قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الثامن عشر

رواية لعبة عاشق الجزء الثاني يسرا مسعد

رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الثامن عشر

لإصرار خصلة اكتسبتها من أبيها ولا تنكر ولطالما عشقت تلك الخصلة الحميدة به سرا ولكنها في تلك اللحظة تحديدا على وشك إعلان رسمي أنها قد أنهت علاقة الحب بينها وبين تلك الخصلة لتبدأ حربا ضروسا.

مضت تستمع لصيحات صغيرها الذي شني بنسبة لا بأس بها والسعيد في الوقت ذاته بل هو سعيد للغاية بتلك العطلة التي ستبدأ من الليلة حسب تعليمات جده ليتجها سويا لمزرعته على أطراف المدينة- جدو عمل ملعب كورة فيها كمان ابتسمت رغما عنها وقالت:

- خلاص يا أيهم جهز حاجتك أنت وإخواتك عبال أنا ما أخلص الشغل وارجع وبنفس صيحات الإبتهاج قال:
- استني جدو عاوز يكلمك نفثت بغضب لتخرج بعض ذرات الهواء المكبوتة داخلها بانفعال وقالت:
- يا بابا ، مش كنت تبلغني قبل ما تقول للولاد ؟
ضحك أبيها ليزيد من غيظها وقال ببساطة:
- ماكونتش هتوافقي إنما أنت كده قدام أمر واقع زمت شفتيها وقد استطاعت فهم المغزى من وراء كلماته وقالت هازئة:
- ربنا يستر وما أروحش ألاقي المأذون وتعالت قهقهات والدها وقال بعد أن هدأ بغموض:

- لاء اطمني أنت بنتي وأنا لازم أعززك أنهت تلك المحادثة التي أشعلت داخلها غضبا وحنقا . إن كانت بلحظات عقلانية لوجدت أنها لاطائل منها بل ولا داعي لها . هي ماعادت طفلة ، ولكن مع ذلك أخذت بفرد أصابع كفها وضمهم مرة أخرى والشعور بحاجتها للكم أحدهم أصبح ملحة خرج من غرفته فجأة حاملا سترته وقد أعد نفسه للرحيل فنظرت للساعة خلفه متعجبة فالوقت لم يتجاوز الرابعة عصرا ! فعادت ترمقه بنظرات غلب عليها طابع الشك ، فيما وقف هو يطالع لوحة وجهها التي تحمل كل المعطيات السلبية من غيظ وقهر وغضب فقال بحدقة ضيقة:
- يظهر إنك تعبتي ، روحي يا درية فقالت وهي ترمقه بنفس النظرة المتشككة:

- والتقرير الربع سنوي ، إيه مش عاوزه ؟
هز رأسه نافيا:
- يتأجل ليوم السبت فاعترضت بسرعة:
- بس أنا هاخد السبت أجازة هز كتفه ببساطة:
- خلاص أما ترجعي هتفت لتستوقفه زاجرة:
- جاسر ، أنت فعلا هتمشي دلوقت الساعة لسه تلاته ونص؟!
التفت لها ساخرا:
- معلش أصلي رايح اتغدي مع ولادي . عندك مانع؟!
هزت كتفها لا مبالية وغمغمت وهي تغلق الحاسوب أمامها:


- وماله ، بالسلامة

ألقي نظرة سريعة على ساعته بمعصمه لدى توقفه أمام متجر للألعاب شهير بوسط المدينة وترجل من سيارته بخطوات سريعة وبحركات تحمل نفس الوتيرة انتقى ألعابة لطفليه ، نقد البائع ثمنهم الذي تجاوز بضعة مئات وخرج حاملا إياها عائدا لسيارته مرة أخرى وفي طريقه استوقه متجرا للزهور وتجمدت قدماه اللحظة وهو يفكر أنه لم يعد يوما حاملا لها زهورا ! في الواقع ولا أي هدية قط مكتفيا بمنحات شهرية ضخمة وحديقة القصر الواسعة ملئی بشتى أصناف الزهور ، ومضى مرة أخرى نحو سيارته وهو يسخر من نفسه " فهل سيشكل فارقا إن عاد يوما بزهور ، أتراها لم تكن لتتركه؟!

" ومع ذلك أقر بواقعية " أنها كانت لتشكل فارقا بعلاقتهم " متی توقف ليري الفوارق ؟
بل متی توقف عقله ليعقد المقارنات بين السابقة والحالية ؟
بالأمس القريب حمل لها طعامها وهو الذي لم يحمل نفسه من قبل بإعتذار كان ينبغي عليه أداؤه لسابقتها بل تجاهله إذ لم ترد هي بطلب أو اعتراض ، فمن المخطيء؟
هو إذ تجاهل دوما الإشارات ، أم هي إذ انصاعت دوما لوتيرة حياته وصخب کبریاؤه العنيد ؟

أول من استقبله نعمات تصحيح بل " نظرات " نعمات فالعيون مفتاح الشخصيات وعنوان صريح لما تحمله القلوب وهي أيضا مذياع ثرثار يحكي ويسرد خواطر العقل فابتسم هازئا وهو يلقي عليها السلام قائلا:
- خير يا نعمات شوفت عفريت ولا حاجة ؟
تنحنحت نعمات وتخضبت وجنتها باللون الأحمر وقالت:
- أبدا بعد الشر یا جاسر بیه ، أصلك مش متعود ترجع بدري بالنهار كده نظر في ساعته وقال مصححا:
- قصدك العصر وداخلين على المغرب ، وبعدين إيه مش من حقي أرجع بيتي بدري ولا إيه ؟
نفت نعمات وهي تمد يدها لتحمل عنه الأكياس:
- لا طبعا العفو ياجاسر بيه ، عنك أنت ابتعد عنها وقال:
- سيبيهم یا نعمات أنا عاوز أديهم للولاد بنفسي واستدار لها قبل أن يصعد للأعلى قائلا:
- هما فين صحيح ؟

فقالت بمكر:
- في أوضتهم مع مامتهم تجاهل نظراتها الماكرة ونبرة صوتها المتشفية بمصدر عذابه ومضي بهدوء نحو غرفة صغاره ولحسن حظه أن الباب لم يكن مفتوحا على مصراعيه وما كان مغلقا أيضا بل كان ليشكل مطلا سريا على النعيم بنظره صغيره سليم المتجهم دوما على غير العادة فمه يفتر عن بسمة سعيدة راضية وصغيرته سلمی تناوشه بشقاوة محبة وترسل لأمها ببضعة قبلات التي كانت بدورها تضحك بسعادة ، وكان بسمتها عدوی فانتقلت فورا لثغره وهو يطالع وجهها الذي ينير برضا وحب وهي تلاعب صغارهم وأسرت عيناها خصلات شعرها البنية الدافئة التي اشتاق لملمسها ولرائحة اللافندر التي هي طابع خاص بها ووشت به صرخة سلمى الشقية وتقافزت ساقيها نحوه:

- بابا فالتفتت بعنف لتتقابل أعينهم وهو لا يحيد عنها بنظراته النهمة وقامت بسرعة تبحث عن وشاحها الذي وضعته جانبا فيما حمل سلمي وهي تسأله بإلحاح:
- جبت إيه ، جبت إيه ؟
إيه الحاجات الكتير اللي في الكيسة دي؟!
فابتسم لها وعيناه تتابع تلك المرتبكة وهي لا تزال تدور بالغرفة کنحلة طنانة وبمكر شديد أخفی وشاحها بما يحمله من أكياس كبيرة وقال ليرد علي صغيرته اللحوحة وهو يقبلها بدوره:
- فيها حاجات هتعجبك أوي بس الأول خليني أسلم على سليم التفت لصغيره الذي كان يراقب المشهد بعيون تسابق عمره ، فأمه تبحث عن وشاحها لتغطي رأسها وهي التي كانت تبيت معهم بثياب منزلية لا تستر الكثير من جسدها ووالده يقف بعيدا عنها كغريب يراقبها بشوق ولا يسعة الاقتراب قال جاسر وهو يقترب منه مقبلا جبهته قائلا بصوت مرتفع:
- إيه رأيك ياسليم تروحوا تباتو مع ماما النهاردة؟!

وتوقفت عن الدوران وداخلها مشتت بين فرح وغیظ بالغ محاصرة هي في تلك الغرفة تبحث عن أمان زائف يستقر بين ثنايا وشاح وما يزعجها حقا هو تقافز دقات ذاك الخائن طربا عندما سمعت صوته وأفكار تتلذذ بكونه يقف بالخارج خلسة يراقبها لولا أن فضحت أمره صغيرتهما والعقل ينهر ويشجب فهو من باع وألقي يمينا فض به میثاقا أغلظ مايكون بل وهدد بعقاب واليوم عاد جاسر العظيم بمساومة ، أطفالها سيبيتون معها تلك الليلة والمقابل في علم الغيب وعلمه أيضا قطع سيل أفكارها وهو يقول لأطفاله الذين يصرخون بسعادة لهذا النبأ الغير متوقع:

- روحوا طيب سلموا على تيتة قبل ما تمشوا وزال صخب الصغار تدريجيا ليعلو صخب من نوع آخر ، هي بمفردها معه في غرفة مغلقة ومضت تبحث عن وشاحها ولكن بوقع خطوات أعلى ، تبعثر محتويات الغرفة ولا تبالي بوجوده فاقترب منها ومد يده ليقبض على ذراعها المنفعل هامسا بصوته الأجش وبعيون ماكرة:
- بتدوري على ده؟!
التفتت له حانقة محمرة الوجه مرتبكة وجذبته من بين أصابعه بقوة حتى كاد يتمزق فقال بهدوء عكس ماتمر به:

- اهدي يا سالي ، احنا لسه في شهور العدة ، والصح أنك كنت قضتيها هنا في القصر فابتسمت وقالت بتهكم حانق:
- أنا قلت أسيبك تاخد راحتك مع العروسة فاقترب منها بدوره غاضبا وكلماته تتهمها بخذلانه لكأنما وقعا في ذلك المأزق بسببها:
- العروسة دي أنت وافقت عليها رفعت رأسها وقالت بتحدى رافضة الذنب الذي يلقي به على عاتقها فهو من سعي لتلك الزيجة وهو من تخلى عنها:
كل واحد عارف أنه هيموت ومش في أيده حاجة عشان يرفض ، بس مش معنی کده أنه بيبقي راضي وموافق صمتت بعد أن أدركت أنها بحماقة بالغة أبلغته لتوها أن فراقه هو الموت بالنسبة لها وأنا لم تكن مستعدة لتقبل فكرة الرحيل ولكنها انصاعت لأقدارها أما هو فزلزلته كلماتها حتى بات يشعر أنه يقف على حد سیف يستعد للفتك به فقال بفکر مشتت وأعين ملئت رجائا:

- تقصدي إيه ؟
فقالت بنفاذ صبر وهي تحارب دموعها:
- أنت عاوز إيه بالظبط واشمعنى الولاد يباتوا معايا النهاردة من إمتى الكرم الحاتمي ده ؟
فابتسم لها وقال ببساطة:
- من حق الولاد يباتوا مع أمهم ، ومهما كان الاختلاف بيني وبينك فأنا مش هضر ولادي ياسالي هزت رأسها لعلها تهدأ وانتبهت أنها لازالت لحماقتها ممسكة بوشاحها ولم تضعه بعد على رأسها عندما بعثرت أنفاسه المشحونة بعضا من خصلاتها وهو يقول بإضطراب عنيف ، فهو فعليا يجاهد نفسه حتى لايأخذها ويغرقها بأحضانه رغم دقات قلبه المتناحرة إلا أن صوت عقله كان الأعلى ، فمثلما اختارت الرحيل بارادتها يجب أن تختار أن تعود بارادتها أيضا:

- أنا هوصلكوا فرفعت رأسها بكبرياء عنيد وقالت:

- مافيش داعي هنركب تاكسي بدا لها أنه لم يسمعها إذ قال يإصرار:
- هوصلكو یاسالي واطمن بنفسي على . . . . الولاد قاطعتهم الصغيرة سلمي أولا ثم من بعدها جاء سليم ليقول بسعادة:
- سلمنا على تيته يا بابا ، وبتسلم عليكي يا ماما التفتت لصغيرها وقد تفاجئت بتلك التحية التي ترسلها لها حماتها السابقة على لسان سليم فقالت بصوت خافت:
- الله يسلمك ويسلمها جذبت سلمى عنق والدها لتقبله وهي تقول:
- مع السلامة يابابا ضحك لها جاسر وحملها وقال ليمازحها:
- کدهوه مع السلامة يابابا ، ماشية منغيري ياسلمی ، طب واللعب اللي أنا جيبهالك ؟
فعقدت سلمى حاجبيها بتوجس وقالت:
- ما احنا هنرجع تاني فابتسم جاسر عندما لاحظ أنظار صغاره الخائفة وقال ضاحكا:
- أنا هوصلكوا وأشيلكوا اللعب دي لحد ماترجعوا ولا تحبوا تاخدوها معاكم ؟
فقالت سلمى بسرعة:

- آه آه ناخدها معانا فقال وهو يستقيم ويسترق الأنظار لها بعدما غطت رأسها بوشاحها:
- أنا هستناكوا تحت تكونوا لميتوا حاجتكوا جمعت ملابس تكفي صغارها ليومين فهي تدرك أن تلك المبادرة منه محدودة الأمد وتوقفت ساقيها مشتتة أتذهب لغرفتها لإلقاء التحية عليها من قبيل الأدب ورد السلام أم تتابع طريقها ؟
ولكن شيئا ما حثها للقيام بالأمر الصحيح بنظرها ونظر من تربت علي يديه " والدها رحمه الله " طرقت الباب بخفة ودلفت عند سماع صوتها تأمر الطارق بالدخول فقالت وهي تنظر لها بدفء:

- أنا جيت أسلم عليكي التفتت لها سوسن التي كانت تجلس في فراشها وقالت بصوت هادئ لائم:
كنت مستنياكي تيجي تسلمي عليا من أسبوع أخفضت سالي رأسها خجلا وقالت:
- خفت أزعجك هزت سوسن رأسها لتنكر:
- أنا بكون حاسة بيكي وضحك الولاد بيوصلني يبقا أزاي أحس بإزعاج؟!
تنحنحت سالي وهي تشعر بفقر كلماتها فقالت لتنسحب:
- طيب ، أنا هسيبك ترتاحي فاستوقفتها سوسن سريعا قائلة:
- سالي أنا ممكن أطلب منك طلب ؟
توقفت عن الحركة وقالت بسرعة:

- اتفضلي أشارت لها سوسن لتقترب منها ففعلت عندها أمسكت بكفها وقالت برجاء خالص:
- ممكن تبقي تحضري الغسل بتاعي وتصلي عليا وتدعيلي ؟
تقافزت الدموع لعينا سالی وقالت بإنفعال:
- ليه بتقولي كده وبعدين أنت بقيت كويسة و . . ربتت سوسن علی کفها لتهدىء من روعها قائلة:
- الموت علينا حق وأنا هعيش أكتر من كده ليه؟!
. . كفاية أرتاح بقي ثم أردفت برجاء:

- هتقدري تيجي الغسل ياسالي ، أنا مليش بنات والقرايب سبقوني واللي لسه هيحصلني مش هيقدر يقف على رجله هزت سالي رأسها وفقدت السيطرة على دموعها بل وعلى ذراعيها الذي كاد أن يسحق صدر سوسن بعناق حار وهمست لها سوسن قبل أن تنصرف:
- متشكرة وماذا عساها أن تقول في ذلك الموقف ، أنها تشكرها لأنها وافقت على حضور جنازتها ومراسم دفنها ، فماذا عساه أن يكون الرد ؟
خرجت فاقدة النطق تقريبا ومشاعرها مضطربة وشعور بغيض بالذنب يرافقها ، تری كراهيتها لتلك المرأة نوعا من الجحود وقسوة القلب الغير مبررة ، فكثير من البشر يعمدون لأذية من حولهم بغير قصد وداخلهم لا يعلمه سوى الله خرجت للحديقة لتراه يقف بإنتظارها وصغارهم يحتلون المقعد الخلفي فتح الباب المجاور له لتصعد فهزت رأسها خجلا وتواری جسدها بأحضان المقعد الوثير بوجل وشعرت بضيق السيارة رغم رحابتها عندما صعد هو الآخر واحتل المقعد المجاور لها ، تحرك بالسيارة وهو يأمر طفليه بإلتزام الهدوء ويرمقها بنظرة متساءلة:

- أتأخرتی فوق؟!
فردت بصوت أبح:
- کنت بسلم على والدتك هم بالرد ولكن سيارة زوجته الذهبية اللامعة اعترضت طريقهم فجأة فعاد للخلف بضعة أمتار ليسمح لها بالمرور وتعمدت الأخرى المرور ببطء بالغ وعيناها تطالع من في السيارة بفضول بارد وارتسمت معالم الضيق على سالي دون أن تشعر وأشاحت برأسها بعيدا عندما رأتها تبعث له بتحية وقبلة حارة على أطراف أصابعها وأنظارها تطالعها ببسمة ساخرة وبمكر بالغ فاستقبل تحيتها هو الآخر واجما ومضى بطريقه ثم حاول بعدها تخفيف الأجواء المشحونة فقال بلطف- عاملة إيه في الشغل ؟

فنظرت له متعجبة ، أيسعى لتبادل حوار حضاري بعد تلك اللفتة العاطفية بينه وبين زوجته الحديثة ، أتراه يظنه تعويضا عما تختبره من مشاعر غيرة بغيضة ؟
أم يظنه دلوا من الماء قد ينفع للتحكم بالحريق الذي يشتعل داخلها؟!
| فردت مقتضبة:

- کویس فمنحها نظرة غاضبة . فهي لاتشبع فضوله وكلماتها رغم بساطتها إلا أنها باتت تتحلى بالغموض ، بل هي كلها باتت غامضة وهو أصبح غريبا عنها لايدري ما يدور من وراءه فقال حانقا:
- أنا لحد النهاردة مافهمتش إزاي لقيت شغل بالسرعة دى ! فردت زاجرة أفكاره الملتوية بشأنها:
- قصدك أني كنت بدور على شغل من زمان من وراك صح ؟
فهز رأسه نافيا وكلماته تتعارض مع ذاك النفي الكاذب:
- ماقولتش کده . بس يعني في أقل من أسبوع استقريت على شغل ، مش غريبة شوية؟!
فابتسمت وهي تهديه ثقة هو بحاجة إليها:

- مش غريبة ولا حاجة ، ربك اللي بيفتح الأبواب مش كل حاجة بإيدين البشر ساد الصمت بينهما حتى وصلا للحي الذي تسكنه فأوقف السيارة واخرج من جيب سترته مبلغا ماليا ضخما ومد به إليها قائلا:
- ده عشان لو الولاد احتاجوا حاجة نظرت لأمواله حانقة وقالت بأنفاس متسارعة:
- هما طالعين بيت محسن الله يرحمه لو كنت نسيت ، وفر فلوسك یا جاسر فرد معنفا:
- أنا ماقصدش أهين ذكرى والدك ولا البيت الطيب ياسالي ولكنهم ولادي ومسئولین مني طول ما أنا عايش فالتفتت له قائلة بعند أكبر:
- اعتبرهم ضيوف وأظن عيب أووي لما تدفع حق الضيافة نفث أنفاسه المحتقنة وقال مستسلما:
- براحتك ترجلا بصمت وساعدت هي أبنائها بالترجل من السيارة فيما حمل هو الحقائب بيد واحدة وحمل سلمي على كتفه باليد الأخرى وما أن دلف من باب العقار حتى وضع سلمي أرضا واستبقهم للأعلى ليضع الحقائب أمام باب الشقة المغلق بهدوء فهو كان غير مستعدا لمواجهة والدة سالي بعد ، ليس وهو في حالة فريدة من تشتت الأفكار واضطرب عميق لمشاعره التفت ليترجل الدرجات مرة أخرى حتى تقابلا فقال بصوت خافت وهو يفسح لهم الطريق:
- تحبي أعدي عليهم أمتي ؟

فقالت بهدوء:
- مافيش داعي أنا هروحهم بعد التمرين يوم السبت هز رأسه وقال:
- لو قدرت ححود عليكو في النادي أو هبعتلك السواق راقبهم حتى توقفوا أمام الباب ومضى بعدها في طريقه ولكن سليم الصغير استوقفه مناديا فالتفتت له بسرعة ودهش عندما دفع الصغير بنفسه لأحضانه قائلا بود:
- مع السلامة يا بابا نظر له جاسر بشوق وهو يدرك أنه استعاد ركنه المميز في حياة صغيره وأن لفته التي أصرت عليها أمه قد ساهمت في بناء جسر بينه وبين صغارها فرفع أنظاره لسالي التي كانت تقف تراقبهم بألم فهي ولأول مرة تشعر بعظم ماخلفته بنفسية أطفالها | فتحت لهم سيرين الباب واستقبلتهم بترحاب شدید ودلفت سالي شاردة الذهن أتراها في طريق العثور على ذاتها أفقدت صغارها أمانهم بأنانية مفرطة؟!

قد يتجاوز الإنهاك الجسدي حدود إنهاك العقل ولكن عندما يجتمع القلب والعقل سويا فالمعادلة باتت مستحيلة هي فعليا تصارع الآمها بالغوص في العمل والحديث غير المنقطع عن الصفقات وأسهم الشركات تحاول أن تعلو بضوضاء المحيطين حولها عن الضوضاء التي ترج كيانها من الداخل وفي الليل تنأى بنفسها في جانبها الأيسر من الفراش وتملىء الفراغ جوارها بحشد هائل من الوسائد والدمى التي تتلقى كما لا بأس به من الركلات المشحونة بغضبها ورثاء مقيت على حالها والسباب يعلو حتى يطال الجدران ولعنات تنصب على الهارب الذي يظن أنه أهداها صك حريتها بنبل فرسان بائد ولو كان يملك ذرة تعقل واحدة لأدرك أن هذا آخر ما ترغبه ولكن ماذا عساها أن تفعل وهي التي صرحت بخبايا قلبها وأعلنت عن عشق لازال ينبض بالضلوع إثره ماذا كان ينتظر منها توسلا وانتحار لكرامتها؟!

وقطع سيل أفكارها صوت والدها الحاني:
- آشري كفاية شغل ، قومي نروح ولا أقولك نتعشى سوا فابتسمت له لتطرد شبح القلق الذي يسيطر عليه بشأنها وقالت بحبور:
- ياريت أنا واقعة من الجوع قامت ورسمت على وجهها أجمل إبتسامة يمكن للمرء أن يراها وهي تتبطأ ذراع والدها العجوز وتمنحه قبلة على وجنته وتقول:
- أنا عزماك من كام يوم سمعتهم في النادي بيحكوا عن مطعم خطير . واستقرا على طاولة بالمطعم الحديث وطلبا شرابا وعشاءا بسيطا وأرسلت أنظارها لمشهد البحيرة الصناعية بالخارج والأنوار المتلألئة تلقي بظلال فضية على رأسها الجميل وعادت لتسبح ببحور أفكارها العميقة ولم يحيد والدها بأنظاره عنها وقال محاولا الغوص في أعماقها وإنتشالها من الغرق:
- أنت بتهربي بالشغل یا آشري وده غلط التفتت له آشري وأقرت:

- ماهو لازم اللي حصلي يكون دافع يا بابي مش هينفع أخليه يكسرني أمسك والدها بكفها وبحنو قال:
- أدي لنفسك فرصة تستوعبي اللي حصل ماترميش نفسك في النار عشان تنسي هزت رأسها نافية وهي تركز أنظارها عليه:
- مين قال أني برمي نفسي في النار ومين قال إني عاوزة أنسی بالعكس أنا عاوزة مانساش تفصيلة تنهد والدها وقال لائما:
- الانتقام مش هیفید یا آشري ضحكت لغرابة تفكير والدها وقالت متعجبة:
- داد . . انتقام ! ! . . ليه أصلا دي كانت رغبتي وبعدين انا كده مرتاحة ارتشف والدها القليل من الماء وقال:
- أتمنى من قلبي تكوني فعلا مرتاحة وفجأة رفع والدها يده بتحية ودعوة لشخص بالتقدم فقضبت جبينها وقالت هامسة:
- مين ؟
ولم يسعه التقديم فقد قال الضيف بصوته المميز لها حتى دون أن تستدير:
- مساء الخير يا يسري بیه مساء الخير يا آشري أتمنى يكون مطعمي المتواضع نال إعجابكم التفتت له آشرى لتحييه بالمقابل قائلة بدهشة بالغة:
- مساء النور يا عاصم بیه ، بجد أنا ماكونتش أعرف أنه المطعم بتاعك رفع يدها ليقبلها وعيناه تلمعان برغبة حارقة قائلا:
- المطعم وصاحبه تحت يا آشري جذبت يدها وهمست بإضطراب:

- ميرسي جذب مقعدا وجلس لجوار والدها محاولا جذب أطراف الحديث معه ، فقلب الفتاة دوما يبدأ من حيث أبيها عاد للقصر بمزاج معتدل وما أن دلف من خلال الباب المعدني الضخم حتى انقبضت أساريره فهو تذكر للتو بالمواجهة القريبة التي حتما سيلاقيها فارتسمت على وجهه تلك المعالم الغامضة التي تجعل من يقابلها يشعر وكأنه ارتكب حماقة رغم أنه لم يخطىء بشيء ولكنها استقبلته بترحاب شديد حتى أنها ألقت بنفسها بين ذراعيه قائلة:
- بجد مبسوطة أوي أنكوا عرفتوا تتفقوا لمصلحة الولاد یاجاسر استقبل عناقها ببرود وعيناه ضاقت لدى تلك المبادرة من جانبها فقال:
- وأنت إيش عرفك اللي اتفقنا عليه ؟
هزت رأسها ومنحته قبلة على وجنته وقالت:

- ماعرفش بالظبط اتفقتوا على إيه بس أنت والولاد ومامتهم معاكوا أكيد دی بداية مبشرة مضى ينظر لها وقد ظن هو بملامحه الغامضة قد يثير إرتباكها . لشدة سذاجته ! فقال بصوت مرهق:
- خلي نعمات تحضر الغدا عبال ما أغير هدومي فرسمت في الحال ملامح طفلة مستنكرة واقتربت منه تربت على صدره بدلال:
- أوووه يا وحش ، جاسر أنت لازم تعشيني بره على الأقل نحتفل نفث بغضب فهو فعليا سأم تلك التمثيلية التي تؤديها ببراعة بالغة وقال بنفاذ صبر:
- نحتفل بإيه أنا مش عارف ؟
فابتسمت بمكر وقالت بهدوء:
- حبيبي أنا ماقصدش حاجة ، صدقني يا جاسر أنا بتمنى يجي اليوم اللي أحس أنك ۱۰۰ % مرتاح ولو عاوزني أساعدك إنه سالي ترجع ماعنديش مانع أنا مستعدة اتكلم معاها ونتفاهم عند ذلك العرض تحديدا رفع إصبعه محذرا وقال بصوت لايقبل النقاش:
- داليا أنا بحذرك ، إياكي تتواصلي بأي شكل مع سالي ، ماتتدخليش في اللي مالكيش فيه من فضلك فاقتربت منه بملامح منزعجة كاذبة:
- بيبي أنت فهمت إيه ؟

أنا . . قاطعها محذرا:
- أنا اللي عندي قولته وأظنك فهمتیه کویس راقبته وهو يصعد لغرفتهما وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة بطيئة المنحنيات والثقة تلمع بعيناها بحسن تصرفها فعلى مدار ساعة فائته قضتها غاضبة ، حانقة ، تخطط للخطوة التالية بكيفية الرد والاعتراض والرفض وجدت في اللحظة الأخيرة أن مد أيادي العطف والخير نحوه ونحو السابقة سيدر عليها ربحا أكيدا في حين أنها لو عمدت للاعتراض أو الزجر فالهجر سيكون من نصيبها وعندها ستنصاع مرغمة لما سوف يمليه عليها . أما الآن فهي تمسك بالخيوط مجتمعة في قبضتها وأحكمت الوثاق حوله    دخل الغرفة فجأة وهو يقول لاثما:
- إيه يابني ب . . . . وتوقف في منتصف الغرفة الخاوية ينظر حوله ببلاهة ونادي على الخادمة وهو يتساءل:
- زیاد راح فين ؟

هزت الخادمة رأسها نافية:
- ماعرفش يابيه جه الضهر لم حاجته ومشي منغير مايقول حاجة صرفها شاكرا ورفع هاتفه ليطلبه بنفاذ صبر ولكن تلك الرسالة المسجلة المبهمة والتي لا تهديه أي معلومة سوى أن أخيه غادر وأغلق هاتفه في رسالة واضحة المعالم أنه لا يريد إتصالا مع أيا ماکان فلم يجد أمامه سبيلا سوى ترك رسالة زاجرة لبريده الصوتي " على الأقل أما تمشي تسبب تليفونك مفتوح الواحد يعرف يوصلك ، كلمني أما تعقل ".

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية