قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني بقلم فاطمة حمدي الفصل العاشر

رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني بقلم فاطمة حمدي

رواية لمن يهوى القلب الجزء الثاني (بعنوان: مذاق الحب والألم) بقلم فاطمة حمدي الفصل العاشر

مرت نصف ساعة تقريبًا حيث وصل حــازم أخيرًا إلى القصر ودخل راكضًا إلى زوجته ..التي كانت تنتظره في بهو القصر وتقوم بالمشي ذهابًا وإيابًا .. اندفعت إليه ما أن رأته يقبل عليها،فعانقها بتلهف واشتياق شديدين وأخذ يربت على رأسها مرورًا بظهرها مع همسه الحنون:
-حبيبتي.. متخافيش ..أنا معاكي أهو إن شاء الله خير متخافيش ..

كانت تبكي بألم لكنها اطمئنت ما إن بث داخلها هذه الكلمات ..أما هو فضمها بقوة إليه مرة ثانية ..ضمة أخبرتها بمدى اشتياقه لها ..بينما يقبل وجنتها عدة قبلات متتالية ويتنفس رائحتها التي اشتاق لها ..ثم يقول بصوته الأجش:
-تعالي معايا ..
سألته وهي تسير معه ببطء:
-هنروح فين أنا مش قادرة اتحرك ..

-على أقرب مستشفى طبعا ..متخافيش أنا جنبك ..
سارت معه باستسلام وسلام وهي تتأبط في ذراعه ويديها تتمسك به جيدًا ..خرج بها من القصر ووقف على قارعة الطريق فمرت سيارة أجرى كُتب عليها -تاكسي- ليشير لها على الفور ويدخل زوجته برفق ثم يجاورها وتنطلق بهما السيارة ..على أقرب مستشفى بالفعل ..
وهناك أخبرهما الطبيب الذي قام بفحصها أنها بالفعل لحظة الولادة... ولابد من إجراء عملية قيصرية...

في منزل السيدة سميرة
كان -علي- قد ارتدى ملابسه وأصبح جاهزًا للذهاب إلى عمله، لكنه التفت إلى زوجته وقال قبيل أن يتحرك:
-هخلص شغل وبعدها هاجي أخدك ونروح للدكتور يا حبيبي تمام؟
أومأت برأسها في طاعة وقالت بخفوت:
-تمام يا حبيبي ..

ابتسم لها وراح يمنحها عناقاً خاصا،ثم طبع قبلة حانية فوق جبينها وهو يقول باهتمام:
-خدي بالك من نفسك ارتاحي في السرير متقوميش عشان الدوخةة..
-زهقت من السرير مش هفضل أكيد أفضل فيه طول اليوم يا علي ..
علي وقد تابع بصبر:
-لازم تتعبيني في كل كلمة؟, مافيش حاجة عندك إسمها حاضر ؟

ردت عليه متذمرة:
-أنا بقولك حاضر على طول ..يا علي
-فين دا؟ كل حاجة بتجادلي فيها وتناكفيني !
راحت تتعلق بعنقه مبتسمة:
-بس في الآخر كلامك هو اللي بيمشي أعمل إيه بقى بحبك يا سيدي ..
-طيب يا بكاشة ..يلا بقى هتأخريني ..
-متتأخرش عليا يا علي ..
هز رأسه موافقًا وقال وهو يبتعد عنها متوجهًا إلى الخارج:
-حاضر ..

أعدّت "رغــدة" الفطار الخاص بذلك المدعو زوجها قبيل أن يذهب إلى مقر عمله ليقول سعيد بحدة كعادته:
-الشاي بسرعة ..
زفرت رغدة باختناق وذهبت لتعد الشاي كما أمر ...عادت له بعد قليل وهي تحمله بينما تقول بضيق:
-اتفضل ..
ثم جلست أمامه وقالت بجدية:
-بس بقى يا سعيد أنا عاوزة أبعد عن الناس اللي هنا دي مراتاتك الاتنين وولادك خصوصا بنتك الحرباية سامية دول لما بيحبوا يضايقونكي بيجبوهالي تضايقني بجد قرفت..

وما كان من سعيد إلا أن قال بانزعاج:
-لما تتكلمي عن بنتي تتكلمي عدل فاهمة ولا افهمك يابت؟
-بت ؟, أنا مراتك يا سعيد على فكرة ..!
-أيوة بت وحتة بت متسواش كمان ..كل اللي همك فلوس أنا عاوزة عاوزة طماعة وتقرفي ...أنا اتجوزتك يا حلوة عشان تطعيني مش عشان كل شوية تعمليلي مشاكل مع مراتاتي وولادي أنتِ هنا زيك زيهم مش أعلى منهم ولا هما أعلى منك فاهمة؟

-بس ولادك ومراتاتك دول يا سعيد بيهنوني ! هتسكتلهم؟
قال بلا اكتراث:
-اتعدلي معاهم يتعدلوا معاكي دا اللي عندي !
ثم نهض ما أن أنهى الكلام الجارح، فتساقطت دموعها واحدة تلو الأخرى وهي تقول بألم:
-يارتني كنت سمعت كلامك يا حازم !

أخذ يسيــر حـازم ذهابا وإيابا في ممر المستشفى ينتظر خروج زوجته من غرفة العمليات بأعصاب تحترق من شدة القلق، يدعو الله كل ثانية ويتوسل ..يستغفر كثيرا ..
أقبل عليه السيد فاخر وحرمه سهيـر حيث أنه قام بإخباره عبر الهاتف ووصف له عنوان المستشفى هذه ..راح يتساءل فاخر بقلق شديد:
-طمني يا حازم ساندرا عاملة إيه؟
حازم وقد قال بهدوء رغم قلقه:
-جوا لسة مش عارف حاجة..
-بقالها كتير جوا ؟

-ربع ساعة بس ..
بينما قالت سهير باحتقان::
-ومين قالك تتحرك بيها من القصر وإحنا مش موجودين؟
نظر لها حازم بحدة مع قوله:
-نعم؟!
-أيوة بقى دي مستشفى بنتي تولد فيها؟, الرعاية فيها مش ممكن هتكون كويسة، إزاي ساندرا ماتصلتش علينا احنا عشان أكيد كنا هنوديها أغلى مستشفى عشان صحتها طبعا !

كتف حازم كلتا يديه خلف ظهره ..ثم قال وهو ينظر لها من عليائه:
-آه ! ..لأ بصي حضرتك انتي فاهمة غلط خالص والله ..مراتي دي تخصني وأنا اللي مسؤول عنها دلوقتي.. المستشفى دي مقدرتي ..وفيها رعاية وفيه رعاية أعلى من المستشفى بكتير يا هانم ..رعاية ربنا اللي أكبر من أي طبيب واي ممرضة تمام !
نظر السيد فاخـر إلى زوجته بضيق، ثم عاد يتكلم مع حازم بجدية:
-معاك حق وكل حاجة يا حازم، بس يابني إحنا ربنا موسعها علينا هنضيقها على بنتنا ليه بس!

أردف حـازم بجمود:
-أنا عارف إن ربنا موسعها عليك يا فاخر بيه، وأنا فعلا فقير بس اقدر أكفي مراتي وأقدم لها كل احتياجاتها،بعد إذن حضرتك مراتي أنا هتكفل بيها وبكل مصاريفها ومش هقبل جنيه واحد من أي حد !
أنهى حـازم كلامه واتجه إلى آخر الممر مبتعدًا عنهما، بينما قالت سهير ساخرة:
-هيتكفل بيها !
ليقول فاخر محتدًا:
-حطي لسانك دا جوا بؤك واخرسي خالص !

-ماهر ..يا ماهر !
هكذا نطقت چنا وهي تنادي على زوجها الذي لبى ندائها على الفور واتجه إليها قائلا:
-نعم يا چنا ؟
أغلقت باب الغرفة ومن ثم سألته بضجرٍ:
-إيه يا ماهر هي مامتك مش هتروح ولا إيه؟
تغضن جبينه بينما يقول باستغراب:
-بتسألي ليه؟, وليه بتتكلمي بالأسلوب دا ؟!

-عشان عاوزة أخرج يا ماهر أروح أزور ماما ومش عارفه أنزل إزاي من والدتك !
ماهر بضيق شديد:
-يعني خلاص سبتي الأيام كلها وجاية تروحي عند ماما النهاردة؟ في اليوم اللي أمي موجودة فيه !
چنا بضيق مماثل:
-يا سيدي وحشتني أعمل إيه يعني ؟!

صر على أسنانه مقتربًا منها وقد قال بعنف:
-تحترمي نفسك ..وتوطي صوتك يا هانم لأمي تسمع وتزعل ..إيه دا اللي عمالة تخرفي بيه اتجننتي في عقلك ؟!
-اتجننت عشان عاوزة أزور أمي ؟
-لأ عشان قليلة الأدب وأنا ملاحظ من بدري إنك متضايقة منها بس كنت بكدب نفسي واقول أكيد احساسي غلط !, إيه رأيك مافيش نزول ؟, وكمان أنا مسكت فيها تبات معانا !

چنا بصدمة:
-هتبات !
-آه ولو مرحبتيش بيها وشلتيها على راسك والله العظيم هزعلك جدًا ..وهتشوفي وش عمرك ما شوفتيه في حياتك كلها !

كانت ملك تمشي في حديقة القصر ..تتجول فيها بضجر شديد ..هذا القصر الآن يمثل لها سجن حقيقي ..لم تحبه يوما ..تشعر دائمًا فيه بالغربة ..ولكن أين المفر ؟!
وهو قد وضع حراسة مشددة لأجل ابقائها بالداخل ..لكنها تجد الحياة هنا من المستحيل مازالت عند قرارها ..ستخرج من حياته حتمًا.
ها هو يعود من عمله ..يتجه نحوها بتمهل ..فأخذت تبعد تلقائياً وهي تحدث نفسها:
-هو رجع ليه من الشغل ؟!

اقترب منها وراح يجذبها إليه بحركة فجائية مع قوله الصارم:
-بتبعدي ليه، كل ما أقرب ؟! مش كفاية بقى ذل فيا يا لوكا ؟!
لم تنظر إلى عينيه المحاصرتين لها ..وقالت بحدة بالغة:
-ذل ؟! ضحكتني والله ..الذل دا إحنا نتعلمه منك !
-قلبك أسود على فكرة ..طب أعمل أيه ؟, بتمنى رضاكي وجتلك مسلم أعمل إيه قوليلي ..وياريت تقولي أي حاجة غير الانفصال ..

زفرت وحاولت الابتعاد لكنه لم يمهلها لحظة ..وقال بإصرار:
-مش هسيبك .. أنتِ عارفة؟, أنا سبت شغلي عشان أنتِ مسيطرة على تفكيري قلت مبدهاش بقى أروح البيت وأخدها حضن مطارات ..
ابتسم وهو يراها ترتبك ويغزوها الخجل منه ..لكنها قالت بعتاب صريح:
-على أساس إيه ؟!, أنت طلقتني ورمتني يا أدهم ..رمتني ! أنا مش قادرة أنسالك اللي عملته فيا !
أدهم بنفاد صبر؛

-كنت حمار ..أنا غلطان وحمار كمان مرة ..سامحيني بقى .. !
كتمت ضحكة كادت تخونها وتنطلق منها ..فضحك وهو يضمها إليه مع همسه:
-آسف والله ..صدقيني كانت لحظة غضب ومستحيل أقررها روحي تطلع الأول قبل ما أسيبك تاني ..
فما كان منها إلا أن استسلمت لعناقه الحنون ذاك ...

أستاذ حازم ...أستاذ حـازم !
كان هذا نداء الممرضة التي خرجت لتوها من غرفة العمليات وهي تحمل طفلته الصغيرة بين ذراعيها، سار حازم نحوها يتلهف وهو يزدرد ريقه بصعوبة ..اقتربت منه الممرضة وناولته المولودة بابتسامة عريضة مع قولها:
-بنوتك نورت الدنيا يا استاذ اتفضل ..

خفقة عنيفة ضربت قلبه فبعثرت مشاعره الأبوية وهو يحملها برفق وخوف شديدين ..يبتسم لا إراديًا وتدمع عيناه بلا وعي منه ..ذاك شعور لا يوصف ... لا يعرف ما الذي أصابه مع النظر إلى إبنته ..وكأنه يرى نورًا يضئ له كل عتمة في حياته ..
أسرعا فاخر وزوجته ينظران إلى الطفلة بابتسامة متسعة ..ويرفعها حازم إلى فمه مقبلا إياها بشغف وهو يتأوه بلهفة ..ثم يُكبر في آذنيها بصوت هادئ مهزوز يغالبه البكاء..

بعد قليل حملها منه الجد فاخـر ومسح حازم دمعة يتيمة هبطت على وجنته لا إراديًا ثم ولج إلى غرفة زوجته ليطمئن عليها ..انحنى عليها ما إن دخل الغرفة وقال بنبرة عاشق:
-ألف مليون سلامة يا حبيبتي ..
ابتسمت له ساندرا ..وقالت بخفوت وإرهاق:
-الله يسلمك يا حازم ..إومال فين البنت ؟
مسح على جبينها المتعرق ..وأخبرها بلطف:
-مع جدها برا ..

نظرت إلى عمق عينيه اللتين اشتاقتهما بشدة ..لتسأله ببساطة:
-شكلها إيه يا حازم ..
حازم بابتسامة مشرقة:
-نور ...وشها منور جدا ..ربنا يحميها ..
ساندرا باسمةٍ:
-الله ..
حازم مبادلا إياها الابتسامة:
-هسميها نــور

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية