قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل الثالث والثلاثون

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل الثالث والثلاثون

بعد مرور ٢٤ ساعة - المشفى.
الجميع بإنتظار تقرير الطبيب. الجميع مترقب بأنفاسٍ صامتة، الجميع بأنظار زائغة.
شدد "ثائر" من ضم "همس" إلى جانبه ليبث إليها أمانه العاشق، فترفع عيناها نحوه متوسلة بعض الإطمئنان والسكينة لقلبها الذي يتلاطم قلقًا وخوفًا. فتجد بعيناه ما بحثت عنه، فسكنت إليه بإستسلام . أغمض هو عيناه بحرض كمن يحتضنها مغلقًا ذراعيه حولها، لتتنهد هي الأخرى بأعين لامعة بدمعات الترقب والقلق.

بينما ضمت "حنان" كتاب الله إلى قلبها بقوة لتستشعر به الثقة واليقين بلطف ربها.
مستندةً على ذلك الحائط الرخامي بكامل جسدها، ومغمضةً عيناها بألم ، لتتمتم تاليةً بعض آيات الذكر الحكيم، فتكون بمعزل عن ذلك العالم حولها، فمن ينبض به قلبها، فضل الإبتعاد عنها وإحراق قلبها قلقًا وذعرًا . حتى وإن تسللت إلى غرفته وتشبث بيده بقوة ورافقته طوال الليل.

في حين أن كانت "ضحي" تتشبث بأيدي "هيا" بقوة ودقاتها تتسارع، صدرها يعلو ويهبط بإرتباك، لتغمض عيناها متمتمةً بجميع الأدعية التي تتذكرها تضرعًا وتوسلًا إلى الله أن يعف عمن عوضها غياب الأب وحنانه،عمن فقدت شعورها باليتم إلى جواره.

أما "عمر" فكان يقف بثبات وكبرياء يناقض إنكسار قلبه وتمزقه خوفًا، وذعرًا من فقدان والده، من فقدان السند له، فالأب هو السند الحقيقي، وهو الأمان الحقيقي ، ليقف إلى جواره "حمزة" و"خالد" و "حاتم" بأعين مترقبة باب الغرفة بأنفاس متوترة.
كما كانت تجلس "فريدة" إلى أحد المقاعد بإرتجافة خفيفة في جسدها ، وإلى جوارها تقف "نجلاء" التي تتشبث بيدها بقوة، فترفع عيناها نحوها وقد إحتلها القلق والتوتر، لتومأ لها "نجلاء" بإبتسامة خفيفة بثت بها القليل من الطمأنينة.

إرتفعت جميع الأنظار متلهفة نحو هذا الطبيب الذي إنضم إليهم بإبتسامة واسعة نثر بها عبير الطمأنينة والسكون بأرواحهم القلقة، ليهموا إليه مهرولين، فيردف "عمر" بجدية :
إيه الأخبار يا دكتور؟... أرجوك طمنا بابا عامل إيه دلوقتي؟... حالته إتحسنت ولا لأ ؟

ليومأ له الطبيب برأسه مردفًا بإبتسامة مطمئنة :
الحمد لله أستاذ "عبد العزيز " حالته دلوقتي إستقرت وفاق... بس هيفضل معانا يومين تلاتة في الرعاية، وبعد كده ممكن ننقله غرفة عادية.
خطت نحوه "حنان" بثبات ظاهري، وتلك الإبتسامة الباهتة تزين ملامحها، لتردف برجاء :
ممكن أدخله يادكتور؟ عايزة أطمن عليه.

ليتنهد الطبيب بهدوء مردفًا :
حضرتك ياهانم موجودة معاه طول الليل، وده كان بناءًا على تعليمات "ثائر" بيه مع إنه كان خطر على المريض ، فلو حضرتك حابة تدخلي دلوقتي مش هيكون أكتر من دقيقتين، وكمان اللي هيدخلوله ٣ أفراد بس، وياريت يكون منفردين عشان مانجهدش المريض، والباقي ممكن يطمن عليه من ورا الإزاز ده.

ويشير الطبيب بسبابته نحو زجاج الغرفة المُغطي بستارٍ أبيض، ليكمل بجدية :
هخلي الممرضة تشيل الستارة وبكده حضراتكوا تقدروا تشوفوه وتتطمنوا عليه من غير ما تتعبوه..... بعد إذنكم
ريغادر الطبيب متجههًا نحو مكتبه، لتخطو "حنان" نحو باب الغرفة، رافعةً يدها إلى مقبض الباب بتردد وإرتباك لتتنهد بهدوء مستجمعة قوتها وثباتها، وتفتح الباب دالفةً إلى شريك عمرها بأعين يملأها الإشتياق والحنين لنظراته الدافئة.

لتجد تلك الإبتسامة الحانية تداعب عيناه بضعف ، فيغمضها بنداءٍ أجابته "حنان" على الفور، وتقدمت إليه مهرولةً لتلتقط يده بحنان ورفق ، دانية منه بجذعها، لتنهال عليها بوابل من القبلات الملتاعة، مردفةً بصوت إختنقه البكاء :
حمد الله على سلامتك يا "زيزو"... وحشتني قوي....
لتكمل بعتاب باكية :
ينفع تخضني عليك الخضة دي.... و إنت عارف إني قلبي ضعيف، وبترعب كمان، مش بتخض بس.... كنت هموت عشانك يا "زيزو".

فيرفع "عبد العزيز "يده الأخرى نحو قناع الأكسجين التي حاوط فمه وأنفه، لينزعه عنه قليلًا، فيردف بإعياء شديد :
بعيد الشر عنك من الموت يا حبيبتي... وسلامة قلبك من الضعف يا "نونا"...
ليتنهد بمشقة مردفًا بخفوت وتقطع :
وحشتيني يا "أم همس".... على فكرة.... أنا كنت بحلم بيكي..... طول ما أنا كنت في البنج.... كنت متعلق بإيدك...... ومستقوي بيها.... كنتي بتشديني من الموت يا "نونا".... ربنا يخليكي ليا...... يا عشرة العمر الجميل.

فتسيل دمعاتها بغزارة، وتتعالي شهقاتها تدريجيًا، لترفع يدها نحو رأسه و تمسد خصلات شعره البيضاء بيدها المرتجفة، مردفةً بحشرجة :
سلامتك من الموت يا نور عين "نونا"... إن شاالله يومي أنا قبل يومك ياحبيبي...
لتزداد بكاء وأنين، مكملة :
لأني مقدرش أعيش من غيرك لحظة واحدة... إنت سندي الحقيقي يا "زيزو" مش حد تاني والله..... أنا كنت حاسة إني عريانة والناس كلها بتتفرج عليّا...... إنت سترى وغطايا يا حبيبي ...

وإشتد بكائها وتوسلها :
عشان خاطري يا "زيزو" تشد حيلك كده وتجمد.... قلبي بطل يدق وإنت بعيد عني يا "زيزو"..... قوم بقا بالله عليك عشان ترجع تنور بيتك.... مش قادرة أدخله من غيرك.... قوم يا"زيزو"، والله دفا حضنك واحشني..
ورفعت أناملها لتزيل تلك الدمعات المنهمرة، متنهدة بهدوء، ضابطةً أنفاسها المتقطعة.

لتميل نحو رأسه دامغةً قبلة حانية إختلطت بدمعاتها الحارة التي عجزت عن إيقافها، فهي كسيل عارم أبي التوقف ، لتردف بأسي :
معلش بقا يا"زيزو" الدكتور قال دقيقتين بس عشان ماأتعبكش.... وكمان "همس" و "عمر" هيتجننوا و عايزين يدخلوا يطمنوا عليك.
تلاقط أنفاسه بصعوبة، لتتعالي أصوات لهاثه القوي، فيضع قناع الأكسجين نحو فمه، ويسحب أنفاسه بمشقة.

لحظات و تنتظم أنفاسه المتقطعة، ويهدأ لهاثها ، ليُعيد إزالته مرة أخرى، ويرفع أنظاره نحوها مردفًا بخفوت :
خاللي "ثائر" يدخللي قبلهم يا "أم همس".... عايز أتكلم معاه الأول.
أومأت له "حنان" برأسها قبل أن تردف بحنو:
حاضر يا حبيبي، هخرج وأخليه يدخلك على طول... بس بالله عليك ماتجهد نفسك في الكلام عشان ربنا يتم شفاك على خير.
لتنفرج إبتسامة خفيفة من ثغره، فيردف بإعياء :
حاضر يا حبيبتي.... حاضر.

خارج غرفة العمليات.
خرجت إليهم "حنان" وقد إرتسمت تلك الإبتسامة المطمئنة على ملامحها، لتُزيل بقايا دمعاتها بأناملها الثابتة، فيركض "عمر" متجهًا إلى الغرفة بسعادة، مردفًا بحماس :
دوري أنا بقا أدخل أطمن على بابا،عديني يا ماما.

ليجد يد حانية تتشبث به لتمنعه من الدلوف، فيلتفت نحوها عاقدًا جبينه بدهشة، مردفًا بإستنكار :
فـ إيه يا ماما؟!!.. مش عايزانى أدخل أطمن على بابا ولا إيه؟!!
لترمقه "حنان" بعطف، مردفةً :
معلش يا حبيبي مش إنت اللي هتدخل دلوقتي.

إتجه "عمر" بأنظاره نحو "همس"، ليردف بإبتسامة متذمرة :
طب إتفضلي إنتي يا ست "همس" ، وأنا هدخلك بعدك... بس بالله عليكي ما تتأخري، عايز أدخل أطمن على "زيزو" أصله وحشني قوي.
لتتنهد "حنان" بهدوء مردفةً بثبات :
ولا حتى "همس" اللي هتدخله دلوقتي.
نظرات مندهشة طافت وجوه الجميع، لتضيق "همس" عيناها، مردفةً بإستنكار :
أومال مين اللي هيدخل لـ بابا يا ماما؟!

إستقرت أنظار "حنان" نحو ذلك الثائر الساكن ، لتردف بإبتسامة حانية :
"ثائر"! .... بابا طلب يشوف "ثائر"، حابب يتكلم معاه شوية ... إتفضل يا إبني أدخله.
إلتفتت نحوه " همس" لترمقه بنظرات عاشقة، وتنفرج بشفتيها إبتسامة خفيفة فتزيدها جمالًا ورقة، لتردف بخجل :
إتفضل يا "ثائر".

ليخطو نحو الغرفة بثبات وشموخ، فيفتح بابها دالفًا إليها بإبتسامة ودودة، مردفًا بمحبة :
حمدالله على سلامة حضرتك ياعمي.
أومأ له بعيناه بإعياء شديد، ليزيل عنه قناع الأكسجين، هامسًا بخفوت :
الله يسلمك يا إبني...
ليتلاقط أنفاسه بصعوبة مكملًا :
تعالي يا "ثائر" عايزك في كلمتين.

إقترب منه "ثائر" بخطى واسعة ، ليدنو من رأسه ويقبلها بود، مردفًا بمحبة :
تحت أمر حضرتك يا عمي، بس ياريت ما ترهقش نفسك في الكلام.... و إن شاء الله لما تقوم لنا بالسلامة نبقى نتكلم فـ كل اللي حضرتك عايز تقوله.
رفع "عبد العزيز " عيناه نحوه بإستجداء، مردفًا بلهاث متقطع :
مفيش إرهاق ولا حاجة يا إبني..... سيبني أقولك الكلمتين...

ليصمت قليلًا، فيتلاقط أنفاسه بمشقة، مردفًا بخفوت :
ياعالم لسه في العمر بقية.... ولا ميعادي قرب... وخلاص وقت الرحيل جه.
خطى "ثائر" ليجلس مقابلًا له بنظرات مطمئنة ، ويمسد على يده بحنو مردفًا بدعاء :
ماتقولش كده ياعمي... ربنا يديك الصحة وطول العمر يا رب.
وضع "عبد العزيز " القناع نحو أنفاسه ليتلاقطها بعناء شديد ، ويعود لإنتزاعه مرة أخرى، ليردف بجدية خافتة :
تسلم من كل شر يا إبني.

ويصمت قليلًا ليبتلع ريقه محمحمًا بإرهاق :
إسمعني يا إبني..... أنا مش هوصيك على "همس"..... لأني عارف إنك مش محتاج وصية ...
ليضع قناع الأكسجين مرة أخرى، فيتنفس ببعض الراحة للحظات، ويعاود إنتزاعه ، ليردف بإجهاد وتقطع :
ولا حتى هوصيك.... على "أم همس" لأني عارف إنه لاقدر الله لو حصلي حاجة.... عمر ما فـ حاجة في الدنيا هتعوضها ولا هتغنيها..

ليتنفس "عبد العزيز " بمشقة، فينهض "ثائر" بقلق، ويضع قناع الأكسجين أعلى فمه، مردفًا بود وعطف :
خد نفسك بهدوء يا عمي، ماتتعبش نفسك في الكلام ، نبقى نكمل كلامنا لما تتحسن. .
لحظات وإنتظم تنفس "عبد العزيز "، ليعاود إنتزاع القناع، مردفًا بإبتسامة ودودة :
سيبني أكمل كلامي يا إبني...

اللي أنا متأكد منه إن "أم همس" هتصلب طولها.... وتقف على حيلها.... عشان خاطر اللي في رقبتها.... وكمان... عشان أصيلة ووقت الشدة بميت راجل...
لكن.... اللي... هوصيك عليه هو "عمر"... إعتبره أخوك الصغير يا "ثائر"...
ويصمت لبعض الوقت، ليتلاقط أنفاسه المختنقة، ليكمل بإبتسامة باهتة :
هو يبان من بره إنه جامد...... وبيحب الهزار..... ومش سائل في الدنيا.... بس للأسف هو من جوه هش..... وضعيف....وأي صدمة زي دي..... ممكن...

ليسعل بتقطع مكملًا :
ممكن.... تضيعه وتنهيه على الآخر... خود بالك من أخوك يا "ثائر" إقف جانبه وماتسبوش يا إبني... دي وصيتي ليك.
إخترق كلام "عبد العزيز " جدران قلب "ثائر"، ليعتصره بقبضة نارية، فيتنهد بهدوء مربتًا على يده بحنان وعطف، مردفا بإبتسامة شاحبة ، لم تصل إلى عيناه قط :
إن شاء الله هتقوم لنا بالسلامة، وهتاخد بالك مننا كلنا، وهتشيل أحفادك كمان... بس برضه "عمر" أخويا الصغير زي ماحضرتك قولت ، وعمره ماهيكون هش ولا ضعيف، لأنه راجل بجد، والرجالة الحقيقية اللي بتدوس على أزمتها وتطلع لفوق... ربنا يديك الصحة ياعمي وتفضل وسطنا على طول .

بدأ "عبد العزيز " باللهاث القوي، ليتبعه سعال أقوى مما قبل ، فيهب "ثائر" نحوه بفزع، ويضع القناع أعلى أنفاسه بإحكام ، لتدلف فتاة التمريض، مردفةً بجدية وصرامة :
كفاية حضرتك كده النهاردة، المريض لسه حالته ما إستقرتش ، ياريت تتفضل يا "ثائر" بيه وأنا هفتح الستارة للكل يشوفه ويطمن عليه... أرجوك حضرتك تبلغهم إن مفيش زيارة النهاردة تاني عشان المريض محتاج يرتاح.

غادر "ثائر" الغرفة بأنظار متعلقة بجسد "عبد العزيز " الذي بدأت أنفاسه اللاهثة في الإستقرار نسبيًا. بينما إتجهت الفتاة نحو الشرفة، لتزيح ذلك الستار الحاجب لرؤيتهم لـ "عبد العزيز ". فيركض الجميع نحو تلك النافذة الزجاجية، وإبتسامة الإطمئنان تزين ملامحهم.

في تلك الأثناء ركضت "همس" نحو باب الغرفة بسعادة لتستعد للدلوف وملاقاة والدها للإطمئنان عليه ، لتجد من يوقفها متشبثًا بيدها برفق وحنان ، ليردف بإبتسامة باهتة :
بلاش نتعب بابا دلوقتي يا"همس"، هو إتكلم كتير النهارده، فياريت نسيبه دلوقتي يرتاح وبعدين ممكن تدخلي له إنتي و"عمر" كمان.

ضيقت "همس" عيناها بإستنكار ، لتردف بتساؤل :
نتعب بابا!!!!.... وإتكلم كتير!!!
بابا كان عايزك فـ إيه يا "ثائر"؟!
لتسيل دمعاتها بغزارة، فتخالط أحرفها المرتبكة بشهقات متقطعة :
بابا كويس؟.... أرجوك طمني عليه... لو بتحبي ريح قلبي وطمني يا "ثائر"... عشان خاطري طمني على بابا.

طوف وجهها بنظراته الحانية، ليرفع أنامله فيزيل بها تلك الدمعات التي تفننت في نحت معالم الحزن والألم بملامح وجهها، ليجدها تندفع إلى صدره بقوة، محاوطة خصره بكلتا ذراعيها، ومشددةً من إحتضانه ، واضعةً رأسها صوب مضخته الثائرة، لتردف بتوسل وبكاء :
قوللي إن بابا كويس يا "ثائر".... بالله عليك قوللي إنه هيخف وهيرجع معانا ينور بيته من تاني.... والله ما أقدر من غيره، والله كلنا مش هنقدر من غيره... طمني يا "ثائر".

أغمض "ثائر" عيناه بأسي، ليتنهد بألم، و يضمها إلى صدره بقوة وحنان ، مقبلًا رأسها بعشق جارف، وأردف بيقين :
بإذن الله هيكون كويس يا حبيبتي، وهيرجع ينور بيته تاني... و الحمد لله إن الحالة مستقرة والعملية كمان نجحت، يعني كلها كام يوم وهيرجع بيته بالسلامة.
لتغمض عيناها بأسي، وتزداد تلك الدمعات بالهطول، فتحرق قلبه بقسوة ، لتهمس بتوسل إلى المولى عز وجل :
ياااارب.... ياااارب.

بينما يراقبه الجميع عبر النافذة بإيماءات من رؤسهم، وتلويحات من أيديهم، وتلك الإبتسامات السعيدة تكسو ملامحهم ، ليزفر "عمر" بحنق، مردفًا بتذمر طفولي:
أنا كنت عايز أدخل أشوف "زيزو"..
فترمقه "حنان" بنظرة حانية وإبتسامة ودودة ، مردفةً برفق :
يرتاح شوية يا حبيبي وتدخل تشوفه بإذن الله.... وبعدين ممكن تشوفه معاهم من ورا الإزاز، وهو كمان هيشوفك ويطمن عليك.

ليصدح بالأجواء ذلك الصوت المرتبك بكلمات قليلة ومترددة:
مساء الخير.
ليلتفت الجميع نحو مصدر ذلك الصوت، ليجدوا "هايدي" أمامهم بطالتها المرتبكة، ويداها المتشابكة بحركة متوترة، طارقةً رأسها لأسفل، بأنفاس متقطعة، ودقات متسارعة.

فيرمقها الجميع بإبتسامة ترحيب، إلا أن هناك من يرمقها بنظرات غضب غامضة، ودقات ثائرة أرادت لو دقت عنقها وهشمت رأسها اليابس، لتهتف "ضحي" بإبتسامة :
مساء الفل يا "ديدا"... تعالي شوفي عمو "عبد العزيز " وسلمي عليه.
إقتربت منهم بخطى ثقيلة، لتلقي التحية على الجميع، وتقرب من النافذة مبتسمة لـ "عبد العزيز"، وملوحة له بيدها. رمقته للحظات وتلك الإبتسامة الشاردة تكسو ملامحها، لتدنو بأنظارها قليلًا فلتلمح إنعكاس صورته الغاضبة بذلك الزجاج.

فتتلاقى النظرات الغامضة، هناك مئات من الأسئلة والإجابات، العتاب واللوم، الرجاء والتمني، حديث طويل تجاذبته الأعين بإحترافية . لتشتعل عيناه غضبًا، وأنفاسه ليهيبًا، فيغادر المشفى دون التفوة بكلمة واحدة.

بينما "هايدي" أغمضت عيناها بأسي دون الإلتفات نحوه، لترفع أنظارها نحو "عبد العزيز " فتتساقط تلك الدمعات المتمردة، لتسحب نفسًا عميقًا وتحتبسه بصدرها علّه يثلجه أو يخفف نيرانه المستعرة، وتزفره بقوة مستديرة كليًا نحوهم، لتردف بثبات ظاهري وإبتسامة متصنعة :
حمد الله على سلامة عمي يا طنط... بعد إذنكوا هستأذن أنا دلوقتي ، وهبقي إتصل أتطمن عليه.... سلام.
لتخطو خطي مهرولة، تحت نظرات الدهشة والإستنكار من الجميع إلا أحدهم

إستقلت المصعد، لتضغط زر الهبوط، فينغلق تلقائيًا ويبدأ برحلته إلى أسفل.
تراجعت بكامل جسدها إلى الخلف حتى إصطدمت بذلك الحائط، فتهاوت دمعاتها بمرارة، لتسمح لجسدها بالإنزلاق إلى أسفل متذكرة تلك المشاهد وسط شهقاتها المرتفعة.

فلاش باك.
إستدار نحو التي إنزلقت أرضًا لتجمع ثيابها بتوتر فتواري ما كشفه ذلك الوغد وسط سيل من الدموع الذاهلة، لينتزع "حاتم" عنه معطفه، ويناولها إياه دون النظر نحوها.
رفعت عيناها المتوسلة نحوه، لتتسع حدقتاها صدمة، ويتبعها إرتطام قوي بالأرض.

ليستدير "حاتم" بجذعه للخلف لإستكشاف مصدر هذا الإرتطام، فيجد "عمر" واقفًا بشموخ ونيران الغضب تتطاير من مُقلتاه، وبيده تلك العصا الخشبية الغليظة، أما عيناه الجحيمية فقد دنت نحو ذلك الوغد المفترش للأرض وتلك الدماء الغزيزة تسيل من رأسه لتلوث الأرض حوله.

فتتعالي شهقاتها وإرتجافتها المذعورة، وتضم ساقيها نحو صدرها بكلتا ذراعيها، يرتجف كامل جسدها بقوة، ليلتفت نحوها "حاتم" ويقترب منها، دانيًا بجذعه نحوها ، فيضع ذلك المعطف عليها، ليرمقها بنظرات مطمئنة. ويهب مستقيمًا بوقفته فيستدير نحو ذلك الغاضب، مردفا بحدة :
ليه عملت كده يا "عمر"؟.... ليه تورط نفسك مع كلب زي ده؟ أنا كنت كفيل بيه، من غير ما أوسخ إيدي بدمه القذر ده.

رفع "عمر" أنظاره المشتعلة نحو "حاتم"، ليصيح بغضب :
الكلب ده كان هيضربك بالنار يا "حاتم"... يعني مش مكفيه اللي كان هيعمله في "ديدا"، لا ... كمان كان مطلع مسدس وهيضربك بيه.
أغمض "حاتم" عيناه بغضب، ليزفر زفرة قوية، وينحني نحو ذلك الوغد مردفًا برجاء :
إدعي ربنا إنه مايكونش مات، وتكون لسه فيه روح .

ليصيح" عمر" ملوحًا بيده أمام وجهه :
إدعي ربنا إنه يكون مات، عشان لو ماماتش هموته بإيديا دول.
ليتسلل إلى مسامعهم صوت أنينه المكتوم، فينتفض جسد "عمر" ويدنو منه، ليكيل له اللكمات الغاضبة، فيجد من يتلقاها عنه بقبضته القوية، مردفًا بخفوت :
خلاص يا"عمر" كفاية كده، لو عليّا هدفنه مكانه، بس ده عشان اللي هتموت من الخوف ورانا دي... إهدي بقا.... كفاية كده.

رفع "عمر" أنظاره نحو تلك الذاهلة بصمت، ودمعاتها تتدفق أنهارًا جارية، ليعود بأنظاره نحو "حاتم" مردفًا بحنق :
ماشي... عشان "ديدا" بس، لكن أقسم بالله لو لمحت طيفه في الحي ده تاني، لهعمل فيه اللي ماقدرت أعمله دلوقتي.
تركه "حاتم" ليتجه نحو "هايدي" فيجثو على ركبتيه أمامها، رامقها بنظرات مطمئنة، ليردف بهدوء :
إهدي يا "ديدا".... إهدي و ما تخافيش... مفيش حاجة ، والحيوان ده عمره ما هيتعرضلك تاني أبدًا والله ... وده وعد مني... إهدي عشان خاطري.... إهدي .

أومأت له برأسها عدة مرات بهذيان دون البوح بحرف واحد، لترسل نظراتها الهالعة نحو ذلك الممدد أرضًا، بتساؤل عن حالته، وتلك الدمعات أبت عن التوقف، ليردف "حاتم" برفق :
ماتقلقيش، هو كويس... ده جرح بسيط وهنوديه المستشفى... ما تخافيش يا "ديدا".... يلا قومي معايا عشان أوصلك لشقتكوا.

رفعت أنظارها نحوه بهلع، محركةً رأسها برفض ، لتستند على كلتا يداها وتنهض واقفة بترنح ، دون مساعدة أحد، ليردف "حاتم" بحنان وود :
إستني يا" ديدا".... تعالي معايا هجيبلك فستان من بتوع "منة" تلبسيه، لأنه ماينفعش تدخلي على مامتك بالمنظر ده .
ليقترب منها بيده ليسندها، فتدفع يده بعيدًا عنها بقوة، صارخة بجنون :
إبعد عني... إبعد عني.... كلكوا زي بعض... إبعد عني .

وتركض نحو ذلك الدرج وتصعده مهرولةً دون الإلتفات خلفها، دقائق وكانت تضع مفتاح الباب بموضعه بلهاثٍ متقطع، لتدلف إلى منزلها، ومنه إلى غرفتها مباشرة، فهي تعلم أن والدتها تناولت أدويتها وخلدت إلى النوم، حتى وإن كانت مستيقظة فهي لا تُعير إهتمام لكل هذا .
لتجد ذلك الصوت الذي جذبها من ذكرياتها المؤلمة، يدوي بتساؤل:
حضرتك طالعة معايا ولا هتنزلي هنا؟!!

رفعت "هايدي" أنظارها نحو مصدر الصوت لتجده شابًا صغيرًا، فينتفض جسدها بقوة، وتهب واقفةً، لتضم حقيبة يدها نحو صدرها، طارقةً رأسها إلى أسفل، وتغادر المصعد مهرولةً، بل تغادر المشفى بأكمله.
لتجد من يجذب ذراعها بقوة، ويدفعها داخل سيارته، وسط نظراتها المستنكرة، وصرخاتها التي تمردت ورفضت الإتصياع إلى أوامرها، بل جميع حواسها تمردت وإنتصرت.

رمقها بنظرات غامضة، ليصفع باب السيارة بقوة غاشمة ، فترفع هي أنظارها نحوه بيأس ، فتلمح بعيناه وحش كاسر حُرر من أسره ، لتغمض عيناها متنهدةً بأسي.
بينما إستدار هو حول السيارة وأنظاره مثبته عليها، ليفتح باب السيارة و يحتل مقعد القيادة بغضب جحيمي ، وينطلق بسيارته بقوة، ليخلف حوله غيامة من الدخان والأتربة.

نظرات متبادلة بينهما ، كلاهما غاضب بل مستعر.
دقائق طويلة مضت، الصمت هو السائد الأعظم بالمكان، كل منهم يحادث ذاته بأحاديث طويلة، ليتبادلا نظرات تصرخ بمكنونات القلوب وصرخاتها ، ليعبر بوابة القصر الرئيسية، بحالة جنون من السيارة لن تعادل ذرة واحدة من جنون قلبه المشتعل ، ليوقفها عنوة، فتصرخ بإستجداء الرحمة من نيران غضبه المستعرة.

ترجل عن السيارة بغضب تضاعف ، ليستدير نحوها ويفتح بابها جاذبًا يدها بقوة، دون التفوة بكلمة واحدة من كلاهما.
ليجذها خلفه راكضًا نحو الحديقة الخلفية للقصر، تلك الحديقة التي لم تطأها قدم مخلوق قط، حتى "منة" من كانت زوجته لم تطأ قدمها أرضها يوما ما ، فهو من غرس ورودها وإهتم بها، فهي عالمه الخفي كما يطلق عليه، ليدفعها أمامه بقوة، فتستدير لتكون بمواجهةً مع ذلك الوحش الكاسر، ليصرخ بها بغضب وجنون، ملوحًا بيده في وجهها:
كلنا زي بعض يا "هايدي"؟!! كلنا زي بعض!!! ... بتشبهيني أنا بالحيوان ده؟!!

الحيوان اللي من أول يوم شفته فيه وأنا مش مرتاحله ولا طايقه .. ... ويوم فرح "حمزة" لو كنت طاوعت نفسي كنت بيته في المستشفى وماكانش دكتور واحد عرف يجمع عضمه في مكانه .
ليقترب منها بشدة ويقبض على كلتا ذراعيها بقوة وعنف ، صارخًا بغضب أقوي :
إنتي إزاي تسمحي له إنه يتجاوز معاكي بالشكل ده؟!

ويشدد من قبضته على ذراعيها مكملًا بصراخ :
إنتي إزاي توافقي ترتبطي ببني أدم سافل ومنحط زي ده؟!
عقلك فين؟!!
ويجذبها نحو صدره القوي لتتلاشي المسافات وتندثر فتلفح أنفاسه المستعرة وجهها بقوة، ليصك أسنانه بغضب :
ولا إنتي ماشية ورا قلبك وبتحبيه؟!!
بس ياترى هو كمان بيحبك؟...

ليدفعها بعيدًا عنه ولا زال قابضًا على ذراعيها ، ليهتف بسخرية :
أعتقد الإجابة لأ.... لأن اللي بيحب مابيإذيش.... مابيجرح... ، مابيوجعش... مابيغتصبش حق مش حقه.
تحجرت دمعاتها بحدقتيها وتجمدت ، تلاطمت دقاتها وصرخت بقوة، تعالت أنفاسها الغاضبة
لتنفض ذراعيها بقوة فتتحرر من قبضتاه، وتلكمه بكلتا يديها بصدره فتدفعه للخلف، صارخة بغضب وجنون :
بحبه؟!.. و أسمحله؟!...

لتلكمه مرة أخرى بقوة، هاتفةً ببكاء :
ليه.... ليه جاي تلومني أنا؟!!.. ليه كل إتهاماتك متوجهة ليّا أنا؟!
ليه لازم أكون أنا المتهمة و المُدانة ؟!
ليه لازم أكون أنا الدافع لقذراته وسفالته ؟!

وتعاود دفعه بيديها للخلف، صارخةً ببكاء هيستيري :
عارف... عارف أنا مقاطعة ماما بقالي كام يوم بسببه ومابكلمهاش؟!
لتلوح بيدها في الهواء صارخةً بلوعة :
عارف إني رفضته بدل المرة ألف... وبرضه حقير وسافل ولسه بيحاول.
وتشير نحو صدرها بيدها مردفة بأسي :
عارف إنه إتفق مع أمي إني أتجوزه حتى لو بالحيلة؟! وإنها تعمل نفسها تعبانة عشان تصعب عليّا... لولا إني سمعت إتفاقهم الحقير ده.

ليهدأ صراخها وتهتف بأنين وبكاء أدمي قلبه :
عارف يعني إيه أقرب حد ليك يعاملك كأنك بضاعة بتتباع وتتشري؟! ، ولو محدش إشتراها هتعطب وتترمي.
فيزداد بكائها ونحيبها، لتردف بإنكسار :
عارف يعني إيه إبن خالتك هو اللي يحاول ينهش فيك ويستبيح شرفك؟!

عارف يعني إيه أطلع بيتنا وأنا بتمنى إن أمي تشوفي بالمنظر ده... عشان تعرف إبن أختها حيوان وسافل ومنحط إزاي ؟! .
ليرتجف جسدها بقوة وينتفض، وتزداد شهقاتها إرتفاعًا:
عارف يعني إيه طول الليل جسمي يتنفض ويرتعش؟!! ، وكل ما أغمض عيني أشوف الحيوان ده قدامي، وأشوف نفس المنظر قدامي.
وتتهادي نبرتها الغاضبة، لتدفعه بيدعها للخلف، مردفةً :
عارف يعني إيه محسش بأمان... ولا أدوق طعم النوم غير وأنا لابسة الجاكيت بتاعك.... وشامة ريحتك فيه ؟!!

عارف يعني إيه أنكسر وأتذل قدامك؟!!
لتدفعه بكامل قوتها للخلف، لكنه تسمر محله، لم يتزحزح إنشًا واحدًا، تيبست جميع عضلات جسده وخلاياه ، لتكون لكماتها بجبلٍ من جليد....
فهل آن الأوان أن يذوب وينصهر؟
لكنها إستوعبت ماتفوهت به أخيرًا، لتزفر زفرة نارية، وترمقه بنظرات غامضة.

نعم فقد دق قلبها لأجله، بعدما كان محط إعجابها فقط منذ دلوفة إلى بنايتهم وسكنه بالشقة المقابلة لها، لتنصدم هي بزوجته ترافقه.
نعم... الإعجاب الذي وئدته في مهده آن الأوان له أن يزهر عن ثمرة عشق جارف، ربما يكون من طرفٍ واحدٍ، وربما يكون الطرف الآخر بحالة نكران وتجاهل لدقات قلبه!! .

حركت رأسها بيأس، لتسيدير مغادرة تلك الحديقة الخفية، لتدوي كلمة بالأرجاء قطّعت أنفاسها ويبست أطرافها، لتغمض عيناها مكذبةً ما تسلل إلى مسامعها، فتدوي أصدائها بجدران قلبها مرة أخري:
تتجوزيني؟
سحبت أنفاسهًا بقوة، لتزفرها بغضب، فتجتاحها دمعات إنكسار، وتستدير بكامل جسدها نحوه صارخة بقلبٍ يئن ويلتاع :
إيه؟!!! ... عايز تتستر عليّا ولا إيه؟!!

ما تخافش الحيوان ده ماقربش مني، ده يدوب قطع البلوزة، ومحدش شاف ولا عرف غيرك وغير "عمر".... و"عمر" أخويا وواثقة إنه عمره مايتكلم، لكن إنت مش عارفة هتجيب سيرتي بالسوء ولا لأ؟
لتتعالي ضحكاتها الهيسترية، مردفةً بذهول :
ولا تتكلم حتى، مين هيصدق؟... المهم أكون بنت وماتلمستش صح؟، وده اللي أقدر أطمن اللي هيفكر يوم يتجوزني إني لسه زي ما ربنا خلقني.

وتكور قبضتها لاكمة موضع قلبها بقوة، صارخة بأسي أدمي قلبه وأحرقه :
بس والله ده اللي مش زي ماربنا خلقه، لأنه ببساطة إتكسر، وإتوجع، وإتحرق... عمره ماهيقدر يدي حد حب تاني... ولا هيقدر يلم وجعه ويشفي تاني.... ده اللي إداس عليه يا"حاتم".... ده اللي إغُتصب يا "حاتم"... ده .

زفر "حاتم" زفرة قوية أرفق بها خفقان قلبه ، ليقترب منها بجمود، فأردف بثبات :
كده نبقى متفقين يا "هايدي"، أنا قلبي إتكسر ومش هيقدر يديكي الحب، وإنتي كمان قلبك إتكسر ومش هيقدر يديني الحب برضه ، يبقى نركن موضوع القلوب ده على جنب ونفكر بالعقل....

ليستدير، فيوليها ظهره، واضعًا كلتا يديه بجيبي بنطاله، ويردف بجدية ولامبالاة :
إنتي مامتك عايزة تجوزك عشان أوهام في دماغها، وأنا كمان محتاج أتجوز عشان أكمل حياتي وصورتي الإجتماعية....
يبقى تعالي نتفق إنها تكون شركة بينا وكل واحد له حصة وحدود مايتعدهاش....
ليتنهد بقوة، مردفًا بنبرة متهكمة :
يعني كل طرف فينا هيلاقي اللي محتاجه في الطرف التاني.... بس مع ده كله لازم نحافظ على شكلنا قدام الناس...

يعني لو وافقتي على العرض ده، أوعدك بحياة كويسة تهربي بها من ضغط والدتك وإصرارها على جوازك...
رمقته بحالة من الصدمة والإمتعاض مما تفوه به ،لتحرك رأسها رافضة كل هذا الهراء، وتستدير مغادرة المكان دون أن تعلق على حرف تفوه به، ليستدير كليًا نحوها، مردفًا بثبات أكبر :
كده كده هتتجوزي واحد مابتحبهوش... وده بكلامك اللي لسه قايلاه دلوقتي.... بس ياترى هتلاقي عنده "همس" و "ضحي"؟

يا ترى هيوافق إنكوا تعيشوا أزواج على ورق وبس؟
يا ترى هتلاقيه صديق جانبك وقت ماتحتاجه؟
ليمط فمه محركًا رأسه بنفي، مردفًا بجدية :
أعتقد الإجابة لأ.... بس لو وافقتي.... الجواز هيكون بعد أسبوع.

أغمضت عيناها بأسي من سيل كلماته التي أدمت قلبها بسهم الجمود والأنانية ، لتزفر نيران غضبها وتخطو خطي سريعة، تاركةً تلك الحديقة الخفية، بل القصر بأكمله.

بهو القصر.
دلف الجميع إلى القصر ما عدا "ثائر" و "همس"، ليتجهوا نحو تلك الأرائك والمقاعد الوثيرة، فيحتل كل منهم مقعده بإسترخاء ، لتتنهد "فريدة" براحة :
الحمد لله إننا إطمننا على "عبد العزيز "، كنت قلقانة عليه قوي، ربنا يتم شفاه على خير يارب.

بينما وضعت "نجلاء" حقيبة يدها أعلى الطاولة أمامها، لتسترخي بمقعدها مردفةً بتأكيد :
فعلًا ياماما والله، كنت قلقانة على أستاذ "عبد العزيز " كأنه واحد من عيلتنا، وعايش معانا طول عمره... ربنا يتم شفاء على خير يارب.
لتجاوبها "فريدة" بسعادة :
الحمد لله... ربنا بعتلنا بنات ونعم الناس وعيلة ونعم العائلات، عقبال "حاتم" ربنا يكرمه ببنت ناس محترمة زي "همس" و "ضحي" كده.

لتبتسم "ضحي" بسعادة، مردفةً :
ربنا يخليكي لينا يا تيتة، إحنا اللي ربنا بيحبنا عشان كده كرمنا بتيتة سكر زيك كده، وماما عسلية زي ماما "نوجا" كده.
بينما مال نحوها "خالد" رامقًا إياها بنظرات عاشقة، ليردف بخفوت متصنع :
وبالنسبة للزوج الطيب، الحنين، القمر، السكر المحلي اللي محطوط عليه كريمة ده ظروفه إيه؟!

رمقته "ضحي" بإستنكار، لتدفعه بعيدًا عنها قليلًا، مردفة بسخط :
لا... معتش بياكل معايا الكلام ده يا حبيبي، لو عايز تاكل المطبخ لسه مفتوح، وحتى لو مش مفتوح إعمل أكل بنفسك ولنفسك، إنما شغل "شاروخان" و"كاجول" ده ما يكولش معايا ياروحي.... وزي مابيقولوا كان فيه وخلص.

ليضع كفه موضع قلبه بأسي ، ويقترب منها بنظراته الوقحة، مردفًا بمكر :
كان فـ إيه يا "دودي"؟!! ... وبعدين بعيد الشر من الإنتهاء ده يا قلبي إنتي، لإنه إنتي اللي هتبقى خسرانة في الموضوع ده ، وبعدين "كاجول" مين دي كمان اللي تملي عيني، وقلبي، وحضني ياسكر إنت.

رفعت أنظارها لتطوف الجميع بنظراتها المترقبة ، لتجد كل منهم منشغل بأمر ما، فتستقر بأنظارها نحو "خالد" هامسةً بنعومة :
"لودي" عايزة أكل بشاميل يا بيبي.
ليرفع "خالد" أحد شفتيه بدهشة، مردفًا بإستنكار :
بشاميل؟!!

أومأت له برأسها، هامسة بخفوت :
أيوة يا "لودي" نفسي أكل بشاميل دلوقتي حالًا... ممكن تعملهولي.
ليضيق عيناه بتفكير عميق، مردفا بحذر :
بشاميل؟!!!... نفسك فيه؟!!... حالًا؟!!
فيهب من مقعده، ليتقافز بسعادة غامرة، صارخًا بفرحة :
باركولي... هبقي أب.... أنا حامل...... قصدي البت "دودي" حامل.... هبقي أب يا جدعان.

إتسعت مقلتاها صدمة مما يفعل ذلك الأحمق، ومما تشدق به من هراء وكذب، لتنهض من مقعدها بحالة من الذهول.
بينما إنهال عليها الجميع بسيل من المباركات والقبلات الفرحة، لتصيح "فريدة" بسعادة :
ألف مبروك يا حبيبتي... الحمد لله يارب إني عشت، وهشوف أحفاد أحفادي.

لتعانقها "نجلاء" بدمعات الفرح مردفةً بسعادة :
مبروك ياقلبي... بس خودي بالك بقا من نفسك وبلاش تنطيط وهزار، وبلاش كعب عالي، وتنزلي السلم بشويش، نهدي كده الفترة الأولى على الأقل، يعني ممكن تيجي تقعدي معايا في أوضتي..

طوفت الجميع بنظراتها الذاهلة، لتجد "حمزة" يتجه نحو أخيه بسعادة، وينهال عليه بالمباركات الحارة، وتلك "هيا" التي تشدد من معانقتها صائحةً بسعادة غامرة :
مبروك يا "دودي"... أخيرًا هكون aunt الله.. أنا مبسوطة قوي.. مبروك يا حبيبتي .
لتتجه نحو شقيقها الذي لازال يتقافز بسعادة، وتعانقه بقوة مردفةً :
مبروك يا "لودي" هتبقى أحلى بابي في العالم.

ليبتعد عنها قليلًا، ويتجه نحو "ضحي" ويحملها إلى أحضانه ، مستديرًا بها بقوة، صائحًا بحماس :
بحبك يا" دودي"... بحبك... هكون أب يانااااس.... هكون أب.
لتهتف "فريدة" بتحذير :
براحة يا "خالد" كده غلط عليها وعلى البيبي يا إبني.
بينما إتجهت "هيا" نحو "حمزة" بسعادة، مردفة بتذمر طفولي :
"ميزو"... أنا كمان عايزة بيبي.

رمقها "حمزة" بدهشة، فتلك المرة الأولى التي تلقبه بهذا الإسم، بالإضافة إلى إعلانها برغبتها في طفل وأمام الجميع ، فلم تعد تلك "هيا" الخجلة، فقد أصبحت أكثر جرأة وأنوثة، ليقترب منها بجرأة أكثر، لافحًا وجهها بأنفاسه الحارقة، ليهمس بخبث :
وأنا كمان عايز بيبي يا قلب "ميزو"،
لتعانق يده يدها بعشق جارف، وتذوب النظرات ببحر عشق هائم، ليجذبها برفق ويصعدا إلى عالمهما الخاص.

بينما يدلف "ثائر" و "همس" إلى القصر، ليجدا حالة من السعادة والبهجة تغمر الجميع، فيتبادلا النظرات سويًا، إلى أن إستقرت نظرات "همس" المبتسمة نحوهم، لتردف بسعادة لأجل سعادتهم :
فيه إيه يا جماعة ؟!! .. فرحونا معاكوا.
إتجهت نحوها "نجلاء " مردفةً بسعادتها :
باركي لـ "ضحي"... حامل، عقبالك يا حبيبتي.... عقبالك يارب .

لتركض "همس" نحوها وتعانقها بسعادة لأجلها، فواقعيًا "ضحي" و "خالد " مضى على زواجها أكثر من الشهر أما فعليًا فالأمر يختلف تمامًا، فتردف "همس" بسعادة :
مبروك يا "دودي"... هبقي خالتو بقا، بس خودي بالك من نفسك وتاكلي كويس عشان البامبينو... عايزاة قوي كده زي خالته.

نظرات ذاهلة من "ضحي" تطوف بها وجوه الجميع، لتتحول إلى نيران غضب تنصب نحو ذلك الأحمق الذي أحدث ضجة حمقاء مثله، فكان كل هدفها هو مشاكسته، وإفتعال مقلب به.
فهل إنقلب السحر على الساحر؟!!
بينما مط "ثائر" فمه بإستنكار، ليرمق ذاك الأحمق بنظرات ثابتة، فيخطو نحوه بخطي رزينة، ويربت على كتفته مردفًا بثبات :
مبروك يا "خالد".

ليربت "خالد" أيضًا على كتف "ثائر" مردفًا بسعادة غامرة :
الله يبارك فيك يا "ثائر" عقبال عندكوا يارب، يلا إتجدعنوا بقا عايزين عروسة حلوة كده لإبني.
ليدنو "ثائر" منه هامسًا بإستنكار:
بس أعتقد إنك من يومين بالظبط كنت فرحان إنك إتجوزت.... ده إيه السرعة و الجبروت ده؟!!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W