قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل الرابع والعشرون

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل الرابع والعشرون

حالة من الصدمة والذهول إجتاحت أوصاله، أكل الأرض ذهابًا وإيابًا مشددًا على خصلات شعره بقوة، ذرات عقله رفضت الإستسلام لذلك الواقع المرير فمجهود إخوته لسنوات طويلة أصبح بمهب الريح.

ليُلقي جميع ما بسطح مكتبه أرضًا، ويحمل ذلك المقعد الجلدي فيُلقيه بزجاج النافذة ليتطاير شظايا كشظايا قلبه وعقله، حالة من الغضب والصدمة عجز العقل عن تحملها، فأصابته حاله من الشلل لجميع أفكاره.

غلت دماؤه وإشتعلت ، ألسنة اللهب ينفثها بقوة مع صراخات قلبه وعقله. ليلكم الحائط بقبضته عدة مرات حتى سالت دماؤه وتساقطت بأرضية الغرفة، ويصرخ بقوة :
-آآآه...... يا الله.... مين عايز ينتقم مني بالشكل ده؟....
إزاي قدروا يدخلوا المكتب ويسرقوا الورق من غير ما أحس بيهم؟!!!
أنا غبي... غبي....

لتلمع عيناه ببريق الغضب، ويشرد قليلًا متذكرًا تلك الكاميرات، ليركض مهرولًا نحو غرفة التحكم، فيجد فرد الأمن مرابضًا بمقعده يراقب الشاشات بتركيز وإنتباه شديدين.

دفعه "حمزة" بمقعده ليُزيحه بعيدًا عن الشاشات صارخًا بقوة :
-عايز تسجيل الكاميرات اللي قدام مكتبي لآخر ساعة.
نهض المراقب من مقعده بصدمة، هاتفًا بإرتباك غلف أحرف كلماته :
-تحت أمر حضرتك يا "حمزة " بيه.

وضغط عدة أزرار بلوحة تحكم حاسوبه، ليُعيد تلك اللقطات ساعة للخلف، لتتسع حدقتي "حمزة" صدمة، فيهتف بصرامة :
-هات تسجيل كاميرات الجراج لآخر ساعة.

إنصاع المراقب لأوامر سيده وبدأ بتأخير تسجيلات كاميرات المرأب، ليتحول شك "حمزة" إلى يقين فجميع الكاميرات لقطاتاتها ثابتة لمواقع تسجيلها، فمكتب "حمزة" بحالته الهادئة، ورواق المكتب لقطته ثابتة، حتى المرأب أحداثه ثابتة.
ليحمل تلك الشاشات ويلقيها نحو الحائط بجم غضبه، صارخًا بقوة :
-يا ولاد الكلب...

ويفرك ملامح وجهه بيده التي رسمت عروقها طريق الإنتقام ومهدته، ليركض نحو تلك الفتاة فهي مفتاح حل هذا اللغر، أو هذا ما كان يعتقده.

المرأب.
ضمت ساقيها نحو صدرها بذعر أرجف أوصالها بقوة لتتخبط بذلك العمود الخرساني، أنفاسها تقطعت بإستسلام، دمعاتها سالت فيضانًا، لتجد من يقترب منها ويكمم أنفاسها بيده، لتتسع حدقتاها رُعبًا، وتصرخ بأنين مكتوم، لتجد من يهمس إلى جوارها :
-هششششش.. إهدي.

لتلتفت نحوه بسعادة غريق تعلق بقشة النجاة ويطمئن قلبها هامسة براحة :
-"سيد".
أبعد بيده عن أنفاسها، ليبدأ بحل وثاقها مهرولًا. إتكأت على ذراعه لتستقيم بوقفتها مردفةً ببكاء :
-الحمد لله إنك لحقتني، كنت هموت من الخوف.

جذب يدها، ليردف بصوت يكاد يكون مسموع :
-يلا قبل ما حد يشوفنا... يلا.
وركضا سويًا ليغادرا المرأب، فتطأ أقدام "حمزة" بتلك اللحظات أرضية المرأب باحثًا عنها بشظايا بركانية تتطاير من حدقتاه لكنها قد غادرت المكان متلاقطة أنفاسها بقوة، لتحمد ربها على النجاة من براثن ذلك الأسد الكاسر.

هوي بمقعده بإستسلام لتدوي أصداء كلماتها التي أحرقت قلبه ونثرت رماده بعاصفة قوية أطاحت به بين وديان اليأس والإستسلام، نظراتها اللائمة، إنكسارها الذي إستوطن مقلتاها، مشهد تكرر عشرات المرات أمامه

- هنزل من هنا على بيت بابا...
تلك الكلمات الأخيرة نخرت روحه المطعونة، ليهب من مقعده بعزيمة على اللحاق بها والتوسل إليها بالبقاء فوجودها إلى جواره إكسير الحياة له.
خطى بخطوات واسعة، ليستقل المصعد ويضغط زر الهبوط أو ربما زر النجاة أو الموت.

لحظات وكان ببهو القصر يبحث عنها بعينيه المشتاقة لملامحها التي أضائت عالمه وأشرقت شمسه الدافئة.
ليخطو نحو والدته التي تجلس أعلى إحدى الأرائك تتصفح بعض المواقع الإلكترونية، ليردف بلهفة :
- "همس" فين يا ماما؟...

رفعت عيناها نحوه بدهشة مردفةً بتعجب :
-"ثائر"!!... إنت هنا من إمتى؟!!
أردف مقاطعًا لكلماتها :
-هنا من بدري يا حبيبتي، ماشوفتيش "همس"؟

حركت "نجلاء" رأسها نافيةً قبل أن تردف :
-لأ يا حبيبي، آخر مرة كانت معانا لما كنا بنودع أهلها، وبعدين مشيت هي و"هيا".
ركض نحو حديقة القصر وبعض القلق قد تسلل إلى أوردته ، ليبحث عنها بعينيه في جميع أركان الحديقة، ليصرخ مُناديًا مسئول أمن البوابة الرئيسية الذي أتى إليه مهرولًا، فهتف بصرامة :
-ماشوفتش "همس" هانم؟

أردف الرجل بثبات وعملية :
-الهانم خرجت تقريبًا من نص ساعة، قولتلها أبعت حد معاكي بالعربية، مردتش عليّا ومشيت.
هنا قبض "ثائر" بيده القوية على ياقة كنزة ذلك الرجل، ليجذبه نحوه صارخًا بغضب :
-مخرجتش الأمن وراها ليه؟.... إزاي تسيبها تخرج من غير حراسة يا متخلف إنت.

وركض نحو سيارته، ليستقلها منطلقًا بأقصي سرعة تمتلكها السيارة وسط دهشة الجميع الذين تجمعوا بالخارج لإستكشاف أسباب إرتفاع صوت ذلك الثائر، لتردف "هيا" بإستنكار :
-فيه إيه يا طنط ؟!!!... أبيه "ثائر" ماله؟!!
أجابتها "نجلاء بملامح قلقة :
-مش عارفة يا بنتي ، بيدور علي" همس"، والأمن بيقول إنه شافها خارجة من القصر بقالها نص ساعة تقريبًا.

ضيقت " هيا" عيناها بدهشة، مردفة بإستنكار :
-" همس"!!!... " همس" كانت معاه أصلًا.
لتهتف "ضحي" بقلق :
-مالها "همس" يا طنط؟.

وإلتقطت هاتفها، محاولة بالإتصال بها دون إنتظار رد "نجلاء"، لكن من جاوبتها تلك الحمقاء التي تؤكد لها بأن الرقم المطلوب ربما يكون مغلقًا أو خارج نطاق التغطية.
أبعدت " ضحي" الهاتف عن أذنها لتحاول الإتصال بالرقم مرة أخرى، فتصل لنفس النتيجة فقد أغلقت هاتفها وتوارت عن الأنظار.

دمعات خفيفة بدأت تستوطن مقلتاها، لتتمرد إحداهما مُعلنة قلقها وخوفها على صديقة عمرها وأختها التي لم تلدها أمها، لترمق "خالد" بنظراتها المتوسلة مردفةً بحشرجة :
-"همس" يا "خالد"..... أنا عايزة صاحبتي.

جذبها "خالد" نحو أحضانه ليحاوطها بذراعه القوية مربتًا عليها بيده الأخرى ليبث إلى قلبها بعض الإطمئنان مردفًا :
-ما تخافيش يا حبيبتي "ثائر" هيلاقيها وأكيد هي كويسة.
ورفع أنظاره المتوترة نحو "نجلاء" مردفًا بإستنكار :
-يعني إيه بقا بيدور علي "همس"، إيه اللي حصل و أجبرها تمشي لوحدها في الوقت ده.

هتفت "فريدة" وعلامات القلق قد كست ملامح وجهها ببدخ :
-إتصل بـ "ثائر" يا "خالد" خلينا نفهم إيه اللي حصل.
إلتقط "خالد" هاتفه من جيب سرواله ولازال يضم معشوقته إلى صدره، ليحاول الإتصال بذلك الثائر الذي رفض إتصاله، ومع كل مرة يحاول بها "خالد" الإتصال به يعاود "ثائر" رفض الإتصال. ليزفر "خالد" بقوة، هاتفًا بحنق :
-بيكنسل عليّا، ده إسمه تهريج يفهمنا الأول الحكاية وبعدين يبقى يكنسل براحته.

لتهتف "منة" بشك :
-ممكن يكونوا إتخانقوا ولا حاجة، و "همس" زعلت وقررت تسيب القصر وتروح بيت أهلها.
هتف "فريدة" بنبرة حادة :
-إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟...
"همس" بنت عاقلة وهادية عمرها ماتفكر بالشكل ده، و"ثائر" بيحبها وبيخاف عليها عمره ما يقدر يزعلها، وبعدين دول عرسان لسه في شهر العسل.

أردفت "منة" بتهكم :
-أنا قولت حاجة يا تيتة، بقول ممكن، يعني إحتمال.
لتلوح "فريدة" بيدها في الهواء، مردفةً بتحذير :
-مش عايزة أسمع كلام في الموضوع ده لحد ما "ثائر" و "همس" يرجعوا بالسلامة.
بينما كانت "ملك" تتابع مايحدث بصمت، دون أن تنبس ببنت شفة.

سيارة "ثائر".
إنطلق بسيارته بغضبٍ يبّس أطرافه، ليطوف الطرقات بنظراته النارية راجيًا من الله أن يجدها. حاول الإتصال بها مرات عديدة، لكن هاتفها مازال مغلقًا، ليلكم عجلة القيادة بقوة، صارخًا :
-ليه يا "همس"؟!! ... ليه تبعدي في عز ما أنا محتاجلك؟
أنا ما صدقت لقيتك، أرجوكي إرجعي... إرجعي "همسي".

لازالت نظراته المترقبة لرؤيتها تطوف الطرقات الخاوية من المارة، فذلك التجمع السكني الذي يضم قصور الطبقة المخملية من المجتمع لا يرتجل أحدًا بطرقاته، فالجميع به يمتلك أساطيل من السيارات الفارهة.

واصل تقدمه بحثًا عنها إلى أن وصل إلى ذلك الحي الهادئ الذي تقطنه من أسرت الفؤاد وأهلكته برحيلها، لكن لازال بحثه دون جدوى فلم يلمح طيفها حتى يطمئن قلبه.
ليصف سيارته أمام تلك البناية التي كانت تسكنها مع أهلها، ويترجل عنها مهرولًا ليدلف إليها بلهفة المشتاق لذرات هواءٍ تُحيه وتأخذ بيده من عالمه المظلم.

إستقل المصعد للحظات مضت عليه كالدهر، فدقات قلبه تتلاطم وتستغيث، أنفاسه اللاهثة تتوسل لنسيم أنفاسها الدافئة، عروق وجهه النافرة لتسابقه بالبحث عنها، أصداء كلماتها يدوي بمسامعه :
-هنزل من هنا على بيت بابا...
هنزل من هنا على بيت بابا...
لتصرخ جميع وظائفه الحيوية مستغيثة لرؤياها.

أخيرًا توقف ذلك المصعد اللعين لتنفتح أبوابه مُعلنةً عن مواجهة متوقعة.
أيكون أهلًا لها؟... أم سينسحب دون خوض تلك المعركة؟

طرق بابها بدقاته الرزينة، لينتظر لحظات حتى أتي "عبد العزيز " فاتحًا الباب بإبتسامته البشوشة، ليردف بحفاوة :
-"ثائر"... أهلا بيك يا إبني إتفضل.
دلف "ثائر" إلى الداخل بثبات ظاهري يناقض بركان القلق والغضب الذي يثور بين جدران قلبه، ليردف بإبتسامة :
-أهلًا بحضرتك يا عمي.

بينما ركضت نحوه "حنان" مردفةً بلهفة :
-"همس" كويسة يا إبني؟
هنا تيقن "ثائر" عدم قدومها إليهم، ليردف بإبتسامته الثابتة :
-الحمد لله يا طنط بخير، بس النهارده لما كنتم عندنا في البيت مقدرتش أشوفكم ولا أقعد معاكم عشان كان عندي إجتماع مهم.... عشان كده جيت أطمن عليكم وأعتذر منكم.

ربت" عبد العزيز " على كتفه مردفًا بحنو :
-ربنا يقويك يا إبني، أكيد إحنا مقدرين إنشغالك، ماكانش له لزوم تتعب نفسك وتيجي لحد هنا ، "همس" شرحت لنا إنشغالك بالإجماع المهم ده.

مجرد أن ذُكر إسمها إشتعلت نيران الإشتياق، نيران الخوف، نيران الذعر، نيران التساؤلات التي تفننت وألقت سهامها بجدران قلبه
أين ذهبت؟.... أيعقل أن يكون أصابها مكروه؟.... أتحول عشقها إلى غضب وإستياء؟
أتركت يده للأبد؟

تساؤلات مؤلمة عصفت بذهنه بلارحمة أو شفقة، بلا إجابة أو دليل. تأججت نيران قلبه وإشتعلت، لكن وجب عليه التظاهر بالقوة والثبات، لينتشله "عبد العزيز " من صراعات أفكاره مردفًا :
-إقعد يا إبني.

وإلتفت نحو "حنان" مردفًا :
-هاتي حاجة يشربها "ثائر" يا "أم همس".

همَّت بالإنصراف لإحضار بعض العصائر أو بعض المشروبات الساخنة لتستوقفها كلمات "ثائر" :
-مالوش لازمة يا طنط والله، معلش ياعمي لازم أستأذن "همس" مستنياني، أنا قولت آجي أعتذر لحضرتك بنفسي لأني مقدرتش أكون موجود معاكم النهاردة، بعد إذن حضرتك.

وإتجه نحو باب الشقة مغادرًا دون إنتظار رد "عبد العزيز "، الذي أردف بمودة :
-تسلم مجيتك يا إبني، مع السلامة.
غادر "ثائر"، وأوصد "عبد العزيز " الباب مستديرًا نحو "حنان" التي أردفت بسعادة :
-الحمد لله إن ربنا كرمنا بجوز بنت زي "ثائر" راجل محترم و بيفهم في الأصول، ربنا يحميه ويحفظه يارب ويرزقهم الذرية الصالحة يارب العالمين.
بينما تنهد "عبد العزيز " براحة، ليدلف إلى غرفته بعد أن أردف مؤمنًا على دعائها :
-اللهم آمين.

إستقل "ثائر" سيارته ليغادر ذلك الحي بقلبٍ ملتاع يئن من ويلات ألم الفراق والهجران. إلتقط هاتفه مرة أخرى ليحاول الإتصال بمن إقتلعت قلبه بقسوة فراقها فمزقته إربًا وأطاحت بشظاياه بأركان ذلك العالم القاسي، لكنه توصل إلى نفس الطريق الموصود فهاتفها ربما يكون مغلقًا أو خارج نطاق قلبه وهواه.

ليلكم عجلة القيادة بقوته صارخًا بإشتياق :
-إنتي فين يا حبيبتي؟.....
طمنيني عنك وبعدين إقفلي تليفونك.
وحشتيني يا "همس"، قلبي راح معاكي وسابني..... إرجعي.

وطرح رأسه خلفًا صائحًا بصوت إمتزجت أحرفه بوجع الفراق و لوعته :
-يااااارب...... ياااارب.

قصر السيوفي.
القلق والتوتر تمكن من قلوب الجميع، "فريدة" التي تمردت دمعاتها ولازالت تأكل الأكل ذهابًا وإيابًا في محاولات للإتصال بهاتف "همس" والوصول إليها.
"نجلاء" حالها لا تختلف كثيرًا عن حال "فريدة" بل تزيد، فشعورها بحدوث أمر ما من البداية، شرارات الغضب التي إختفت الآن من عيناه لتؤكد إنقشاع تلك الغيمة، وسطوع شمس عشقه المتيم....

أما "ضحي" فشهقاتها بدأت تتعالي تدريجيًا، دمعاتها إنهمرت كفيضان نهر غاضب في أعتي مواسمه، لتخترق خيوط قميص من إحتضنها بقوة، بل تخترق جدران قلبه وثنايا روحه.
شدد من إحتضانها مربتًا عليها بحنو، وهو يردد بترجي :
-خلاص يا حبيبتي إهدي، إن شاء الله هتكون كويسة، شوية هتلاقيها داخلة في إيد "ثائر".

إبتعدت عنه قليلًا، لتردف بأنفاس متقطعة :
-أهدا... دي "همس" يا "خالد"... "همس".
بينما دلف "حاتم" إلى القصر بملامح ثابتة سرعان ما تحولت إلى ملامح متجهمة ومندهشة من حالة من يقطنون به، ليردف مستنكرًا :
- فيه إيه؟!!!
حد جراله حاجة؟

نهضت "منة" من مقعدها لتتجه نحو زوجها مردفةً بتنهيدة حارة :
-"همس" سابت القصر، و"ثائر" خرج يدور عليها.

ليجد الجميع يركضون نحو من دلف خلفه وعلامات الفشل والإنكسار تنهش ملامح وجهه، لتهتف "ضحي" ببكاء كبّل لهفتها لصديقة عمرها :
-فين "همس"؟.... جاية وراك..... بالله عليكي تقوللي إنها جاية وراك.... قوللي إنك لقيتها.
خطواته الثابتة تتقدم دون التفوه بحرف واحد يُثلج قلوبهم، لتتشبث والدته بيده مردفةً بتوسل :
-طمنا يا إبني.... "همس" فين؟.

حرك رأسه نافيًا بحالة من اللا وعي لما يدور حوله، هامسًا :
-مش عارف.... "همس" سابتني.
ليجد من يجذبه بقوة، ويُديره نحوه صارخًا بغضب :
-يعني إيه مش عارف؟...
هاا... يعني إيه؟
البنت فين؟
دفعه "ثائر" بيده للخلف صارخًا بغضب أحرق أحرف كلماته :
-يعني مش عارف... يعني سابتني ومشيت.... يعني خسرتها للأبد... عرفت يعني إيه.

صرخ "حاتم" بقوة متهكمًا :
-راجل يا "ثائر" عرفت تحافظ على الأمانة اللي في رقبتك.... راجل يا صاحبي.
لتصرخ "فريدة" بصوت جهوري، فتُوقف تلك المهزلة، مردفةً :
-بس... كفاية.... مش وقت الكلام ده، "همس" لازم ترجع وبعدين نشوف قرارها إيه، بس نطمن عليها الأول.

بينما دلف إليهم "حمزة" جارًا أذيال الهزيمة، علامات الإنكسار تنهش ملامحه، فقد خان ثقة أخيه، لم يكن على أهل لتلك الثقة والمسئولية، قد يتسبب إستهتاره وتخاذله في ضياع مجهود إخوته لسنوات وسنوات.

إلتفتت إليه "نجلاء" بصدمة لحال إبنها، لتركض نحوه مردفة بلهفة :
-مالك يا حبيبي؟.
أنظاره الزائغة مثبتة نحو ذلك الثائر، ليزفر زفرة قوية مردفًا :
-مفيش حاجة يا حبيبتي... ما تقلقيش.
هتفت "نجلاء" مستنكرة :
-ماقلقش إزاي يعني؟!!!... إنت مش شايف شكلك.

تنهد "حمزة" بتوتر ولازالت أنظاره نحو من إئتمنه على إسم العائلة ومكانتها، ليردف بيأس :
-دي حاجة خاصة بالشغل يا حبيبتي.... ماتحطيش في بالك.
كلمة دقت ناقوس الخطر برأسه ليتذكر تلك الأوراق الهامة. رفع أنظاره نحو شقيقه لتتأكد شكوكه بتلك النظرات الزائغة التي تهرب بها "حمزة" من مواجهته. ليقترب بخطي ثقيلة كادت أن تدك الأرض تحت أقدامه، وأردف بفحيح :
-الورق؟ .

طرق "حمزة" رأسه أرضًا مغمضًا عيناه بأسي، ليجد تلك اللكمة القوية تطرحه أرضًا وسط ذهول الجميع، فقد سنحت له الفرصة للتنفيس عن غضبه، أو كما يُقال كانت تلك القشة التي قسمت ظهر البعير.
تلمس "حمزة" فكه موضع تلك اللكمة دون أن يُحدث أية ردة فعل، فحتى وإن قاتله "ثائر" فهذا حق مشروع له.

وإنحني "ثائر" نحوه ليجذبه من ياقته بغضب العالم أجمع، ليصبح مقابلًا له وينهال عليه بسيل من اللكمات مردفًا بلوعة :
-ليه؟..... ضيعتنا! .
بينما ركض نحوه "حاتم" و "خالد " لمحاولة الفصل بينهما، لكن ذلك الوحش الثائر دفعهما سويا للخلف وأكمل ما بدأ به وسط خضوع وإستسلام من "حمزة" الذي رفض حتى أن يرفع يده ليحمي وجهه الذي أصبح جمرة نيران تطفئها دماؤه الحارة.

صرخات "هيا" المتوسلة وهي تجذب يد "ثائر" بكامل قوتها :
-أرجوك يا أبيه سيبه.... كفاية.... كفاية.

لكنه بعالم آخر، عالم إنعزل به عن الجميع، عالم لايري به سوي إنهيار إمبراطورية "السيوفي". تلك الإمبراطورية التي إلتهمت سنوات عمره هو وإبن عمه، التي إلتهمت مجهود مُضني تعدي قدرة البشر، ليالٍ بأكملها إفترشون الأرصفة، غظائهم بها بعض الأوراق المُقواه الممتلئة بأتربة الطرقات.
سنوات إقتصدون بطعامهم وشرابهم ليطعموا من تعلق برقبتهم من أسرتهم، سنوات طويلة يصارعون ويتصارعون لأجل البقاء.

لحظة إهمال من إنسان غير مسئول ضربت بسنواتهم عرض الحائط، لتُعيدهم إلى نقطة الصفر ثانيةً.
لتقترب "نجلاء" بوجع، فتتوسط أبنائها وتكون فاصلًا لمعركة الطرف الواحد، لكن ذلك الثائر لا يرى أمامه سوي الإنهيار، لتنهار لكمته أرضًا حينما كادت أن تهوى على فك والدته.

زفر زفرة قوية ليردف بأنين مكتوم :
-ضيعت سنين عمرنا يا "حمزة".... ضيعت إخواتك وضيعت نفسك.... ضيعت والدتك وجدتك..... ضيعت كل حاجة يا "حمزة" ضيعت كل حاجة.

تهاوي "حمزة" أرضًا بوجع تخطي حدود الزمان والمكان..... وجع تجاوز طاقته... وجع أحرق قلبه بإنتصار. لتهوى معشوقته إلى جواره مربتة على كتفه بيدها المرتعشة ودمعاتها التي أحرقت روحها، لتردف بتوسل :
-أرجوك يا "حمزة" قولنا فيه إيه... أرجوك.

إلتفت نحوها بأعين مشتعلة ووجه كادت أن تنفجر دماؤه المحتقنة، ليردف بهذيان :
-عايزة تعرف فيه إيه؟
فيه إني إنسان فاشل ومستهتر، إنسان عديم المسئولية وهوائي، ضيعت شقا عمر إخواتك..... ضيعت كل حاجة يا "هيا"... ضيعت كل حاجة.
رمقته بنظراتها المستنكرة، مردفة :
-قصدك إيه؟!!! مش فاهمة.

نفض يدها بعيدًا عنه، لينهض واقفًا ويصبح مواجهًا لجميع أفراد أسرته، حتى تلك الزائرة التي أصبحت غير مرحب بها من البعض، ليصرخ بكامل غضبه وحقده :
-عايزين تعرفوا قصدي إيه؟
أقولكوا...
ضيعت صفقة بنشتغل عليها بقالنا سنة، ورق راهنّا عليه بكل فلوسنا وإسمنا مع ناس ما بتهزرش، ناس الغلطة معاهم بفورة.... بس إدعوا ربنا بس ماندخلش السجن وتيجي على قد إشهار إفلاسنا.

كلمات وقعت عليهم كعاصفة إقتلعت جذورهم بقسوة ليصبحوا وسط عاصفة قاسية تقذفهم بسراشة.
لتتهاوي "فريدة" على أقرب مقعد لها رافضة تصديق ما تفوه به "حمزة"، فأخذت تحرك رأسها برفض :
-لأ.... مستحيل الكلام اللي بتقوله ده.... لأ... لأ.

رمقه الجميع بنظرات إتهام، الجميع حاوطه بنظرات إدانة، ليقترب منه "خالد" بخطواتٍ مستنكرة، صائحًا:
-إنت بتقول إيه؟!!!... إيه الجنان ده؟
أكيد بتهزر... صح؟
ولى وجه عنه مغمضًا عيناه بلوعة لحال أسرته، ليجد لكمة أقوى بأضعاف تهوى على فكه، ليتلقاه "ثائر" بين ذراعيه القوية، رافعًا أنظاره نحو ذلك الغاضب الذي أردف بحروف من جحيم :
-تحكيلي على كل اللي حصل بالتفصيل.... ورايا على المكتب... يلا.

وخطى "حاتم" نحو غرفة المكتب ليتبعه "حمزة" و"خالد" و "ثائر"، ويترك "نجلاء" و "فريدة" والفتيات بحالة يرثى لها.... حالة من رفض ذلك الواقع المؤلم.

بينما دنت "ضحي" بجذعها نحو "هيا" التي لازالت تفترش الأرض بصدمة ألجمتها، لتجذبها لأعلى بيداها، فتصبح مقابلة لها
وتجذبها نحو أحضانها فتترك "هيا" العنان لشهقاتها التي أدمت قلب "ضحي" التي أخذت تربت على كتفها بحنان، لكن لا سبيل لكل هذا، فقد سبق السيف العذل أيها المقدام.

غرفة المكتب.
أكل "حاتم" الأرض ذهابًا وإيابًا ونيران الغضب والإنتقام تستعر وتتأجج. تفاصيل مؤلمة يسردها "حمزة" من بداية تلك الخدعة وظهور الفتاة، حتى مواجهة ليلة أمس وسرقة الأوراق.

توالت الصفعات التي هوت على رأس "خالد"... ألهذا الحد كان مستهترًا وبعيدًا عن إخوته؟!!
ليردف بغضب جامح :
-وليه ماقولتش من أول ما الحاجات دي بدأت تحصل معاك؟!!

صرخ "حمزة" بقوة مستنكرًا :
-أقول إيه؟!!..
أقول إن أخوكم إتجنن وبيشوف تهيآت.
أقول إني إضحك عليّا زي عيل صغير قالوله شوف العصفورة.
أقول إني كنت مستهتر وعديم المسئولية.
أقول إيه.؟؟

زفر "حاتم" زفرة قوية مردفًا بصرامة :
-الموضوع ده بيتخططله من زمان قوي، من سنة على الأقل... يعني الموضوع كبير ومش سهل.
نقاشات ثلاثية الأطراف محتدمة من الجميع وسط صمت وسكون لذلك الثائر....
أيعقل أن يكون سكون ما قبل العاصفة؟!!
أم هناك مايستحوذ على كامل عقله وقلبه؟!!!

شمس نهار جديد سطعت وأشرقت على قلوب أهلكتها الأوجاع، قلوب لم تجد للراحة سبيل، قلوب أحرقها الفراق والإشتياق، وقلوب أدماها الإنكسار والهزيمة.
قلوب إستسلمت لليأس، وقلوب صامدة. قلوب تحتوي لتُضمد جراح معشوقها، وقلوب أحسنت الإختيار. قلوب تمردت وقلوب هَوت.

غرفة "خالد"
دلف إلى غرفته لتتبعه بقلب مُزق أشلاء، قبضة قوية تعتصره بلا رحمة لغياب رفيقة دربها، ونار أقوى تحرقه لحال معشوقها وعائلته التي أصبحت عائلتها وعالمها الذي لطالما تمنت دفء أركانه منذ أن فقد والدها.
خطى نحو الأريكة ليسمح لجسده بالتهاوي نحوها بإستسلام، علامات الصدمة لازالت تسيطر على ملامحه وتكسوها بسخاء.

دفن وجهه بين كفيه بأنين مكتوم لتقترب منه "ضحي" وتجلس إلى جواره بألمٍ مزق ملامح وجهها بتحد سافر لسعادة تنحت جانبًا بإستسلام.
لتحتضن يداه بيدها الحانية، وتجذبها نحوها برقة فتلثم باطنها بقبلتها الدامغة التي تنازلت بها على كامل حريتها وأعلنت صك ملكتيه لمقاليد قلبها وعقلها وعالمها بأكمله.

رفع عيناه نحوها بعشق جارف ليجذبها نحو صدره برفق، فتميل برأسها نحو مضخته المُلتاعة، ليتنهد هو بقوة مردفًا :
-الموضوع كبير وصعب يا "ضحي"، لو ما إتحلش بسرعة وبحكمة كل حاجة هتضيع وإحنا هنضيع معاها..... مش قادر أفكر، حاسس إن تفكيري إتشل.

إبتعدت عنه قليلًا لتحتضن معالم وجهه بنظراتها العاشقة، مرردة بيقين :
-مهما كان الموضوع كبير.... ربنا أكبر وأعلم بحالنا... أكيد عمره ما هيضيع تعب وشقا السنين اللي فاتت.... ربنا لما بيحب عبد يبتليه يا "خالد"
حتى لو لاقدر الله حصل اللي خايفين منه هتقدروا تعدوا الأزمة دي بتوحدكم مع بعض.... يعني لازم تجمد يا "خالد" إخواتك محتاجاك، و "حمزة" أكتر واحد محتاجكم كلكم تقفوا جانبه، أكيد إحساسه بالذنب هيقتله.... لازم تكون في ضهره وماتسبوش لوحده.

إلتقط يداها بين يده ليقربها من شفتاه ويدمغ عليها قبلة العرفان العاشق، ويرفع أنظاره نحوها مردفًا :
-الحمد لله إنك في حياتي يا "ضحي"، الحمد لله إنك موجودة دلوقتي جانبي.... مش عارف من غيرك كنت زماني موجود معاهم في الازمة دي أصلًا، ولا كان زماني في حياتي التافهة ومش حاسس بحاجة.

ربتت بيدها على يده، مرددة بحنان :
-الحمد لله إنك إنت في حياتي يا "خالد"، بس الأكيد إنك كنت هتكون معاهم في أزمتهم دي وهتحس بيهم حتى لو ماكنتش موجودة.
جذبها نحوه ليشدد من إحتضانها مقبلًا رأسها بقبلة وضع بها جميع معاني العشق المتيم، ليردف بدعاء :
-ربنا يخليكي ليّا يا حبيبتي.

لتشدد هي الأخرى من إحتضانه مردفةً :
-ويخليك ليّا يا حبيبي.

غرفة "حاتم"
إتجه نحو غرفة ملابسه بأعين تتقد نيرانًا وتتوهج، لتلحقه "منة" مردفةً بإستنكار :
-إيه الكلام اللي بتقولوه ده يا "حاتم"؟!!
بجد المجموعة بتنهار وهتشهروا إفلاسكم.

إلتقط "حاتم " حلته الزرقاء ليتجه نحو الفراش فيضعها أعلاه، ليجلس إلى جوارها مردفًا بوعيد :
-اللي يفكر يضيع مجهود عمرنا وشقانا أنسفه من على وش الأرض.
لتلتقط "منة" حلته، وتنحيها جانبًا، لتجلس إلى جواره مردفةً بجدية متسائلة :
-يعني إيه؟... مش فاهمة.

أجابها بغضب جحيمي :
-يعني ده مخطط بقاله أكتر من سنة بيشتغلوا عليه، وللأسف نجحوا فيه... بس أقسم بالله ما هسيبهم، هخليهم يتمنوا الموت ولا يطولوه .
رمقه "منة" بنظراتها المرتابة مردفةً :
-يعني الكلام صح؟... وفعلًا هتشهروا إفلاسكم.
حرك "حاتم" رأسه نافيًا بأسي، قبل أن يردف :
-يارب مانوصل لكده.... عمومًا أنا هاخد شاور وأغير هدومي ونزلين كلنا المجموعة.

أردفت "منة" بمعارضة :
-بس إنت ما نمتش من إمبارح، حاول تريحلك ساعة على الأقل عشان تقدر تواصل.
بينما نهض "حاتم" مردفًا بجدية :
-مفيش وقت للنوم ولا للراحة، لو ماتعبناش دلوقتي هنتعب طول العمر.
وغادر متجههًا نحو حمام غرفته.

إتجه نحو غرفته وهموم العالم أجمع، تكاتفت لتثقل كاهله، فحين تتسبب في أذى من تحب يكون الألم مضاعف، وحين تخون ثقة من إئتمنك تكون الطعنة سامة.
أغمض عيناه بأسي حينما تسلل إلى مسامعه صوتها الذي لطالما كان يُرقص قلبه طربًا، أما اليوم فهو سوط يجلده بلاهوادة. ليتوقف عن تقدمه، وتقترب منه مكررة ندائها :
-"حمزة".

فرك عيناه بأنامله المتيبسة مردفًا ولازال يوليها ظهره :
-نعم.
دارت حوله لتصبح في مواجهته، لتحتضنه بنظراتها الحانية، مردفة بمساندة :
-إحنا واثقين فيك، وإنت قد الثقة دي، وزي مابيقولوا لكل جواد كبوة، بس الأكيد إنك هتقدر تعدي المحنة دي وتتخطاها بإذن الله، بس وإنت إيدك في إيد إخواتك.

رمقها بنظراته المستنكرة
فعن أي ثقة تتحدث تلك البلهاء؟!!
تلك الثقة التي فقدتها بي بالأمس؟
نعم.. معشوقتي تخلت عني برحابة صدر، فقد تبعت ماتراه عيناها، وكذبت همسات قلبها العاشق.
أم من تتحدث أمامي الآن إبنة عمي وشريكتنا بالمجموعة؟
فإن كانت تلك هي، فسأصدقها وأثق بكلماتها، لكن إن كانت معشوقتي فلا يشغلني كل هذا الهراء... فالمبادئ لا تتجزأ، والثقة لا تعطي بأشياء وتُنتزع من أخرى.

ليردف مستنكرًا :
-والثقة دي جايباها منين بقا؟!!
بنقولك هنبقى على الحديدة، لو تسمعي عنها يعني... يعني كل الرفاهية اللي في حياتك دي هتتمسح، إحتياجاتك الأساسية أصلًا مش هتلاقيها.

رمقته "هيا" بتحدٍ سافر، مرددة بثبات :
-الثقة دي جبتها من "حمزة" إبن عمي اللي طول عمره شغله عنده رقم واحد وعمره ماقصر فيه ولا تخاذل عنه، اللي قدر يقف في ضهر إخواته ويكبر المجموعة ويعلي إسمها في السوق، اللي عمره ما قال أنا تعبت ومفيش حاجة بإسمي، اللي طول الوقت اللي فات مكتفي براتبه الشهري زيه زي أي موظف كفأ في المجموعة.

"حمزة" اللي موقفش لإخواته وقال نتحاسب، عشان عارف إن ده تعبهم وشقاهم من الأساس.
"حمزة" اللي عمره ما خان ثقة مخلوق وثق فيه بالعكس كان قدها.
"حمزة" اللي زيه زي أبيه "ثائر" وزي أبيه "حاتم" اللي كل همهم إخواتهم والعيلة وإسمنا في السوق، واللي أكيد "خالد" زيكم بالظبط.
"حمزة" إلى فى عز ما إخواته كانت ساخطة على جدتهم عمره مابعد عنها ولا سمعها كلمة تجرحها.

"حمزة" اللي يوم ماإحتاجته لقيته حتى من غير ما أطلب منه.
"حمزة" اللي قلبه شايل هموم الدنيا ومابتكلمش.
عرفت جبت الثقة دي منين يا إبن عمي.

وولته ظهرها مغادرة نحو غرفتها، وما إن دلفت إليها حتى أوصدت بابها جيدًا وهوت أرضًا كما هوت دمعاتها الحارقة لأجل معشوقها....
نعم.... كم تمنت أن تصرخ به بأن معشوقته هي من تثق وتأتمن، لكنها تعلم أنه سيفسرها شفقة وتعاطف، بل سيرفض تلك الثقة التي إهتزت يوما ما.

غرفة "ثائر"
دلف إلى غرفته بقلبه الملتاع، وروحه المحترقة، وأوصد الباب خلفه بهدوء ليستند عليه بكامل جسده.
طوف الغرفة بنظراته المشتاقة فيراها نائمة بأريكتها ليزدهر أمله بالحياة وتكسو إبتسامه المشرقة معالم وجهه.
ليخطو نحوها بخطواته الملهوفة، ويمدد يده ممسدًا شعرها، ليجدها تهوى بفراغ قاتل.

أغمض عيناه بأنين عاشق مشتاق، ليستلقي بتلك الأريكة التي لازالت تحمل شذا عطرها وأنفاسها الدافئة.
نعم لازال مكانها يعم بالدفء والسكينة رغم برودة حياته وقساوتها. أغمض عيناه بقوة ليستشعر وجودها حوله أو هذا ما تمناه.
نعم... كم تمنى وجودها.... كم تمنى أن يُسكنها أحضانه المشتاقة للأبد كما سكنت فؤاده وتربعت بعرشه لآخر أنفاسه.
كم كان قاسيًا معها كقسوة تلك الحياة التي تفننت في تمزيق قلبه بغيابها.

أين أنت "همسي" الذي لطالما ترنمت به؟!!
لقد أسدل الليل ستائره بحياتي حتى ألقاكي... لقد توقف قلبي عن الضجيج بإسمك الذي يُشعل ثورته ويمدها بوقودها.
ليزفر زفرة قوية يطرد بها إشتياقه المحتدم، وينهض مستقيمًا بوقفته فالحرب آتية لا محالة، والبحث عنها مستمر بل وتصاعد.

إجتمع أربعتهم عند الباب الرئيسي للقصر لتبدأ رحلتهم مع إستعادة تلك الأوراق وإنقاذ ما يمكن إنقاذه...
ساعات طويلة قضاها الأربعة بالمجموعة مابين مراجعة لكافة الكاميرات، وإتصالات سرية مع تلك الجهة، محاولات مضنية من حمزة لتذكر ماتحويه الأوراق من أرقام ومعلومات، ساعات وساعات تخطت حدود الأيام والليالي.

لم تخطو قدم أحدهما بوابة القصر، فالطعام يذهب إليهم من احد المطاعم المجاورة، والثياب يُحضرها إليهم السائق.
إشتياق "ثائر" لـمعشوقته يشعل قلبه ويحرقه، لازال بحثه يصل إلى نقطة واحده "لا شئ".. رغم تدخل "علي" بالأمر، إلا أن الناتج النهائي لا شئ. إزداد غضبه أضعافًا مضاعفة، وإزداد معه قلقه عليها، وإزدادت حججه الباليه لوالديها من عدم إجابتها على هاتفها وإغلاقه المستمر.

إختلس "خالد" بعض اللحظات ليتصل بمعشوقته التي إشتاق لمشاكستها، فلا زالت تظهر له صلابتها نحو إبتعاده عنها، كي لا تحمله أعباء فراقها، فدائمًا ما تشاكسه بأنها تستمتع بالغرفة لحالها وتتمنى أن يمكث طويلًا حتى يطول إستمتاعها بوحدتها التي أحرقت روحها فالنوم جافاها وخاصمها، الأرق صديقها ورفيق لياليها، الإشتياق مؤنسها ومسامرها.

"حاتم" إتصالاته قليلة بـ"منة" بل معدومة من الأساس، فهي دائمًا ما تتواصل به لتطمئن عنه وتُعلن إشتياقها الجارف له، تطالبه بالعودة إلى القصر حتى وإن كانت لسويعات قليلة، لكنه حمل على عاتقه إنهاء تلك الأزمة وحلها.
بينما عمل "حمزة" بكامل طاقته التي أشعلتها نيران غضبه وإنتقامه، فتركيزه يتزايد ويتضاعف كلما إستشعر بذنبه نحو إخوته.
يوبخ ذاته ويجلدها بين آنٍ وآخر... فهو من تسبب بإيقاف العمل بالمجموعة إلى أن تنتهي الأزمة، فجميع العاملين إجازة كاملة الأجر حتى إشعار آخر.

ليزفر "ثائر" زفرة قوية مرددًا بصرامة :
-كفاية كده... لازم نرجع القصر على الأقل نطمن الناس اللي هناك، ونرتاح شوية حتى لو الليلة دي بس، ونرجع الصبح.
أيده "خالد" بقوة، و"حاتم" بتردد، أما "حمزة" فرفض الأمر جملةً وموضوعًا، إلا أن إصرار إخوته أجبره على الرحيل معهم والذهاب لنيل قسط قليل من الراحة.

القصر.
جلست "فريدة" وإلى جوارها "نجلاء" و"هيا" لتنضم إليهم "ضحي" مردفةً بسعادة :
-"خالد" والجماعة في الطريق جايين على هنا.
لتردف "منة" بدهشة :
-مين قالك يا" ضحى"؟!!

بينما هبت "نجلاء " من مقعدها مردفةً بحماس :
-مش وقت مين اللي قال المهم إنهم جايين بالسلامة...
هروح أشوفهم عاملين إيه في المطبخ.
لتردف "ملك" ببعض الإرتباك :
-م.... ممكن آجي مع حضرتك يا طنط.

أومأت "نجلاء" برأسها قبل أن تردف بترحيب :
-أكيد يا حبيبتي.... تعالي يلا.
وإبتسمت "منة" إبتسامتها الجانبية المتهكمة، لتردف مستنكرة :
-تروحي مع طنط فين؟!!
أظن الموضوع ده خاص بعيلتنا، وأظن إنك ضيفة على العيلة دي، وأظن إنك طولتي زيادة عن اللزوم، إيه لسه كتير على ما الذاكرة ترجع ولاإيه؟!!!
مع إني مش مقتنعة بالموضوع ده أصلا، شكلك جاية ترسمي على "حمزة" عشان تتجوزيه.

بينما "فريدة" هتفت بحدة :
-مفيش داعي للكلام ده يا "منة"، وياريت تطلعي تجهزي على ما جوزك يوصل.
لتلتفت نحو "ضحي" مردفةً بحنان :
- وإنتي إطلعي غيري هدومك دي ( تيشرت زهري وبنطلون جينز أسود وتعقد شعرها كذيل حصان) وإلبسي فستان حلو كده ياحبيبتي، وظبطي شعرك كمان بالمرة، جوزك بقاله أربع أيام بره البيت.

لتومأ "ضحي" برأسها قبل أن تركض نحو غرفتها لتبدأ الإستعداد لقدوم من طال إنتظاره، وإشتاقت لأحضانه.
حالة من التأهب القصوى عمت أرجاء قصر "السيوفي" لعودة رجاله بعد غياب أيام وليال. دلفت سيارتهم إلى حديقة القصر لتتوقف أمام بوابته الرئيسية ويترجل عنها أربعتهم بملامح تفنن التعب والإرهاق في رسمها.

لتركض "ضحي" نحوه "خالد " مهرولة، وترتمي بين ذراعيه بلهفة وإشتياق، ليضمها إلى صدره بسعادة. فحقًا كانت تخفي عنه إشتياقها الذي إستشعره بأحرف كلماتها.
بينما عانقت "منة" "حاتم" مردفةً بسعادة :
-حمدالله على سلامتك يا حبيبي.... وحشتني.

وركضت "هيا" نحو "ثائر" لتعانقه بقوة مردفةً :
-حمد الله على سلامتك يا أبيه.
ربت على كتفها مردفًا :
-الله يسلمك يا "يوكا"... أخبارك إيه يا حبيبتي؟

إبتعدت عنه قليلًا لتصبح مقابلةً له، مردفةً بإبتسامة :
-الحمد لله يا أبيه... كله تمام، بس إنتوا وحشتوني قوي، والقصر كان وحش من غيركم.
لتتجه "فريدة" نحو "حمزة" بإبتسامتها المُحبة، فتلتقط يده بين يديها بحنان مردفةً :
-حمدالله على سلامتك يا حبيبي، إحنا اللي بنعمل الفلوس يا "حمزة" مش الفلوس اللي بتعملنا يا حبيبي، إن شاء الله تعبكم مش هيروح على الفاضي، أكيد ربنا له حكمه من الموضوع ده.

إحتضن "حمزة" كتفيها بذراعه ليضمها إلى صدره ويقبل رأسها بحنو مردفًا بيقين :
-ونعم بالله يا تيته.
رددت "فريدة" بإبتسامة :
-طب يلا ندخل جوه قبل الأكل ما يبرد، من زمان ما إتجمعناش على سفرة واحدة.

كلمة طعنت قلبه بخنجرها المسنون، هل يجتمع الجميع دون معشوقته؟!!
أتكتمل صورة تلك العائلة دونها؟
ليجد والدته تجذب يده بقوة للداخل مردفةً بمشاكسة :
- إنت لسه هتفكر؟!!!..... يلا الأكل هيبرد.
ليقاطعهم إقتراب رئيس الحرس منهم بثبات، مردفًا بجدية :
-فيه واحد بره بيطلب يقابل "ضحي" هانم.... بيقول إنه المحامي بتاع باباها.

رمقته "ضحي" بدهشة، مردفةً بإستنكار :
-المحامي بتاع بابا؟!!!
من إنتي بابا عنده محامي أصلًا.
ليهمس إليها "خالد" بثبات :
-هنشوف دلوقتي يا حبيبتي.
ويلتفت نحو رئيس الحرس مردفًا بحزم :
-خليه يتفضل يا إبني.

المكتب.
وضعت العاملة صينية القهوة أعلى تلك الطاولة الصغيرة التي تتوسط "خالد" و "ضحي" من ناحية، ومن الناحية الأخرى ذلك المحامي الذي ظهر فجأة من العدم أو هذا ما إعتقدته "ضحي".
ليشير "خالد" بيده للعاملة، فتغادر الغرفة موصدةً الباب خلفها بهدوء، ليردف " بدهشة :
-يعني إيه كلام حضرتك ده يا أستاذ؟!

جذب المحامي حقيبته نحوه ليستندها أعلى الطاولة أمامه، ويفتحها متناولًا منها بعض الأوراق والعقود، ليناولها إلى يد "ضحي" وسط حالة من الدهشة التي سيطرت على جميع حواسها، مردفًا :
-الحاج "صالح" الله يرحمه كان شاري حتة أرض ٣٠٠٠ متر في شرم الشيخ من يوم ما مدام "ضحي" إتولدت ومسجلها بإسمها في الشهر العقاري.
وكمان فيه وديعة بإسمها قيمتها ٣ مليون جنيه طبعًا المبلغ ده شامل أرباح السنين اللي فاتت كلها .
وكمان ميراث المرحومة والدتك كله إتحول لسبايك دهب وإتحطت في خزنة بإسمك في البنك، حضرتك في أي وقت تحبي تفتحيها إتصلي بيا وأنا أخلص الإجراءات.

سيل من المعلومات الصادمة جعلت دمعاتها تسيل وتنهمر بلا توقف، أيعقل أن يكون والدها كان يفكر بها إلى هذا الحد؟...
كم كان حنونًا وكريمًا معها بحياته، وكريمًا معها بغيابه.

بينما أردف المحامي لإستكمال كلماته :
-طبعًا حضرتك كنتي بنت الحاج صالح الوحيدة، فكان خايف عليكي من الأيام الجاية عشان كده الحاجات دي عملها من أول شهور ليكي بالحياة، وفيه حاجة كمان الحاج صالح عمل جناح بإسمه كصدقة جارية في مستشفى سرطان الأطفال، ربنا يتقبل منه يارب.

ونهض المحامي من مقعده مردفًا بجدية :
-أنا بعتذر مرة تانية عن التأخير بس كنت مسافر ولسه جاي من يومين... البقاء لله يا بنتي.
لينهض "خالد" و "ضحي" التي لازالت دمعاتها تسيل فيضانًا، فيودعا المحامي إلى الباب الرئيسي.
وتابعت "ضحي" أثره حتى إختفي تمامًا، لتستدير نحو زوجها بنظراتها الزائغة، مرددة:
-بابا..... بابا يا "خالد".... شوفت عمل عشاني إيه؟
طب أنا أعمل إيه بالفلوس دي؟!!
أنا عمري ما فكرت إني يكون عندي المبلغ ده أصلًا..... أعمل إيه يا "خالد"؟!

وأكملت كلماتها بحشرجة من أثر البكاء:
-عارف أكتر حاجة فرحتني في الموضوع ده... إن بابا قدر يعمل الصدقة الجارية دي.... ربنا يجعلها في ميزان حسناته يارب.
ضمها "خالد" نحو صدره ليربت على كتفها بحنان مردفًا :
-إدعيله يا حبيبتي، إدعيله... ربنا يرحمه ويغفرله يارب.

بينما كان يجتمع الجميع حول مائدة الطعام يتسامرون قليلًا بإنتظار إنضمام "خالد" و "ضحي" إليهم ليتناولوا طعامهم سويًا.
نظرات إستياء رمقها "حمزة" لـ "ملك" فذلك السؤال الذي بدأ يحتل بعض تفكيره، أيجب عليه أن يتحملها إلى متى؟!!
كم يود أن يدفعها خارج هذا القصر، فمنذ أن وطأت قدماها أرضه والمصائب تأتي تباعًا.

ليخرجه من تفكيره صوت "خالد" المشاكس:
-إوعوا تكونوا بدأتوا تاكلوا من غيرنا..
أردفت "نجلاء " بسعادة :
-ودي تيجي يا "لودي".... طبعا منتظرينكم يا حبايبي... يلا إقعدوا.

جذب "خالد" مقعد "ضحي" مشيرًا نحوه بنظراته العاشقة كي تجلس ، إلا أنها توجهت نحو "ثائر" بتلك الأوراق التي لازالت تحتضنها بيدها، لتضعها أمامه مردفةً بإبتسامة ودودة :
-إتفضل.
ضيق "ثائر" عيناه متعجبًا، ليردف بدهشة :
-إيه ده يا "ضحي"؟!!

أردفت "ضحي" بتوضيح :
-ده ورثي من بابا الله يرحمه.... أنا مش محتاجاه ممكن حضرتك تاخده عشان يساعدكم في حل الأزمة، وعندي شوية دهب كمان الصبح ممكن أجيبهم لحضرتك.

نهض "ثائر" من مقعده وقد تمكنت منه مشاعر الفخر والسعادة بتلك الضحى، ليردف بإبتسامة عرفان وتقدير :
-خاللي فلوسك معاكي يا "ضحي"... إن شاء الله هنقدر نحل الموضوع من غير أي خساير.

لتردف "ضحي" بنبرة يشوبها بعض الحزن :
-مش أنا واحدة من العيلة؟
أردف "ثائر" مؤكدًا :
-أكيد طبعًا إنتي واحدة من العيلة، أختنا الصغيرة، زيك زي "يوكا" بالظبط.

هتفت "ضحي" بتأكيد هي الأخرى :
-وحضرتك أخويا الكبير وجوز أختي كمان، وأبيه "حاتم" أخويا الكبير وجارنا قبل مايكون أخو جوزي، و "حمزة" ربنا يعلم معزته عندي، و"يوكا" أختي زي "همس" بالظبط.

وإلتفتت نحو "نجلاء" مردفةً بصدق :
-وطنط "نجلاء" زي ماما الله يرحمها، وتيته" فريدة" مفيش كلام يوفيها حقها... يعني إنتوا عيلتي وأنا بنتكم.
رمقها الجميع بنظرات إمتزجت مابين الدهشة من موقفها فهي حديثة العهد بهم، لم تتجاوز معرفتها بهم أيام قليلة، وبين نظرة فخر وإمتنان فالأزمات دائمًا ما تظهر المعدن الحقيقي للإنسان.

بينما إحتضنها" خالد" بنظرات فخر، وإعتزاز فقد إستوطنت قلبه لتزيد إحتلالها له يومًا بعد الآخر، وأغمض عيناه داعيّا ربه أن يحفظها له من كل شر وسوء.

ليردف "ثائر" بتأكيد :
-أكيد إنتي أختنا وبنتنا.... بس ممكن تخلي حاجاتك معاكي وأنا لو إحتاجتها هطلبها منك بنفسي.
أشارت له "ضحي" بسبابتها مردفةً :
-وعد.
إبتسم "ثائر" بسعادة مردفًا بتأكيد :
-وعد.

لتتعالي ضحكات الجميع ، ويجلس كل منهم إلى مقعده، ويبدأون جميعًا في تناول طعامهم بسعادة وإن لم تكن طويلة الأمد.
بينما مالت "منة" نحو "حاتم" مردفةً بدلال :
-حبيبي ممكن تيجي معايا الشقة بتاعتنا محتاجة منها شوية حاجات كده.
تنهد "حاتم" بإرهاق مردفًا :
-مش هينفع يا "موني"... تعبان جدًا والله ومحتاج أرتاح.

تشبثت بساعده، مردفة بنبرة أذابت بها الكثير من الدلال والإغواء :
-عشان خاطري يا حبيبي، مش هنتأخر مسافة الطريق، محتاجة الحاجات دي ضروري.... يرضيك أروح لوحدي.
تنهد "حاتم" بيأس مردفًا بإستسلام :
-ماشي.... بسرعة عشان نروح ونرجع على طول حاسس إني هقع من طولي.

هبت من مقعدها، مرددة بسعادة :
-أوك يلا أنا جاهزة.
إرتفعت جميع الأنظار نحوها بتعجب، لتردف "فريدة" مستنكرة :
-يلا على في يا بنتي؟!!!.

نهض "حاتم" هو الآخر من مقعده، ليردف بصوت كساه الإجهاد :
-رايحين شقتنا، "منة" محتاجة شوية حاجات من هناك، هنجيبها وهنيجي على طول.
رمقته "نجلاء" بتوسل :
-خليك للصبح يا حبيبي، إنت مش قادر تصلب طولك.

تنهد "حاتم" بإبتسامة :
-متقلقيش يا "نوجا" هاخد السواق معايا.
لتتنهد ببعض الراحة مردفةً :
-ماشي يا حبيبي خود بالك من نفسك وإبقي طمني.

وغادرا متجهين نحو شقتهما، ليهب "خالد" هو الآخر جاذبًا يد "ضحي" ، وهو يردد بإرهاق :
-طيب يا جماعة كانت فرصة سعيدة جدًا وياريت تكرروها قريب، نستأذن إحنا بقا.

وغادر دون إنتظار جوابهما فحقًا كم هو مرهق، فخلايا جسده تتوسل له ببعض الراحة.
ونهض "ثائر" هو الآخر ليردف بثبات :
-وأنا كمان هروح لـ "على" أشوفهم وصلوا لإيه في موضوع "همس".

لتردف "نجلاء" بتأييد :
-ماشي يا حبيبي إبقى طمني.
ونهضت "ملك" هي الأخرى لتستأذن بالإنصراف إلى غرفتها.
لحظات وإنفض الجميع إلى غرفته لنيل قسط قليل من الراحة لمواجهة ما تطل عليهم به أيامهم المقبلة.

شقة" حاتم".
دلف "حاتم" إلى شقته وتبعته "منة" بسعادة، مرددة :
-مفيش زي الشقة دي، أكتر مكان برتاح فيه. لتلتفت نحو "حاتم" مكملة حديثها :
-تصدق إني برتاح هنا أكتر من القصر..

بينما إتجه "حاتم" نحو أحد الأرائك ليجلس بإسترخاء مردفًا :
-يلا يا حبيبتي شوفي اللي محتاجاه عشان نمشي لأني هموت وأنام.
ركضت "منة" نحو غرفتها مردفةً بسعادة :
-هوا يا حبيبي وتلاقيني خلصت.

ودلفت إلى غرفتها لتجذب إحدى حقائب السفر الصغيرة وتضعها أعلى الفراش، لتفتحها بحماس، وتستدير نحو خزانة ثيابها وتبدأ بنقل بعضها إلى الحقيبة، لتلمح تلك الصورة التي تجمعها مع "حاتم" في عقد قرانهما ، لتحملها إليها وتتأملها بإبتسامة، متنهدة، وتضعها بالحقيبة وتغلقها جيدًا.
حملت الحقيبة وغادرت الغرفة متجهةً نحو "حاتم" الذي غطّ بنوم عميق. لتجلس إلى جواره وتحرك يده برفق، لينتفض من نومه، مردفًا بحمحمة :
-خلصتي يا حبيبتي.

أومأت "منة" برأسها مردفةً :
-أه يا حبيبي خلصت... بس إنت روحت في النوم... قوم ريح جوه، خلينا نبات هنا والصبح نروح على القصر.
فرك "حاتم" وجهه بكفه، لينهض من مقعده مردفًا بتأييد :
-عندك حقك يا حبيبي، أنا فعلًا مش هقدر أواصل صاحي لحد ما نروح القصر.

وخطى نحو باب الشقة، لتردف "منة" مستنكرة:
-رايح فين يا حبيبي؟!
أجابها "حاتم" مردفًا :
-هقول للسواق يمشي ويسيب العربية.
"منة" بإستنكار :
-طيب ما تتصل بيه من الموبايل وخلاص.

ضغط "حاتم" أعلى أنفه برفق ، ليزفر بقوة :
- كده كده هنزل عشان أجيب شوية حاجات للثلاجة من السوبر ماركت اللي تحت، وإنتي إفتحي الشبابيك دي عشان تهوى الشقة شوية، مش هتأخر.

وغادر موصدًا الباب خلفه، لتتجه "منة" نحو النافذة الرئيسية وتفتحها بسعادة لتجدد هواء الشقة، ومن ثم تتجه إلى غرفتها لتبدل ثيابها إلى بيجامة حريرية بيضاء اللون، وتجلس إلى الأريكة لتلتقط جهاز التحكم بالتلفاز فتضغط زر التشغيل به وتبدأ بالتقليب بين قنواته بضجر من تكرار جميع الأفلام والمسلسلات.

دقائق طويلة مضت، مايقرب من الساعة حتى دلف حاتم إلى الشقة بإرهاق وتعب، لتركض نحوه "منة" مردفةً بإستنكار:
-كل ده تأخير يا حبيبي.
بينما إتجه نحو المطبخ واضعًا ما بيده من أكياس أعلى الطاولة ، مردفًا بخفوت :
-السوبر ماركت كان زحمة.

عالم "همس".
أيام طويلة تبعتها ليال أطول مضت عليها وهي تحترق بنار الإشتياق، قلبها تمرد عليها وإشتاق له وبقوة، إفتقد أنفاسه المطمئنة، أما عقلها فرفض كل ذلك الهراء، كما رفض موقف معشوقها المؤلم
أكانت عنده وضيعة إلى هذا الحد؟!!

أيام مضت وهي تتواري عن الجميع بغرفة "فريدة" التي أغلقتها عليها بإحكام، بينما تتسلل إلى أرجوحتها ليلًا لتستمع بسكون عالمها الذي أصبح يعم بضجيج قلبها الأهوج.

تراقب والدتها ووالدها وكذلك شقيقها الصغير من بعيد لتطمئن على أحوالهم.
كما تسمعت إلى صوت معشوقها حينما أتى مهرولًا للبحث عنها....
نعم تشتاق لصوته، لحنانه، لعالمه.

خطت نحو ذلك الحاجز الخرساني لتستند بساعديها عليه. وهي ترمق ذلك الشارع الخاوي بليلة مظلمة بحيها الهادئ..
جذبت أنظارها إضاءة شقة "حاتم" لتُمعن النظر قليلًا وتتيقن من وجوده بها حينما رمقته يتجه نحو باب الشقة ليفتحه...
فجأة دفعه أحدهما للخلف وأوصد خلفه الباب بهدوء ليشير نحوه بسلاحه. ركضت "منة" بذعر تتواري خلف "حاتم" الذي حاوطها بذراعيه.

لينتفض جسد "همس" بقوة، وتدب به تلك الرجفة القوية التي زلزلت جسدها. صوتها تمرد ورفض الصراخ، تقهقرت للخلف حتى تواري عنها المشهد نهائياً.
وركضت نحو غرفتها لتجذب هاتفها وتفتحه، لحظات بطيئة مضت كدهر طويل. لتركض نحو الخارج مرة أخرى وتتابع مايحدث بشقة "حاتم". هاتفها إنفتح بالفعل وبدأ بتلقى العديد من الرسائل والمكالمات الفائتة.

لا تبالي بكل هذا، إنها تبحث عن رقم مُنقذها لتستغيث به... نعم يجري الإتصال ليتبعه صوت معشوقها المشتاق :
-"همس"... وحشتيني.
أردفت بحروف متلعثمة، فخرجت نبرتها المذعورة :
-هيقتلوه يا "ثائر"..... هيقتلوه.
جملة تفوهت بها، تبعها صرخة قوية، تبعها صمت قاتل.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W