قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل الأول

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل الأول

الله أكبر.. الله أكبر... الله أكبر.. لا إله إلا الله...
الله أكبر.. الله أكبر.. ولله الحمد.

الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله..
الله أكبر... الله أكبر.. ولله الحمد.

تعالت تكبيرات عيد الأضحى بذلك الحي الهادئ، بطرقاته الواسعة، وأشجاره المصطفة على الجانبين، واجهات المباني الموحدة بألوان هادئة كسكان هذا الحي، فهم أسرة واحدة كبيرة، يتسابقون في أعمال الخير، ومؤازرة بعضهم البعض.

توافد المصلون بثيابهم الجديدة، وشذي عطورهم الذكية، ونفوسهم الطيبة، قاصدين المسجد الكبير، الرجال والشباب يحتلون الساحة الخارجية للمسجد التي يكسوها ذلك الفراش الأخضر، أما النساء والفتيات يقطنون داخل المسجد، فتلك من أهم عادات أعياد المسلمين.
تعم الفرحة والسعادة الحي بأكمله، الجميع يعايدون بعضهم البعض حتى قبل صلاة العيد، أما تلك البناية المقابلة للمسجد، بالطابق السابع والأخير بها، تتعالي صيحات "حنان":
ستوووووب
(حنان ربة منزل من الطراز الأول، في العقد الخامس من عمرها، شُغلها الشاغل زوجها "عبد العزيز"، وإبنتها "همس"، والفتي المشاغب "عمر" وتربيتهم تربية صالحة)

يا"همس"، إنتي يابنتي صلاة العيد هتبدي، أبوكي وأخوكي نزلوا من بدري، هتأخرينا... يلا يابنتي.

ياناس أنا مطبقة، أنا والبنات طول الليل بنجهز البلالين للإحتفال، كان هذا ما حادثت به" همس" ذاتها، ليتعالي صوتها:
حاضر ياماما هظبط الحجاب وجاية على طول

إستنونا...
("همس عبد العزيز" في بداية العقد الثالث من عمرها، فتاة رقيقة وجميلة، مرحة وعاشقة للحياة، متيمة بأبطال الروايات، دائما ما تتخيل لقائها الأول بأميرها العاشق، في السنة النهائية بكلية الإعلام، عمر فتاها المدلل)

غادرت "همس" غرفتها المبهجة كحياتها، بألوانها الوردية، وفراشها الأبيض الذي يتوسط الغرفة، وتلك الأريكة الوردية، وخزانة ثيابها البيضاء، ٠وتسريحتها التي تتزين بالقليل من أدوات التجميل، أما هذا الحائط المقابل لفراشها، فهو كمعرض لصورها بمراحلها العمرية المختلفة، كذلك صورها مع أسرتها الصغيرة .

لتخرج إلى تلك الردهة الواسعة التي تتوسطها طاولة كبيرة للطعام بمقاعدها العشر، تلتفت يمينا لتجد والدتها تحتل إحدى الأرائك تنتظرها بحنق، تركض همس نحوها لترتمي بأحضانها، وتقبلها بمشاكسة:
صباح الفل على عيون أحلى "نونا" في الحي.

رمقتها "حنان" بمكر: كلي بعقلي حلاوة يا بنت "عبد العزيز"، يلا إتأخرنا على صلاة العيد، عشر دقايق ويقيموا الصلاة

إبعتدت "همس" عنها قليلًا لترمقها بإبتسامة، وتنحني على يدها مقبلةً إياها بحب:
كل سنة وإنتي وسطنا يانونا، والسنة الجاية تكوني إنتي وزيزو في مكة.

ربتت " حنان" على كتف إبنتها بحنان، وتشدد من إحتضانها:
ويسعدك يا"همس" يابنتي، ويرزقك بإبن الحلال اللي يريح قلبك.

أومأت " همس" برأسها في أحضان والدتها:
أيوة يانونا، عايزاه كدة زي عمر اللي في مسلسل حب للإيجار، ركزي بقا في الدعوة دي.

لكمتها "حنان" برقة:
خليكي إنتي عايشة في التركي، والروايات بتاعك،
لتشهق "حنان" بتذكر، وتهب من جلستها: الصلاة، ربنا يسامحك يا"همس".

لحقت بها" همس" بضحكاتها المرحة، وتبعت خطي والدتها بسعادة:
أوك ماما، علشان أخلص صلاة وأطلع أنا وعمر والبنات على طول.

تعالت تكبيرات الإمام للصلاة، يتبعه المصلون رجالًا ونساءًا داعين الله أن يكون عيدهم القادم بمكة المكرمة، ليتم الإمام ركعتي العيد، وتنتهي الصلاة، لينفض الجميع، يبدأ الشباب بجمع الفراش الذي يكسو الساحة، والفتيات بتوزيع بعض الحلوى على الأطفال.

ركضت "همس" جاذبة أيدي صديقاتها "هايدي" ( صديقة همس وزميلتها بالجامعة، تسكن بالبناية المجاورة لها، على قدر متوسط من الجمال)
و"ضحى" ( تصغر همس بعامين، بكلية التجارة جامعة القاهرة، تسكن بنفس البناية مع همس، تتمتع بقدر كبير من الجمال)
متوجهين إلى الروف العلوي للبناية أو "عالم همس" لتتعالي هتافات هذا المشاغب "عمر"
(الأخ الأصغر والوحيد لهمس، طالب بالصف الثالث الثانوي، شاب وسيم، محبوب من جميع سكان الحي)
:إستنوا هنا أنا جاي معاكوا.

صاحت" ضحي" بحماس:
بسرعة يا عمور، الأطفال مستنين زي كل سنة، يلا يا"همس"، يلا يا"هايدي".
تبعهم "عمر" راكضًا ليستلقوا جميعهم المصعد، قاصدين"عالم همس".

توقف المصعد، ليغادروه جميعا، رامقين تلك اللافتة المزينة بتلك النجوم اللامعة، لتضع "همس" المفتاح بالمكان المخصص له، وتديره يمينًا، تتنهد براحة ممزوجة بسعادتها، فهذا عالمها الخاص، تدفع الباب بهدوء، ليتسمروا جميعًا من روعة هذا العالم الذي تفوح منه رائحة الياسمين الممزوج بالفل و الورد الجوري، اللافندر، التوليب، وزهور أخرى نادرة، لتتدلي به تلك النجمات اللامعة، تكسو أرض هذا العالم اللون الأخضر الزاهي. نعم فهذا العالم قطعة من الجنة.

إستدارت "همس" بكامل جسدها لتصبح بمواجهتهم، تجوب بحدقتاها ملامحهم الذاهلة، تحرك يدها بهدوء أمامهم، مردفةً:
إيه؟ روحتوا فين؟!
أغمضت "هايدي" عيناها وفتحتها مرات عديدة، لتتنفس بعمق فتستنشق ذلك الشذي بهيام، قائلةً:
دي حتة من الجنة يا "همس".

أردفت "ضحي" بشرود:
حقك ماتدخليش حد "عالم همس"، وتمنعينا كلنا من إستخدام الروف.
ليصيح "عمر" بجدية:
تمنعكوا كلكوا آه، لكن أنا أخوها، يعني لازم أدخل الجنة دي.

رفعت "همس" سبابتها محذرة، وهي تردف:
هندخل نرمي كيس البلالين، ونخرج على طول، محدش يلمس أي حاجة، ولا يقرب من أي زهرة، فاهمين.
آومأ ثلاثتهم بهذيان:
وعد.
أردفت "همس" بقلة حيلة:
ماشي.. هصدقكم، دي أول وآخر مرة.

رمقها "هايدي" بإستنكار، مردفة:
لأ طبعًا... أومال هنرمي البلالين كل سنة منين؟!
سحبت "همس" نفسًا عميقًا، لتزفره ببطئ:
ربنا يسهل... خلينا في العيد ده. يلا.

دلفوا جميعًا إلى "عالم همس"، ذلك المكان الواسع بمساحة البناية كاملةً، ماعدا تلك الغرفتين الجانبيتين، فهو حديقة زهور جميلة، وزاهية، وبعضها زهور نادرة، مزينة بتلك النجمات المضيئة، لتكسو عالمها بالغموض.

إلتقطوا ذلك الكيس العملاق من الأرض، ليرفعوه جميعا أعلى سور الروف، ويفتحوا طرفيه، لتتطاير البالونات الملونة فتغطي سماء الحي. قفز الأطفال رافعين أذرعهتم بسعادة لإلتقاط البالونات، ورفع الجميع أعينهم بسعادة، مبتسمين لتلك الحورية التي تتفنن في إسعاد الجميع.

ربنا يسعدها يا"عبد العزيز" يا أخويا زي مابتسعد الأطفال دي كل سنة.
أجابه "عبد العزيز " بإبتسامة إمتنان:
ربنا يخليك يا"محمود" ياأخويا.

(محمود الأخ الأكبر لعبد العزيز، طيب وعطوف، لكن زوجته هي المسيطرة، والد قاسم هذا الشاب المستهتر الطالب بكلية تجارة من ٦ سنين. )

همس" قاسم" بخفوت:
أيوة ده أحسن وقت ألمح فيه لعمي "عبد العزيز" على موضوع "همس"
فأردف بخبث:
"همس" بقت عروسة ياعمي، المفروض تبطل لعب العيال ده.
رمقه "عبد العزيز" بإبتسامة مستنكرة:
لعب عيال إيه يا ابني؟!
أنت مش شايف الأطفال حواليك مبسوطة وفرحانة إزاي؟

قطع حديثهم "حاتم" (شاب وسيم، متواضع، خلوق، إنضم للحي حديثًا هو وزوجته، بالبناية المقابلة لبناية عبد العزيز)
: كل سنة وحضرتك طيب يا عم "عبد العزيز"، والسنة الجاية تكون على جبل عرفات يارب.

صافحه "عبد العزيز" بحرارة وبشاشة:
وأنت طيب يا "حاتم" ياابني، آمين يارب، ونكون صحبة يارب.
إلتفت "حاتم" حوله بسعادة لسعادة الأطفال:
ماشاء الله الأنسة "همس" قدرت تفرح الأطفال، ربنا يفرحك بيها.

رمقه "قاسم" بتحفز مردفًا:
نعم؟! ... والمطلوب إيه يعني؟!
قاطعه "عبد العزيز" بحنق:
ده أستاذ "حاتم" منقول جديد للحي وهو والمدام.

إنفرجت إبتسامة "قاسم"، فأردف بحفاوة:
أهلا وسهلا يا أستاذ "حاتم"، نورت الحي.
أومأ "حاتم" بإقتضاب، مردفًا:
ميرسي... وإلتفت نحو "عبدالعزيز" مبتسمًا:
عيد سعيد ياعمي.. بعد إذنك.

غادر "حاتم" هامسًا بتهكم:
لا خوفت ياواد... أعوذبالله دا أنت عيل سمج، مش عارف ده إبن أخو الراجل الطيب ده إزاي؟...، وإزاي قريب الملاك دي؟!...
ليرفع عيناه لأعلى رامقًا "همس" بإبتسامة فخر، مكملًا بتساؤل:
و قريب "عمر" السكر ده إزاي؟! .

يلا نطلع نفطر ونقعد فوق لحد ميعادنا مع الجزار:
هذا ما تفوه بها" عبد العزيز".
ربتت "محمود" على كتف شقيقه بود:
يلا يا "أبو همس"، "أم قاسم" طلعت فوق مع "أم همس" عشان يحضروا الفطار، علشان بعد ما ندبح أروّح على طول، الواحد حاسس بشوية تعب.

أردف "عبد العزيز" بقلق:
سلامتك من التعب يا حبيبي، بس لازم تقضوا اليوم كله معانا، وعلى آخر النهار إبقوا روحوا.
"قاسم" برجاء:
أيوه يابابا نقضي اليوم مع" همس" ..أحممم أقصد و"عمر"، يعني معاكوا كلكم.
إبتسم "عبد العزيز" إبتسامة مصطنعة، فهو يرى "قاسم" شاب مستهتر، ليردف:
تنوروا يا ابني، ماهما أخواتك برضوا وأنت أخوهم الكبير، يلا إتفضلوا.

"عالم همس"
إقتربت "هايدي" من إحدي الزهور النادرة، لتستنشقها بسعادة، مردفة:
الله يا "همس" حلوة قوي الزهرة دي ..،نوعها إيه ؟
لتركض "همس" نحوها بصدمة: ماتلمسهاش، دي زهرة رقيقة جدًا.. ودي نوع من أنواع الأوركيد.

ودي يا"همس"؟!
: تعالي بها صوت "ضحى".
إقتربت "همس" منها بإبتسامتها العذبة: دي شقائق النعمان، ودي بيني وبينها عشق خاص، واحدة صاحبتي جابتهالي من سوريا، والتربة بتاعتها زي ماانتي شايفة تشبة للتربة الجبلية.

رمق "عمر" أخته بنظرات حب ممزوجة بفخر، ليردف بسعادة:
كويس إنك عرفتي تتفاوضي مع صاحب البيت عشان يسيبلك الروف .
زفرت "همس" بإقتضاب، مردفة:
ماتفكرنيش... مارضيتش غير لما كل سكان العمارة وافقوا... ده غير الإيجار، طلب مبلغ كبير.

تذم فمها بإستياء مكملة:
و كتب العقد بالعافية، والأوضتين اللي ورانا دول مليش علاقة بيهم.
ليقطع حديثها صوت والدها هاتفًا بإسمها.
دفعهم برفق خارج عالمها، مردفةً:
يلا من هنا.. بابا بينادي، زمانهم جهزوا الفطار.. .. يلا قبل ما السمج "قاسم" ينقض على الأكل ويخلصه.
رمقها "عمر" بنظرات ممتعضة، ليردف: ياي... إفتكري حاجة عدلة.. دا واد دم أمه يلطش.
ليغادر الجميع قاصدين منازلهم.

قصر السيوفي
قصر ضخم على الطراز الحديث.. بإرتفاع أربعة طوابق، حديقة شاسعة على مرمى البصر، بها ثلاث حمامات سباحة. ومرأب كبير للسيارات، وإسطبل كبير للخيول.
على حافة أحد حمامات السباحة شاب يضع إحدى يداه بجيب سرواله الجينز الأزرق، ويهاتف أحدهما بشكل حانق، نقترب منه قليلًا، لكنه يتجاهلنا:

سيدي!هل من نظرة؟!
إستدار كليًّا ليرمقنا بنظرة غاضبة، ولكن وإن كنت في أوج غضبك، يشع ذلك الحُسن من وجهك، فماذا إن كنت هادئ؟!
ماهذا التيشيرت الأبيض الذي تزينه بوسامتك وجسدك الرياضي؟! .
ماتلك الغابة الإستوائيه التي تزين ماستيك اللامع؟!، أتلك ما تسمعي بعيون القطط؟!

أم أنك أقسمت أن تقتل النساء بتلك اللحية الخفيفة التي تزين وجهك؟
أستحلفك.. بلاها تلك النظرة القاتلة.
لما تفتعل كل تلك الثورة سيدي؟!
أَ أنت.! .. "ثائر" (ثائر أحمد السيوفي، ثلاثون عامًا، رجل أعمال من الطراز الرفيع، رئيس مجلس إدارة السيوفي جروب)

ليردف بنبرة عالية بعض الشئ:
يعني برضه مصمم على اللي في دماغك، يا صاحبي؟!، النهاردة العيد.. كل سنة وأنت طيب، والعيلة كلها متجمعة من غيرك، يعني سعادتنا هتبقى ناقصة.

المتصل:...
تنهد ثائر بإستسلام، مردفًا:
ماشي.. خليك براحتك، وسلم على "منة"، وأنا جايلك بكرة.
تعالت صيحاتها بسعادة:
أبيه "ثائر" الكل مستنيك على الفطار.

أومأ برأسه، قبل أن يردف:
أوك "هيا" حبيبتي
(هيا صلاح السيوفي، إبنة عم "ثائر" ذات الثمانية عشر عام، طالبة بالجامعة الأمريكية، ذات جمال راقي، هادئة الطباع، أميرة عائلة السيوفي)

إتجه "ثائر"نحوها بإبتسامته العذبة، فيرفع يده قليلًا ليضمها إلى جانبه بحنان الأخ، مردفًا بحنو غامر:
يلا يا "يوكا"

ضمت خصره بكلتا ذراعيها، لتميل برأسها على صدره بأمان، مردفةً:
كل سنة وانت طيب يا أعظم أبيه "ثائر" في العالم.
قبّل "ثائر" رأسها بحنان:
وانتي طيبة يا أميرة عيلة "السيوفي".

ليتوجها سويا ناحية ذلك البهو العملاق، الذي تتوسطه طاولة طعام ضخمة، يحتضنها عدد كبير من المقاعد الراقية.
تترأس تلك الطاولة "فريدة" هانم السيوفي (جدة أحفاد السيوفي، بنهاية عقدها السابع من عمرها، لكنها تحتفظ بجمالها الفاتن، قاسية نوعًا ما، التقاليد عندها أولًا وأخيرًا)

إلى يمينها "نجلاء" (والدة "ثائر" و "حمزة" أحمد السيوفي، في نهاية العقد الخامس من عمرها، هي أم لجميع أحفاد السيوفي، تمتلك حنانًا يغطي العالم)

إلى جانبها "حمزة" ( حمزة أحمد السيوفي، الشقيق الأصغر لثائر، مهندس بمجموعة السيوفي، في منتصف العقد الثالث من عمره، شاب جادي لأبعد الحدود، حياته كلها العمل، والرياضة).

رمقته "فريدة" بصرامة، مردفةً بحدة:
الفطار جاهز من بدري، لازم نبعتلك حد؟!، إنت عارف إن مواعيد الفطار مقدسة في البيت ده.
إقترب "ثائر" بثبات من والدته، ليقبل رأسها بحنان، مستنشقًا رائحة الأمان من قربها، ليهمس:
كل سنة وإنتي طيبة يا ست الكل.
رفعت "نجلاء" يدها لتربت على يد ولدها، ورمقته بنظرات حنونة، مردفةً:
وإنت طيب يا حبيبي، ربنا يسعدك.

جذب "ثائر" مقعده بجوار والدته، ليحتله بكبريائه وشموخه المعهودين،
لما لا وهو الحفيد الأكبر لعائلة السيوفي؟!، تنهد بهدوء ملتفتًا لجدته:
بس فين باقي الأسرة الكريمة يا "فريدة" هانم؟!، مش شايف غيرنا هنا.

أنا هنا أهو:
هتف بها "خالد "
(خالد صلاح السيوفي، ٢٦ عام، شاب مستهتر، كل همه السفر والسهر مع الشلة، خريج جامعة أمريكية).

دائما ما يحاول كسب رضا جدته، حتى ولو بأساليبه الملتوية، لكنها دائما ما تنجح في كشف مكره
يردف "خالد" بإبتسامة:
صباح الخير"فريدة" هانم.

تركت السكين من يدها، مردفةً بغضب:
مفيش إلتزام ولا إحترام للمواعيد، دي قمة الإستهتار والتسيب،
لترفع عيناها نحو "هيا"، صائحةً بغضب جليّ:
وإنتي هتفضلي واقفة عندك كده كتير؟! .

حاولت "هيا" أن تستجمع شجاعتها، وقوتها، لكن دون جدوى، ليزداد توترها أضعافًا، فتهمس بتلعثم:
أوك تيتة.. هقعد أهو.
تطايرت شرارات الغضب من مقلتاها، فصرخت حانقة:
"فريدة" هانم... مفيش حاجة إسمها تيتة.

تجمعت الدموع بمقلتاها متحجرة، لترمق "ثائر" بأسي، فيحتضنها بنظراته المطمئنة، والحنونة، فهو يعلم مدى رقة أميرتهم الصغيرة، فإنفرجت إبتسامة خفيفة بشفتاها، لتجذب مقعدها المجاور لمقعد "خالد"، وتحتله بهدوء.
رمقها "فريدة" بغضب، صائحةً:
سايبة الكرسي ده فاضي ليه؟!

ألقى "ثائر" ملعقته بغضب، هاتفًا:
أظن كلنا عارفين الكرسي ده بتاع مين...
فمكانه هيفضل مستنيه لحد مايرجع بيته تاني.
هبت " فريدة" من مقعدها بغضب، لتصيح:
وأنا قولت إنه مالوش مكان في القصر، وعمره ما هيدخله طول ما أنا عايشة.

هب "ثائر" هو الآخر من مقعده، هاتفًا بحنق:
براحتك... بس في الحالة دي إعتبريني بره القصر، وإنسي إن ليكي حفيد إسمه "ثائر السيوفي"
ليغادر القصر بغضب جامح، فتتبعه "نجلاء " بحزن لحال أولادها، فتهتف راجيةً:
إستني يا"ثائر ".

ثبت محله، فيستدير كليا إحترامًا لوالده، مردفًا بإبتسامة ودودة:
نعم ياماما.. أوامرك يا ست الكل.
إبتسمت "نجلاء" برضا، فهي تعلم القلب الكبير وراء ذلك الثائر. إقتربت منه بحب، لتلتقط كفه بحنان، مردفةً:
حبيبي ماينفعش كده، دي مهما كانت جدتك، يعني لازم تقدرها وتحترمها، ومصير الغايب يعود.

تنهد "ثائر " براحة، فوالدته من تمتلك الحق في مراجعة قراراته، ليردف بهدوء:
تحت أمرك يا حبيبتي، هخرج شوية وهرجع آخر النهار.
ربتت على يده بحنان، فولدها هو عمود هذه العائلة، هو أمانها ودرعها الواقي، لتهمس بود:
ماشي ياحبيبي، بس إفتكر إنك عمود القصر ده، وأنك السند لأخواتك كلهم، و بالأخص "هيا"، إنتي أمانها وضهرها لحد ما تسلمها لإبن الحلال اللي يصونها، دي أمانة عمك، ومرات عمك الله يرحمهم.

إقترب منها "ثائر" ليرفع يده أعلى رأسها فيقربها قليلًا منه، ويدمغ قبلة حانية على رأسها، مغمضًا عيناه بهدوء، هامسًا:
الله يرحمهم يارب، ربنا يخليكي لينا يا حبيبتي.
إبتعد عنها قليلًا، ليصبح مقابلا لها، مردفًا بمحبة:
أنا همشي دلوقتي، لو إحتاجتي حاجة إتصلي بيا.
ليغادر "ثائر " متوجههًا نحو مرأب السيارات فيستقل سيارة جيب سوداء، وينطلق مغادرًا القصر.

منزل عبد العزيز.
أخذت " حنان" تعد للفطور أنواع الطعام المختلفة، وتغمرها سعادة شديدة لإجتماع أسرتها، وأسرة " محمود" ببيتها، فهي دائما ما تدعو الله عزوجل أن يظل مفتوحًا بوجود" عبد العزيز" زوجها ورفيق دربها بالحياة، لتردف بإبتسامة:
خدي يا"همس" طلعي الأكل ده على السفرة.

تناولت "همس" الأطباق، وهمت بمغادرة المطبخ،
لتجد من يجذب تلك الأطباق من يدها، لترمقه بإبتسامة متهكمة، فهي تعلم مدى سماجة هذا الكائن الذي أردف بإبتسامة:
هاتي من إيدك يا ست البنات.

جذبت "همس" الأطباق نحوها، مردفةً بحدة:
أنا هوديها يا "قاسم"، مش تقيلة يعني!، روح إنت إقعد مع بابا وعمي وطنط...
لتتعالي هتافاتها:
يا"عمر"كلم " قاسم" كان بيدور عليك.

إقترب "عمر" واضعًا يده أعلى كتف "قاسم"، مردفًا بسخرية:
ماتيجي تقعد مع الرجالة يا كبير، وسيب عمايل الأكل ده للستات.
أردف "قاسم" بتبرير:
بس أنا بساعد مرات عمي.

"عمر" هامسًا لذاته يابني أنا عارف إنك هنا عشان "همس"، بس ده ولا في أحلامك، دي لو هتفضل من غير جواز عمرنا ما نوافق بيك، ليبتسم إبتسامة ماكرة، مردفًا بصوت مسموع:
ياإبني ده أنا اللي إسمي إبنها، ما بساعدهاش وقاعد مع الرجالة بره،
ليجذب يده نحو الخارج بإصرار:
بس تعالي بس نقعد بره.

إستدار "قاسم" و"عمر" ليغادرا المطبخ، وإلتفت "عمر " برأسه نحو شقيقته، ليرسل لها قبلة طائرة، فتبادله "همس" القبلات الفضائية بسعادة لوجود ذلك السند بحياتها، رغم صغر سنه، لكنه رجلًا بجميع أفعاله وتصرفاته.
شردت "همس" بضيق، محدثةً ذاتها بحنق:
يخربيت كده ده أنت واد رخم، إمتى الفطار يخلص خليكوا تمشوا من هنا ؟!، والله لو على عمو بس يقعد العمر كله، لكن إنت وأمك لأ ولا لحظة حتى...

ليقطع شرودها نداء والدتها:
يا"همس" خدي الماية دي معاكي ياحبيبتي...، ويلا علشان نفطر.
توجت "همس" لطاولة المطبخ، لتحمل زجاجات المياه، وبعض الأكواب الزجاجية، مردفةً بإبتسامة ودودة:
عيوني يا "نونا" وأديني أخدت الماية، يلا إنتي كمان تعالي.

إتجهتا سويا قاصدين طاولة الطعام، لتردد "حنان" ببشاشة وترحاب:
إتفضل يا "أبوقاسم"، يلا "أم قاسم"، يلا ياجماعة، مش محتاجين عزومة إنتوا في بيتكم.

ليصيح "قاسم":
عزومة إيه ياطنط! على رأيك إحنا في بيتنا.
فيرمق "همس" بنظرات إعجاب، ليجد صفعة خفيفة من "عمر" إستقرت على ظهره، مع كلمات ساخرة:
أكيد يا "قاسم" بيت عمك في مقام بيتك، مش كده يابابا؟.

رمق "عبد العزيز " ولده بنظرات مترجية، فهو يعلم مدى ضيق أولاده من إبن عمهم، ليبادله "عمر" إبتسامة خفيفة فهو أيضا يعلم مدى حب والده لشقيقه، وعدم رغبته في إزعاجه يومًا ما.

إجتمعت الأسرتان حول الطاولة بسعادة، فتجمعهما نادر الحدوث، أو حدوثه بالأعياد. تخلى "عبد العزيز " عن مقعده بطيب نفس لشقيقه، وجلس بآخر، وبدأوا يتجاذبون أطراف الحديث، ولا يخلو الجو من نكات "قاسم" السخيفة، لتهتف والدة قاسم بإبتسامة ماكرة:
ماشاء الله عليكي يا "همس" بقيتي عروسة زي القمر، وdress تحفة عليكي.

إبتسمت "همس" إبتسامة متصنعة، لعلمها مغزى حديث زوجة عمها:
ميرسي ياطنط، عروسة إية! لسه بدري على الكلام ده، أنا بفكر في مستقبلي وشغلي الأول.
إبتسمت "أم قاسم" إبتسامتها الخبيثة، مردفةً:
البنت مالهاش إلا بيتها وجوزها، هتعملي إية بالشغل؟!، وراجل مين هيوافق إن مراته تشتغل مذيعة؟! .

تطايرت شرارات الغضب من حدقتاها، كادت أن تتفوه بكلمات لاذعة، لتوقفها نظرة والدها المحذرة، وكلماته الهادئة:
لسه بدري على الكلام ده يا "أم قاسم"، مستقبلها أهم.
لتلوي "أم قاسم" فمها عدة مرات متتالية، هامسةً بصوت خفيض:
مش عارفة أنتوا شايفين نفسكم على إية؟!
ولا هي اللي فاكرة نفسها الأميرة ديانا،.. حكم.

ليميل "محمود" نحوها، مردفًا بخفوت: ماينفعش الكلام ده، كل واحد حر في حياته.
رمقته بنظراتها النارية، لتموت الكلمات بين شفتاه، ويسعل بقوة عدة مرات، فيناوله "عبد العزيز" كأس الماء، مردفًا بلهفة:
سلامتك يا "أبو قاسم"، إتفضل إشرب.

مال "عمر " نحو "همس" واضعًا يده أعلى فمه، ليخفي كلماته المتهكمة: حنفي..
لتهمس "همس" بسخرية هي الأخرى: هتنزل المرادي.
رمقتهم " حنان" بنظرات عاتبة، فيقطع الأشقاء حديثهم إحترامًا لنظرة والدتهما.
ليقاطعهم رنين هاتف"عبد العزيز" فقد حان موعدهم مع الجزار لذبح أضحية العيد.

غادر "عبد العزيز"، "محمود"، "قاسم"، " عمر " المنزل متوجهين إلى الجزار لإتمام مراسم ذبح الأضحية، وتوزيعها على الفقراء والمساكين.
لتردد "حنان " بود:
نورتينا يا "أم قاسم" كل سنة وإنتي طيبة يا حبيبتي، والسنة الجاية تكوني على عرفات.

حادثت "همس" ذاتها بحنق خفيف:الموضوع شكله هيطول، وأنا هموت وأنام،
لتردف بصوت هادئ، بعدما نهضت من مقعدها:
بعد إذنك ياماما، أنا فاصلة ومحتاجة أنام.

بادلتها " حنان" إبتسامة حب، مردفةً بحنو:
إتفضلي يا حبيبتي... إنتي مطبقة من إمبارح.
لتغادر "همس" إلى غرفتها وعلامات الإرهاق تكسو ملامحها.

إعتدلت "أم قاسم " في جلستها، وعدلت من وضع حجابها بتوتر، لتربت على ساق "حنان"، مردفةً بجدية:
بقولك يا "حنان" ياختي، إيه رأيك لو ناخد "همس " لـ "قاسم"؟ وأهو إبن عمها وأولى بيها من الغريب.

حمحمت "حنان" مردفةً:
غريب إيه وقريب إيه يا "أم قاسم"!، وبعدين "همس" لسه في الدراسة، و لسه بدري على الكلام ده.

أجابتها "أم قاسم " بإبتسامة ماكرة:
بدري من عمرك يا حبيبتي، وإحنا في سنها كان عيالنا بتجري حوالينا.

أردفت "حنان" بجدية:
ده كان زمان... الزمن إتغير، دلوقتي البنت لازم تختار حياتها بنفسها..
لتتنهد "حنان" بحنق، مكملة:
ماتقومى يا حبيبتي تريحيلك شوية في أوضة" عمر" علي ما الرجالة تخلص وترجع.

همست "أم قاسم" بتفكير عميق:
الأحسن أنام مع البت "همس" عشان أفتح الموضوع معاها، وأهو الزن على الودان أقوى من السحر...
لترفع صوتها نسبيًا:
لأ... أنا هدخل أنام في أوضة "همس".

إبتسمت "حنان" إبتسامة باهتة، لتردف بأسف:
معلش يا حبيبتي "همس" مابتحبش حد ينام جنبها... إتفضلي إنتي في أوضة "عمر".
لتجذب يدها برفق، متوجهة نحو غرفة "عمر "

قصر السيوفي
غادر "حمزة" طاولة الطعام بجدية، بعدما إنتهى من تناول فطوره، لتهب "هيا" من مقعدها متتبعةً خطاه بشرود، فهو ساكن الروح والفؤاد، هو معشوق الطفولة والشباب، لتهتف بإشتياق:
"حمزة".
توقف "حمزة"، ليستدير بكامل جسده فيصبح مواجهًا لها، بنظراته الصارمة:
أيوه يا "هيا"... فيه حاجة؟!

هامت بنظراته المهلكة لها، لتتنهد بعشق جارف، مغمضةً عيناها بولهٍ، _يا إلهي! ... فرنين صوتك يُراقص أوتار قلبي... يأخدني لعالم وردي... أنت ملكه المتوج، وأنا أميرته العاشقة... ليتك تستشعر دقات قلبي!، ليتك ترى بريقي الذي يزداد لمعانًا بحضورك الطاغي!، ليتك تتلمس رجفة جسدي قربك! _.

لينتفض جسدها بقوة، فتعود إلى أرض الواقع فور هتافه المستنكر:
"هيا "! ... كنتي عايزة حاجة؟!
لملمت "هيا" ذاتها بثبات ظاهري، يواري تلاطم ذراتها العاشقة:
أبدًا... كنت هقولك كل سنة وإنت طيب.

وإنتي طيبة حبيبتي:
كان هذا ما هتف به "خالد " بسعادة، ليقترب منها، محتضنها بعطف وود، فيقبل جبينها بحنو.
إلتفت نحوه بإبتسامة، فكم كانت تتمنى أن تكون تلك الكلمة مغلفةً بغلاف شفتاه الحانية، لكن _ليس كل ما يتمناه المرء يدركه_، لتردف بمشاكسة:
وإنت طيب "لودي"... وبعدين ماينفعش كده، فين العيدية؟! .
لتمدد يداها نحوهما بإبتسامتها الساحرة.

تعالت ضحكات "خالد" الساخرة، ليردف مستنكرًا:
بقا "هيا السيوفي " محتاجة عيدية! .
إبتعدت عن أحضانه بتذمر طفولي، فعديته لا تعنيها شئ، ولكن أي شئ يتلمسه معشوقها بأنامله تحتفظ به بالقرب من قلبها النابض بعشقه_، لتصيح بطفولية:
أيوه..! عايزه عيدية منكم إنتو الإتنين.

إلتقط "حمزة" بضع وريقات مالية من جيب بنطاله، ليلتقط كفها فاتحًا إياه، فيضعها به، مردفًا بجدية:
كل سنة وإنتي طيبة "يوكا"، وآدي وعديتك يا ستي .
سرت تلك الرجفة اللذيذة بأوصالها، مجرد أن لمست أنامله كفها، لتتسارع ضربات ذلك الأهوج، فتتلعثم كلماتها، مردفةً:
و... إنت... وإنت طيب.

غادر "حمزة" القصر دون إنتظار بقية كلماتها، ليتوجه نحو "السيوفي جروب"، رغم إجازة العيد، فهو لايبالي بتلك الإجازات، فحياته لا تكتمل إلا بعمله الجاد.
تابعته بنظراتها الولهة، حتى إختفي عنها، لتجد "خالد" يردف بجدية:
أنا مسافر يومين مع أصحابي، ما تيجي معانا يا "يوكا".

لتتنهد بألم يعتصر فؤادها، لمغادرة معشوقها كمن يستكثر عليها بضع لحظات قربه، لتردف بحزن:
لأ يا" لودي"، سافر إنت .. أنا هطلع أوضتي أنام .
أومأ لها برأسه قبل أن يغادر لينضم إلى أصدقائه، لتبدأ رحلتهم إلى شرم الشيخ.

شاطئ نيل القاهرة
وقف "ثائر " بشموخه الراسخ، واضعًا كلتا يداه بجيبي سرواله، يتأمل تلك البواخر النيلية الصاخبة؛ بأصوات الأغاني المرتفعة، وهتافات السعادة التي تتعالي من أناسٍ بسطاء للغاية، يمتلكون القليل من المال، ولكن أيضًا يمتلكون الكثير من السعادة، فتنهد بأسي لسعادته المفقودة، مع فقدانه رفيق دربه، ليعلو صوتًا رجوليًا ممزوج بنبرة تهكمية ساخرة:
برضه لسه بتيجي هنا يا "ثائر"!...

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية