قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل السابع عشر

رواية لعبة عاشق الجزء الثاني يسرا مسعد

رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل السابع عشر

دقة العصا القوية على الأرض هي كل ما تملك في تلك الحياة لتعلن أنها لازالت تمتلك الأنفاس الكافية لجذب انتباه الجميع التفت أسامة فورا لأمه التي كانت تقترب منهم وصعد بضعة درجات ليساعدها على النزول ولكنها دفعت يده بعيدا بقوة قائلة- أسند نفسك أنت ضحك أسامة ونظر لوجه أمه الذي كان مشرقا على غير العادة وتأمل هیئتها الاستقراطية الراقية برداء أزرق اللون يناسب شحوب بشرتها وخصلات شعرها القليلة التي أفلتتها من أسفل وشاحها الفضي المعقود بهيئة تظهر رقبتها المزينة بعقد ماسي عريض توجها كلاهما للطاولة العريضة بغرفة الطعام وكان بإنتظارهما جاسر الذي ما أن رأته وحده حتى عبست وقالت:

- أومال فین زیاد؟!
رد أسامة قائلا:
- كلمته الصبح وأكدت عليه قال أنه جاي فقالت بإصرار:
- کلمه تاني عندها تولی جاسر مهمة الرد فقال:
- قافل موبايله أخذت سوسن نفسا عميقا ثم قالت:
- طب يالا نتعشا الأكل هيبرد كانت نعمات قد انتهت من رص الأطباق ووزع متعهد الطعام الذي إستأجرته سوسن خصيصا لتلك الليلة من وضع الطعام وجلسوا ثلاثتهم والتفت سوسن لنعمات قائلة:

- عشيتي الولاد یا نعمات ؟ هزت نعمات رأسها قائلة:
- أيوه يا هانم وغسلوا سنانهم وناموا قال جاسر موجها حديثه لنعمات:
- بكرة الصبح یا نعمات هتيجى مربية للولاد هتعرفيها نظامهم كادت نعمات أن تعترض، فالأطفال لا يسببون لها مشكلة ولا هم حتى يحمل فهي من ربته أولا وأخيرا ولكم يسعدها تربية النسخ الصغيرة منه كما أن أمهم تزورهم يوميا، فلا حاجة لمربية غريبة قد لا تتآلف طباعها معهم والأهم معها، لمحت سوسن الرفض في خلجات نعمات ومشاعرها البينة المرسومة على وجهها فقالت سوسن:
- هتدربيها أنت الأول ولو ماعجبتكيش تمشي ونجيب غيرها شكرتها نعمات بهزة رأس قوية فهي أعادت لها مكانتها وهيبتها في مقابل تلك الحديثة الغائبة أمام مخدومها قائلة:

- تحت أمرك يا سوسن هانم، عن إذنكم تراجعت نعمات للخلف بضعة خطوات حتى كادت أن ترتطم بالضيفة التي لم تدعوها سوسن لحضور مأدبتها والتي كانت مصرة بفرض وجودها حتى لو لم تتلقى دعوة فهي زوجة ابنها الأكبر أولا وأخيرا ولابد أن تحفظ مكانتها فارتدت زيا مكونا من قطعتين سروال مخملي واسع يعلوه بلوزة حريرية بيضاء ورفعت خصلات شعرها بعقدة كلاسيكية وكانت أكثر من أنيقة وجميلة لتستحق مكانتها على تلك الطاولة بجدارة أجفلت نعمات وقالت قبل أن تختفي عن أنظارهم كليا:

- أنا آسفة ياهانم ابتسمت لها داليا بسماجة وتابعت طريقها نحو الطاولة ملقية بتحية المساء علي الجميع:
- مساء الخير رد أسامة التحية عليها بجفاء ونظر لأخيه الذي كان متجاهلا وجود زوجته بالكامل فيما زمت سوسن شفتيها وقالت بصفاقة تناسب إمرأة بمكانتها وعمرها:
- العشا ده مخصوص ل آل سليم، أكلك شوفي نعمات تحطهولك احمرت وجنتا داليا وغابت إبتسامتها سريعا ومضت تنظر لسوسن غير مصدقة ثم التفت لزوجها الصامت والذي صعق هو الآخر من رد أمه فرفعت رأسها بشموخ وقالت بهدوء بالغ رغم ملامح وجهها المحتقنة:

- مش بنت الزهري اللي يتحطلها طبق زی قطة ولا حد متشرد یا سوسن هانم، أنا بس كنت جاية أسلم عليكم لكني ماقصدتش الطفل أبدا على سفرتك . بونا بیتی وعندها تعلقت أنظارها بزوجها الذي كان لمح لمعة عيناها النارية والمشوبة بدمعات ماسية إثر إهانة أمه فقام ملقيا بمحرمته بقوة ومضي نحوها وقبض على ذراعها وجذبها نحوه تحت أنظار أمه وأخيه ثم همس لها:

- اسبقيني على فوق یا داليا همت بإعتراض هامس:
- یعنی عاجبك . . . وضع إصبعه على شفتيها قائلا بتصميم:
- شششش، فوق لو سمحتي رفعت رأسها وهي تسدد نظرة حارقة نحو سوسن التي كانت تتابع مايحدث بينهم بإهتمام غاضب قائلة بعند:
- هستناك في الليفنج فأكد لها:

- شوية وهاجي نتعشى سوا عاد مرة أخرى لطاولة الطعام صامتا فقال أسامة بصوت منخفض- ماکنش ليه لزوم يا ماما نظرت سوسن لجاسر وقالت هازئة:
- وإذا كان أخوك ما اعترضش، بتعترض أنت على أي أساس عندها رد جاسر بهدوء:
- أنا ما اعترضتش عشان دي رغبتك، زي ماكتير ماكنتش بعترض على معاملتك ل . . . وأردف رغم الغصة بحلقة:
- سالي، بس مش معنی کده أن التصرف ده كان صح طرقت سوسن بعصاها بقوة قائلة:
- هيا السبب في غياب أخوك النهاردة، زي ماهيا السبب في غياب مراتك ضحك جاسر ملی فمه وهو يدرك جيدا أنه لا يشعر بأي فكاهة بالأمر بل المرارة تكاد تخنقه:
- على أساس أن زياد كان ديما الابن المطيع، أما مراتي مابقتش مراتي وبرغبتها مش برغبتي ساد الصمت المتوتر بينهم حتى قالت سوسن بنبرة تحمل ندما على تقريعها المستمر وروعونة تصرفها رغم أنها لاتطيق تلك الفتاة:
- الشغل أخباره أيه؟

رد أسامة بصوت راض:

- الحمد لله لسه كنت بتناقش مع جاسر في موضوع فتح فرع لينا بره في إيطاليا، في توجه ماشي في البلد ناحية فتح سوق خارجية حتى فيه بنوك مصرية فتحت فروع ليها هناك وده هيسهل علينا شغلنا هزت سوسن رأسها هي لا تفهم تلك المعاملات المالية المعقدة ولكنها فقط تريد الإطمئنان على إستقرار الأمور وقالت لجاسر:
- وشركة زياد أخبارها أيه ؟ نظر جاسر لأمه التي كانت تؤكد ملكية زياد للشركة والتي لم يكن هو معترض إطلاقا على تلك الملكية هو فقط يرجئ رجوعها لأخيه حتى يطمئن أنه سيحسن التصرف فقال:
- فيها شوية مشاكل ومديونات، بس أنا كلفت فريق عندي يظبط أمورها قالت سوسن دون موارية:
- أنا جمعتكم النهاردة وكان نفسي أخوكم يكون حاضر عشان موضوع مهم رفع الإثنان رأسهما سويا لأمهما التي كانت كما يبدو على وشك إعلان هام:
- توزيع أملاكي بعد ما أموت زفر جاسر ضائقا فيما قال أسامة:

- یاست الكل مافيش داعي لل . . رفعت سوسن إصبعها له وأكملت حديثها قائلة:
- طبعا الشرع بيقول تتوزع عليكم بالعدل بس أنا ليا طلب فقال جاسر:
- أمي أنت تقدري تتصرفي في أموالك زي ما أنت عايزة منغير ماترجعي لحد فينا وتأكدي أننا هنكون راضيين صمتت سوسن لوهلة ثم قالت:
- خلاص هكتب كل حاجة وهتلاقوا الورق في الدرج اللي جمب سريري نظرت سوسن لابنها الأوسط بألم الذي أظلم محياه فهو كان يتجاهل فعليا حقيقة إقتراب فقدانه لأمه إذ أنه لم يتعافی بعد من حادثة فقدان زوجته وطفلته الوحيدة، ثم قالت:
- سنة الحياة ياأسامة وأنا وصلت فعلا لمرحلة إني زهدتها عندها قال جاسر ساخرا وجنبات صوته تهتز برعشة بغيضة:
- ده العشاء الأخير ولا أيه يا أمي ؟ حدقت به سوسن بغضب وقالت بعنفوان:
- عمر الشقي بقي وأنا هموت بالنهار مش بالليل عندها لم يتمالك أسامة وجاسر نفسيهما وانفجرا ضاحكين وابتسمت لهما أمهما مؤكدة ببساطة:
- ربنا عند حسن ظن عبده، وأنا طلبتها منه أموت بالنهار وانقطع سيل الضحكات حينما دلف زیاد للغرفة بهدوء قائلا بأسف:
- اهو فعليا أنا ندمان أني ماجيتش في وقتي كنت عرفت بتضحكوا عليا ولا بتضحكوا على أيه واتجه إلى أمه ليقبل وجنتها ويدها بلطف فقالت باسمة وهي تتطلع لعيناه اللتان كانتا مظلمتان بشيء لم تفقهه فقالت بقلق:

- مالك ؟ فيك حاجة ! اتخذ زیاد مكانه ورسم ابتسامة زائفة على وجهه وقال:
- أنا زي الفل وجلس بعد أن حيا أخويه بهزة رأس وشرع في تناول الطعام بتلذذ قائلا:
- أممم، ده مش نفس نعمات ولا حتى الطباخ اللي جه قریب هزت سوسن رأسها بإيماءه وهي لازالت تراقب ابنها بعيون كالصقر قائلة:
- متعهد شکرتلي فيه أمينه هانم بالمناسبة الكارت بتاعه في الدرج اللي جمب السرير تمتم أسامة متنهدا:
- يادي الدرج اللي جمب السرير تابعت سوسن تناول طعامها الشهي قائلة:
- كل وأنت ساکت ثم وجهت حديثها لزياد قائلة:
- أنت ومراتك عاملين إيه ؟ رد زیاد بصراحة هادئة:

- اتطلقنا النهاردة توقف الجميع عن تناول الطعام فجأة وكادت سوسن أن تصرخ به ولكنها تماسكت لتقول زاجرة:
- إزاي تعمل حاجة زي كدة منغير ماترجعلنا ؟ رفع زیاد أنظاره لأخيه الأكبر وقال هازئا:
- یعني هو كان الكبير رجعلك في أنه يطلق مراته أم عياله لما أنا أرجع، مش الكبير ده قدوتنا فقالت أمه حانقة:
- سيبك منه وبوصلي هنا التفت زیاد لأمه فيما قال جاسر:
- أنا حياتي الشخصية مش مقياس والمشاكل اللي بينك وبين آشري كانت تتحل بطریق تاني فقال زیاد بهدوء:
- معاك حق، أنت مش مقياس أنت بتخلف ماشاء الله، أنا لاء . وحرام عليا أربط واحدة جمبي وأحرمها أنها تكون أم تعلقت أنظارهم جميعا بوجهه بصدمة بالغة، فقال أسامة غير مصدقا:
- وفجأة كده اكتشفتوا الموضوع ده أنتو بقالكوا سنین أخفض زياد رأسه وهو يرتشف قليلا من الماء ثم قال بصوت أبح لم تنجح قطرات الماء في إجباره على العودة لطبيعته:

- أنا اللي اكتشفت، هيا كانت عارفة من زمان فقال جاسر بعند:
- أكيد فيه علاج، الطب اتقدم والحاجات دي . . قاطعه زیاد قائلا:
- مافيش أسوء من اللي أنا فيه غير الشعور بشفقتكم عليا، أنا مش زعلان بالعكس أنا راضي جدا همست سوسن بقهر:
- هيا كانت ليلة باينة من أولها تنهد زياد ومسح فمه ووضع محرمته جانبا وقام ليقبل كف أمه وقال:
- اتطمني عليا يا أمي الدكتور قال أنه فيه علاج بس أنا مش مستعد نفسيا دلوقت هزت أمه رأسها وقالت:
- هدعيلك كل ليلة ربت زیاد على كف أمه وعاد لتناول طعامه بشهية متوسطة صامتا كما اعتزم جميعهم الصمت فالصمت محراب لكل متألم، منکسر كانت تجلس في غرفة المعيشة تغلي وتزبد تستمع لضحكاتهم التي خفتت تدريجيا حتى اقتحم غرفة المعيشة فالتفتت له ثم عادت لمتابعة التلفاز بذهن شارد فاقترب منها حاملا صينية الطعام وجلس بهدوء إلى جوارها وشرع في إفراغ بعضه في طبق أعده خصيصا لها وناولها إياه صامتا فالتفتت له قائلة بحنق- ياسلام بالبساطة دي بعد ماخلصت قعدتكوا جايلي بطبق، شكرا وضع جاسر الطبق أمامها وقال بصوت جاف:

- أمي كانت مجمعانا تناقش معانا وصيتها بعد ماتموت وزي ما أكيد أخدت بالك إحنا مش من عادتنا لانتجمع لا على عشا ولا على غدا حتى فقالت ونبرتها لازالت مرتعشة بفعل الغضب:
- کنت ممكن تنبه عليا لكن ده مايبررش معاملتها ليا بالشكل ده یاجاسر أنا مراتك هز رأسه موافقا:
- معاكي حق، لكن أنا بطلب منك تعذريها هيا عمرها ماكانت بتتجمل في معاملتها مع حد والمرض زود الموضوع ده عندها هزت داليا رأسها رافضة لتلك المبررات السخيفة بنظرها:
- وعاوز تفهمني أنه سالي كانت بتقبل بالمعاملة دي أما كانت عایشه هنا معاها ولا بس المعاملة دي إكسيفلوسف ليا؟!
ابتسم جاسر ساخرا وقال:
- آه كانت بتقبل وبتقبل بأكتر من كده كمان فرفعت داليا رأسها بشموخ وقالت بغیر تصدیق:

- بس مش معنی کده إني أقبل . . أنا بحبك آه لكن مش هبقل بأي إهانة لكرامتي زفر جاسر متعبا وعاد ليستند للأريكة وأغمض عيناه، فبعد أحداث تلك الأيام المتعاقبة وتلك الليلة المشحونة والنبأ الذي حمله أخيه الأصغر لهم، بات عاجزا عن المقاومة فأشفقت عليه رغما عنها واقتربت منه ومسدت كتفه وقالت بصوت هامس:
- بس مستعدة اتنازل المرادي عشان خاطرك ففتح عيناه ونظر لها مليا وقال ضائقا:
- وهعوضك مش كده ؟ تناولت الطبق الذي صنعه لها ودفعت بالمعلقة لفمه قائلة بدلال:

- کونك جيبتلي العشا لحد عندي وجاي تتعشا معايا وتصالحني ده تعویض کافي ليا نظر لها جاسر وهو يحاول سبر أغوارها أثناء مضغ الطعام الذي دفعت به لفمه والذي يجد صعوبة بالغة في إبتلاعة فهي شخصية متقلبة بإمتياز لا تساير مشاعرها بعفوية كما يستشعر كما أنها لا تمنحها الحرية المطلقة في التغلب عليها، مثله تماما انتهت من رفع طعام العشاء لأطفالها وساعدها الأكبر والأوسط فيما نام الصغير على الأريكة متعبا فنظرت له بحنان وقالت لأخيه:
- حسن خد أخوك دخله ينام جوه هز حسن رأسه مطيعا وحمل الصغير الذي لا يتجاوز وزنه عشرون کیلو جراما ورن الهاتف في طريقه فقالت درية:
- هرد أنا روح أنت رفعت درية سماعة الهاتف قائلة:

- آلو فأتاها صوت والدها قائلا:
كويس أنك صاحية جلست درية وقالت بهدوء:
- إزيك يا بابا ؟ قال والدها على عجالة:
- أنا تمام خلصت مشوار الدكتور وجاي علیکی استنبنني ماتناميش نظرت درية لساعة الحائط المعلقة فعرفت أن والدها قد عزم على المبيت بمنزلها فجأة كما اعتاد فقالت دون حيلة:
- تنورنا يا بابا وماهي إلا نصف ساعة حتى كان والدها يستقر على المقعد بغرفة المعيشة فيما كانت درية تضع أمامه طعام العشاء فقال رافضا:
- لا أنا هاكل زبادي بس الدكتور موصيني ماتقلش بالليل عشان الحموضة ناولته درية ما أراد وقالت بتعجب:

- هوا حضرتك كنت عند الدكتور لوحدك ؟ قال فاكها:
- لاء طبعا هروح لوحدى إزاي، طارق راح معايا ووصلني لحد هنا عقدت درية حاجبيها فأردف أبيها غاضبا:
- معقول نسيتی طارق ومع زجرة أبيها لها تذكرته على الفور وقالت بضيق:
- اللي غيرلي الديكور مع حضرتك فاعتدل أبيها في جلسته قائلا مؤنبا حانقا:
- اللي طالبك للجواز يادرية واللي مستني من ربة الصون والعفاف إشارة تنهدت درية وعظامها فعليا تأن بالتعب:
- يا بابا أنا كبرت وتعبت، كفاية عليا مسولية ولادي مش حمل كمان أشيل مسئولية راجل فقال أبيها معترضا وهو يشيح لها بيده:
- مش مفترض بيكي تشيلي مسئوليته زي اللي الله يرحمه اللي اتجوزتيه منغير رضيا الكامل، وإن كان عليه فهيساعدك في شيل ولادك . فين المشكلة بقي ؟ دارت عینا درية بحثا عن مخرج فقالت:

- طب ممكن نأجل الحوار ده . . قاطعها والدها بمسكة لكنها قوية قائلا بهمس وحدها تستطيع سماع ألم المرارة والحسرة به:
- كبرتي بس ناقصك تعقلي پادرية وتوزني الأمور صح، ماتغلطیش غلطتي يابنتي، ولادك محتاجين راجل في حياتهم زي ما أنت كنت محتاجه ل ست في حياتك وأنت صغيرة، وعاندت وقلت هعرف أعيش بطولي لحد مافات الأوان لامني عرفت أكمل حياتي منغير ست ولا مني لحقتك بأم أشاحت درية برأسها بعيدا وترك أبيها كفها وقال بصوت رزین:

- أرجعي حتى لكلام الدكاترة والمربيين وقوليلي لو طلعت غلطان، راسك ناشفة أنا عارف همت درية بالإعتراض فقال وهو يقوم مشيرا لها كي تهدىء:
- أنا داخل أنام تصبحي على خير جاورت صغيرها وقبلت وجهه المطعم ببقع حمراء وصلت لذقنه وكلمات والدها لازالت ترن بآذانها وتلقي الصدى داخلها، ووجه يرتسم بعتمة الغرفة لايخص ذاك الطارق ولكن يخص من رسم البسمة على وجه صغيرها هذا النهار وجزءا من الليل فهو لم يتوقف عن الحديث معه وعنه، بعد أن أوصلهما ظهيرة اليوم رغم إعتراضها البين فرفعت الوسادة فوق رأسها لتسكت الضوضاء داخل رأسها لعلها تستطيع الحصول على قسط من النوم     ويبدو أنها ليلة مشحونة بالفعل كحال الليالي التي تقضيها بالمشفي مؤخرا فلقد انتهت للتو من عملية جراحية حرجة انتهت للأسف برحيل المريض عن الحياة والأكثر أسفا أنها من حملت الخبر لعائلته التعيسة التي كانت بإنتظارها وكأنها تحمل ذنب رحيله عن الحياة ويداها ملطخة بدمائة جلست على الأرض الباردة في بقعة منزوية من أرض المشفى تبكي بصمت، تلك العادة المزرية التي لم تستطع التخلص منها يوما كلما فقدت روحا جلست على الأرض تنعيها، رغم بذلها جهدا خرافيا في إنقاذها إلا أنها إرادة القدير وامتدت يدا تؤازر ضعفها وتمدها بقليل من الراحة فأجفلت ورفعت رأسها فورا لتراه من خلف ساتر دموعها ينظر لها بحنان بالغ قائلا:

- مش ذنبك على فكرة نفضت يده ومسحت دموعها بغضب وقامت قائلة بصوت حاد:
- أنت عرفت مكاني منين ؟ رد بهدوء:
- اللي يسأل مايتوهش وكان هذا أسوء فالجميع أصبح يعلم بأمر بقعتها المنزوية المخصصة للبكاء ولاشيء سواه فعبست وارتسم الغضب بعينها الزرقاء الحادة وقالت:
- وعاوز إيه ؟ تنهد قائلا ببساطة:
- أكلت عشا دسم شوية وقلت نشرب حاجة سوا أهو يمكن أعرف أهضم فقالت بوقاحة:
- يابرودك يا أخي وأنا اللي مادوقتش اللقمة من الصبح جاي تقولي تهضم وانفجر کلاهما بالضحك فقال مشاكسا:
- ماكنتش أعرف أنك طفسة كده، خلاص تعالي أعشيكي واشرب أنا حاجة فردت مشاكسة هي الأخرى:
.- لاء هتعشيني وتشربني كمان ثم توقفت عن الحركة فلقد استوعبت أنها وافقت على رفقته ولم تمانع والأكثر أنها لاتشعر برغبة في زجره كحالها مع الرجال والتراجع ثم قالت بتقدير:

- هروح أغير وأحصلك فأومأ برأسه موافقا وقال:
- وأنا هستناكي برة غيرت ملابسها بسرعة ورفعت خصلات شعرها دون أن تمشطها بربطة مطاطية سوداء ووضعت سترة من الجلد فوق سروال من الدنيم الأزرق هو المفضل لديها ولايفارق ساقها النحيلة وخرجت مسرعة كأنها طالبة هاربة من أسوار المدرسة لملاقة حبيبها المراهق حتى رأته يستند إلى سيارته الفارهة فزمت شفتيها وهي تشير برأسها لدراجة بخارية قائلة:
- بتعرف تسوقها ؟ حدق بها دهشا وقال:
- أومال فين اللامبورجينى ؟ ضحكت واعترفت بخجل:
- لا دي كانت سلفه من ابن عمي أول ما ملتني العنوان وأشارت له بحركة إصبع مميزة لكأنما ما سوف تقوله يجب أن يحاط بإطار:
" كفر عبده " ضاقت عيناه وقال يإهتمام:
- بقي ابن عمك سلفك اللامبورجيني بتاعته الظاهر بيعزك أوي فقالت ريم بمكر:
- أخويا في الرضاعة مايعزش عليا حاجة هز أسامة رأسه وهو ينظر لها بإبتسامة واسعة:
- ربنا يخليلهولك وتراجع للخلف وفتح باب السيارة لها وقال:

- خلي الموتسيكل لوقت تاني يكون بالنهار لا تعلم لما سرت بتلك الملاحظة ألأنه يعدها بزيارة قريبة بالنهار ولكنها لم تتوقف للتفكير بالأمر فتلك هي طبيعتها تخوض وتقتحم أولا وترجیء الحصول على النتائج لما بعد . ففيم العجلة صعدت لسيارته ووضعت حزام الأمان كما اعتادت أثناء معيشتها بالخارج ففعل بالمثل وقال:
- هاه تحبي نروح فين ؟ | تراجعت للخلف رافضة التفكير بالأمر قائلة دون مبالاة:
- أنت اللي عازمني ماليش فيه     انتهت من جلي الأطباق ووضعت البراد على الموقد قائلة بصوت مرتفع لتسمعها أمها:
- تشربي إيه يا ماما ؟ فقالت مجيدة:
- اعمليلي ينسون يا سالي هزت رأسها وقالت:

- من عنيا حاضر وفجأة رن جرس الباب فقالت أمها متوجسة:
- خير يارب مين هيجلنا السعادي ؟ وضعت سالي وشاحها فوق رأسها وقالت لأمها:
- خليكي يا ماما أنا هشوف مين اتجهت سالي صوب الباب وقالت:
- مين اللي بيخبط ؟ أتاها صوت أختها الكبري باكية:
- افتحي يا سالي أنا سیرین فقفزت أمها من على المقعد وجلة وأزاحت سالي المزلاج بسرعة وفتحت الباب لتتلقفها أحضان أمها الباكية وخلفها صغارها الأربعة وقالت سیرین بیکاء حار:

- أنا خلاص مابقتش قادره استحمل ياماما، طلقوني وريحوني بقا تنهدت أمها براحة وقالت:
- يا شيخة خضتيني حرام عليكی، ادخلي، ادخلوا ياولاد، حبايبي حبايب تبته ومضت تقبل رأسهم وهي تقول:
- ربنا يهديلكم أبوكم وأمكم، اتعشيتوا يا حبايبي هز الصغار رأسهم نافيين فرفعت مجيدة أنظار لائمة لأمهم وتولت سالي المهمة قائلة:
- ادخلوا غيروا هدموكوا وأنا حالا هجيبلكم السندويتشات ياحبايبي انصرفت سالي لمهمتها فيما أجلست مجيدة إبنتها الكبرى وقالت- مش تعقلي بقا ياسیرین فقالت سيرين غاضبة:

- أنا مستحملاه وجبت أخري إشمعنا سالي يعني رفعت أمها كفيها وقالت بعنف:
- اسكتي، اسكتي ماتجيبيش سيرة الموضوع ده خالص أنت مفکراني فرحانة بيها وهيا قاعدة جمبي وبعدين أختك في رقبتها واحدة أنت في رقبتك أربعة، واللي عمله جوزها مش شوية إنما أنت معتصم عملك إيه ؟ فقالت سيرين هامسة بقهر:
خلاص مابقتش طيقاه لا أسلوبه ولا كلامه ولا قادرة استحمله كل يوم والتاني يبكت فيا، وآخرة المتمة بيعایرني أن سالي اطلقت مرتين أظلمت ملامح مجيدة وقالت بصلابة:

- کدهوه، ماشي، سيبهولي أنا لیا صرفة معاه، أدخلي دلوقت اشطفي وشك واتعشي ونامي جمب ولادك عشان تعرفي تفوقيلهم الصبح، أختك نزلت شغل وأنا ماقدرش أراعيهم لوحدي تفاجئت سیرین بذاك النبأ فقالت:
- اشتغلت، امتی، وماقولتوليش ليه ؟ أشاحت مجيدة بيدها:
- أنت في أيه ولا في إيه، نزلت تشتغل مابقالهاش أربع أيام فقالت سیرین حانقة:
- وهوا جاسر مش هيبعتلها على الأقل نفقتها، إيه اللي يجبرها على المرمطة هوا كان ناقص فلوس؟!
فقالت مجيدة بتعب:

- أختك اللي مش عاوزة منه مليم وأنت عارفة نشوفية دماغها فالمواضيع اللي زي دي فقالت سیرین معترضة:
- ایوا بس ده حقها فتنهدت مجيدة قائلة:
- بالله عليكي ياسيرين يابنتي أنا تعبانة وخلاص ماعدتش فيا نفس أجادل، أنا داخله أنام تصبحي على خير هزت سیرین رأسها بأسف وقبلت يد أمها وقالت بأسف عارم:
- حقك عليا ياست الكل ربتت مجيدة على كتفها وقالت:
- ربنا يهدي سركوا وانصرفت إلى غرفتها وقامت سيرين لتجه إلى غرفتها التي احتلها صغارها الأربعة لتجد سالي تساعدهم على خلع ملابسهم وقد أعدت لهم الشطائر الشهية التي يتناول بعضها ابنها الأصغر بنهم أثناء تبديله لملابسه فضحكت الأختان لمرآه واقتربت سيرين منها واحتضنتها قائلة:
- ربنا يخليكي ليا فربنت سالي على ظهر أختها:
- ويخليكوا لیا

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية