قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الرابع

رواية لعبة عاشق الجزء الثاني يسرا مسعد

رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الرابع

يكاد حرفيا يقتله
ذاك الجنون الغاضب الذي يعتمل بصدره
وأنفاسه الحارقة بدلا من أن تمده بالأوكسجين
تخنقه!!

حل قليلا ربطة عنقه التي يلتزم بها لآخر النهار وهو يتطلع مجددا
لصورة أخيه الأصغر الضاحك برفقة أحدى بطلات ماضيه المشحون
وتأملها لقليل من الوقت لم تكن نظراته عابرة
عشرة أعوام مضت بل إحدى عشر ليكون أكثر دقة
لازالت كما هي بل ربما ازدادت جمالا وقسوة
خصلاتها الطويلة ربما تقاصرت للنصف.

لكن عيناها الفيروزية لازالت تتمتعان بالغموض الذي لا يخبو مع مر الزمان بل يزداد تألقا
ورغم ذلك استطاع قراءة ماورائها بقليل من الجهد فمنذ ثالث
لقاء لهما أفصحت عن حب جارف له وعلاقة استمرت أربعة أشهر
ومع ذلك ببرود تخطاها نحو صالح العائلة ،لا أكثر
لم يكترث لقلبها ولا دقاته التي خبتت مع هجرانه لها
ولا لكبرايائها التي سحقها هو بعنفوان تام
تحت مسمى كبريائي الأبقى والأعلى شأنا
ففارق العمر بينهما كان يصل لعشرة أعواما كاملة
ولكن لم يكن هذا العائق الوحيد بينهما،

بل كان والدها "أمين الزهري "
الذي كان يسعى لسحق اسم "آل سليم "بكل ما أوتي من قوة لتكون له اليد الأعلى.
والان عيناها تتوهج نحو أخيه الذي يصغره بخمسة أعوام، النسخة الباهته منه
مشاعره كانت أبعد ما تكون عن الغيرة
ولكنها كانت ثائرة
فهو يعلم أخيه تمام المعرفة
غر ، ساذج، أهوج
وسيندفع نحوها مقدما لها كل القرابين التي يمتلكها و لا يمتلكها على حد سواء
وأعظم قربان قد يقدمه،
زواجه الذي أصبح على المحك
فمن أرسل لهاتفه تلك اللقطة التي تجمع بين العاشقين ،لابد.

وأنه قد تكلف العناء وربما أقل قليلا نحو هاتف آشري
يحتاج للذهاب للمنزل وصب الماء البارد فوق راسه ربما تمكن
بعدها التفكيير بعقلانية لحل تلك لأزمة
فالحديث الودي الناصح مع أخيه لم يكن يوما فرضية مطروحة
ولكن قبل أن تتحرك خطواته نحو الباب ليغادر الشركة فاجأته
درية بإقتحام مدوي بدقات كعبها الصارخ وهي تقول بإنفعال حانق :
- للأسف أتأخرنا كتير أوي ..مجموعة الزهري سيطرت على كل الأسهم
لمعت عيناه واشتدت قبضته على زر ياقته وهو يغمم لنفسه
-إذا فهي الحرب !

الحظ يبتسم له مجددا
فجميلته دعته لأول مرة في منزلها الخاص
ولديه الليل بطوله ولربما استطاع إقتناص المزيد من ساعات
النهار الأولى ،وزوجته قد سافرت صباحا ولن تعود حتى مرور أيام أو ربما أسابيع
قبض على ذراعها وهي تتجه نحو الطاولة المستطيلة لتجهز له مشروبا منعشا وهو يحادثها لائما :
- مابترديش على مكالماتي ليه ؟

عبست له وقالت بدلال لم تتصنعه
فهو يمتزج مزجا بدمائها المتحركة :
- زياد أنت عارف أنا مشغولة أد إيه في الشركة والزفت المندوب مبهدل الدنيا
جذبها إليه وهو يقول :
- حبيبتي أنا تحت أمرك قوليلي اللي نفسك تعمليه وأنا أساعدك
ازدادت خطواتها نحوه بإقتراب مهلك وعطرها يلفح أنفاسه قائلة برجاء:
- بجد يا زياد هتقف جمبي وتساعدني؟
هتف بها بشوق :
- طبعا في أي حاجة ،أنت تشاوري بس
طوقته فجأة وهي تهمس له :
- ربنا يخليك ليا
شعرت بإشتداد قبضته فوى خصرها وحركات جسده المتطلبة نحوها
فتملصت منه بنعومة معنفة إياة بدلال بضحكة.

مثيرة :
- زياد وبعدين معاك
نظر لها كطفل خائب منعت عنه حلواه وهو يقول بتأثر :
- اعمل إيه معاك بس ؟
جذبته ليجلس وهي تقدم له شرابه قائلة :
-احنا هنقعد سوا نشرب ونلعب وبعدين ..
صمتت تاركة المجال لتخيلاته فقال بمكر وهو يتأمل هيئتها
المتواضعة التي لم تكن تنبأ عن نوايا مثيرة من ناحيتها
جينز باهت يحيط بساقيها المثيرة جدا للإهتمام فوقه تنسدل
بلوزة قطنية بسيطة بلون أزرق قاتم ووشاح مزركش يحيط برقبتها
وخصلات شعرها مرفوعة بمطاط صغير لا شكل له
وبعدين إيه ؟!

دفعت له بالشراب ليتجرعه ، شرابا مخلوطا بمسحوق "سحرى" كما اعتادت تسميته
قائلة بمكر مماثل :
- بعدين دي هتعرفها من نهاية اللعبة
اقترب منها وهو يصب لنفسه كأسا آخرا وهو يقول :
- لعنة إيه ؟

أمسكت بورق اللعب وهي تقول له بحرفية تامة :
- هنلعب بالورق .واللعبة جولات واللي هيخسر جولة ...
صمتت وحدقت بعيناه وهي تعض على شفتيها فأرسلت
القشعريرة بخلاياه فقال بإندفاع :
- يعمل إيه؟

أسبلت عيناها الفيروزية ولمست بخفه يده القابضة على كأسه وقالت بصوت دافىء :
- يقلع
ولكم كانت لعبة رائعه بنظرة فهو يود وبشده إستتكشاف جسدها
القابع تحت تلك الهيئة الفوضوية المثيرة
وضع كأسه بحماسة وهو يقول :
- وأنا جاهز
لمعت عيناها بنصر وهي تجهز الطاولة كالصياد الماهر ألقت
الطعم ووقعت الطريدة بالفخ الذي نصبته لها
كالعادة استغرقت بعملها على الحاسوب وتناست الوقت الذي
كان يمضى سريعا خلف إنصراف جاسر هو الآخر

تطلعت لعقارب الساعة شاهقة لقد تجاوزت السابعة بقليل
فلملمت أوراقها وأغلقت الشاشة أمامها وارتدت حذائها المطروح أرضا إلى جوارها
وسارت بخطى مسرعة نحو المصعد وعندما فتح الباب تطلعت لوجهه بدهشة بالغة فابتسم وقال :
- سحبت الأسانسير قبل ما أضغط أنا عشان أنزل.

هزت رأسها وقالت :
- خلاص اتفضل حضرتك
وشددت على كلمة "حضرتك" فضاقت عيناه ومد يده ليمنع انغلاق باب المصعد
وقال بتوتر:
-أركبي يا درية أنا مش هاكلك
عقدت حاجبيها بغضب ،أيظن أنها حتى
تخشاه ؟!
مضى يتطلع لقسماتها العابسة فقال بخفة :
ـ جاسر مشى ؟

ردت بإقتضا :
من ساعة
عقد حاجبيه وتوقف المصعد وفتح الباب فهمت بالخروج مسرعة إلا أنه اعترضها قائلا :
- وأنت إيه اللي مقعدك كل ده ؟
رفعت عيناها إليه فبرغم أن طولها يتجاوز المائة وستون سنتيمترا إلا أنه كان يفوقها بكثير
وقالت بحرفية بالغة :
-كان عندي شغل
كان لازال يحملق بها عابسا وهو يقول :
- ومين اللي قاعد مع الولاد دلوقت ؟

ردت بتهكم ضائقة ذراعا بمحاصرته له بالكلمات والنظرات
الغير مفهومة:
- مافيش حد ولذلك بعد إذنك مضطرة امشي بسرعه قبل ما يحصل حاجة لا قدر الله
استبق خطواتها المسرعة وهو يقول :
- هوصلك هكذا ،
انصرف وهو يلق لها بهذا الأمر ببساطة وكأنما عليها الطاعة فقط لاغير !!
حملقت بأثره وقد اشتاطت غضبا وصممت على تجاهله
كان قد انصرف لسيارته الرياضية الفارهة ذات اللون الأحمر.

الصاخب إحدى مظاهر التغيير الغير مفهومة التي طرأت عليها
فهو كان يعتنق سيارة رباعية عائلية لمدة تزيد عن الخمس سنوات
وتوقفت جانبا في إنتظار لظهور مؤجل لأحدى سيارات الأجرة
الشاردة والتي قلما تجود الظروف بها في مثل هذا التوقيت
توقف بالسيارة أمامها محدثا عاصفة ترابية محدودة وهو يقول.

بنفاذ صبر :
- رقم واحد مش هتلاقى تاكس السعادي ،رقم اتنين لو لقتيه ٩٠ هيكون شارب ومتنيل ، فاركبي أحسن يادرية وبلاش عند
عقدت حاجبيها وهي تحدق بهيئته ،إنه يصرخ بها آمرا إياها بتنفيذ ما قد ألقاه على مسامعها آنفا والأدهى أنه محق
فهي حقا تخاطر بإضاعة المزيد من الوقت في إنتظار اللاشيء.

وقد يظهر هذا اللاشيء ولكن قد يحدث مالا يحمد عقباه
كانت تغلي وتزبد ومع ذلك استنشقت نفسا عميقا وهي تفتح
الباب راسمة على وجهها ببراعة تلك الملامح التي تواجه بها
أفعال صغيرها التي تدفعها للجنون في كثير من الأحيان ومفادها "حسابك معايا بعدين"
ولغرابة الأمركاد يقهقه وكتم ضحكته بصعونه
لا يعلم مالذي يكتنفه مؤخرا عندما يكون بمواجهتها ولكن عليه أن يعترف أن الأمر أضحى ممتعا
بل هو في الواقع ممتع لحد كبير.

مكالمة هاتفية واحدة وراء الاخرى تطمئن فيها بصوت رقيق
على أولادها أذاب عظامه وختمت حديثها بضحكة عفوية وهي تقول لصغيرها :
- خلاص يا أيهم ،اما ارجع ،اقعد هادي ومؤدب وماتديقش إخواتك
وضعت هاتفها في حقيبتها وأخير كسر حاجز الصمت المرسوم بينهما ليقول بتعجب ايهم ؟!

قالت يإمتعاض :
- باباه الله يرحمه هوا اللي اختار الأسم
ضاقت عيناه وقال :
- وواضح إنه مش عاجبك أقرت بضيق:
- معناه مجنون قال بمكر:
- مايمكن مجنون بيك
ثم سألها :
- وبقية ولادك أساميهم ايه ؟

ردت بهدوء :
عمرو ١٦ وحسين ١١ سنة
ارتفم حاجبيه بدهشة :
- يااه على كده اتجوزت بدري أوي
توترت شفتاها وقالت بجفاف :
-كان عمري عشرين
حرك شفتيه ساخرا وقال وهو يسترجع لحن الأغنية الشهيرة :
- امبارح كان عمرى عشرين
نظرت له بطرف عيناها وصمتت وداخلها يؤكد لها أنها إحدى.

علامات اللوثة التي أصابت عقله وعادت للتركيز مجددا على
الطريق ثم قالت بنبرة خاوية من أية إنفعالات :
- أنا هنزل آخر الكوبري
ولدهشتها انصاع لأمرها ولم يعترض بعد أن كانت جهزت ردا
صاخبا ونادها قبل أن تترجل برقة قائلا بإبتسامة واسعة :
- هستناك بكرة يادرية

عقدت حاجبيها وأومأت براسها بتعجب وسارت خطوات قليلة وهي تفكر بغرابة عبارته
ولم تكن عبارته غريبه قدر فعلته فما أن ركبت سيارة الأجرة
حتى تبعها إلى حيث منزلها وأعطاها إشارة ضويثة من سيارته
وهو يشير لها مودعا منصرفا وهو يدندن الأغنية الشجية التي كان يهواها

إنها بحاجة ماسة لحمام بارد تصبه فوق جسدها المتعرق جراء جريها لساعة منصرمة
ألقت تحية المساء على طفليها وقبلتهما وصعدت فورا لغرفتها متحاشية لقاء حماتها أو خادمتها
وخلعت ملابسها دفعة واحدة ولفت جسدها الذي تناقص خمس
كيلوجرامات بمنشفة وردية عريضة وتأملت قدها بفخر في المرآة وهي تفكر،
ستستحم وتتناول المشروبات الحارقة التي أوصتها بها المدربة والعشاء "زبادي وثمرة فاكهه"
ولن تفكر أبدا في تناول حلوى التشيزكيك القابعة في البراد

وعندما التفتت لتدخل الحمام كان هو قد دفع الباب ليخرج فصدم حافته جبهتها فصرخت متأوهة
أمسك برسغها سريعا ويده الأخرى تستقر على كتفها العارى
وتأملها بشغف حارق قائلا بصوت أجش :
- أنت كويسة؟!

رفعت أنظارها له بخجل شاعرة بعريها تحت أنظاره المتعلقة بها
وازداد خجلها منها عندما لمحته هو لآخر يلف جسده بمنشفة
حول خصره ولازالت بعض قطرات الماء متعلقة بجسده وخصيلات شعره لم يغيره الزمن قط
فقط هي من ترهل جسدها وازدادت ملامحها عمقا
رمقت عضلات صدره بحسد وابتعدت عنه قائلة بخشونة :
- رجعت بدري يعني.

شعر بنفورها منه فاستقام في وقفته كتمثال إغريقي وقال متهكما
- قلت أرجع قبل ماتقفي تستنيني في البلكونة وتعملي نفسك نايمة أول ما أدخل الأوضة
ازداد إحمرار وجنتها وضمت المنشفة أكثر حولها وهي تتجه ناحية الحمام مرة أخرى قائلة بإتهام :
- ما أنت لو كان يهمك كنت على الأقل اتصلت.

أمسك برسغها مرة أخرى وقال :
- أنت اللى لوكان يهمك كنت اتصلتى
التفتت له بحدة وقالت :
- للطوارىء يا جاسر ،اتصل للطوارىء
اقترب منها ووعيناه تلومانها قبل لسانه:
- وكأنك ماصدقت
تقافزت الدموع لمقلتيها وهي تستنكر :
- ده أنا ولا أنت ؟!!.

هز راسه وهو يردد بإقرار :
- أنا .أنا اللي مهما أعمل مش عاجب
فابتسمت بسخريرة مريرة وهي تغالب دموعها المتساقطة وبصوت خافت متقطع
ردت :
-لا ده هوا ده بالذات ،أنا
مد يده ومسح دموعها بعنف وقال هامسا بقسوة :
- مابحبكيش تعيطي.

رفعت راسها وقالت بعند :
- معاك حق أصلا مافيش حاجة مستاهله عياط
وانصرفت لحمامها وهي تلعن كل شىء
تلعن الصمت المجروح والكلمات الجارحة
تلعن إشتياقها له ونفوره منها
تلعن ضعفها وجبروته
تلعن إحتياجها له وإجتياحه لها
وتلعن بالذات تلك البقعة على كتفها التي باتت تصرخ ألما من أثر فراقها للمسة إصبعه

استيقظ صباحا بصدغ متورم جراء نومه على الأريكة بغرفة
المعيشة بمنزلها وصداع يكاد يفتك برأسه
نادى وهو يدرك أن أنفاسه تحمل رائحة الخمر والزجاجات
الفارغة المتناثرة أمامه خير برهان عليها :
- داليا ..داليا!!

لم يجد ردا قام ومشي بخطى متثاقلة وتعثر في طريقه بسروالها
وبلوزتها الملقاة أرضا فعقد حاجبيه وابتسم بمكر لاعنا تأثير
الخمر الذي حرمه تلك اللذة
فهو لايتذكر تلك التفاصيل المثيرة
اللعنه لقد هجر الخمر منذ زمن طويل عاد فقط ببضع كؤوس من حين لاخر
مضى ينادي بصوت يؤلم رأسه وحلقه :
- داليا ..أنت فين ؟

ولم يجد ردا وبعد مرور الساعة التي أمضها متنقلا بين حجرات
منزلها صب فيها الماء الساخن فوق رأسه وتناول كوب من القهوة
أعاد له صوابه ترك منزلها تاركا لها ملاحظة ماكرة على رأس البراد
"الليلة عندي "

كانت تجلس في السيارة إلى جوار محاميها المخضرم وعيناها
تلمعان بجذل ، وكيف لا وكلماته لازالت ترن في آذانها
"شركة زياد سليم بقت ملكك رسميا وقانونيا "
وهكذا سقط أول بيدق في معركتها نحو الملك
تكاد لا تتخيل رد فعله
إحدى شركات إمبراطورية سليم وقعت في يد الخصم
خصومة امتدت لسنوات طويلة بين والدها ووالده
خصومة ظنت بعقلها الفتي وقتها أنها ستتحول لأسطورة
كأسطورة رميو وجيوليب

غير أن لسذاجة عقلها ظنت أن نهايتها ستكون مختلفة هي بالفعل كانت نهاية مختلفة
إذ لم يختنق جاسر بالسم
ولا هي ابتلعته مضحية بحياتها وراءه
ولكن عوضا عن ذلك اختنقت هي بكبرياء جريحة إثر هجرانه لها ،كأي إمرأة مرت بحياته من قبل
والآن وفي تلك اللحظة بالتحديد تشعر بأنها قد ثأرت لكرامتها
فهي واثقة بأن جاسر إن اضطر فسوف يجوب الأرض إثرها فقط
ليسترجع ماهو له ولكن لكل شيء ثمن

تنحنح المحامى الجالس جوارها وهو يقول :
- على فكرة كده خطر
رفعت حاجبها المنمق ودون أن تلتفت له قالت :
- خطر على مين ؟
أردف بنبرة عملية :
...وعليا ولازم أعرف أنت بتفكري في إيه ؟
التفتت له أخيرا وقالت بجدية: ١
- عليكي
- أنت بتفكر في أيه ؟

رد سريعا :
- جاسر سليم مش هيسكت وهيقلبها عاليها واطيها
له بسعادة بالغة لتقول بحالمية :
ابتسمت
-عارفة ومستنياه
نظر لها بحيرة بالغه وهم ليعترض ولكنها باغتته قائلة بصرامة :
- بكره تروح لزياد ومعاك مذكرة قانونية تأمره فيها بأنه يخلي
مكتبه في الشركة وإني استغنيت عن خدماته

لقد انتصف الليل وأكثر ،وهي لازالت جالسة فى سريرها الواسع لا يسعها النوم
وقد احتلت الأفكار والمخاوف حيزا لا يستهان به من دماغها الذي لا يهدىء لحظة
هي تعلم حق المعرفة بأنها تهرب بأفكارها العملية من التفكيير
فيه وبتصرفاته الغير مألوفة مؤخرا.

تركز بعملها أكثر وأكثر وتغيب بأرقامها عن واقعها
لطالما كانت هكذا دوما تهرب من مشاعرها المحبطة بأي عمل
يشغل يديها ويحتل جزءا يسيرا من عقلها
في الماضي كانت تنشغل بالطهي وترتيب المنزل لتهرب من
التفكيير بمشاكلها التي كانت لا تنتهي مع زوجها الراحل
هذا الوسيم الذى يطل عليها بنظراته الحزينة بصورته التي تحتل الحائط المقابل لسريرها
وقد خلت جدران المنزل وأركانه بالكامل من أي ذكرى له سوى تلك البقعة
لم تكن بطبيعتها إمرأة عاطفية ولا ضعيفة.

كانت عملية لأقصى حد
فهي فتاة وحيدة تربت على يد رجل عسكرى أنف الزواج بعد رحيل والدتها حتى وصلت للثمانية عشرة من عمرها وفاجائها
حينها برغبته بالاقتران بمطلقة تصغره بعشرين عاما قد وقع في غرامها !!
لم تتفهم كيف لرجل وهو على مشارف الستين عاما بأن يقع صريعا للهوى
كيف وهو العسكرى القوي الصارم الذي لم ترى ابتسماته قط إلا
في لحظات نادرة تنطلق قهقهاته كلما تشارك المجلس مع تلك المرأة
كانت غاضبة وحانقة وبشدة.

إذ تمكنت تلك المرأة في وقت قصير للغاية من تغيير حياة أبيها بالكامل
فتحول من رجل عبوس ضيق الخلق عملي لأقصى حد دوما، لضاحك باسم حالم بل ومتفاعل أيضا
حاولت كثيرا تفهم التغييرات التي طرأت على والدها ولكنها لم
تتفهم أبدا رحيلها عن شارعها وأصدقائها والإنتقال لحي آخر بعيد صاخب
وكانت هي الفتاة الجديدة

وبشعرها المعقود وملابسها المحتشمة اجتذبت ناظريه فورا وهو
الشاب العابث الذي أذاب قلوب عذروات الحي
ظل يطاردها لعام كامل ولكنها كانت دوما تصده وهي تحلم بالسفر لخارج البلاد
تجتهد بدراستها لعلها تنال منحة لإحدى الجامعات الأجنبية
وعندما نالتها أخيرا وقف أبيها في طريقها مانعا إياها من السفر وتحقيق حلمها ومررت عقابه
ولم تدري بأنها فى الواقع تعاقب نفسها وتعاقب هذا العابث
فوافقت على الزواج منه بعدما مل ملاحقتها بين أورقة الطرقات لتبدا ماسآة من نوع آخر
زيجة كانت فيها هي الرجل قبل الأنثى

لمهندس حالم طموح ولكنه ضيق الأفق فيضيع من يده فرصة تلو
الأخرى ليرحل عن الحياة مبكرا تاركا إياها وحيدة بين ثلاثة
صغار وديون تكبلها لبقية عمرها
ورفضت بإباء أن ترضخ لمحاولات أبيها المستمرة بالتدخل وحمل تلك الأعباء عنها
فهذا يعني أنها تعود مجددا لعباءته التي طرحتها منذ زمن
وفضلت الإستقلال بأبنائها وبمعيشتها متحملة مسئوليتها بالكامل
فضلت الحرية

وهاهو ينال من حريتها بأفكار عبثية وبدقات قلب خائنة
لا تنكر أنها تمتعت بحب زوجها الراحل ولكنها لم تفهمه قط
فكيف لكلمات معسولة وأبيات شعر مرسلة أن تقبض على أوتار إلا بالحب الفعلى وهي لا تومن
الأفعال هي المترجم الوحيد لمشاعر الحب الغامضة
فالإهتمام والعطف فعل والود والألفة فعل والشغف والجنون أيضا فمل
لا تلك الرسومات البائسة التي تمتلىء بهم الصناديق أسفل سريرها
ولا أبيات الشعر التي كتبها فى خصلاتها وعيناها وقدها وسط
دفاتر التى تحتل الرف الأخير من خزانتها
" طرقات ضعيفة تنمو على باب غرفتها فابتسمت بحنان

وهي تقول :
- تعالى يا أيهم
فتح الباب وأطلت نظرات صغيرها حزينة فعبست بشدة وقالت :
- مالك يا أيهم ؟
دخل خطواتان وهو يقول :
- الدنيا شتيت على سريرى
تهدل كتفها وابتسمت له بحنان وقالت :
-كده ،طب تعالى ننشفك وننشف سريرك

فقال بإبتسامة ضيقة خجولة:
- أنا نشفت نفسى خلاص
للساعة جوارها فوجدتها الثانية صباحا وهي فعليا مجهدة
الجسد والفكر فقالت :
- طب تعالى نام معايا وبكرة الصبح أنشف سريرك
نظرت
قفز الصغير مرحبا بدعوة أمه بين أحضانها وهو ينظر لصورة والدة
الباسم ويقول :
- تصبح على خير يا بابا
لأجل تلك الكلمات هي لم تستطع حمل صورته بعيدا
ولأجل تلك الكلمات أيضا هي ستطرد كلمات ونظرات الآخر بعيدا
ويعود هو لظل لزوجته الراحلة أو لا يعود
ولكنها ستظل متشبثة بالذكرى لأجل صغيرها ولأجل حريتها.

قصص مشابهة:
الآراء والتعليقات على القصة
قصص و روايات مختارة