قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل السابع

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل السابع

مضت الأيام سريعًا ليتعافي "خالد" جسديا، لكن ما تبقى له كان بعض من المعالجة الفيزيائية وجلسات العلاج الطبيعي.
إستمرت "هيا" بدراستها، ولازالت محافظة على عهدها بنسيان معشوقها.
"ثائر" و"حمزة" بالمجموعة ليعوضا فترة غيابهما.
"حاتم " إستقل بحياته العملية، والخاصة، ولم يحن بعد موعد عودته للقصر.
"فريدة" تحسنت علاقتها بالجميع عدا ذلك "الثائر".

السيوفي جروب - مكتب "ثائر"
قضي وقته بين حاسوبه الخاص، والأوراق والملفات الهامة، ليعد لأكبر صفقة في تاريخ مجموعة "السيوفي" فهذا تعاونه الأكبر مع إحدى الشركات الألمانية، بينما تسلل إليه بعض الإرهاق، ليتراجع بظهره للخلف مسترخياً بمقعده. فيفرك أعلى أنفه بأنامله، مخففًا من إرهاق عيناه، رافعًا هاتف مكتبه، وضاغطًا أعلى الرقم 1، ليردف بإرهاق يشوب نبرة صوته الصارمة:
القهوة بتاعتي.

وضع الهاتف مرة أخرى، وتابع عمله بجدية وإحترافية، ليجذب إنتباهه محاولة أحدهما لتسلل إلي حاسوبه الخاص، فيضيق عيناه بإبتسامة جانبية متهكمة، ضاغطًا أزرار حاسوبه بسرعة ومهارة ليدمر هذا المتسلل بنجاح.
دقات هادئة علي باب مكتبه، ليهتف بهدوء:
إدخل.

دلفت "هند" بخطواتها الهادئة، وإبتسامتها العذبة، العاشقة، حاملة صينية صغيرة بها فنجان من القهوة وكأس من المياه الباردة، لتضعها أعلى سطح المكتب مردفةً:
قهوة حضرتك يافندم.

لتجد "حمزة" يهتف بنبرة جدية:
واحد قهوة كمان يا"هند" لو سمحتي.
ويحتل المقعد المقابل له بغموض.

رفع "ثائر" أنظاره نحوها مشيرًا برأسه لها، فغادرت المكتب غالقةً الباب خلفها.
زفر "حمزة" بحنق، طارقًا سطح المكتب بأنامله والتوتر يجتاح أوصاله، ليهتف:
النهاردة حصلت حاجة غريبة جدا.
إستقام "ثائر" في جلسته بإهتمام، رغم تيقنه من محاولة إختراق حسابات المجموعة، ليهمس بثباته الدائم:
حصل إيه؟!

ليستطرد "حمزة" بحديثه:
لقيت إيميل مرسل على إيميل الشركة، قبل ماأفتحه، حسيت بحد بيقتحم الإيميل وبيحاول يهكره، بس طبعا لولا برنامج الحماية اللي بنستخدمه كان نجح في عملية الإختراق دي.

إسترخي "ثائر" بمقعده ممسكًا بطرفي قلمه بأنامله، ليحركه يمينًا ويسارًا بهدوء، ليبتسم إبتسامة تهكمية:
ولسه... هيحاولوا تاني وتالت ورابع كمان.

رمقه "حمزة" مستنكرًا لهدوء شقيقه وعدم إكتراثه بالأمر:
وإنت عادي مش هامك حاجة كدة، وبعدين ليه كل ده؟!

زفر "ثائر" زفرة قوية، مردفًا بحزم:
أنا مستني الخطوة دي من زمان.
وليه؟!، علشان الصفقة الألمانية... ناس كتير بتحاربنا عشان الصفقة دي ماتمش، وإتمامها هيكون الضربة القاضية ليهم.

لتصدح دقات "هند" الهادئة، فيأذن "ثائر" لها بالولوج، لتضع قهوة "حمزة" وتغادر.

تنهد "حمزة" براحة، ليهتف بتذكر:
اه... "حاتم" هيفضل كده كتير بره القصر؟!
جدتك وافقت إنه يرجع ويعيش وسطنا تاني،ووافقت كمان على جوازه من منه، بس رد فعله غريب، مش فاهمه

حول "ثائر" مجري الحديث ببراعة، ليهتف بثباته الحازم:
أنا هسافر ألمانيا النهاردة على خمسة مساءا، هقابل مندوب الشركة الألمانية عشان توقيع العقود النهائية.

ضيق "حمزة" عيناه بإندهاش، زاويًا مابين حاجباه بإستنكار:
تسافر؟!
مش المفروض كان المندوب هيقابلك هنا في القاهرة.
قاطعه "ثائر" بغموض:
أنا اللي طلبت إن المقابلة تكون في ألمانيا.

ليزفر زفرة قوية بغضبٍ دفين، مبتسمًا إبتسامة جانبية خفيفة، وهبّ مستقيما في وقفته:
أوك... أنا رايح مكتبي عندي شغل كتير.
أومأ برأسه بحركة تكاد تكون ملحوظة، شاردًا في أثر خطوات شقيقة بنظرات غامضة.
لتخرجه دقات باب مكتبه، ودلوفها بإنكسار وخنوع، ليهب متصلبًا بغضب، ونيران الجحيم تتطاير من حدقتاه، ليصرخ:
أفندم!... لسه فيه كلام تاني هتضحكي عليّا بيه.؟!

إقتربت بخُطاها المرتعشة، ودمعاتها المتحجرة بمقلتيها، و صرخات قلبها الملتاعة لقسوة حفيدها، الذي لطالما أذاقتها للجميع، فقد حان الوقت لأن تتجرع من نفس الكأس.
لتهمس بتوسل:
إسمعني يا "ثائر" أرجوك.

تعالت ضحكاته الساخرة، ليدور حول مكتبه بكبرياء واضعًا يداه بجيبي سرواله الأسود، فيقترب منها بتشفٍ، متحديًا إياها بنظراته الصارمة، هاتفًا بسخرية:
"فريدة" هانم "السيوفي" بتترجاني عشان أسمعها.
لتتحول نظراته إلى أخرى أقسى، وأعنف، نظرات حاقدة، تكاد تكون كارهه لجدته، فيكمل:
اللي بتفكري فيه ده عمره مايحصل ولا في أبعد أحلامك، لو كل العالم سامح وغفر، أنا لأ.

لتصرخ "فريدة" ودمعاتها متوسلة:
ليه...؟!
ليه بتكرهني كده؟!
عارفة إني طول عمري قاسية عليكم كلكم... ودايما بفكر بغرور وتكبر... عارفة إني كنت بعامل أمك بجفاء وقسوة، بس والله عمري ماكرهتها،

لتنهار ببكائها وتتعالي شهقاتها:
عارفة إني رفضت جواز "حاتم" عشان كان تفكيري عقيم... كنت مقتنعة إنكم لازم تتجوزوا بنات بشوات وناس يكون عندها أصل... كان إسم العيلة عندي أهم حاجة، حتى لو بناتهم مش مناسبين ليكم ولا يقدروا يصونوكم... .
عارفة إني طردته من القصر، وخيرته بينكم وبينها، بس هو إختارها هي.

بس... بس... كلهم سامحوني، والله أنا بحبكم... لكن طريقة حبي ليكم كانت غلط.
كلما زاد بكائها وتوسلها، إنكسارها وضعفها، كلما زاده إنتصارًا وكبرياءًا
فيرمقها بنظراته النارية، مقتربًا من أذنها، ضاغطًا على كل حرف يهمس به:
وأبويا، وعمي، ومرات عمي؟!
ليتركها مغادرًا بعدما ألقى قنبلته الموقوته.
تلمست طريقها لأقرب مقعد لترتمي عليه بإنهيار كامل لقواها، وكانت دمعاتها سبيلها الوحيد لجلد نفسها آلاف الجلدات.

كلية الإعلام... جامعة القاهرة - كافيتريا الجامعة
طاولة بلاستيكية صغيرة يلتف حولها أربعة من الكراسي البلاستيكية أيضا، تحتل "همس" أحدهما وعلامات الضيق والإستنكار تنهش ملامحها بالكامل، تتابع ساعة هاتفها بين الحين والآخر، لتزداد زفراتها الحانقة إشتعالًا.

إقتربت منها " هايدي" بإبتسامتها البلهاء، حاملةً بين يدها صينية تحوي بعض سندوتشات الشاورما والعصائر، لتضعها أعلى الطاولة، جاذبةً مقعدها لتجلس، ولكن يوقفها صرخات التوبيخ والإمتعاض من "همس":
كل ده بتجيبي أكل؟!
أومال لو كنتي بتعمليه كنتي قعدتي قد إيه!
إنتي عارفة إني مابحبش أقعد لوحدي كتير.

إتسعت مُقلتاي "هايدي" بصدمة من صراخها، لتجلس مستنكرة، ملتقطة أحد الساندوتشات وبدأت بإلتهامها بتلذذ، لتبتلع طعامها، متناولة بعض من العصير، لتردف بإستنكار:
قولتلك تعالي معايا نجيب الأكل، قولت لأ الدنيا زحمة، أعملك إيه تاني يابت إنتي؟!

لتجذب "همس" الصينية أمامها، وتتناول هي الأخرى طعامها بملل، كثيرًا ماراودها بالأونة الآخرة، مردفةً:
مش عارفة يا "ديدا" والله، بقالي فترة متضايقة ومخنوقة وبتعصب على حاجات تافهة... أغلب الوقت بحس بضربات قلبي سريعة ومش مظبوطة...و ماما بتتحايل عليا أروح لدكتور.

لتنضم إليهم "ضحي" وهي تلهث بإرهاق شديد، وضربات قلبها تصم أذنها وتتسلل لمسامع "همس" و "ديدا"، فتجذب مقعدًا وترتمي عليه في محاولة لإلتقاط أنفاسها المتقطعة، لتهتف "همس" بنبرة قلقة:
إهدي يابنتي... مالك؟!

إلتقطت "ضحى" كأس العصير لتتجرعه دفعة واحدة وتنزله عن فاهها فارغًا تمامًا، فتضعه مكانه بهدوء، مردفةً:
كلب كان بيجري ورايا وكان مُصر يعضني، لولا واحد إدخل وحل المشكلة بينا،،
لتُكمل بأسي: كان زماني مرمية دلوقتي في مستشفى الكلب.

تبادلت "همس" و" ديدا" النظرات المحذرة، فهما يعلما مدى ذعر "ضحى" من الكلاب حتى وإن كان جرو صغير، لتتعالي ضحكاتهما الساخرة بشكل مفاجئ، فلم يستطيعها كبتها والتحكم بذمامها أكثر، فترمقهم "ضحى" بنظراتها الحانقة، رافعةً يدها في السماء داعية بقوة:
يارب أشوف كلب حقير يفرج عليكي الجامعة كلها منك ليها.

لتجد من يقتحم مجلسهم بإبتسامته العذبة، ووسامته المُهلكة للبعض، مطوفًا ملامحها بنظراته الوالهة، ليحمحم بهمس:
السلام عليكم... ممكن لحظة من فضلك يا أنسة "همس"؟

إتسعت حدقتاها بصدمة، سُرعان ماتحولت لغضب جامح، لتهب من مقعدها بعصبية، صاكة على أسنانها، فإردافٍ:
أفندم؟! جاي ورايا الجامعة كمان!
وبعدين عرفت منين كليتي؟!

همس ذلك الزائر متلعثمًا:
عايز... عايزك... في موضوع مش هيستغرق أكتر من عشر دقايق، وبعدها همشي على طول.
تميل "ضحي" بجذعها نحو "ديدا" لتقترب من أذنها هامسةً:
أهو الصاروخ ده اللي أنقذني من الكلب، بس ده يعرف "همس" منين؟!، وليه بترد عليه بغلاسة كده؟!

لتتنهد "هايدي" هائمة في ذلك الوسيم، وتهمس:
فعلًا... يخربيت جمال أمه! ... مش عارفة الجزمة دي بتعامله برخامة كده ليه؟!
وفعلا.. تعرفه منين؟، أول مرة أشوفه!

بينما رفعت "همس" سبابتها في وجهه محذرة بضيق بدأ يُغلف نبرتها:
لو سمحت أنا مابكلمش حد في الجامعة، خصوصًا لوحد ماعرفوش، وأنا معرفكش، فلو سمحت بهدوء كده من غير ماتلفت نظر الناس لينا... إمشي.
كاد أن يتفوه بكلماته، ليجد لكمة قوية هوت أعلى فكه،فدفعه للخلف بقوة، كاد أن يسقط على إثرها، ليصرخ من لكمه بغضب:
قالتلك إمشي، إيه.. مابتفهمش؟ !

حرك "أحمد" فكه يمينًا ويسارًا متلمسًا إياه بأنامله، ليكور قبضته وينهال باللكمات على ذلك المتطفل، لتبدأ الحرب بينهما بضراوة، فيلتف حولهما جميع من بالجامعة في محاولة للفض بينهما. وتبدأ الهمهمات، والعبارات الساخرة، من تلاحم شابان من أجل "همس" التي تتصنع البراءة والمثالية.
ليجتمع أمن الجامعة لإصطحابهم إلى مكتب مدير الأمن والتحقيق معهم جميعًا.

شقة "حاتم"
فتح بابها بهدوء، ليتسلل على أطراف أنامله، باحثًا عنها بعيناه في أرجاء الردهة، إلا أنه لم يجدها، ليخطو نحو غرفة نومهما، فيدلف إليها و يجوبها بنظراته، لكنها أيضا خاوية، فيكمل تسلله إلى المطبخ، ليجدها تُعد الطعام بإندماج، موليةً إياه ظهرها بذلك الفستان القصير المُهلك، عاري الظهر، وشعرها المرفوع بعشوائية، مُدندنة مع كلمات أغنية لفيروز، فيقترب منها بهدوء، محتضنًا إياها من ظهرها بذراعيه القوية. إنتفض جسدها بقوة بين يديه، ليشدد من إحتضانها، هامسًا:
هششششش... أنا.. متخافيش.

زفرت زفرة قوية، لتطرد معها توترها، مستديرةً بكامل جسدها بين ذراعيه، وذراعيها تعلو قليلًا لتحاوط عنقه. إبتسامتها العاشقة، ونظراتها المتيمة، وتوهجها البراق، زادها إغواءًا، لتهمس بنعومة:
طب ينفع تخضني كده؟!، حرام عليك كنت هموت من الخضة.

رفع سبابته أعلى شفتاها ليخرس حديثها الأحمق، هاتفًا برعب من مجرد تفوهها بتلك الكلمة:
بعيد الشر عنك ياعمري، ماتقوليش كده تاني، فاهمة.
ذابت ببحور عيناه الوالهة، لتجذب يده بعشق، وتقبل باطن كفه مغمضة عيناها للحظات، لتصك عقد ملكيته الدامغة له.
ليرفع هو الآخر يدها نحو شفتاه بغرام، ليقبلهما بعشق وُصم قلبه به، وتحدي به من أجلها قوانين جدته، وأختار العيش في محراب عشقها المتيم.

ليخرجهما من عالمهما، رائحة ذلك الطعام المحترق حريق..
هل إحترق من لهب الموقد، أم من إلتهاب مشاعرهم الجياشة؟!
فتصرخ "منة" ( فتاة جميلة، كانت تعمل سكرتيرة لدي "حاتم" بالمجموعة، فإشتعلت بينهما شرارات الهوى، ليتقدم لخطبتها، لكن "فريدة" هانم رفضت تلك الزيجة، فترك القصر وأخوته والمجموعة، وأختار عشقة):
يانهار... الأكل إتحرق.

لتحاول جذب الإناء بيدها العارية، فيمنعها "حاتم" ويدفعها بعيدًا، جاذبًا هو الإناء بيده، فتحترق بقوة وآلم .
نفض "حاتم" يده بالهواء بألم صامت، فمازالت تلك الإبتسامة تزين وجهه العاشق.
لتجذب "منة" يده نحوها بصدمة، وتبدأ تبريدها بأنفاسها المشتعلة، ودمعاتها الحارقة، لتركض نحو الثلاجة جاذبة بعض مكعبات الثلج، وتضعها على يده، صائحةً ببكاء:
ليه كده يا"حاتم"؟!، أهو إيدك إتحرقت.
لتتعالي شهقاتها، وتزداد دمعاتها الحارقة لقلب ذلك العاشق، فتهمس بأسي:
بتوجعك؟!

جذبها إلى أحضانه بحنان، مقبلًا جبينها بعشق، و مشددًا من إحتضانها بيده المصابة:
لا ياحبيبتي مش بتوجعني، وحاضنك بيها أهو، يعني سليمة.
أزال "حاتم" دمعاتها المنهمرة، بأنامله المحترقة، ليزداد ألمه الدفين أضعافًا، فيهمس بثبات:
يلا إلبسي... عشان نخرج نتغدا بره.
فتقبل وجنته بسعادة، وتركض مهرولة، نحو غرفتها لتبدل ثيابها، وهي تردف:
هواااا... وتلاقيني جاهزة.

أخيرًا صارت لديه القدرة على إظهار ألمه الشديد، فتتحول ملامحه لكتله متألمة، فيجذب قطع ثلج إضافية ويضعها على ذلك الحرق، باحثًا بأدراج المطبخ عن ذلك الكريم المخصص للحروق، لكن لم يستطيع إيجاده.
لتهتف "منة" بسعادة: أنا جهزت.

إلتفت نحوها بوله، فما هذا الملاك الرقيق بفستانها الأبيض الطويل، وخصلات شعرها المنسدلة بحرية، وشذاها المُسكر لجميع حواسه، ليهمس:
إيه القمر ده؟!
فتشتعل وجنتاها خجلًا، لتهمس:
بطل غلاسة بقا..، ويلا نمشي.
تتعالي ضحكاته الرجولية هاتفًا:
أوك... يلا بينا.

قصر السيوفي
دلفت سيارة "حمزة" إلى القصر، ليتوجه إلى المرأب، ويصف إياها، مترجلًا عنها بهدوء.
ليجد سيارة "هيا" تتوجهه نحوه، فيستند بجذعه على سيارته عاقدًا ذراعيه فوق صدره، وتلك الإبتسامته العاشقة تزين ثغره الأسمر، فتزيد دقات قلبه المتيمة .

صفّت سيارتها، وتترجل عنها بإبتسامتها الجادية، وعيونها الرافضة لمواجهة حدقتاه، فتقترب منه بهدوء وهي تلهو بمفتاح سيارتها، مردفةً بثبات:
"حمزة"!
إزيك... إيه الأخبار؟!

إتسعت إبتسامته، ليغمرها بنظراته المشتاقة، قائلًا:
الحمد لله تمام... وإنتي أخبارك إيه؟
أومأت برأسها، مردفةً:
تمام... بعد إذنك.
لتغادر المرأب بخطوات ثابتة، واثقة متوجهة إلى القصر، متنهدة بإنتصار لإظهارها قوة تخالف ضعفها نحوه، وعشقها له.

دلفت إلى القصر، روح أوشكت على الإنهيار، وقلب كاد أن يتمرد على قسوتها، لتخطو بشرود، فتغفل عن نداءات "نجلاء" وترحيبها، فتهتف بصوت أعلى نسبيًا:
"يوكا" "يوكا".

إنتفضت بقوة من شرودها، وتلتفت نحوها بتعجب:
"نوجا"!
لتقترب منها بإبتسامة باهتة، ونظرات زائغة، مردفةً:
إزيك يا"نوجا" إيه الأخبار؟

تعجبت "نجلاء" من حالتها تلك، لتلمح "حمزة" دالفًا إلى القصر ولكن على النقيض تمامًا منها فإشتعال حدقتاه بنيران غضب يلفح لهيبهما وجنتاها، لتبتسم إبتسامة ماكرة، وتهتف:
"حمزة" تعالي ياحبيبي.

زفر بقوة، ليفرك وجهه بيده بحنق، هامسًا:
إستغفر الله العظيم.
ويتجه نحوهما بإبتسامته المتهكمة:
نعم ياماما، أؤمري ياحبيبتي.

لتستشعر إرتجافة خفيفة بجسد "هيا"، وهروب نظراتها اللامعة.
لتردد بثبات:
مفيش ياحبيبي... كنت هقولك الغدا جاهز، يلا عشان نتغدا.
حمحمت "هيا" بتوتر:
معلش يا"نوجا" أنا شبعانة مش هقدر أتغدا معاكم، بعد إذنك.

لتركض إلى غرفتها هاربة من مواجهة ذلك الصوان الذي لانَ وتفجرت منه ينابيع العشق المتيم.
فيتبع أثرها بنظراته المتألمة، فهل أصبحت تمقته بعدما بدأ عشقها يسري بشريانه؟!
أم أنه كان يتوهم، وهي لم تعشقه قط؟!

إقترب "حمزة" من والدته، مقبلًا جبينها بحنان، ليتنهد بلوعة، ويغادر قاصدًا غرفته.
راقبت أثر إبنها المُعاني لمرارة العشق، لتجد "خالد" يضع ذراعه أعلي كتفها ويضمها إلى صدره بمشاكسة:
الجميل أكيد سرحان فيّا... صح؟

ربتت على يده بحنان، مبتسمة:
أكيد يا"لودي" أنا عندي أغلى منك أفكر فيه.
المهم... عامل إيه في العلاج الطبيعي، ولسه لك كم جلسة؟

إستند بيده على عكازه الطبي، واليد الأخرى على كتف "نجلاء" ليتجها نحو أحد الأرائك، مردفًا:
الحمد لله.. فيه تحسن كويس ولسه حوالي أسبوع وكل حاجة تبقى طبيعية.
لتهمس برضا:
الحمد لله ياحبيبي.

طافت نظراته القصر كاملًا، لتعتلي علامات الإستنكار وجهه، ويردف:
مش ده ميعاد غدا ولا أنا بيتهيألي؟!
أومال فين أهل البيت، وفين "فريدة" هانم؟!
دي مواعيد الأكل عندها مقدسة، وعمرها ما خلفت ميعاد.

لتضرب "نجلاء" جبهتها بتذكر:
يانهار أبيض... ده أنا نسيت ماما خالص، دي خرجت من الصبح ولسه مارجعتش.
عقد "خالد"جبينه بإستنكار، رافعًا شفته بتعجب:
من الصبح ولسه مارجعتش؟!
طب إتصلي بيها.

لتهتف وهي تلتقط هاتفها:
هعمل كده حالًا.
وتحاول الإتصال بها ولكن هاتفها مغلق. تحاول مرة أخرى وأخرى وأخرى، ولكن كانت الإجابة نفسها، فالهاتف ربما يكون مغلق.

هتفت "نجلاء" بصدمة يغلبها الإستنكار:
يعني إيه مغلق؟!
دي عمرها ماعملت كده! أكيد فيه حاجة غلط.
ليتسلل القلق والتوتر إلى قلبها، فتنهض من مقعدها، وتجول بردهة القصر مكررة محاولات الإتصال، لكن دون جدوى...

غرفة "حمزة"
دلف "حمزة" إلى غرفتة وقد تملك الغضب من كيانه، ليصفع بابها خلفه بقوة.
يأكل الأرض ذهابًا وإيابًا ودمائه أوشكت على الغليان، ليتوقف أمام مرآته ويرمق إنعكاسه بغضب، صائحًا:
كل ده كان في خيالك المريض، "هيا" عمرها ماحبيتك ولا هتحبك، وإنت بالنسبة لها مش أكتر من أخ، زيك زي "ثائر" بالظبط.

فيردف إنعكاسه بعشق:
بس قلبي دق عشانها... دي رجعت الحياة ليا تاني... الصوان لان وداب بين إيديها، وهي في حضني حسيت إحساس عمري ماحسيته ولا هحسه تاني.
ليصرخ "حمزة" بغضب:
فوق من أوهامك، فوق .

ليهتف إنعكاسه بغرام:
دي مش أوهام، "هيا" بتحبني... أنا حسيت بحبها، وشوفت ده في لمعة عنيها، فـ لهفتها عليًا... حضنها بالنسبالي وطن.
فيلتقط زجاجة عطره، ويُلقيها في ذلك الإنعكاس الأحمق كي يخرسه، ويخرس صرخات قلبه المُلتاع.

غرفة "هيا"
دلفت إلى غرفتها، لتغلق الباب خلفها بهدوء وتوصده جيدًا بالمفتاح، لتسمح أخيرًا لجسدها بالإنهيار، فتهوي أرضًا ويهوي معها قلبها الجريح، وتسيل دمعاتها أنهارًا.
تكور قبضتها، لتلكم موضع قلبها بقوة وغضب، صارخة:
كفاية... كفاية... هتفضل كده كل ماتشوفه تضعف و تذل نفسك ليه؟!

وهو مش شايفني غير أخت ليه، يعني أخته وبس.
كفاية تتعبني معاك، كفاية وجع... كفاية تعشمني بحب مش موجود أصلًا... مش موجود غير في خيالي المريض...
عمره مالمح لي بحبه... طول عمره بيعاملني أخت مش أكتر.

لتزداد لكماتها وشهقاتها المدمية:
إنت السبب... إنت اللي بتدق عشانه... إنت اللي بتحس بيه قبل ماتشوفه... إنت اللي بتحس بوجعه وبفرحه... إنت اللي بتعذبني... إنت اللي بتوجعني.
كفاية تحبه أرجوك... إنساه عشان أقدر أعيش حياتي... كده بموت بالبطئ.
كفاية... كفاااااااية.

برلين... ألمانيا
وصلت مروحية "ثائر" الخاصة إلى العاصمة الألمانية برلين، لتهبط إلى أرض المطار الدولي.
إستقام "ثائر" بوقفته، ليودع المضيفة بإبتسامة مجاملة، مغادرًا المروحية ويهبط الدرج بشموخه وكبريائه، يخطو خطوات هي للثقة مفهوم بغموضه وتحديه السافر.

بعد إتمام إجراءات دخول الدولة الألمانية، غادر المطار بيده حقيبة حاسوبة الشخصي فقط، فهي لايحتاج سواها فقصر "السيوفي" ببرلين لا ينتقصه سوي وجودهم به، ليجد سيارته الخاصة بإنتظاره، فيهرول مسرعًا ليفتح باب السيارة الخلفي.

إستقل "ثائر" سيارته، ليستقلها السائق هو الآخر، وينطلق قاصدًا قصر السيوفي.

فتح "ثائر" حقيبة حاسوبه، ليلقطه بإهتمام ويقوم بتشغيله لإتمام بعض الأعمال المُعلقة بإحترافيته المعهودة فهو أحد أقوى رجال الأعمال القلائل بالمنطقة.
فيرسل بعض الإيميلات الخاصة بالصفقة الأخيرة، ويتلقي آخرى.
ويراجع بعض الملفات، ويتابع فروع الشركة حول العالم بكامل تركيزه وطاقته، ليتسلل إلى مسامعه صرير عجلات سيارة قوي، فتستنفر جميع حواسه وخلاياه، ليلتفت خلفه فيجد ثلاث سيارات جيب سوداء تطارد سيارته بإصرار، فيشتعل جحيم الإنتقام بحدقتاه، وتزداد عروقه نفورًا.

إلتفت إلى السائق صارخًا بصرامة:
دوس بنزين، وبأقصي سرعة.
ليستجيب السائق لأوامر سيده، وبالفعل ينطلق بأقصي سرعة متاحة للسيارة.

دوى أصوات طلقات نارية موجهه صوب السيارة، فينطلق السائق ويراوغ، لتجاوره سيارة من الثلاث وتصوب الرصاص بكثافة نحو "ثائر" وسائقه.
فتستقر إحدى الرصاصات برأس السائق، فيفقد السيطرة على عجلة القيادة، وتبدأ السيارة بالترنح والإختلال.

رفع "ثائر" جسده ونيران الغضب تزداد إشتعالًا، وحجيم الإنتقام يستعر دون شفقة، ليدفع بجسده إلى المقعد الأمامي ليتولي عجلة القيادة، بعدما نحي السائق جانبًا، لتبدأ مطاردة أقوى وأشرس، بين ذلك الوحش الثائر، وبين هؤلاء.

تمكن "ثائر" من التحكم بعجلة القيادة بمهارة وإحترافية، لتبدأ المراوغة والمطاردة بأصولها.
راوغ بمهارة وسرعة فائقة، تطارده السيارات بإصرار أكبر وشراسة أكتر.
ليستدير بسيارتة المصفحة كليّا فيكون بالمواجهة، وينطلق هو بغضبه الشيطاني صوب أهدافه المتحركة.

إصطدم بإحداهما بقوة إندفاعه ليدفعها أمامه لمسافة ليست بالقليلة، ويتراجع قليلًا ثم يندفع بأقصي سرعته، فيصدمها بقوة، فتنقلب بالهواء وتتطاير بعيدًا.

زاد هذا من ضراوة المطاردة وحقد الآخرين، ليزداد إصرارهم على النيل من ذلك "الثائر".
فيزداد إنتشائه للإنتقام، ويزداد حجيمه إستعارًا،

طارد اَخري بإصرار، وإلتقط سلاحه من أسفل مقعد السائق، ليبدأ بإطلاق النار بضراوة على إطارات السيارة، فتتطاير هي الأخرى بالهواء وسرعان ماإستقرت أعلى أحد السيارات.
إزداد غضب المجموعة الأخيرة، ليزداد إصرارهم وإطلاقهم للرصاص، لكن قد نفذت رصاصات سلاح "ثائر"، يُلقي السلاح بالمقعد الخلقي ليتمكن من عجلة القيادة.

بدأت السيارة الأخرى بالإصطدام به، مرة وأخري و أخرى لتدفع سيارته تجاه السور الحديدي للجسر، وتتراجع السيارة للخلف كثيرًا، منطلقةً نحوه بأقصي سرعة لتطيح بسيارته من أعلى هذا الجسر...

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية