قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية هدوء بعد العاصفة بقلم فاطمة حمدي و شيماء علي الفصل السابع (جفاء)

رواية هدوء بعد العاصفة بقلم فاطمة حمدي و شيماء علي

رواية هدوء بعد العاصفة للكاتبتان فاطمة حمدي و شيماء علي

الفصل السابع بعنوان: جفاء

بعد مرور ساعتان، استيقظت ليلى من نومها، فقد غفت في نوم عميق منذ أن عادت من الدرس، توجهت إلى الحمام حتى تغتسل ريثما تبدأ مذاكرتها، لكنها استنشقت رائحة نفاذة تخترق أنفها، عقدت حاجبيها وتشممت ملابسها ويدها ربما تكن رائحته التي علقت بها، ولكن الرائحة تملأ المنزل وكأنه هو هنا!.
سمعت صوت جدتها تحية وهي تنادي عليها بحنوٍ كعادتها:
-ليلى، تعالي يا حبيبتي عندنا ضيوف.

رمشت ليلى بعينيها وهي تتجه نحو الصالة في استغراب، اصطدمت عيناها بعينيه آنذاك وضرب قلبها كالطبول، لم تستعب شيء؟!، ما الذي أتى به إلى هنا!، وقفت كالجماد بلا حراك وهي تناظره بريبة، فحضوره كان طاغي وثباته سبب لها رهبة عجيبة، رغم أنه كان في حالة استغراب مثلها إلا أنه كان ثابت جامد الملامح يرمقها فقط بإمعان ونظرات استفهام قبيل أن تهتف الجدة بدهشة:
-إيه في إيه يا ولاد مالكم كدا؟.
نظر لها فارس وقال متنهدًا:
-مين دي؟

فضحكت الجدة بخفوت وأجابته:
-لك حق متعرفهاش مأنت على طول مسافر ومتاخدش بالك إنها كبرت كدا، دي ليلى بنت عمك حسن الله يرحمه.
توسعت عيناه بدهشةٍ عارمة وهو يردد:
-نعم!
فغرت ليلى شفتاها وراحت تهتف هي الأخرى في صدمة:
-عم مين؟، مين دا يا تيتة، أنتِ بتهزري أكيد!
-يابنتي في ايه أنتِ وهو دا ابن عمك حسين ..

-مش معقول!
همست وهي تناظره وتبتلع ريقها الجاف، أما هو فقد لوى فمه متهكمًا وقال:
-أهلا.
تضايقت من إسلوبه الفظ معها، وتذكرت أنه قد أخذ انطباعه عنها، هي فتاة ضائعة تسير مع هؤلاء الشباب الضائعين مثلها..
-تعالي يابنتي اقعدي وأنا هقوم أجبلكم من الكيكة اللي أنا عملاها.
نهضت الجدة ما إن أنهت حديثها، وظلت ليلى واقفة بمكانها في توتر، ارتباك بالغ سيطر عليها وهي تراه مركزاً ناظريه عليها، أرجعت خصلة من شعرها خلف أذنها وهي تحاول الثبات أمامه، جلست بخجل على الأريكة المقابلة أمام نظراته المخترقة لها، وضع ساقا فوق الأخرى قبل أن يتكلم بصوتٍ أجش:
-طلعنا قرايب يا آنسة ليلى.

هزت رأسها وهمست بالكاد:
-أيوة.
فضحك ساخرًا:
-بس اللي يشوفك دلوقتي وأنتِ مكسوفة مايشوفكيش قدام المدرسة وأنتِ...
-أنا إيه؟
ابتسم ابتسامة استفزتها وتابع:
-لا أبدًا ولا حاجة، بس ابقي احترمي الناس اللي انتِ منهم بدل ما...
-أنا محترمة غصب عنك على فكرة
توسعت عيناه وهتف بها:
-أنتِ اتجننتي يا بت إنتِ؟

-أنا مش بت، أنا مش هسكت عن أي اهانة ليا، واللي يتكلم معايا يتكلم باحترام.
-دا لما تكوني محترمة.
شهقت متسعة العينين من كلمته القاسية، وكادت تهتف لولا مجيء الجدة وهي تحمل صينية الكيك والمشروبات، وضعتها على الطاولة وقالت مستفسرة:
-في إيه،؟ أنا حاسة إن فيه حاجة مش طبيعية بينكم!
نهضت ليلى وهي تبكي وركضت إلى الغرفة ثم انفجرت دموعها، أما هو فقد ابتسم لجدته وقال بلا مبالاة:
-مافيش حاجة يا حبيبتي مش هتدوقيني الكيكة بقى ولا إيه؟

حملق بها بعدم تصديق وقد فغر فاه بصدمة، وضعت يداها على كتفيه وقد ابتسمت قائلة:
-إيه يا حبيبي إنت مش فرحان ولا إيه؟.
رمش بعينيه ومن ثم ابتسم باتساع مع قوله:
-أنا مش مصدق يا نادية، بجد إنتِ حامل؟.
-أيوة يا حبيبي والله حامل.. حامل.

ضحك بسعادة وعانقها بفرحة وكأنه لم ينجب من قبل.. وهذا هو إبنه الأول.. بينما يهمس بحب:
-أد إيه كان نفسي أخلف منك يا نادية، الحمدلله يارب.
ابتعدت عنه قليلًا.. ونظرت له بحيرة قائلة:
-خايفة ليلى لما تعرف...
_خايفة؟، ليه ودي حاجة تضايق ليلى في إيه إن شاء الله؟!
-مش عارفة بس قلقانة من رد فعلها أوي يا حسين.

زفرة بحدة وقد قال:
-لا متخافيش من فضلك وإبقي سبيني أنا أتصرف معاها.
أومأت برأسها وابتسمت مجددًا وهي تقول برقة:
-ماشي يا حبيبي.
- أمي اتصلت وقالتلي إن فارس عندها وهتعطله لحد ما أروح عشان فرصة أعرف أتكلم معاه.
-طب كويس أوي، وابقى هات ليلى معاك، ربنا يصلح بينك وبينه يارب.
-يارب.

خرجت ليلى وهي ترتدي ملابسها وقد مشطت شعرها ورفعته ذيل حصان، تفاجأت الجدة برؤياها هكذا فهتفت بتساؤل:
-إيه دا يا ليلى راحة فين؟!
-مروحة بيتنا.
استغربت الجدة وقالت:
-كدا فجأة ومرة واحدة.
فنظرت إلى فارس الجالس كما هو بعنفوانه وقالت:
-معلش بقى، كدا افضل.

وضع فارس قدح الشاي الفارغ على الطاولة وقال مبتسما يتعمد استفزازها:
-تسلم إيدك يا حبيبتي الكيك يجنن وكوباية الشاي عدلتلي دماغي.
-يا حبيبي بالهنا والشفا يارب.
زفرت ليلى بغضب وضربت الأرض بقدمها دون أن تتحدث أو تصغى لجدتها، وصفقت الباب خلفها بعنفٍ، فرفع فارس حاجبا وقال بحزم:
-مالها دي؟!

اقتربت منه الجدة وأخبرته بخفوت:
-ليلى ظروفها متلغبطة خالص من ساعة ما حسن مات الله يرحمه، تقريباً كدا بقت واحدة تانية خالص.
صمتت قليلًا وتابعت بتنهيدة عميقة:
-خصوصا بقى بعد ما حسين أتج...
قطعت حديثها فجأة ونظرت له بحذر، فعقد حاجبيه قائلًا:
-كملي حسين إيه؟ إتجوز؟
أومأ الجدة، فسألها بلا مبالاة:
-ممم، ودا يزعلها في إيه؟
-ما هو اتجوز أمها.. نادية.
اتسعت عيناه بينما يردد:
-أمها!

صمت وقد طغى الحزن على ملامح وجهه، فيما يقول:
-يعني أبويا راح اتجوز وأمي كذلك ولا كأن لهم ابن في الدنيا أصلا!..
أسرعت الجدة تربت على كتفه وقالت بمواساة:
-لا يا حبيبي أبوك بيحبك
أبعد يدها عنه برفقٍ ونهض ببطء قائلًا:
-الحب دا حاجة هما مايعرفوش عنه حاجة، أنا مش زعلان، أنا عرفت أبني وأكبر نفسي من غيرهم ومش محتاج لحد.
استدار ماشية فسارعت في قولها:
-إنت رايح فين بس، لسة مأقعدتش معاك.

ابتسم لها رغم حزنه وقال هادئاً:
-هجيلك تاني .
فتح الباب واصطدم بوالده ما إن خطى بقدمه، ازدادت وتيرة تنفسه حين تواجهت الأعين في نظرات تحمل من الحنين والعتاب.. ابتسم "حسين" وكاد يحتضنه إلا أنه لم يمنحه الفرصة وابتعد عنه مشمئزا.. ازدرد حسين ريقه وتمزق قلبه لفعلته.. فقال مختنقا:
-فارس.
أشار له فارس بكف يده بأن يصمت ولا يتكلم فكل الكلمات والمحاولات ستفشل.. ماذا يريد أن يقول وقد تركه هو وأمه ومضيا يبحثان عن راحتهما أين تكون؟ في حين ظل هو وحيد بصحبة جدته.. والآن ماذا يريد؟
وكأنه يقول له هذا السؤال بعينيه الجريحتين دون أن تتحرك شفتيه، انصرف سريعًا وتركه في حالة يُرثى لها وهو يكاد يبكي على نفوره منه...

طرقت الباب ففتحت الأم وابتسمت لها قائلة باشتياق:
-ليلى.. حبيبتي وحشتيني.
لم تتكلم ليلى ورمقتها بنظراتها القاسية كعادتها، فتابعت نادية وهي تتنهد بنفاد صبر:
-دا عمك حسين لسة نازل من شوية قال رايح يجيبك، أنتِ ماقبلتهوش؟
-لا..
ردت عليها بجفاء واتجهت نحو غرفتها، فأسرعت الأم خلفها وهي تهتف بحنق:
-هتفضلي كدا لحد امتى؟، أنا تعبت يابنتي تعبت.

-لحد ما أموت وأرتاح منكم ومن الدنيا كلها.
-ليه يابنتي كدا، ليه كل دااا، انتِ لسة صغيرة والعمر قدامك، ولسة...
صمتت فجأة وأولتها ظهرها بتوترٍ، لا تعرف كيف تخبرها أنها تحمل بداخلها قطعة من زوجها وسيكون أخا لها؟.. وكأنها ارتكبت الجريمة الشنعاء في حقها!
لكنها حسمت الأمر وستخبرها.. هي لم تخطأ!
-ولسة كمان هيجيلك أخ قريب يا ليلى.

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية