قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الخامس والعشرون

رواية لعبة عاشق الجزء الثاني يسرا مسعد

رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الخامس والعشرون

هل يمكنك حقا أن تفقد ما لم يكن لك بالأساس ؟
أفكار تدور بها منذ أن دلفت للمشفى صباح اليوم إثر نزيف حاد تعرضت له ووحش الخوف يسيطر على أوصالها بفقدان جنينها الرابط الأوحد الذي يجمعها به وبخسرانه تكون قد خسرته ولكن مرة ثانية يتكرر السؤال البغيض بداخلها هل يمكنك حقا أن تفقد ما لم يكن لك بالأساس؟!

هي ليست بغبية متغافلة واقعيا قد تغافلت عن حقائق عدة ومضت في دربها بعزم للحصول عليه وبنهاية الدرب قد تصل إلى قلبه لا هي وصلت ولا عادت تدرك ملامح دربها وبالنهاية أضحت بفراشها وحيدة دون حتى جنينها وعبارات المواساة التي تتلقاها من صديقتها المقربة لم تكن سوی طعنات متكررة لقلبها المتألم لفقدانه فصرخت بها لتتوقف:

كفاية يا أنجي، كفاية شحب وجه الصديقة وظهرت ملامح الضيق والتوتر جليا على وجهها وفرت دمعة أخرى حبيسة مقلتيها وقالت هامسة:
- کلمتیه ؟
هزت إنجي رأسها وقالت:
- من ساعة مسحت داليا دمعتها الوحيدة وإن كان بالقلب الالاف ينوء بحملها وقالت معتذرة:
- روحي يا إنجي أنا تعبتك معايا ربتت إنجي على كفها وهي ترحب بتلك الفرصة للتخلص من عبأ لا تطيقه وقالت:
- هتبقى كويسة ؟
رفعت داليا رأسها وقالت:

- ماتقلقيش، ماعدتش فيه حاجة ممكن أخسرها أعظم من اللي خسرته بخطوات حانقة طرق الممر المؤدي لحجرتها بالمشفى رمادية عيناه أضحت سوداوية بدخان أنفاسه المشتعلة، دفع بیده الباب وكاد أن يصطدم باللتي أوشكت على الرحيل وما أن رأت وجهه المكفهر حتى أضحى رحيلها الهادىء، فرارا ملامحه لم تلن للشاحبة أمامه ولم ترق بل زعق بها:

- نفذتي اللي في دماغك وفي الآخر ضيعتيه، لأنك واحدة مستهترة وعلى الرغم من شحوب وجهها إلا أن لمعة عيناها الوحشية تولت الدفاع والهجوم في آن واحد:
- كان يهمك أووي؟!
رد بكلمة باترة لشكوكها الهزيلة:
- صلبي اهتزت نبرتها ببكاء مكتوم:
- مع أنه كان بيربطك بيا اقترب منها بغضبه الأعمى:
- مافيش حاجة تقدر تربطني وأنت دلوقت مسئولة قدامي عنه، الدكتور قال أنك أجهضتي بسبب المجهود الزيادة، سفر وتنطيط ومارينا . . صرخت به حانقة:
- أنت سيبتني أخرج

- وأنت مش هتلوي دراعي زعقته بها هزت بدنها حتى وضعت كفيها أعلى أذنيها وهي ترجوه:
- كفاية أرجوك كفاية أنت مش حاسس باللي فيا أخذ نفسا عميقا ليهدأ قليلا وأشاح بوجهه بل وبجسده بعيدا عنها واتجه للنافذة المغلقة وسرح بأفكاره في الأفق الأزرق فوقه أعليه تقع مسئولية فقدانها لجنينهما أيضا؟!

لا بل هي المسئولة بالكامل هي من عصته ومن ستدفع ثمن عصيانها همستها به قطعت حبل أفكاره:
- خلينا واقعیین یاجاسر أنت من الأول لا كنت عاوزني ولا عاوز طفل مني التفت لها وقال بعد فترة طويلة من الصمت المشتعل:
- جایز، لكن حصل وحملتي وبالتالي بقا واقع وبقا ليا حق فيه وأنا ما بضيعش حقي وحتتحاسبي على إهمالك هزأت به:
- حساب الملكين فاشتعلت عيناه وقال مهددا:
- ويمكن أكتر وسقطت دمعة أخرى وبهمسة حارقة:
- وحقي أنا فين ؟

بدا وكأنه غافلا عما تقول، فتابعت:
كنت بحلم بيك، بطفل منك، بحياة بينا ولقيتني على أرفع هامش عندك، كل ما أقرب کنت بتبعد وأضحك على نفسي وأقول بكرة يمكن . . . وبكرة عمره ماهيجي بتر حديثها ودون شفقة:
- جوازنا كان صفقة بشروطك يا داليا، لو كنت شرطتي الحب كنت رفضتها ودمعة ثالثة ورابعة وحتى العاشرة تابعت السقوط ومابعد العاشرة توالی دون صمود وهي تهمس به:
- طلقني

عقد حاجبيه واهتزت نبرته:
- فکري کویس یا داليا غيرك طلبتها وماتنتهاش وبنفس الأعين المغرقة بدموعها رفعتها له قائلة:
- الصفقة خسرانة يا جاسر أخذ نفسا عميقا وقال بصوت جامد وقلب متحجر:
- أنا هخلص إجراءات الخروج وأوصلك بيتك وورقتك وبقية حقوقك هتوصلك لحد عندك قهوة الصباح التي أصبحت تحرص على تناولها مؤخرا في مكان أبيها الراحل المفضل كانت علامة بينة على أن ابنتها تمر بمنعطف جديد بحياتها ورغم تاكل مفاصل ركبتيها إلا أنها حملت كوب الشاي خاصتها وصعدت للأعلى لتنضم لإبنتها السارحة بملكوت الله انتبهت لطرقات عصا والدتها فرفعت رأسها دهشة وقالت:

- خير يا ماما فيه حاجة ؟
ابتسمت لها أمها بمكر وقالت وهي تتجه لتجلس جوراها:
- أنا برضه فعقدت سالي حاجبيها وقالت:
- قصدك إيه يا ماما ؟
حدقت بها أمها بنظرات فولاذية وبنبرة أشد صلابة قالت:
- ماروحتيش شغلك بقالك يومين ليه يا سالي وحتى النادي وولادك يادوب بتنزليلهم الصبح تاخديهم تفسحيهم جمب البيت وترجعيهم قبل المغرب تنهدت سالي بتوتر وقالت:

- عادي يا ماما واخدة أجازة وبعدين هوا لازم أروح النادي كل يوم، الولاد كمان بيزهقوا ظلت مجيدة تنظر لإبنتها صامتة حتى قالت:
- مخبية عني إيه يابنت محسن ؟
فابتسمت سالي وترقرقت دمعة بعينها لذكرى والدها الحبيب وقالت بصراحة مطلقة:
- بصراحة أنا هربانة فرفعت مجيدة حاجبيها بتعجب وقالت بشيء من الحسرة:
- رجعت تهربي تاني، عملك إيه المرادي؟!
وكأن ماينقصها أن تقتحم ذكراه حديثهما فقالت بضيق:
- مش جاسر يا ماما فأمسكت مجيدة بكف صغيرتها وقالت برجاء:
- إحكيلي وريحيني فردت سالي بسرعة لكأنما تتخلص من عبأ أثقل كاهليها:
- کریم اتقدملي فارتسمت إمارات الفرح مخلوطة بحيرة على ملامح مجيدة التي قالت:
- وأنتي هربانة ليه، الإجابة با آه یا لاء فردت سالي بحزن:

- ما أنا مش عارفة أجيبهالو إزاي فهزت مجيدة رأسها وقالت:
- طب وقررتي ترفضي على أنهي أساس ايه اللي خلي تفكيرك يقولك لاء فاعترضت سالي بسرعة:
- ياماما أنا مافكرتش، أفكر في إيه بس ؟
والولاد و . . . وضعت مجيده الكوب بحدة وقالت حانقة:
- جاسر ! عاوزة ترجعيله عشان ولادك يبقى تتصلي بيه وتتفاهموا إنما تقعدي حاطه إيدك على خدك تستني ياخد خطوة يبقى بتحلمي يا سالي فردت سالي بغضب لكأنما تصبه فوق رأس أمها دون أن تدري:
- ومين قالك إني عاوزة أرجعله ولا أني هقبل أني أنا اللي أطلبها وليه بحلم، ليه على طول معاه أنا اللي بتذل؟!
وتقبلت أمها ثورتها الغاضبة بصدر رحب وقالت بهدوء:
- يبقى بترفضي الجدع ليه ؟

فتاهت سالي مجددا في بحور حيرتها حتى قالت:
- أنا مش جاهزة إني اربط نفسي من تاني ولا أخوض تجربة من جديد فأمسكت مجيدة بكف ابنتها وقالت:
- فاكرة أما أبوكي الله يرحمه اشتری عجله حمرا ليكي وزرقا لسيرين، سيرين بسرعة اتعلمت وركبتها وأنت كل اليوم الصبح کنت تطلعى هنا تاخدي العجلة في أيدك وتلفي بيها منغير ماتركبيها لحد ما العجلة صدت والبارومة أكلتها وزعلتي، سيرين و أختك إديتك بتاعتها وساعتها ركبتيها نظرت لها سالي وهي لا تدرك المغزى من وراء تلك الحكاية التي تعود لأوائل عهد طفولتها فتابعت والدتها بلطف:
- ماتضيعيش الفرصة من إيدك يا سالي، جربي يمكن تكوني جاهزة وخوفك بس اللي مانعك فهمست سالي بها:
- یعني أنت موافقة ياماما ؟

تنهدت مجيدة وقالت بحكمة بالغة:
- خلينا واقعيين ياسالي، جاسر واتجوز ومراته حامل وأنت عشان تتطلقي سيبتيله بنتك، في الأول ماكنتش موافقة بس بعد كل اللي حصل أنت اتصرفتي صح وعشان مصلحة الولاد مايبعدوش عن بعض وأنا وهيجيلي يوم وأفارق الحياة، وعاوزة اتطمن عليك بدال ماتعيشي لوحدك فتنهدت سالي بحزن:
- بعد الشر عليك، بس الولاد . . قاطعتها مجيدة:

- بنتك ياسالي، سليم ابن جاسر . . وبكرة الاتنين يكبروا ويفهموا ومن مصلحتهم يعيشوا الاتنين سوا في عز أبوهم، ومهما جاسر يعمل ساعة ماهيكبروا هيختاروا الجمب الحنين عليهم مش مرات أبوهم فرت دموع سالي رغما عنها فربتت مجيدة على كفها بحنا ودفنتها في أحضانها:
- الحياة مش سهلة يابنتي، ماتوجيهاش لوحدك، إنت محتاجة السند، خدي فرصتك ياسالي، ماتفرطيش فيها      وكأن ماينقصه تلك الأحرف نظر لها متوعدا وقال:
- أقدر أفهم بتقدمي إستقالتك ليه دلوقتي، عملتلك إيه أنت كمان فابتسمت درية بمرارة وقالت هازئة:
- من ناحية عمايلك، فعمايلك يامه، لكن المرادي مش أنت السبب فنهرها بإصبعه مهددا:

- درية جلست وهي تقول بسخرية تشربتها منه بحكم " العشرة ":
- أصلي هتجوز، عقبال عندك ولو أنها تبقى رابع مرة لكن مش خسارة في طيبة قلبك فاحمرت نواجذه وقال متجاهلا تعليقها لاذعا إياها بسؤال أشد سخرية:
- فجأة كده، ومين عريس الغفلة ؟
فرفعت حاجبها وقالت بنبرة تحمل تهديدا:
- عقيد سابق في الجيش فتراجع للخلف وقال بشبه إبتسامة مريرة:
- آآه ده اكيد من طرف الوالد، بس ياترى إيه اللي غير رأيك ؟
فنظرت للأفق خارج نافذته العريضة وقالت:

- کلنا لازم يجي علينا وقت ونتغير يا جاسر، زي النخيل اللي بره دي لو ماكنتش تتغير وتنحني للريح . . .

هتتكسر ومش هتقوملها قومة خرجت وتركت أنظاره معلقة لجذع النخلة الذي كان يتمايل مع رياح الربيع القوية على غير العادة الناس من حوله تتغير حتى الأقوياء منهم، ك " درية " علي سبيل المثال وليس الحصر تغيرت أيضا ربما كانت القوة في القدرة على التغير والتكيف مع الجديد من الأمور فالتغير في نهاية الأمر ليس بهزيمة نكراء وخذلان عزيمة لربما كان العزيمة ذاتها فالصفعات التي يتلقاها كبريائه على نحو دائم مؤخرا آلمته وهو يتمسك بكونه لن يتغير أبدا كنوع من الدفاع المضاد ولكن ذاك التمسك الأعمى كلفه الكثير، كلفه زوجة مطيعة وبيت هادیء وحياة مستقرة ومؤخرا فقد جنينا لكأنما شعر أنه سيكون معذبا في الأرض كأخوته إن حمل کنیته ورغما عنه يشعر بمرارة خذلان ومسئولية تجاه تلك التي سعت إليه فبالنهاية عقد الزواج كان يحمل توقيع إسمه إلى جوارها نظر للأوراق أمامه وتعلقت نظراته التائهة بطلب درية للإستقالة فحملها بصمت وخرج من غرفته حاملا سترته أيضا وكنوع من التغيير الذي كان ينبذه لم يعلم إلى أين !

لربما كان في الماضي صاحب الخطوة الأولى حتى تولت هي زمام الأمور بحكم العادة ولكنه عاد ليصحح مسار حياتهما معا ويكون هو القائد دون و منازع ترجل من سيارته الحديثة أمام مقر شركتها وصعد حاملا زهور ابتاعها خصيصا لها سار بثقة آل سليم نحو المصعد حتى وصل إلى حيث مكتبها واقتحمه تحت أنظار مديرة أعمالها المنشغلة بمكالمة هاتفية أخرتها عن اللحاق به حتى توقف تماما في منتصف الغرفة تحت أنظار آشري المندهشة وحمرة الخجل تعلو وجنتيها رغما عنها لأول مرة منذ وقت بعيد والسبب ليس فقط معنيا بباقة الزهور الرقيقة التي كان يحملها ولا أيضا بهيئته المثيرة ببذلته الكلاسيكية دون ربطة عنق ولكن نظرة عيناه الجريئة المعلقة بها وحدها كانت الدافع الأقوى شکرت آشري مديرة أعمالها بصوت أبح وتابعت بأنفاس متلاحقة:

- ویاتری لازمته إيه الورد ؟
فأجاب بصوته الواثق المرح:
- عيد الربيع فضحكت رغما عنها وقالت بعبس زائف:
- لسه زي ما أنت ماتغيرتش فاقترب بقوة حتى أصبح على بعد سنتيمترات قليلة وقال بأنفاس ساخنة:
- فيه حاجات إستحالة تتغير فيا يا آشري واعترفي أنها من مميزاتي هزت رأسها بإذعان لطالما كان بارعا في فنون الغزل والتقرب من المرأة بشكل عام، وحمقاء من ترفض غزل رجل جذاب مثله وأكثر حماقة من ترفض باقة زهور مدت يدها وتناولتها منه برفق ووضعتها برقة فوق سطح مكتبها وقالت بعيون لامعة:
- بس مش كفاية يا زياد فاقترب مرة ثانية ولكن منحها مساحة أوسع قائلا برجاء:

- فعلا، لأنه حتی ده قليل عليك، بس أنت إديني فرصة أعوضك على اللي فات نظرت له والألم يعود ليقتات من فرحتها:
- مش هستحمل وجع تاني یا زیاد فاقترب أكثر وبنبرة أكثر دفئا وحنانا قال:
- إستحالة، الوجع كله من نصيب قلبي وأنا بعيد عنك وشعرت لكأنما اختطف دقات من قلبها على حين غرة فهربت بعيناها من محاصرته فقال برجاء مرح:
- ممكن تيجي معايا رفعت له رأسها بأنفاس متهدجة:
- على فين ؟
فابتسم وهو يقول:

- يعني ماجتيش حفلة الإفتتاح قلت أعملك حفلة على الضيق أنا وأنت، نتغدی سوا وتشوفي المكان وكيف بإمكانها الرفض وعيناه تبتسم له وملامح وجهه تنطق بالفخر لكأنما طفل صغير أنجز واجبه على أكمل وجه " خايفة أكون بظلمك " رسالة مكونة من ثلاث كلمات لم تحمل وعدا ولا ردا بنعم كما يحلم ولكنها رسمت إبتسامة واسعة على فمه ومضى بأنامل ثابتة يخط عبارته التي تحمل صدق قلبه ومشاعره " الظلم بعينه أنك تبعديني عنك " ولم تلقي رسالته سوی بمزيدا من الخوف بداخلها فتنهدت بتعب حتى أتاها رنين الهاتف ليزيد من أرق مضجعها فردت بصوت مرتجف ولم يمنحها حتى فرصة إلقاء التحية عليه وقال:

- أنا جاي بكرة الساعة ثمانية ومعايا الحاج فاعترضت:
- کریم، أنت بتستعجل أوي فرد قاطعا شكوكها:
- ما أنت بتهربي ياسالي، خلينا نجرب سوا، قوليلي إيه اللي هنخسره وبعدين دي مجرد خطوبة هوا أنا بقولك هجيب المأذون وآجي وظلت صامتة لوقت طويل حتى قالت:
- طب خليها آخر الأسبوع أكون حتى اتكلمت مع الولاد فابتسم بسعادة وقال بنبرة لا تخلو منها:
- هاتيهم بكرة النادي يا هربانة ونتعرف على بعض يكون أفضل فابتسمت رغما عنها وقالت:

- ماشي بس ما تكلمهومش في حاجة هز رأسه وقال مطمئنا:
- ماتقلقيش، مش عاوزك تشيلي هم حاجة وأنا جمبك      عاد لمكتبه بعد إنقطاع عن العمل دام أياما متتالية ليس هربا ولكنه كان تائها بالفعل فبعد أن ودعها عاد لمنزله وغرق بألبوم صور وذكريات تقبع به وهاهو معلقا بين ماض وحاضر مشتت حتى نفض عنه الكسل صباح اليوم وتناول فطورا سريعا وهاهو يمارس مهام عمله الروتيني بشيء من الملل يصارع رغبة ساقيه في المضي نحو الطابق الأخير وريثما كان غارقا بدوامته الغير مستقرة دلفت تلك الفتاة التي لايدرك من معالمها سوى شعرها الفقير بشقرته وهي تضع بنعومة فائقة أوراقا مكتبيه تتطلب توقيعه وقالت بصوتها الرفيع وهي تحمل مغلفا أصفر اللون:
- مستر جاسر طلب مني أسلمك الظرف ده بالذات يدا بيد فتناوله منها عابسا وقال:

- هوا مجاش النهاردة ؟
هزت رأسها نافية:
- لاء ومضت مرة أخرى نحو الخارج حتى توقفت لتقول بمكر:
- ولا الأستاذة درية رفع لها عيناه بحيرة ولكن الورقة التي كانت بداخل المظروف تحمل تفسيرا منطقيا مما جعل الغضب يشتعل برأسه، فكيف يقبل جاسر بإستقالتها دون الرجوع إليه ؟
ومالذي حدث ليدفعها لترك العمل؟!
قام وحمل سترته واتجه للباب وكاد أن يصطدم بجسد أخيه الضخم فهتف به حانقا:
- هوا أنا آخر من يعلم في الشركة دي ولا إيه ؟
فابتسم له جاسر بسماجة وقال ليزيد من غيظه:
- طبيعي، هوا أنت بتيجي فزعق به غير مباليا:

- وحتى لو مجتش في أمور المفروض ترجعلي فيها فرفع جاسر حاجبيه بتهكم وقال ساخرا:
- المفروض إني أرجعلك بخصوص سكرتيرة مكتبي، جديدة دي ماتيجي تنقيلي ألبس إيه بالمرة أغلق أسامة الباب وقال بحدة وهو يرخي ربطة عنقه بضيق قائلا- جاسر أنا مش ناقصك، درية استقالت ليه ؟
ظل جاسر صامتا يراقب أخيه الذي يغلي ويزيد من فرط انفعاله حتى جلس بهدوء ودون أن يرفع أنظاره إليه قال ببرود:
- أصلها هتتجوز فهتف أسامة بحنق مختنق:
- نعم وضاقت عينا جاسر وهو يتابع ثورة أخيه:
- عقيد متقاعد في الجيش فهتف أسامة بغيظ:
- برضه، البأف ده إياه فتبسم جاسر رغما عنه وقال:

- ماشفتوش الصراحة لكن ده طالما رأيك فيه يبقى أكيد راجل محترم فنظر له أسامة بعيون محترقة:
نعم يا أخويا أنت معايا ولا معاه فضحك جاسر رغما عنه وقال وهو يدعي البراءة:
- معاك طبعا بس على مين ؟
توترت أوصال أخيه ومضى يذرع الغرفة بأنفاس متقطعة وقال ضائقا:

- عامل فيه حكیم روحاني حضرتك . . يا شيخ أتنيل، قال حالك أحسن من حالي هز جاسر رأسه مذعنا وقال معترفا:
- في دي معاك حق وقام لينصرف وقبل أن يختفي من طريق أخيه ألقي قنبلته الثانية- داليا أجهضت واتطلقنا تاركا إياه يحدق في إثره متعجبا متأملا في تدابير القدر شباكا تنسج من حولنا لا ندري أتحركنا أن نحن من نقودها ونصنع المزيد منها وهل الحرية سبیلنا خارجها أم بداخلها ؟

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية