قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد فصل خاص جدا

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد فصل خاص جدا

بناية ما في مدينة السادس من أكتوبر، تسكن فتاتنا الجميلة "رغدة" بأحد شقق تلك البناية
(رغدة طالبة بالسنة الأولى بالتعليم الجامعي، فتاة جميلة جدا ومحجبة، محبوبة من الجميع، وأنا بعتبرها أختي الصغيرة)
تململت بفراشها بتكاسل شديد، لتدفع عنها دثارها بإبتسامتها الباهتة، لتتنهد بتمنى و رجاء، مردفةً:
-ياسلام لو الأحلام دي تتحقق وتتحول لواقع، وألاقي نفسي عايشة لو يوم حتى في قصر "السيوفي"، ده كان يكون أسعد يوم في عمري.

وتعتدل بجلستها بفراشها، مردفةً:
-لما أقوم أشوف ماما فين؟
نهضت من فراشها، لتغادر غرفتها باحثة عن والدتها بالأرجاء إلا أن الشقة خاوية تمامًا. لمحت تلك الورقة الموضوعة أعلى طاولة الطعام، لتلتقطها وتفض كلماتها " صباح الفل يارورو، أنا روحت عند خالتك لأنها تعبانة وهرجع آخر النهار، الأكل عندك في التلاجة سخني وكلي، مش هعرف أكلمك، لأني فوني في الصيانة... في رعاية الله وحفظه ".

وضعت "رغدة" الورقة أعلى الطاولة، متنهدة بضيق، وهي تردد بتذمر:
-يعني هتسبيني طول النهار لوحدي يا ماما... طب هعمل إيه أنا دلوقتي؟! .
ليصدح هاتفها برنين مميز بي، فهي تخصص نغمة خاصة لي، فتمتمت بدهشة وهي متجهة صوبه:
-" فاطمة"!... وبدري كده، دي الساعة يدوب تمانية.

ضغطت زر الإجابة ووضعت الهاتف جوار أذنها، مردفة بمشاكسة:
-صباح الفل يا "طومة"، كنتي بتحلمي بيا ولا إيه؟!... بتتصلي من وش الصبح يعني! .
تنهدت تنهيدة عميقةً، وأنا أفرك وجههي بيدي، مردفةً بتذمر، وسخط بعض الشئ:
-براحة يابنتي، حاجة حاجة عشان أعرف أرد عليكي... أولا صباح الفل ياقلب "طومة"
ثانيًا: لا مش كنت بحلم بيكي ولا حاجة، بس عندي ليكي مفاجأة حلوة.

أكلها الفضول كعادتها، لتردف بحماس:
-مفاجأة إيه بالله عليكي؟
إنفرجت إبتسامة ماكرة بثغري، ورفعت حاجبي الأيمن بمكر أكبر مردفة، بمشاكسة:
-فكري كده، كنتي نفسك فـ إيه من كام يوم؟... وإيه اللي كالتي دماغي وصدعتيني بيه؟
ضيقت عيناها بتفكير عميق، لتردف بفراغ صبر:
-مش فاكرة، الصراحة أنا كلت دماغك بحاجات كتير، إيه بقا؟!

حركت المقعد أمامي، وجلست بإسترخاء واضعةً ساق فوق الأخرى بكبرياء، لألتقط بعض المقرمشات و أتناولها بتلذذ وسعادة، ورفعت ساعة يدي أمام عيناى، لأراقب عقاربها بترقب، مردفةً:
- 3. ..2...1... جرس الباب هيضرب، إلبسي إسدالك وروحي إفتحي.

بالفعل صدح رنين ناقوس الباب لديها، فرددت "رغدة" بدهشة، وإستنكار:
-مين اللي على الباب يا "طومة"؟!
تنهدت بإبتسامة واسعة مردفةً، مرددة بمزاح:
-عيب نسيب الناس كده على الباب يا "رورو"، يلا شوفي مين.

هنا وضعت "رغدة" هاتفها أعلى الطاولة، حتى إلتقطت إسدالها وإرتدته، وأحكمت حجابه، لتتجه نحو باب الشقة ولازلت معها على الهاتف. فتحت الباب لتجد رجلًا لم يتجاوز الأربعين من عمره بعد، يبدو عليه الوقار والصلاح، ملابسه وهيئته تدل أنه سائق لشخصية مرموقة بالمجتمع. حركت "رغدة" رأسها بتسأل، هاتفةً:
-أيوة... مين حضرتك؟!

وقف الرجل بثبات وهدوء مردفًا برزانة ووقار:
-حضرتك أنا السواق الخاص لـ "ثائر باشا السيوفي "، وحضرته بعتني النهاردة عشان أوصلك للقصر.
حركت "رغدة" رأسها بذهول، مرددة بلاتصديق:
-نعم حضرتك... دي الكاميرا الخفية ولا ده برنامج" رامز جلال"، ولا إيه بالظبط؟! .
أردف السائق بهدوئه المعتاد، الذي لم يفارقه قط:
-حضرتك دي الأوامر اللي عندي، وأنا بإنتظار حضرتك تحت، ياريت تجهزي وتنزلي... بعد إذنك.

وغادر السائق، تاركًا خلفه كتلة بشرية مغيبة عن الواقع، تهمس بهذيان:
-"القصر"!... "السيوفي"!... "ثائر"!... سواق!
إتسعت حدقتاها بشكل مفاجئ وتذكرت أني لازلت معها على الهاتف. أوصدت باب الشقة بقوة، وركضت نحو الهاتف لتلتقطه، مردفةً بإستنكار:
-قصر "السيوفي "!... إنتي بتهزري يا "فاطمة"! ... صح؟ .

تعالت ضحكاتي المرحة، وأنا أردد بسعادة لحالها:
- يلا بسرعة روحي خودي شاور وإجهزي الناس مستنيينك، إنبسطي ياقلبي، وماتنسيش تسلميلي على "ثائر السيوفي" كتير، وبوسي "همس" كمان، أقولك سلمي عليهم كلهم، وأقوللهم إني بحبهم وعشت معاهم أسعد أيام حياتي... سلام ياقلبي.
أنهيت الإتصال، ووضعت "رغدة" جوالها أعلى الطاولة، ولازالت نظراتها زائغة، لتقودها أقدامها نحو غرفتها للإستعداد للقاء من سكنوا قلبها وإستوطنتوه.

أمام البناية.
غادرت "رغدة" بنايتها بعدما تأنقت بفستان صيفي من اللون الأبيض، ونمقت معه حجاب من اللون النيود، وحقيبة وحذاء بذات اللون، لتتسع حدقتاها حينما رمقت تلك السيارة الفارهة التي تجاوزت الثمانية أمتار، ووجدت سائقها يستدير حولها ليفتح لها بابها بإبتسامته البشوشة. دلفت إليها مغيبةً كسابق حالها، بينما إستقل السائق السيارة، وإنطلق مسرعًا إلى قصر "السيوفي ".

بينما كانت "رغدة" تطوف السيارة من الداخل بنظرات ذاهلة، فمساحتها الداخلية كمساحة غرفة كبيرة، كانت تحتوي على براد صغير معبأ بعصائر وشيكولا مختلفة، أما هذا التلفاز الذي يبث لها أحد الأفلام القديمة للنجم الكوميدي "إسماعيل ياسين"، ليدوي صوت السائق عبر المذياع الداخلي للسيارة:
-حمدالله على سلامتك " رغدة" هانم، ثواني وندخل قصر "السيوفي".

لحظات قليلة وكانت السيارة الليموزين البيضاء تدلف إلى قصر "السيوفي"، لتستقر أمام الباب الرئيسي للقصر، وسط نظرات "رغدة" الذاهلة التي أتوقع ألا تفارقها طوال يومها هذا، لتجد من يفتح لها باب السيارة بإبتسامته الرزينة، فإتسعت عيناها صدمة، وهي تحرك رأسها ذاهلة عندما وجدته معشوقها "حمزة السيوفي "!...

نعم "رغدة"... لقد أبلغته مقدار عشقك له، لكن بقى هذا سرًا بيننا حتى لاتقتلنا "هيا"، وتُلقي جثثنا للوحوش المفترسة.
قابلها "حمزة" بإبتسامته المهلكة التي سلبت عقلها للأخير، وما أهلكها أكثر، حينما أطربها بصوته الدافئ:
-صباح الفل يا "رورو"، نورتي بيتنا المتواضع.

تعالت أنفاسها، وتلاطمت دقاتها، لتهمس لذاتها بخفوت:
-يالهوي... بيقوللي صباح الفل يا" رورو"!
هو فيه جمال كده، "حمزة السيوفي " اللي كنت بكراش عليه وبحلم بيه بقالي شهرين، يفتحلي بنفسه باب السفينة دي ويقولي صباح الفل، أنا خايفة يغمى عليّا من الفرحة.

ليخرجها من هذيانها هذا، من إقتربت من "حمزة" بإمتلاك، وحاوطت خصره بيدها بعشق، مردفةً بسعادة، وحفاوة:
-صباح الجمال يا "رورو"، يلا الكل مستنيكي.

نعم ... وجود "هيا" جذبها من أحلامها الوردية، ليصدمها بأرض الواقع وحقيقة زواج "حمزة" وأبوته لطفلين جميلين. لذا أومأت "رغدة" برأسها بخجل، لترفع أنظارها لأعلى قليلًا فتجد أغلب أفراد عائلة" السيوفي " متراصين بإنتظارها، لتتراقص دقاتها طربًا حينما تلاقت عيناها بذلك الثائر المبتسم، الذي ردد بحفاوة وترحاب:
-إتفضلي أستاذة "رغدة".

لم تفق من صدمتها بعد، لتجد "همس" تهبط تلك الدرجات الرخامية، حتى أصبحت مقابلة لها، بإبتسامتها الودودة، لتصافحها وتحتضنها بأخوة حقيقية. سرت تلك الرجفة الخفيفة بجسد" رغدة"، فحقًا إستشعرت حنان العالم أجمع بين أحضانها، سكون، وأمان لم تشعره قط، لتتسلل تلك الراحة النفسية لهذه العائلة بأسرها. تنهدت بقوة، لتقاوم تلك الدمعة التي أوشكت على التمرد، لتهمس "همس" بمحبة وود:
-حمدالله على سلامتك يا حبيبتي، نورتي الدنيا كلها، أنا" همس".

وإبتعدت عنها قليلًا، لتهتف "رغدة" بسعادة:
-أنا عارفاكي، وكمان عارفة العيلة كلها، وعيشت معاكوا كل تفاصيل حياتكوا اللي فاتت، وبحبك قوي... بحبكوا كلكوا الصراحة.
لتجدا "ضحي" قد إقتربت منهما، صائحةً بمشاكسة:
-لا... حددي قصدك إيه يا "رورو"، إوعي تكوني بتحبي" لودي"، أنا بغير.

فإنضم إليهم بمزاحه الدائم، مرددًا بإبتسامته المهلكة:
-لا يا"رورو" سيبك منها لازم تحبيني عشان أحس إني لسه موز والبنات بتحبني، زي ما إنتي عارفة "دودي" دايمًا كاتمة على نفسي هي والبنات
وإقترب منها هامسًا بخفوت:
-بيني وبينك أنا ناوي أتجوز على البت" دودي"، لو إنتي سنجل ياقمر أنا موافق، إيه رأيك؟ .

ضيقت "رغدة" عيناها بتفكير عميق، وهي تهمس بخفوت مقلدة إياه:
- الصراحة أنا بحب "دودي"، وبحبكوا مع بعض، وهزعل قوي لو عملت كده، مع إني ليّا واحدة صاحبتي إسمها "دودي" برضه بتتخانق مع كل اللي يجيب سيرتك، وهتموت عليك.
هنا إتسعت إبتسامة خالد" بسعادة، لشعوره برغبة النساء وعشقهم له، ليهمس بفرحة:
-بجد!... حلوة "دودي" دي؟

ليجد من تقبض على ياقته بقوة، وهي تصيح بغضب جليّ:
-مين دي اللي حلوة يا "خالد"؟!
إبتلع ريقه بصعوبة، وردد بتوتر:
-إنـ... إنتي.. يا حبيبتي... مش سمعاني بقول "دودي"، حتى إسألي "رغدة" وهي تقولك.
إلتفتت "ضحي" بأنظارها نحو "رغدة" التي إتسعت إبتسامتها، لهيئة "خالد"، لتجدها تردد بحدة بعض الشئ:
-كان بيتكلم عني يا "رغدة"؟.

لم تملك" رغدة" سوي أن تؤيد حديث خالد" الذي توسل إليها بنظراته، فأومأت برأسها مردفةً بتأييد:
-طبعًا يا" دودي"، هو يقدر يقول غير كده، يخونك الورد والشموع اللي عملهالك في الشقة عشان يتجوزك، ده أنا بحلم بيها من يومها ياشيخة .
ليحاوط "خالد" كتفي" ضحي" بذراعه بقوة، وهو يجذبها إلى الداخل وسط صياحها الغاضب:
- ورد وشموع يا "خالد"!، إنت فضحتنا وخليت سيرتنا على كل لسان...
عرفوا إيه تاني يا "خالد"؟

وضعت "رغدة" يدها أعلى فمها بصدمة من هول ماتشدقت به، فأسرار البيوت لابد ألا تتخطى عتبتها كما نصحتهم" نونا"، لتتعالي ضحكات الجميع على هيئتها، لتجد "هايدي" تقترب منها بإبتسامتها المرحة، مرددة بحفاوة:
-أهلا بيكي يا جميلة، تعالي ندخل يلا تيتة "فريدة" بتزعل لما نتأخر على مواعيد الفطار.

وحاوطتها بذراعها متجهة إلى الداخل، لتطوف "رغدة" بهو القصر بذهول ودهشة من فخامته وعراقته، وذلك الدفء الغامض الذي إنتشر بأركانه، ليتجهوا جميعًا إلى غرفة الطعام. إلا أنها وجدت "فريدة" تخطو نحوها بإبتسامتها البشوشة، لتجذبها إلى أحضانها بحنان الأم والجدة، حنان فاق وتعدي حدود العالم أجمع، لتتشبث "رغدة" بأحضانها بقوة، كمن تشبثت بجميع أحلامها وآمالها بالحياة، وإستنشقت عبق طيبتها الفائقة، لتحتبسه بصدرها علّه يدوم معها قليلًا، لتجد من تربت على ظهرها بحنان، وهي بود:
-طب وأنا يا "رورو" ماليش حضن زي ماما "فريدة"؟

إبتعدت "رغدة" عن فريدة قليلًا، وإستدارت نحو "نجلاء" مردفةً بإبتسامة راحة وسعادة وإطمئنان:
- أكيد يا طنط، حضرتك ليكي أحلى حضن في العالم، دا أنا بحبك قوووي.
وتلقي بذاتها داخل أحضانها، لتقسم بدفء وأمان وطمأنينة أحضان تلك العائلة، دفء أقسمت أنها لم تستشعره قط، لتربت "نجلاء" على ظهرها مردفةً بحفاوة:
- نورتي الدنيا يا حبيبتي.

ليجدوا من يلقى عليهم التحية بصوته الرزين:
- "السلام عليكم"،
إلتفتت نحوه "رغدة" بإبتسامة بلهاء بعض الشئ، لتردف بدهشة، وسعادة:
-"حاتم"!
أومأ لها برأسه مؤكدًا بإبتسامته البشوشة:
-أيوه... بذاته، إزيك يا "رغدة"، نورتي البيت.

أومأت "رغدة" برأسها عدة مرات بخفة، قائلة بسعادة:
-أنا كويسة قوي قوي، كفاية إني شوفتكم في الحقيقة، بدل الأحلام اللي كنت عايشاها، وعلى فكرة" ديدا" بتحبك قوي، وتستاهل حبك ليها، مع إنك كنت قاسي شوية صغننين عليها، بس صالحتها وإعترفتلها بحبك بطريقة تحفة، أتمنى ألاقي اللي يعترفلي بحبه بالطريقة دي .

إتسعت إبتسامة "حاتم" البشوشة، ليردف بنبرة حانية:
- الحياة مش كلها وردي يا "رغدة"، فيه مشاكل وأزمات كتير بتعدي علينا، ولازم نتخطاها ونكمل، عشان يوم مانوصل للحلو اللي فيها نحس بقيمته ونحافظ عليه، وكمان كل واحد ليه الطريقة اللي بيعرف يحب بيها، يعني ممكن تلاقي الإنسان اللي مابيقدرش يعبر عن مشاعره بالكلام، بس كل أفعاله تأكد إنه بيحب وشاري ومتمسك بشريكه، بس أهم حاجة إننا نقدر نحب نفسنا قبل كل شئ، عشان لو عملنا كده، هنقدر نحافظ عليها، ونحارب بكل قوتنا عشان نسعدها.

وتنهد براحة وسكينة، مكملا:
-الأكيد إنك تستاهلي اللي يحبك ويصونك ويقدرك، وأكيد ده موجود وهتقابليه في يوم من الأيام.
إشتعلت وجنتاها خجلًا، وأطرقت رأسها لأسفل، لتجد من تجذب يدها برفق نحو طاولة الطعام، وأجلستها بالمقعد المجاور، لـ "حمزة" مردفةً بإبتسامة:
- أول مرة أسيب الكرسي بتاعي يا "رورو"، وده عشان خاطرك إنت بس ياجميلة، عارفة إنك بتعتبري "حمزة" أخوكي الكبير، وفيه كلام محتاجة تتكلمي معاه فيه .

تشربت وجنتا "رغدة" بحمرة الخجل
"أحقًا ستكون قريبة منه كل هذا الحد؟!"
جلس إلى جوارها "حمزة" بإبتسامته الجذابة التي لاطمت دقاتها بخجل، ليقدم إليها بعض المأكولات الشهية، مردفًا بحفاوة وترحاب:
-إتفضلي كلي يا "رغدة"، أنا وصلني كلام موثوق إنك بتعتبريني أخوكي الكبير، وده شرف ليا طبعا.

دنت برأسها لأسفل، لتهمس لذاتها مستنكرة:
- مين الكذاب اللي قال الكلام ده، والله لا بعتبرك أخويا الكبير ولا نيلة، أنا بس هموت عليك، وياسلام لو المزة "هيا" دي تسافر، وإنت تتجوزني، والله هربي العيال، ومش هعيط زيها...
ليجذبها صوته المبتسم:
- روحتي فين؟!...

لكنها حركت مقعدها للخلف، ونهضت مستقيمة بوقفتها، مرددة بجدية:
- معلش مش هقدر أقعد هنا، وأبعد بينك وبين "هيا"، أنا هقعد هناك جنب طنط "نوجا".
وتركت مقعدها، متجهة صوب "نجلاء"، لتجلس جوارها هامسةً بخفوت:
- يخربيت حلاوة أمك، ده أنا لو قعدت جنبك هيحصلي حاجة.

مضت لحظات الفطور بسعادة غامرة لـ "رغدة"، فأحد أحلامها الجميلة تحقق بزيارتها لقصر "السيوفي" وعائلته، لكن ربما لازال هناك بعض المفاجآت.
بيننا نهضت الفتيات من مقاعدهن، لتجذبا يد "رغدة" صائحين بسعادة:
- يلا يا "رورو" عشان نفرجك على القصر، وبعدين ندخل المطبخ لأول مرة في التاريخ، عشان نعمل الأكل اللي بتحبيه.

وأخذن "رغدة" برحلة إستكشافية لقصر" السيوفي" وأركانه، وسط نظرات الدهشة والإعجاب، والذهول التي لم تفارقها قط طوال جولتها بالقصر، لتتعالي ضحكاتها السعيدة وسط مشاكسات "ضحي" و "هايدي" حتى" هيا" و "همس"، لتصلن أخيرًا إلى المطبخ.
إحتلت الفتيات المطبخ، بعدما أخرجن منه جميع العاملين به، لتلتقط "همس" طاقم الشيف، وتناوله لـ" رغدة" مردفةً بمرح:
-يلا بسرعة يا شيف، لازم تلبسي مريلة المطبخ دي، وكاب الشيف ده كمان، وقوليلنا بقا تحبي نعمل أكل إيه النهاردة؟ .

بينما حاوطت "ضحي" كتفاها بذراعها، هاتفةً بمرح:
-كل ده على شرف زيارتك لينا يا "رورو"، تيتة "فريدة" إستحالة كانت تدخلنا المطبخ ده... يعني لعيونك إخترقنا قوانين "فريدة" هانم "السيوفي"، وكل قوانين القصر .
تنهدت "رغدة" بقوة، وهي تردد بمشاكسة:
- مش كلها يعني، طبعًا ماقدرتش أدخل عالم "همس و ثائر"، وكمان الحديقة الخلفية بتاع "حاتم وديدا".

تعالت ضحكات الفتيات، لتحرك "همس" كتفاها بإستسلام، مردفةً:
- الوعود ماينفعش نخونها أو نرجع فيها، وعالمنا ده وعدنا اللي لسه محافظين عليه لحد النهاردة، حتى ولادنا ماقدروش يدخلوه... المهم... تحبي نعمل أكل إيه؟

إتسعت إبتسامة "رغدة"، وصاحت بحماس:
-مشاوي... إنتوا طول الوقت بتشوا، وريحة المشاوي بتوصل لحد عندي، فلازم أجربها معاكوا.
لتصيح الفتيات سويًا بصدمة مستنكرين:
- مشاوي!..
أومأت "رغدة" برأسها بسعادة قبل أن تردف بإصرار:
-أينعم ... مشاوي.

بينما تبادلت الفتيات النظرات البائسة، وهي تذم فمها بتذمر، لتردف "هيا" بيأس:
-كده بقا عايزين تدخل رجالي، عشان يساعدنا نولع الفحم.
هنا ضيقت "رغدة" عيناها بتفكير عميق، مرددة بتوجس، وحذر:
- "ثائر السيوفي ".
صاحت الفتيات سويًا بصدمة أكبر:
- نعمممم... مين؟!

أومأت "رغدة" برأسها بتأكيد، مردفةً:
- أيون... هو بذات نفسه، اللي لازم يساعدنا في الشوي.
لتتسع إبتسامة "همس" الماكرة، وهي تردد بخبث:
- عندك حق يا"رورو"،" ثائر السيوفي " بذات نفسه هو اللي هيساعدنا ...سيبوا الطالعة دي عليا بقا.

وغادرت المطبخ متجهة صوب مكتب "ثائر"،. وما هي إلا لحظات وعادت إليهم متشبثة بيده بقوة، وتلك الإبتسامة العاشقة تطوف وجوههما، ليردف " ثائر" برزانته وهدوءه المعهودين:
- السلام عليكم.
إتسعت إبتسامة "رغدة"، وهي تردد بسعادة:
-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أردف "ثائر" بحزم وصرام:
- وصلني يا أستاذة "رغدة"، إن حضرتك عايزانى أساعد في الجريمة اللي البنات دي هتعملها.
أومأت له برأسها بإنبهار، فهذا الثائر تجاوز كل حدود الخيال، بل فاق كل أساطير الفروسية، لتهمس بإفتتان:
- حصل... هتولع النار بس، وهما يشوا.

إنفرجت إبتسامة "ثائر"، ليتجه صوب الحديقة ويبدأ بإشعال النار للشواء، لتجلب الفتيات اللحوم المتبلة وتبدأ بشوائها، بينما خطى "ثائر" نحو الطاولة، ليجذب مقعدًا إحتله بشموخ وكبرياء. رمقته "رغدة" بإنبهار، لتتجه صوبه وجذبت هي الأخرى مقعدًا مقابلًا له، لتحتله بكل إنبهار وسعادة، ليردد "ثائر" بإبتسامته المهلكة:
- ها... حابة تقولي إيه؟!...

إتسعت مقلتاها دهشة من فراسة هذا الثائر، لتصيح بتسرع:
- إنت إزاي كده؟!
ضيق "ثائر" عيناه بمكر، مردفًا:
-يعني إيه إزاي كده؟
هنا أردفت رغدة" بإسترسال:
- يعني إزاي قادر تاخد بالك من كل تفصيلة في حياة العيلة؟!

إزاي قادر تحاوطهم وتحميهم من المخاطر؟!
إزاي قادر تقرا أفكارهم، وتحس بيهم قبل مايتكلموا؟!
إزاي قادر تدي الحب ده كل لكل أفرادها؟!
إزاي قادر تحب "همس" الحب ده كله؟!
إزاي قادر تحب أولادك بالشكل ده؟!
مليون سؤال في راسي من لاقية ليهم إجابة.

كانت إجابته قاطعة، حينما تفوة بتلك الكلمة:
- الإيمان.
كررت تلك الكلمة بدهشة أكبر:
- الإيمان!
إستند بساعديه أعلى سطح الطاولة، مستقيمًا بجلسته، ليردف برضا ويقين:
- أيوه الإيمان...
أول حاجة الإيمان الكامل بالله، وإنك تكوني متأكدة إن اللي ربنا كاتبه لينا هنشوفه، ومش هنقدر نقاومه، بس ده مايمنعش إننا ناخد بالأسباب، وكمان الدعاء بيغير الأقدار، ولازم يكون عندنا اليقين ده.

كمان الإيمان بالعيلة وأهميتها وإنها السند الحقيقي لينا في الحياة وده طبعًا بعد ربنا، لأنهم فعلًا من دمك... عارف إن فيه قرايب عقارب، بس الحب بيغير كل حاجة، وإنك تدي الحب بدون ماتنتظري مقابل، في اللحظة دي هتلاقي المقابل جايلك لوحده... والحمد لله كنت محظوظ بعيلتي الجميلة دي، ورغم كده قابلنا مشاكل كتير وبفضل ربنا إنتصرنا عليها.

كمان زي ماقولتلك الحب، له أثر السحر في حياتنا، وده لأنه عامل زي النبتة الصغيرة، كل ما نهتم بيها ونراعاها هتكبر وتزهر، لكن لو أهملناها، حتى لو كانت قوية وعفية، هيجيلها يوم تدبل وتموت... في الوقت ده إستحالة نقدر نرجعها للحياة.

كمان لما بتحبي حد، بتبقى حافظة كل تفاصيله، لأدق تفصيلة هو ذاته ممكن مايكونش واخد باله منها، زي الأم بالظبط، اللي بتبقى حافظة تفاصيل إبنها من يوم ولادته، وبتحافظ عليه من المخاطر... يعني لو شافته رايح ناحية النار وهو مش عارف نتيجة القرب ده إيه، بتلاقيها تجري وتخطفه في حضنها، عشان تبعده عن الخطر ده، وحتى لاقدر الله لو إتحرق، بتلاقيها تجري بيه زي المجنونة عشان تلحقه وتقلل الخطر عنه.

بالنسبة لعيالك فدول روحك وحتة منك، دول اللي طول الوقت عايزاهم أحسن وأقوى وأنجح... دول اللي بتحاولي تديهم خلاصة خبرتك في الحياة... دول اللي بتربيهم على الأفضل والأصلح...وكمان دول اللي بيراقبوا كل تصرفاتك ويقلدوها، فياريت كلنا ناخد بالنا من النقطة دي.

يعني مضمون الحياة... الإيمان... الإيمان واليقين بالله، بالعيلة، بالحب، بالخير، بشريك حياتك، بنفسك وإنك تقدر تقوم وتعدي وتدوس على الصعب.
راقبت "رغدة" كل كلماته بإهتمام بالغ، لتردد بيقين، وإعجاب، وإنبهار:
-عندهم حق يحبوك للدرجة دي وأكتر، حتى "مي" صاحبتي اللي هتتجنن عليك وكل شوية واكلة راسي بـ "ثائر السيوفي "، و"فاطمة" دايمًا تقولها ممنوع الإقتراب أو التصوير.

إنفرجت إبتسامة "ثائر" الغامضة ليردد بثبات:
-"فاطمة".. وبتقول إيه تاني "فاطمة" هانم؟
إتسعت إبتسامة "رغدة" بسعادة، وهتفت بزهو وفخر:
- بتقول إنها بتحبكم قوي، وإنكم قد إيه عيلة مترابطة، وصعب تتكرر تاني... و بتقول كمان إنها تعرف عنكم كل حاجة...
ليقطع سيل كلماتها المنجرف، رنين هاتفها النقال، لتجاوبه بشرود:
-ألوو.

لتتسع حدقتاها صدمة حينما وجدت صوت والدتها، وقد تشبع بكثير من الغضب، لتجاوبها بإرتباك، وتوتر:
- بشتري حاجات، وجاية على طول، مسافة السكة.
وأغلقت الهاتف، متجهة نحو "ثائر" بنظراتها المذعورة، لتردد بخوف شديد:
- لازم أمشي حالا، ماما في البيت، وماتعرفش إني هنا.

إشارة واحدة من سبابته كانت كفيلة بأن يترجل السائق عن السيارة، فاتحًا الباب لـ "رغدة " التي ركضت مسرعة، وهي تهتف بسعادة:
-هفضل لآخر يوم عمري أحلم باليوم ده.
وتابعها الفتيات بإبتسامة سعادة، تضاعفت حينما إقتربت من "ثائر" لأقف مجاورة له، بشموخ وكبرياء، متنهدة براحة شديدة، لأردد بإبتسامة إحتلت كامل ملامح وجهي:
- شكرًا" ثائر"... عارفة إني إخترقت قوانينك، وقوانين العيلة.

إنفرجت إبتسامة "ثائر"، وتنهد بقوة واضعًا كلتا يديه في جيبي بنطاله، وهو يردد بثبات، ومكر بعض الشئ:
- غلطتي غلطتين في جملة واحدة.
وإستدار كليًا حتى أصبح مواجهًا لي، ليردد بذات الإبتسامة المهلكة للجميع بلا إستثناء:
أولا.. مفيش شكر بين الأصدقاء، وثانياً... قوانيني تمشي على الدنيا كلها إلا إنتي يا... "طومة".

تعالت ضحكاتي المدوية، التي إجتمع على أثرها جميع أفراد عائلة "السيوفي"، فكم كنت أشتاق إليهم!... فقد مضى وقت طويل منذ آخر لقاء جمعنا، لأجد جدتي "فريدة" جذبتني إلى أحضانها، التي إشتقت عبقها كثيرًا، لتربت على ظهري مرددة بإشتياق:
- وحشتينا يا "طومة".

إلا أن الفتيات جذبتني نحو حفل الشواء بضحكات مدوية، وإشتياق جارف، وسط نظرات التشفي من شباب عائلة "السيوفي"، فدائما ما كنت معتادة الهرب من مثل تلك المهمات.
-لكن هيهات ... فلا زلت إحدى أميرات عائلة "السيوفي " المدللة من الجميع، ولازلت أملك الكثير من الحيل، والخداع... وقد بدأت مهمتي الجديدة للتو.

تمت
نهاية الرواية
أرجوا أن تكون نالت إعجابكم
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W