع وجهها بيديه معًا، ليزيح عنها دمعاتها ونظراته تتطالعها لدقائقٍ قبل أن يقطعها نبرته الصارمة:
هي تستحق ده، لازم تتعلم إن القرار اللي هتاخده من غير ما ترجعلنا فيه هتتحمل عواقبه لوحدها زي ما اختارته بارداتها.
أغلق عينيها بألمٍ، ثم فتحتهما على مهلٍ وهي تجاهد وجع صدرها الذي استدرجها:
أنا مش هقدر أتحمل كل ده، دي مهما كانت بنتي يا فهد!
شدد من ضغطه على وجهها وهو يخبرها:.

لا هتستحملي وهتنسيها.
بكت بصوتٍ مسموع، فأبعدت يديه عنها فعاد ليحتضن وجهها من جديد، فدفعته تلك المرة بقوةٍ وهي تصيح بشراسةٍ:
أنت ازاي بالبرود ده!، بتقولي انسيها وكأنها واحدة صاحبتي وغلطت فيا!
وبصراخٍ عنيف صاحت بوجهه:
دي بنتي عارف يعني بنتي!
تمرد عن هدوئه تلك المرة ليفرغ ما كبته خلف قناعه البارد:.

عايزاني أقولك أيه!، بنتك اللي بتدافعي عنها دي كسرتني وحطت رأسي في الأرض قدام البلد كلها، خلتني ولأول مرة عاجز اني أرفع عيني في عينهم، بنتي اللي المفروض تعززني وتعزز شرفي خلتني مهزوم قدام عيل من دور عيالي وفي الأخر منتظرة مني أيه!

انسابت دمعاتها وتلك المرة حزنًا على ما يخوضه زوجها، فدنت بجلستها منه قليلًا، ثم تطلعت ليديه الموضوعة على أرضية الغرفة بتفكيرٍ أستغرق دقيقة قبل أن تمد يدها لتحتضن يديه، فرفع عينيه تجاهها ليجدها تواسيه بنظراتها حتى ان لم تمتلك جرءة الحديث الذي سيعيب ابنتها، وربما سيقسو قلبها أكثر باتخاذ القرار، لذا بعد تفكير منها وجدت بأنها ستكن جوار زوجها لترمم جرحه وحينها ستحظى بفرصة تطيب قلبه ودفعه لانقاذ ابنتها، لذا عليها الان التوقف عن الحديث بما حدث، على الأقل حتى تهدأ عاصفته، تطلع لها فهد بنظرة عميقة، فوجدها تهمس ببكاءٍ:.

أنا السبب، ياريتني كنت جنبها طول الوقت مكنتش هسمح للكلب ده انه يأذيها كده.
قرب يديه منها ليضمها لصدره، فدفن أوجاعه بينهما، كان بحاجة لها بذلك الوقت قبل أن تكون هي بحاجة له، فما حدث كسر كبريائه حتى وإن ظل متماسكًا أمام الجميع..

ظلت محلها لأكثر من ساعة كاملة، لا تعلم إلى أين تذهب، اسندت روجينا رأسها على المقعد المجاور لها ودموعها تهبط في صمتٍ، والأصعب من ذلك استسلامها لما يحدث، فباتت تعترف لنفسها بأنها تستحق كل ذلك، هي من جنت على نفسها حينما سمحتله بالاقتراب، حاولت الاسترخاء قليلًا فبطنها تعتصرها ألمًا من فرط أعصابها المشدودة منذ الصباح.

فتحت روجينا عينيها بهلعٍ، حينما شعرت بأحدًا يهبط للأسفل، دعت الله بأن لا تكون تلك السمينة الحاقدة، فتفاجئت بفتاة تقترب منها، وعلى ما يبدو بأنها باواخر العقد الثاني من عمرها، شعرها أسود مموج، وتتطلع إليها بعينيها السوداء البريئة، رأت بعينيها شفقة وحنان غريب غير مسبوق لها بالاحساس به داخل هذا المنزل المقبض، اقتربت منها ناهد ثم انحنت تجاهها، وقالت بابتسامةٍ رقيقة:.

تعالي أطلعي معايا اوضتي، مش هتعرفي تنامي هنا.
رفعت حاجبيها وهي تتساءل بدهشةٍ:
انتي مين؟
أجابتها بهدوءٍ:
أنا بنت خالة أيان، واسمي ناهد.
رددت بتعجبٍ:
ناهد!
ابتسمت وهي توضح لها:
أيوه ماما سمتني على اسم خالتي الله يرحمها.

هزت رأسها ببطءٍ، فلم يعنيها الامر كثيرًا كل ما تحتاج إليه هو بعض الراحة التي ستهون عليها مشقة هذا اليوم الذي لن تنساه أبدًا، اتكأت روجينا بيدها على المقعد ثم حاولت النهوض، فهاجمها دوار حاد كاد بأن يطرحها أرضًا، أسرعت ناهد بمسك يدها ثم قالت بلهفة:
أنتي كويسة؟

تطلعت لها روجينا بتشتتٍ، لا تعلم ان كانت تستحق أن تثق بها فتخشى أن تخدعها مثلما فعل أيان من قبل، صعدت معها للأعلى والاخيرة متشبثة بيدها وتساندها حتى وصلت لغرفتها.
كانت غرفة عصرية للغاية، لا تشبه للسرايا ذات الأساس التقليدي، وكأنها صنعت لنفسها عالم غربي خاص بها، اتبعت خطاها حتى جلست على طرف الفراش، فتركتها واتجهت للخزانة لتجذب بيجامة من الستان الابيض ثم قدمتها لها وهي تشير على الباب الجانبي:.

غيري الفستان ده عشان تعرفي تنامي.
التقطت منها الملابس، ثم تطلعت لها بحيرةٍ انتصرت عليها حينما اخرجت ما تكبته من فضولٍ:
مش خايفة مامتك تعاقبك على مساعدتك ليا؟
منحتها ابتسامة صافية، ثم جلست جوارها وهي تخبرها بحزنٍ التمسته روجينا:
ماما زمان هي اللي كانت بتعلمني أساعد أي حد محتاج لمساعدتي.
ردت عليها روجينا ساخرة من قولها:
أي حد الا أنا وعيلتي طبعًا.

سكن الحزن بحدقتيها، فجاهدت تلك الغصة التي هاجمتها، حتى تحرر صوتها أخيرًا:
مش عارفة ألوم مين في كل اللي بيحصل ده، أنا عمري ما شوفت ماما تعيسة ولا مقهورة كده غير بعد وفاة خالتي...
والتقطت نفسًا مطولًا قبل أن تخبرها:.

خالتي كانت بالنسبة لماما كل حاجة، اختها وبنتها وصاحبتها وكل حاجة، الفرق بينهم كان كبير لما جدتي توفت ماما كانت لسه متجوزة جديد أخدت خالتي وربتها هنا في السرايا دي، ولما كبرت جوزتها سلفها عشان تكون معاها في بيت واحد ومتفرقهاش.
وابتسمت وهي تستطرد:.

تخيلي ناس كتيرة عيرت ماما بالخلف لانها اتجوزت 15سنة ومكنش معاها اولاد، بس فرحتها بحمل خالتي نساها كل ده، لان الناس لما كانت بتشوف حبها لايان كانوا بيفكروه ابنها هي مش ابن اختها...
وزفرت ما علق بصدرها وهي تخبرها بألم:.

انا اتولدت لقيت أمي بتحب خالتي أكتر من نفسها، لدرجة انها لما كانت بتتعب كان هي اللي بتتوجع، وحياتنا كلها اتقلبت في اليوم اللي رجعت فيه البيت بالشكل ده، جسمها كله كان متشوه ومقتولة بشكل بشع، ماما اتقتلت معاها في نفس اليوم، مبقتش اشوف ضحكاتها على وشها، كل اللي كان نفسها فيه هو الانتقام من اللي عمل كده في خالتي، وطبعا اجبرت بابا انه ياخد بتارها وقتل جدك بس بعدها باباكي انتقم منه وقتله، من اللحظة دي وهي شايفة ان أيان الاحق انه ياخد تار امه، ربيته وهي بتزرع جواه حب الانتقام، مكنش بتعدي لحظة عليه من غير ما تفكره باللي حصل لامه من وهو طفل، كانت كل يوم بتاخده الحديقة تحت عند قبر خالتي اللي صممت تدفنها هنا جنبها، أيان معش طفولته زي أي طفل، أيان شال حمل كبير مكنش يقدر طفل عنده سبع سنين انه يشيلها!

بدت متخبطة بما تستمع اليه، فسألتها باستغراب:
بس اللي مش قادرة افهمه ازاي جدي هيعمل كده مع واحدة من دور عياله!
أجابتها بحيرة:
مش عارفة، بس اللي سمعته انهم كانوا بيحبوا بعض ولما اتقدملها ماما موفقتش عشان فرق السن وعشان كمان جدك كان متجوز وابنه كان على وش جواز!
انهمرت دموعها على وجنتها وهي تردد بانكسار:.

وأنا أيه اللي يربطني بكل ده، ليه يكسرني ويكسر قلبي كده، لو كان عايز ينتقم كان قتلني أرحملي الف مرة من العذاب ده.
عادت الشفقة تخيم على عينيها، فربتت على يدها بحنوٍ وهي تخبرها:
قومي غيري هدومك وبلاش تفكري كتير في اللي حصل ده، .
ثم أخفضت صوتها وهي تخبرها بحرصٍ:
ومتقلقيش أنا هحاول أهربك من هنا.
أمسكت يدها بلهفة:
بجد؟
أومأت برأسها بتأكيدٍ:
بجد، بس لازم تديني فرصة لحد ما اقدر أعمل ده.

رسمت الابتسامة على وجهها من وسط سيل دموعها، فحملت ما بيدها ثم ولجت لحمام الغرفة ومن ثم أزاحت عنها فستانها الأبيض الذي تطمح به أي فتاة، لترتدي ما قدمته لها، ثم خرجت لتتمدد على الفراش بتعبٍ شديد.

بغرفة آسر.
كانت تراقبه بحيرةٍ من استكشاف ما يحدث معه، فما أن صعد لجناحه وهو جالس أمام حاسوبه لساعاتٍ طويلة، حتى أنه لم يشعر بوجودها قط، بدى إليها بأنه يفعل أمرًا هام، خاصة بأنه يتلقى مكالمة كل نصف ساعة من يحيى و بدر، فظنت بأنهم يستعدون لفعل شيئًا خطير، فجاهدت فضولها النابع بداخلها حينما حملت الطبق الذي أعدته إليه، ثم اقتربت بترددٍ منه، فوضعته أمامه ثم قالت بتوترٍ:
أنت مأكلتش من الصبح.

رد عليها دون أن يرفع عينيه عن حاسوبه:
ماليش نفس.
بللت شفتيها بارتباكٍ:
بس آآ، أنت م...
قاطعها حينما أمرها بلهجةٍ حازمة:
قولتلك ماليش نفس، ولا لازم صوتي يعلى عشان تقتنعي!
حملت الطبق عن سطح مكتبه بخوفٍ من حدة حديثه، ثم اتجهت لفراشها لتجتنب مشادة الحديث فيما بينهما وخاصة بأنها تعلم ما يمر به في تلك اللحظة، لذا لم تحزن لتعصبه عليها بل كان يغلبها الحزن لما يشعر به في تلك اللحظة التي لا تتمناها لأحدًا.

غرق آسر بما يفعله لساعاتٍ حتى انتهى أخيرًا، فأغلق حاسوبه وهو يردد بتوعدٍ:
انت اللي ابتديت، قابل بقى.
ونهض عن مقعده ثم اتجه للسرير، فاستلقى لجوارها ليتفاجئ بها تتطلع إليه بعينٍ يقظة، فتساءل بذهولٍ:
أنتي لسه منمتيش؟
قالت والدموع تغرق عينيها:
هنام ازاي وأنت صاحي!
منحها نظرة حنونة، فجذبها لأحضانه ويديه تربت على ظهرها حتى تستكين بنومتها على صدره، وهمس بحزنٍ:.

متزعليش من طريقتي معاكي في الكلام، أنا مش قادر أشوف أي حاجة غير اللي عمله الكلب ده.
تعلقت به مثلما اعتادت، ثم أجابته بصوتها الناعس:
أنا زعلت لإني مش قادرة أخفف عنك اللي أنت فيه.
رسم ابتسامة شبه باهتة وهو يجيبها:
متقلقيش عليا، أنا بعرف أسيطر على نفسي كويس.
وأغلق الضوء المجاور له، ثم أغلق عينيه باستسلامٍ:
نامي...

كلماته كانت مبهمة للغاية، وربما أكدت ظنونها بنيته لفعل شيئًا خطيرًا، سئمت من التفكير في الأمر وبالنهاية استسلمت لدفء أحضانه فسرعان ما غفت بين ذراعيه هي الأخرى..

نسمة هواء الفجر يلفح الأنفس، بنقائه فمازال الناس في غفوة وعينيه ترفض النوم، إلى أن ضاق الأمر به فهبط للأسفل قاصدًا الحديقة أمام منزله، وبالأخص ذاك الركن المنفرد بعيدًا عن الأشجار، ألقى بثقل جسده أرضًا وهو يحاول التقاط أنفاسه بمعدلات ثابتة، وحينما لم يستطيع أخرج ما به، فارتمى بذراعيه على الحجارة من أمامه ليخرج ما كبت بداخله من أهات شقت صدره ولسانه يردد بتردد لما يجتاحه:.

عشت طول عمري عشان اللحظة اللي أرجعلك فيها حقك، بس كنت فاكر أن النار اللي جوايا دي هتنطفي، كنت فاكر اني هرجع أعيش حياتي اللي اتحرمت منها، بس للاسف محصلش أنا اتكويت بنار تانية، جوايا وجع ملهوش وصف.
وارتد أيان بجسده للخلف وهو يشير على صدره:
قلبي أنا اللي وجعني مش قلب فهد، أنا مش عارف اذا كان اللي عملته صح ولا غلط بس صدقيني كنت مستعد اعمل أكتر من كده عشان أنتقم من اللي أذوكي..

وأزاح دمعاته بكره لرؤياها، وهو يستكمل حديثه بتعصبٍ:
أنا مينفعش أحس بحاجة ناحيتها، مينفعش، دي بالنهاية من نسل اللي اذوكي، لازم أفوق من وهمي ده، مستحيل يكون جوايا حب ليها.
وزحف بجسده للخلف حتى استند على جزع أحد الأشجار، فأغلق عينيه وهو يهمس بخفوتٍ:
هكرهك زي الحياة اللي عشتها وأنا مفروض عليا أني أواجهها، هكرهك لأخر عمري!

وعد بالكره اتخذه من جوار قبر والدته، لا يعلم بأن خلف كلامه نفور لما يردده، خلف ما يدعيه قلبًا خفق عشقًا لها!

بزغت الشمس كقبلة باسمة على ثغر الصباح، لترسم نهارًا مختلفًا كثيرًا عما يسبقه، فشعرت روجينا بشيئًا حاد يلكز خصرها، ففتحت عينيها بانزعاجٍ فانتفضت من محلها بفزعٍ حينما وجدتها تقف مقابلها وتحدجها بنظراتٍ قاتلة، اتبعها قولها الشرس:
بسلامتك لسه نايمة، أني مش منبهة عليكي تقومي من بدري ونجهزي الوكل!

ارتجفت خوفًا مما ستلاقاه، فوجدتها ترفع عصاها الغليظة لتهوي بها على ذراعيها العارية، فاحدثت جرحًا بليغًا، تأوهت ألمًا وهي تترجاها:
راحت عليا نومة والله، هنزل حالا أعملك اللي عايزاه.
اتاها ردها اللازع:
مش بكيفك يا حببتي، هتنزلي غصبن عنك وعن اللي خلفوكي.
خرجت ناهد من حمام غرفتها سريعًا حينما استمعت لصوت صراخها، فانصدمت حينما وجدتها تعتدي بالضرب المبرح عليها، حالت بينهما سريعًا وهي تصرخ بوالدتها:.

حرام عليكي يا ماما، بتضربيها وهي حامل!
دفعتها بعيدًا وهي تشير لها بتحذيرٍ:
متتدخليش انتي، خليكي بره أحسنلك..
ثم دفعت روجينا تجاه باب الغرفة وهي تشير لها:
٥دقايق لو نزلت ملقتش الفطور جاهز وقسمًا بالله لأنسل لحمك ده تنسيل سمعاني.
أشارت لها عدة مرات ثم قالت بتوسل:
هنزل بس اديني اي حاجه البسها.
فالبيجامة التي ترتديها كانت تصل لمنتصف ذراعيها، وحتي لم تكن ترتدي حجابًا تخفي بيه شعرها، ابتسمت بتسلية:.

هتنزلي اكده وان كان عاجبك.
انصاعت لكلماتها وهبطت سريعًا للأسفل، فالتقطت ناهد اسدال للصلاة الخاص بها ثم كادت بالهبوط من خلفها ولكن اعترضت والدتها طريقها، فجذبت ما بيدها وهي تصرخ بوجهها:
قولتلك متتدخليش في اللي بيحصل اهنه والا من بكره الصبح هحجزلك على أول طيارة سامعة؟

خشيت بأن تفعل ما تقول، فهي تعلم والدتها حق المعرفة، لذا تراجعت للخلف بخوفٍ واستسلامًا لرغباتها، فهي تعلم إن أصرت والدتها بسفرها لن يستطيع أحدًا أن يقف أمام قرارها.

بالرغم من وجود الكثير من الخدم بالمطبخ الا أن جمعيهم خشوا مساعدتها في الحصول على الأغراض الاساسية لتحضير الطعام، الجميع ملقن بالتعليمات تجاه معاملتهم تجاهها، حتى وإن لم يكن البعض على اقتناع بما يحدث معها، فكان أغلبهما يشفقون على حالتها، وبعد عناء انتهت روجينا من وضع الطعام على الطاولة المقابلة للمطبخ، وكان الطبق الذي تحمله أخر ما تبقى، فخرجت لتضعه على المائدة وحينما استدارت لتستعد للعودة للمطبخ شهقت فزعًا حينما وجدت عدد من الرجال يحيطون القاعة، لأول مرة ينتابها الشعور بالعري، فأخذت تشد من (كم) البيجامة لتخفي ذراعيها ويدها الاخرى تخفى خصلات شعرها المنفرد، وكأن تلك اللعينة أمرتهم بالدخول لأجل ذلك، لتجعلها تشعر بأنها مباحة للجميع، هرعت للداخل لتحتمي بين حوائط المطبخ، وعينيها تبكي في صمتٍ تام، فمرت أكثر من ربع ساعة ومازالت تختبئ من الأعين، إلى أن أتاها صوت تلك المرأة الكريه تأمرها باستنكارٍ:.

فين الشاي!
كزت على أسنانها غيظًا لما تتعرض له من مهانة، ونهضت لتضع قدر من المياه على النيران، ثم وضعت الأكواب على الصينية وما أن غلت المياه حتى وضعتها على الصينية جوار السكر، وحملته وخرجت إليهما، فتوقفت عن المضي قدمًا حينما رأته يجلس على رأس المائدة، نظراتها المتحسرة جابته وهو يشغل ذاته بتناول الطعام، فارتعش جسدها حينما عادت فاتن لتصرخ بها:
لساكي واقفة عندك، همي.

أسرعت بخطواتها لتضع الصينيه بمنتصف المائدة ثم كادت بالعودة سريعًا حتى تحتمي من نظرات هؤلاء الرجال القذرة، فاستوقفتها كلماتها اللازعة:
مستنياني أصبه!

ترجتها بنظراتها ان تتركها تغادر ولكنها لم تجد رحمة بداخل أعماقها، لذا اقتربت لتسكب بالاكواب، خيل إليه تلك العلامات التي تكتسح يدها، فرفع أيان عينيه تجاهها، فأطبق باسنانه على شفتيه السفلى حينما وجد ذراعيها يملأها آثار الضرب، ومع ذلك حاول ان يستكمل طعامه، ولكن نظراتها تجاه رجاله جذبت انتباهه، فتطلع الى ما تتطلع اليه ليجدهما يفترسونها بأعينهم، كونه رجلًا يعلم بنظرات رجل مثله، لم يحتمل ذلك فنهض عن مقعده ليردد بانفعالٍ شديد:.

مش عايز أشوف كلب فيكم هنا، وبعد كده اللي هيبص على واحدة من حريم بيتي هيمشي بعين واحدة.
ما أن انتهى من أوامره حتى اختفوا من أمامه، شعرت روجينا في تلك اللحظة بأن قلبها يتخبط بما يختبره بشعورٍ تجهله.
روحي نضفي البيت كله، وخليه يبرق.
صوتها جعلها تفق على حقيقة الواقع الملموسة لذا انسحبت من أمامهما بهدوءٍ لتفعل ما أمرتها به، فور رحيلها أسرعت فاتن لتقف مقابله، لتسأله بخوفٍ ملموس:.

همك أمرها!، أوعاك تكون نسيت تارك وحبتها يا ولدي ده حساب ولزمن تاخده!
رفع عينيه الرمادية تجاهها بصمت مزقه حينما قال بغضب ملموس:
لا منستش، بس حضرتك اللي نسيتي انها في الاول وفي الاخر مراتي يعني شرفي وعرضي، ومش هستحمل اي حيوان يبصلها نظرة قذرة زي دي، فياريت تخلي بالك من النقطة دي كويس.
وتركها وصعد للأعلى، والاخيرة تراقبه بنظرة سكن بها الشك والخوف من القادم..

بسرايا الدهاشنة.

أراد فهد من الجميع التجمع على الفطار حتى يضم العائلة ويتناسى الجميع ما حدث بالأمس، وبالفعل لبى الجميع طلبه واجتمعوا على المائدة، فكانت فرصة لم تحسبها تلك التي لم تذق طعام النوم، فكيف لعقلها أن يستوعب أن من عشقته وتمنته من الله أن يكون زوجًا لها بين ليلة وضحاها، ويا لحظها حينما سحب المقعد الذي يقابلها ليجلس أمام عينيها المزدحمة بالكثير من الحديث، شعر بها أحمد وود أن يعلم ما بداخلها، لذا سحب هاتفه ليراسلها برسالة وصلت لهاتفها، ففتحته لتجده أرسل لها.

«هشوفك في الجنينة بعد الفطار. »
رفعت نظراتها المرتبكة عن الهاتف تجاهه، ثم هزت رأسها اليه بالمواقفة، تناول الجميع الطعام في جو من السكون، وكأنهم فقدوا مذاق الحديث مما حدث بالامس، فمازال يترك أثره العميق على الجميع وبالأخص رواية، أما آسر فمال على بدر وهو يتساءل باهتمام:
طمني عملت أيه؟
همس له بابتسامة فخر:
عيب عليك، منمتش غير لما وصلت لرقمهم وما صدقوا اننا نعرض عليهم العرض ده..

وعاد ليستقيم بجلسته حتى لا يثير الشكوك، ثم مال عليه مجددًا ليسترسل قائلاً:
يحيى قام بالواجب ومنمش طول الليل، ساعتين تلاته كده وهتلاقي صاحبك بيعيط زي الحريم.
منحه آسر ابتسامة شامتة:
يستاهل، عشان يبقى يلعبها صح بعد كده.
قال الاخير بحماسٍ:
ولسه..

انسحب أحمد أولًا للخارج، فلحقت به حور، لتجده يجلس على الطاولة القريبة من الاسطبل، فسحبت المقعد المقابل له ثم جلست تتطلع له بارتباكٍ، طال الصمت بينهما وكلا منهما يترقب الاخر بالحديث، فكان لاحمد القرار الاخير حينما قاطعه قائلًا:
حور أنا عارف ان اللي حصل كان خضة غير متوقعة لينا، بس خليني أقولك آن دي أحسن خضة أنا اتخضتها في حياتي..
وتعمق بالتطلع لها وهو يسترسل:.

زي ما يكون ربنا حب يكافئني على اللي كنت هعمله وقدمك ليا على طبق من دهب.
اربكتها كلماته ونظراته الجذابة تجاهها، وما زادها ربكة فوق ربكتها حينما مد يديه ليحتوي يدها الموضوعة على الطاولة وهو يخبرها بحبٍ:
جوايا كلام كتير أوي اتحرمت من اني أقولهولك لانك مكنتش ليا بس دلوقتي خلاص يا حور بقيتي مراتي..
ارتجفت أصابعها بين يديه، فخرجت حروفها مذبذبة:
أحمد أنا آآ...

ربكتها عن استكمال ما ستقول جعلته يتساءل باستغراب:
انتي أيه!
وضعت عينيها أرضًا وهي تجاهد دموعها، ولكنها انتصرت بالاخير فقالت بصوت متقطع من فرط بكائها:
أنا كنت بدعي ربنا على طول انك تكون ليا، حتى وأنا عارفة اني أنانية لما بطلبك لنفسي وأنت المفروض تكون مع روجينا، كان غصب عني قلبي مكنتش قادرة أجبره يبطل تفكير فيك..
قرب مقعده منها، ليردد بلهفةٍ وسعادة تسبقه:
وأيه كمان كملي..

ابتسمت على حماسه الزائد، فسحبت يديها منه بخجلٍ:
دول الكلام اللي طلع بس، بعد كده هتلاقي الباقي بيطلع من نفسه.
ضحك حتى أفتك بقلبها، ثم قال:
وأنا مش مستعجل قدامنا العمر كله مع بعض يا حور..
سكنت الفرحة عينيها، فاكتفت بنظرة شملت معاني مختصة بالحب اليه حتى وإن لم ينطقها لسانها، فعشقهما كان هوس، وبات الآن حقيقة مصرحة!

انتهت روجينا من تنظيف الطابق السفلي ثم صعدت بانهاكٍ لترتب الطابق العلوي، فأول غرفة فتحتها ثم ولجت تحمل المكنسة بين يدها وكادت بالقيام بمهامها، فما أن وجدته يتمدد على الفراش حتى حملتها لتتجه للخارج، نهض أيان عن محله ثم قال:
استني.
توقفت عن المضي قدمًا، لتضع ما بيدها أرضًا، فوقف خلفها ثم قال:
مش بكلمك!
التفتت تجاهه ثم قالت بكره سبق عينيها قبل لسانها:.

نعم تؤمر بحاجة أنت كمان، لو عايزني انضفلك الاوضة يبقى تتفضل برة لما أخلص.
اقترب منها حتى صار يقف مقابلها، فرسم ابتسامة ساخرة وهو يقول:
شايفك استسلمتي للامر الواقع بسرعة، ودي مش عادتك يعني انتي طول عمرك عنيدة.
حدجته بنظرةٍ منكسرة قبل أن تنتقل لنبرتها:
البركة فيك، حياتي كلها بقت زي الجحيم من يوم ما انت دخلتها فمش فارقة.
قال بابتسامةٍ ساخرة:
وحياتك قبلي كانت بينك وبأجنحة!

منحته نظرة حاقدة، فدنا منها وهو يردد بغضب:
طول عمرك وأنتي كارهة حياتك، لا حابة وجود مامتك ولا أحمد ولا تحكمات اخوكي وأبوكي..
انهمرت الدموع من عينيها، فقالت بقهر:
كنت غلط، بفضلك اكتشفت اني كنت غلط، ودلوقتي نفسي ارجع لحضن أمي وأحس بوجود ابويا وأخويا اللي كنت بتحامى فيهم، أنا خسرت كل حاجة بسببك..
ثم تركته وكادت بالرحيل ولكنها استدارت لتخبره بوجع:.

عمري ما هسامحك على اللي انت عملته فيا، مالكش في قلبي غير الكره والحقد، كل الحب اللي جوايا ليك اتقلب لكره مالوش أخر.
وتركته وكادت بالخروج فوجدت ذراعيه تجذبه اليه بقوةٍ ألمتها، وكأنها أشعلت بكلماتها النيران بداخله، فيرى بأنه يحق له كرهها ولكنها لا يحق لها ذلك، حاصرها بين باب الغرفة وذراعيه ثم اقترب منها وهو يتساءل:
بتكرهيني!

ارتبكت من نظراته التي تسبر أغوارها المغلقة بحجة الكره الزائفة، فكادت بأن تخدع ذاتها بذلك ولكن ليس قلبها الذي يخفق لقربه، شعر أيان بأن هذا القرب ليس خطير عليها هي بل على مشاعره التي تطالب بالمزيد، فكادت بأن يقترب لينعم برحيقها ولكنه تفاجئ بها تدفع جسدها لتجلس أرضًا أسفل أقدمه، لتردد بدموعٍ اكتسحت ضعفها أمامه:
أنت عايز مني أيه، لسه بتحاول تكسرني حتى بعد كل اللي عملته ده، انت شيطان؟

انحنى تجاهها، فوجد ذاته يزيح دمعاتها ثم حملها للأريكة ليغيب عن أنظارها لثوانٍ، ومن ثم عاد بعلبة الاسعافات الاولية، جذب ذراعيها ثم حاول أن يطهر جرحها، فجذبت يدها منه وهي تخبره بسخرية:
لا عندك قلب بجد!
منحها نظرة محذرة بالا تختبره لأكثر من ذلك، ثم عاد ليجذب يدها مجددًا ليضمد جرحها، وعينيه مازالت تتطلع لعينيها، شعر لوهلة بأنها سيضعف أمامها تلك المرة لا محالة، لذا اشاح بوجهه عنها وهو يردد بصرامة:.

اطلعي برة ومتدخليش الاوضة دي تاني.
زادت حيرتها بما يحدث اليه، وكأنهما شخصين بشخصٍ واحد، وربما يملك انفصام بالشخصية، نهضت روجينا عن محلها ثم جذبت الاغراض وغادرت من أمامه..

صعد آسر لغرفة جدته المريضة منذ ما حدث بالامس، فجذب المقعد القريب منها ثم جلس جوارها، ابتسمت هنية حينما وجدته لجوارها حينما افاقت فهمست بتعبٍ:
انت اهنه من أمته يا ولدي؟
ابتسم وهو يجيبها:
من شوية، طمنيني انتي عاملة أيه الوقتي؟
ردت عليه برضا:
الحمد لله يا ولدي، فضل من ربنا.
تستاهل الحمد..
قالها وانغمس بالصمت والحيرة مما يود قوله، فابتسم هنية وهي تراقبه ثم قالت:
عايز تقول أيه يا ولدي؟

منحته الاذن للبوح عما يشغله، فقال:
أنا محتار ومش عارف أفكر وملقتش غير اني أجيلك وأسالك في اللي فات..
عايز تنبش بالماضي ليه يا ولدي؟
لازم لانه بيطاردنا لحد دلوقتي.
سحبت هنية نفسًا عميق قبل ان تخرجه، فابتسمت وهي تخبره:
جدك طول عمره راجل طيب وفي حاله، من يوم ما اتجوزته وهو بيحاول يسعدني بكل الطرق، بس عمري ما حسيت انه هيحبني زي ما بحبه، بالرغم من انه عمره ما كسر بخاطري ولا قصر معايا في حاجة.

واسترسلت بوجعٍ:
في حاجات الواحدة منينا بتحس بيها يا ولدي من غير ما تسمعها من جوزها، بس فرحته بابوك نسيته الدنيا وما فيها، ولما فهد ولدي بقى زينة الشباب تفكيرنا اتغير وبقينا نفكر فيه اكتر منينا، بس وقتها حسيت ان جدك وهدان متغير، كانه مش معانا في دنيا تانية، ساعتها اني اتوكدت ان قلبه عشق واحدة غيري واحساسي ده اتاكد بعد كده لما قالي انه هيتجوز، واللي فجأني انها بت صغيرة من سن ولده..

انصت اليها آسر جيدًا وخاصة حينما استكملت:
اني كنت موافقة بالرغم من العذاب اللي جوايا، وفعلا اتقدملها بس اختها فاتن مرضتش بيه لانه كان كبير عنيها، وبالوقت ده جدك الكبير فزاع عرف باللي كان وهدان بيعمله، والقيامة قامت بالسرايا كلتها ورفض انه يتجوزها او يتجوز اي حد، وقاله يفوق عشان عياله..
وابتلعت ريقها قبل ان تخبره:.

اني قولتله لو بيحبها للدرجادي يدلى على البندر ويتجوزها بالسر واني مش هقول لحد ابدًا عن الموضوع ده، وهي كانت موافقة على اقتراحي بس جدك كان محاوط عليه واختها كانت محاوطه عليها واجبرتها تتجوز سلفها، ساعتها وهدان نسيها وعشنا حياتنا من تاني، بس بعد سبع سنين اتفاجئت انه لساه بيقابلها ولما واجهته قالي انها بتشتكيله من جوزها وانها مبتحبهوش وعايزة تطلق منه وتتجوزه ومفيش كام يوم وسمعنا انها ماتت وجدك وهدان اللي اتهموه بيها..

وقالت وهي تشير له بحزن:
مش عارفة فين الحقيقة يا ولدي، بس اللي اني واثقة منه ان وهدان ميعملش كده ابدًا، لانه كان بيعشقها وقلبه كان معاها طول السنين دي حتى واني على ذمته.
قال آسر بعد تفكير:
مش يمكن جوزها اللي قتلها واللي عمله ده عشان يلبسها لجدي.
وارد يا ولدي بس بالنهاية احنا اللي لسه بندفع التمن لحد النهاردة، والتار موقفش بعد موت جدك وجوزها، والوقتي جيه الدور على احفادي يدفعوا تمن شيء مالهمش يد فيه!

تركها آسر وغادر وعقله مشتت للغاية، هناك حلقة مفقودة لا يعلم مغزاها، هناك سرًا غامض سيجتهد لفك شفراته، فهو الآن على علم تام بأن جده من المحال أن يفعل ذلك..

بسرايا المغازية.
جن جنون أيان حينما علم بخسارة صفقته الضخمة التي ساهم بنصف ثروته تحديدًا لأجلها، فقبض على هاتفه وهو يردد بعنفٍ:
ازاي يعني لغوا التعاقد هو لعب عيال!
لا أكيد في اللي ورا الموضوع ده، دور وراهم وشوفولي اتعاقدوا مع مين، ..
دقايق ويكون كل التفاصيل عندي سامع!

وأغلق هاتفه والنيران تكاد تلتهم أحشائه، فهو لا يستهان بمن يتلاعب بعمله الذي كد به لأجل ما وصل إليه، تراوده شكوك عن كناية من فعل ذلك ولكن عائلة الدهاشنة لا تمتلك صلاحيات العمل بالملاحة، تجارتهم خاصة بالفواكه، أخرج أيان سلاحه من خزانته ثم وضعه على الطاولة وجلس على المقعد المجاور له يتوعد لمن فعل ذلك بالهلاك، وبالفعل ما هي الا دقائق حتى دق هاتفه مجددًا فما أن رفعه حتى اظلمت عينيه وهو يقول:.

كنت شاكك أن آسر ورا اللي حصل، وانت اكدتلي ده، عايزك بقى تسمعني كويس، هتاخد رجالتك وهتطلع على المكان اللي هبعتهولك ومتتحركش من هناك الا لما اوصلك سامع!
وأغلق الهاتف وهو يهمس بكرهٍ:
موتك على ايدي..
وكاد بجذب السلاح الموضوع على الطاولة ليجد يد تقذفه بعيدًا عنه، لتقف مصعوقة أمامه وصوتها يرتجف:
أنت عايز تقتل أخويا!
وقف مقابلها وهو يطالعها بحقدٍ:
هو اللي جنى على نفسه بعملته دي.

وضعت يدها على فمها من صدمتها تلك، ومن ثم استجمعت شجاعتها لتصرخ بوجهه:
وفاكر اني هخليك تطلع من هنا!
ابتسم وهو يرد عليها بسخرية:
وأيه اللي في ايدك تعمليه، انتي هنا زي الشغالين بالظبط ومفيش خدام بيتداخل في حاجة متخصوش.
ردت عليه روجينا بعصبية بالغة:
انت أيه شيطااااان، انتي مستحيل تكون بني آدم، انت أحقر انسان انا عرفته..
قال ومازالت الابتسامة مرسومة على وجهه:
قولي حاجة أنا معرفهاش عن نفسي..

واتجه ليخرج من الغرفة فوجدها تصرخ به:
وأنا مش هسيبك تقتل اخويا..
لم يفهم حديثها الا حينما تباطئت حركته حينما تحررت من سلاحه طلقة استقرت بكتفيه، فاستدار للخلف بنظراتٍ منصدمة فسقط ارضا يحتضن كتفيه وعينيه تطالعها، ألقت روجينا السلاح عن أصابعها المرتجفة، وعينيها توزع نظراتها بينه وبين يديها بصدمةٍ، فسقطت أرضًا هي الاخرى، تبكي وتردد بحرقة:
ليه بتجبرني أكون بالبشاعة دي ليه!

ثم أمسكت يديه ومازال واعيًا يستمع إليها:
أنت الانسان الوحيد اللي أنا حبيته واتمنيت أكون ليه، كنت شايفة الحلو فيك بس رغم انك كنت مخيف ليا، نسيت اصلي وخالفت كل التقاليد عشانك مفكرتش في اي حاجة الا انت.
ومسحت دمعاتها ثم جذبت السلاح وهي تهمس بابتسامة بائسة:
بس خلاص انا كمان مش عايزة الحياة دي..
وسلطت السلاح على صدرها ثم كادت بالضغط على الزناد، ولكنه سرعان ما انتشل منها السلاح ليتمتم بوجعٍ:.

قولتلك مش هتأذي نفسك ولا اللي في بطنك طول ما أنا عايش..
ثم قدم لها السلاح مجددا لسلطه على موضع قلبه، ليبتسم وهو يردد بحروفٍ ثقيلة:
لو عشت هدمر العالم الجميل اللي اتولدتي فيه، واولهم عيلتك دي فرصتك انك تخلصيهم وتخلصيني من العذاب ده.
ارتجفت اصابعها وهي تتطلع لعينيه الباكية، فمرر يديه الملطخة بالدماء على وجهها وهو يهمس بألمٍ:
اللي كنت خايف منه حصل، أنا، آآ، أنا، بأحبك...

وتركها تلك المرة ليهوي أرضًا ينازع تلك الشهقة العارمة التي تفيض بروحه، كسر باب الغرفة لتجد من أمامها عدد من الرجال وخلفهما فاتن التي صرخت وهي تردد:
ولدي، قتلتي ولدي يا بنت ال...
انكمشت على ذاتها خشية منها، فهمس أيان لها ولحارسه الشخصي بخشونة:
لو حد مس شعرة منها هقطعلك رقبتك...
ومال براسه تجاه ناهد ليهمس وعينيه تنغلق:
صدقيني هتبقي خسرتيني بجد لو قربتي منها..

وانسحب خلف ظلمته المحتمة، بينما هي تواجه الف وجع لا تعلم سببه، لا تعلم ماذا فعل بها شيطان العشق والغرام، استهدف قلبها وترك جسدها يعاني ولكن ترى ان كان حماها باخر انفاسه من سيكمل مسيرته أمام تلك الحرباء، فمازال يصارع للحياة وحياة ليست بدونها حياة!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة