قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل السادس عشر

رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال

رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل السادس عشر

تتوالى النوبات صوب قلبي حتى أصبحت مليئة بسهام الوجع، جروح روحي دامية تنزف استغاثة في عالم أعمى عن تأوهات الآخرين، كانت كمخدر على عقلي حتى أصبحت كالهائم على وجهه أتوسل للمارين حذاي أن يمسكوا بيدي ويضعوا أقدامي على طريق الفرح حتى خضعت روحي لمصرعها فقدت بريق الأمل فاستسلمت للمزيد من أسهم اليأس.

نعيش جميعًا على شعاع خافت من الأمل، أن الزمان دائمًا مُتقلب تارة حزن تارة فرح وتارة أخرى اختبار علينا أن نعي اجتيازه بنجاح، همس لي عجوز ذات يوم قائلًا أن ؛ الأرض التي ينبت منها وردًا  نفسها التي ينبت  من رحمها شوكًا .. فلا تتعجب لأفعال الدنيا مهما قست .. ربما تمنحك ما يبهرك كجمال الورد فيهوي بك إلى حصار أشواكها .. ورُبما شوكه تنبهك فتعرقل طريقك لتنقذك من فحل شرها ..  ارضَ بما قسمه الله لك .. فلا ورد بدون شوك ولا حلاوة بدون نار واعلم أن من اعتاد على طعم الحلوى لم يستلذ بالعسل ..

صوت ما يرتعد من جوفها ممزوجًا بلحن قلبها المنبعث من شاشة تلفزيونية أقصى يسارها، كلماتها تتقاذف بين أربع جدران لترسُ أخيرا على شواطئ آذانها قائلة:

في تلك الليلة المفعمة بجيوش الحزن فلم يقودني قلبي إلا للهرب أريد أن أختبئ مني ومن عشقي الكاره له، تلك المشاعر المؤلمة التي بات جسدي يتعامل معها وهو تحت تخدير قوي من التصدعات التي جعلتني متغيبة عن الوعي كل السبل لا تؤدي إلا للانتحار، أصبح الانتحار بالنسبة لي شهيًا للغاية أود أن احتضنه بجسد هزيل مُتهالك حطمته الطبيعة، ظللت أجوب غرفتي يمينًا ويسارًا بشيء أشبه بالجنون مابين قلبي الذي يتمزق بصدري بعدما التحم بعناق الروح وقبل أن يطيب هشمت جبال من الزجاج فوقه فساءت حالته، ظللت أبحث عن طريقه للموت مرضية لآلامى أفرغ بها كل ما يعبث بداخلي لأتخلص للأبد من انهيارات الزم...

أود أن أرتمي بين أحضان الموت خالية فمهما قسى علىّ قسوته لي طبطبة هادئة على جدار قلبي، شيء ما بداخلي يقودني إلى حدائق الانتحار المزين بألطف أنواع الورد، أقبلت عليه متبسمة وأنا أتمسك ببقايا الزجاج المهشم تحت قدمي الذي لم يختلف كثيرًا عن تهشم قلبي وتناثر فُتاته بداخلي، وضعت حدًا لنهايتي استكفيت من اختبارات الزمان حتى ظفرت اليوم بالنتيجة ( راسب لايصلح للحياة )، كل ما بداخلي يتشاجر يلهث أي جزء من جسدي ستمر فوقه قطعة الزجاج لتقضي على آلالمها المبرحة أولًا، شهيق آخر نفس فر من فمي مبتهجًا ناجيًا من نيران احتراق جوفي، ذرفت عيناى بشلالات من الدموع كانت كافية أن تعلو منسوب مياه البحر ورفع نسبة ملوحته للقضاء على أسماك قاعهُ، غرقت في مياه دمعي كما تعكس الطبيعة قوانينها وتغرق المياه سكانها فأصبحت عاجزة مثلهم...

فالأسماك لا تحمل جوازت سفر لتغيير مستنقعها وهى أيضًا فقدت روحها جواز سفرها لذلك قررت الهجرة الغير شرعية لتنجو من صراعات الزمان المؤلمة .. عزمت قراري لأطيّب جروحي مرت قطعة الزجاج فوق شرايني ولازلت استقبلها بابتسامة متسعة كمن ينتشي لملذاته، قطرات من الدماء تراقصت فوق معصمي جعلتني اعتصره بقوة لأرض غرور عيناي، قطرات متتالية ارتطمت بالأرض فلطخت الزجاج المتناثر، قررت استودع جنتي التي عشت بها أجمل دقائق معه، تحركت ببطء نحو مخدع عشقي له لألقي بجسدي في أحضانه فهو خير شاهد على ملحمة الحب التي كانت تلتهمنا بدون رحمة، بسطت جسدي فوقه منتظرة ملك الموت يحملني لمكان آخر، آخر شيء مر على جدار قلبي وهو يطبع قُبلة الحب على وجنتي تمنيت أن يقف الزمن عند تلك اللحظة حتى ارتوى منه قبل مايتركني، أعوض سنين صبري التي ما تمنت بها غيره، جيوش من النمل تحركت من قدمي متجهه لأعلى ببطء ما يؤلمني أود الركض أود الاستعجال للذهاب لعالم الغيب، لم أدرك ما مر علي من الوقت حتى أصبحت أسيرة لغيبوبة حتى الآن لم استفق منها، ولا أود الاستيفاقه لأنها معك وحدك، اكتفيت بك في أحلامي طالما صفعنا واقعنا بحقيقة الغياب.

بعد مرور خمسة أسابيع

يتوسط مكتبه الخشبي الكبير وأمامه مجموعة من الأوراق يتفتنهم بعناية، دلف أكرم بفرحة قائلًا
- وكدة خلصنا من أكبر شحنتين واسمنا سمع والطلبات علينا مش ملاحقينها ..

رفع زين عينه برزانة وثبات مردفًا
- تمام .. فريدة رشوان استلمت شحنتها !
جلس أكرم أمامه بتلقائية مرددًا
- كله ميت فل وعشرة ياهندسة .. إنما أنت مطلعتش سهل أبدًا، أنت عملتلها إيه عشان تطويها تحت جناحك كدة !
التوى ثغره جنبًا بابتسامة ساخرة وهو يتكئ للخلف قائلًا
- الستات دول كلهم عجينة واحدة، طول ماأنت عارف تشكلها صح هتكسبهم كلهم ..

هلل أكرم بإعجاب قائلًا
- والله يابني أنت مدرسة .. ما تعلم أخوك أي كلمتين كدة .. دانا بنت الجيران ساكنة قدامي ١١ سنة يازين مش عارف ألفت نظرها ..

أجابه بسخرية
- عشان غبي، الستات مش عاوزين لفت نظر .. دول عاوزين بلطجي يهجم على حياتهم ويملكها، عمر ما واحدة ست هتحبك وأنت متكتف ومقضيها نظرات، ادخل عليهم بقلب جامد ومهما كان عنادها وتمردها يومين بالكتير وهتلاقيها بين إيديك يامعلم .

أطرق أكرم بأسف
- عارف الفرق بيني وبينك إيه ! إني بدور على الاستقرار والأبدية مش علاقة ليلة وأقلب، وعمري ما هابقى مبسوط وأنا جابر واحدة على الحب، الحب لو مخطفهاش ليا من أول نظرة نبقى مش لبعض، شعور إنك تايه بتدور على حبيبك واللي منك وفجاة قلبك يلتفت لنصك الثاني اللي ضايع منك من زمان هو دا الحب اللي بيبدأ بنظرة وينتهي بحضن ومش العكس اللي بتتكلم عنه أنت حطب مش حب هو اللي يبدأ بحضن وتكسير وعفويو وينتهي بنظرة مشتعلة بنار الندم والحسرة .. فهمتني !

اعتدل زين في جلسته بعد ما تنحنح بخفوت متفهمًا مغزى كلمات رفيق قائلًا
- ياخي أنا كل ماأحاول أنسالك عملتك المهمببة بتفكرني ليه !

- لولا اللي أنا عملته كان مين هيلحق البنت اللي اتصفى دمها دي وبين الحياة والموت ! أنت ممكن تنسى أي حاجة إلا كسرتها ووجعها اللي أنت كنت سبب فيه .. بلاش توهم نفسك أنت مش ناسي أنت بترضي غرورك وكبريائك بس ..

اقتضبت ملامحه بضيق وضجر مردفًا بنبرة تحذيريه
- أكرررررررم ! متحاولش تهد علاقتنا عشان بنت لاراحت ولا جات ..
ضحكة ساخرة شقت شفتي أكرم مردفًا
- أنت اللي بتهد نفسك، أنا ياصاحبي معاك وأفديك برقبتي وعمري ما هسيبك حتى لو أنت سبت لإنى باقي عليك ومقدر حالتك .. اااه صح وأبقى روح القسم شوف القضية اللي رافعاها عليك ( جهاد محمود ) وبتدعي إنك أبو اللي في بطنها .. واجه نفسك يازين وامشي عدل عشان ربنا يفتحها في وشك .. عن إذنك هشوف اللي ورايا..

غادر أكرم وترك أمامه أبواب الجحيم على مصارعها، كلما يدير ظهره لباب يُفاجئ بالأشد أمامه، رج رأسه بقوة لتشتيت أفكاره التي لازال يتخطاها ويلقي بها في بئر النسيان ولكن إذا نسي العقل فما الحال لقلب لاينسى حبيب لمس صميمه !

فلا صوت يعلو فوق صوت العدل، فالعدالة تتبرأ من كل مكان يضعف العدالة في أي مكان، فهى الوسيلة الوحيدة التي تنتشل الظُلم من جذوره .

في جلسة المحاكمة الشاغلة ببضعه من الأناسي يتنظرون النطق بالحكم في قضية الزوج الذي قتل زوجته لصراع المال والتملك، يقف إسماعيل ذليلًا محاطًا بسياج حديدية يود أن تنصهر كي يظفر بحريته، يطرق رأسه بندم وحسرة، يشعر وكأن حقول صبار أفرغت في فمه فأصحبت الحياة ممزوجة بطعم العلقم ..

صدر الصوت اللعين الذي اعتاد على سماعه مردفًا
- محكمةةة .
ليتقدم القضاة خلف بعضهم مستقلين مجالسهم، وعضو النيابة العامة الذي يشعل الجلسة، ارتجف إسماعيل من مكانه منتظر النطق بالحكم وهو يعتصر من الداخل ويتصبب عرق الهلع والرعب..

شرع القاضي بالنطق بالحكم قائلًا
- وبعد الاطلاع على الأوراق وسماع شهادة الشهود، حكمت المحكمة حضوريًا وبإجماع الآراء على المتهم إسماعيل محروس القط بتحويل أوراقه إلى فضيلة المفتي .. رُفعت الجلسة .

نطق قاضي الأرض انتهاء حياته قبل قاضي السماء، المتبقي من أنفاسه قليلًا سيعيش مهددًا بالزوال بالرعب، بانتظار سجان الموت يأخده في أي وهلة إلى منصة الموت، سيعيش منتظرًا لأمر نظنه نحن في أغلب الأحيان وهم، من حكمة المولى على العباد لم يُخبرنا بميعاد لُقائه كي لا نعيش في أسر الحياة بدلاً من رفاهيتها، إن كنا نعلم متى سنقف أمامه لما خُلقت الجنه والنار .. الثواب والعقاب، تركنا نجوب الأرض ببراحها متجاهلين حقيقة ما ينتظرنا بالرغم من أنه يُرسل لنا كثير من التنبيهات يوميًا .

"وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ"

ترك لك مُتسع الحياة افعل بها كما تشاء ولكنك ستعود إليه آجلاً أم عاجلاً .. إننا على لقاء لم ندرك أوانه كن مستعد دائما ولا تغفل ولا تؤجل ..


في المستشفى

احنا سلطنا على عينيها كمية ضوء كافيه إنها تنور مصر كلها .. لكن مافيش أي استجابة إنها تفوق
أردف أحد الأطباء المشرفين على حالتها بأسف، فتلقى فريد قذائف كلماته بمرارة وحزن بالغ وهو يحاول استجماع شتات قوته، ربتت مارتن على كتفه بحنو مردفة:-
- هل يمكننا أن تستكمل علاجها بالخارج .!

أطرق الطبيب بأسف قائلًا
- نفس المجهود اللي بنعملوه هنا هيعملوه برة، وخصوصا إنها حامل وعدم استجابتها للعالج فيه خطر على صحة الجنين .

قذيفة نارية أخرى سقطت على قلب فريد مردد بصدمة
- حامل ! إزاي ! هى داليدا متجوزة ؟
رمقته زوجته بنظرة اطمئنان وهى تضغط على كفه برفق مردفة
- اهدأ فريد ..
أكمل الطبيب حديثه قبل مغادرته قائلاً
- الحل الوحيد عشان تفوق وجود أقرب شخص ليها، هيكون عامل أساسي في علاجها ..

انصرف الطبيب فاقترب عمر من فريد قائلاً بصوت طفولي
- هى ديدا مش هتفوق تاني خلاص ياعمو !
جثت مارتن على ركبتيها مرددة بحنو
- لا تقلق .. ستشفى قريبًا .
ابتعد الصغير عنها محاولاً إخفاء دموع عينيه، نصبت مارتن عودها مجددًا وهى تقول لفريد
- عليك أن تبحث عن أقرب شخص لقلبها ..
أردفت زينه ببراءة قائلة
- أونكل زين، هو الوحيد اللي هيقدر يفوقها عشان هى بتسمع كلامه ومش بتحب تزعله .

التفتا إليها الاثنان باهتمام فأردف فريد قائلًا
- زين دا اللي كنتوا في شقته !
أومت زينه إيجابًا، فنهض فريد مسرعًا
- أنا لازم أكلم دكتور عماد ..

في أحد أقسام الشرطة
- زين اللي في بطني دا ابنك وأنت لازم تصلح الغلطة دى ابننا ملهوش ذنب .

أطفأ سيجارته في المطفئة مرددًا بسخرية
- كله بمزاجك ياحلوة والله مضربتكيش على ايدك، وبعدين مش زين السباعي اللى يتجرجر على الاقسام بالطريقة دي .

وثبت قائمة بذهول وهى تقترب منه بتوسل
- هو دا كل اللي هامك ! وحياة ابنك وأنا في داهية ! زين أرجوك اتجوزني قدام الناس ٢٤ ساعة بس قبل بطني ما تكبر وبعدين أوعدك مش هتشوف وشي تاني .

دفعها بعيدًا عنه بنفاذ صبر قائلاً بصوت عالٍ
- أنتي اتجننتي ! أنا اتجوزك أنتي؟ وبعدين أنا مايشرفنيش أكون أب لابن من أم زيك .. أصل بصراحة اللي تسلم بسهولة متلزمنيش ..

رفعت كفها لتصفعة بمرارة خزي وسرعان ما شل حركتها بقبضة كفه الحديدية وهو يرمقها بنظرات تحذيرية مرددًا
- اقصري شري ياحلوة واتنازلي عن المحضر لأنك مش هطولي مني حق ولا باطل .
ارتجفت أمامه بهلع وهى ترمقه بعيون مُتراقصة، أصبحت أنفاسها تتزاحم لكي تخترق أنفها، بللت حلقها بسائل صباري يجوب بداخل فمها، في ذاك الوقت دلف الشرطي مكتبه مردفًا
- يارب تكونوا اتصالحتوا ..
ابسم زين ساخرًا
- ااه هتتنازل دلوقتي، اللي بينا أنا وجوجو ميستاهلش يوصل للمرحل ة دي، _ثم غمز لها بطرف عينيه قائلاً_
مش كدة ياروحي !"
رمقته بنظرات اشمئزازية ثم صرفت نظرها نحو سلاح الظابط الموضوع خلف ظهره بنظرات توعدية وهى تلهث تحترق براكين كلماته تتوق بداخلها، كرر الظابط سؤاله
- هتتنازلي !
أومأت إيجابًا بأسف وخزي ثم أطرقت بندم
- هتنازل ..


دكتور عماد أنا محتاج أقابل اللي مايتسم زين دا ضروري

أردف فريد جملته في الهاتف بنبره متلجلجة مختلطة بالقلق والهلع، انتفض عماد من مكانه قائلاً
- داليدا حصلها حاجة ؟
زفر فريد بحنق قائلاً
- داليدا حامل .. وصاحبك دا لازم يظهر أنت أكتر واحد عارف أهمي ة العنصر النفسي في حالة داليدا .. أرجوك يابني ساعدني ألحق بنتي ..

ارتبك عماد أكثر مدركًا مغزى كلمات فريد، مستنتجًا حالة الصراع التي تدور بجوف زين، وضع بين اختيارين أصعب من بعض، إنقاذ حياة فرد على حساب تسليم الأخر لصراع الموت .. انعقدت الأفكار حول رأسه كالسحابة السوداء، التزم صمته لبرهه، أطرق فريد بتعجب
- أنت معايا يابني !
تحمحم عماد بخفوت مردفًا
- طيب سيبلي الموضوع دا .. أنا هتصرف .
فريد بإصرار
- قولت لا .. هاجى معاك بنفسي، ساعة وهكون عندك .. سلام ..
أنهى فريد المكالمة قبل أن يتلقى أي جواب من عماد الذي تركه في دوامة أفكاره المتأرجحة.

وصل زين إلى مكتبه بعدما أنهى إجراءات المحضر الذي تنازلت عنه جهاد تحت إكراه زين وجبروته، جلس فوق مكتبه يعبث بهاتفه، يبحث عن شيء ما بعناية بالغة، وبعد برهه انحنى ليمسك بقلمه ويدون شيء ما باللغة الانجليزية، دلف أكرم عليه بقلق
- عملت إيه ! مش كنت تروحلهم بدل البوكس اللي جيه لحد هنا !

أضفىء نور شاشته ووضعه على وجهه فوق سطح المكتب مردفًا بنفور
- كل حاجه اتحلت خلاص ..
أكرم باهتمام
- إزاي !
- عادى ياأكرم فكك عطيتها قرشين تصرف نفسها بيهم، المهم أنا مسافر ..

صدمتان أشد من بعضهما ألقاهم زين على آذان أكرم، فتجاهل فيما يخص جهاد مردفًا بهدوء
- مسافر فين !
فكر زين لبرهه ثم أردف
- أمريكا .. في شغل مهم هناك وجديد وهسلمك أنت الإدارة لوحدك هنا، وأنا مش هرجع من برة غير لما أكون واحد تاني !

حاول استيعاب كلمات رفيقه الغير متوقعة قائلاً بنبرة مهتزة
- أنت واعي لكلامك ! إيه القرارات المفاجئة دي .
شرد زين لوهلة فأردف قائلًا
- ساعات بنضطر نغير أماكن عشان ننسى أوجاعها، وأنا مش هنجح غير لو سبت مصر، برة هلقى كل حاجة عاوزها بدون قيود، ويمكن دا السبب اللي مخلينا منتقدمش طول عمرنا وهو القيود ..

نظر له بدون تصديق متجاهلًا مغزى كلماته
- زين حالتك بتسوء !
رمقه بنطرة نارية محذرة
- أكرم متخليش قوة الصداقة مابينا تسمحلك تدخل في حاجة تخصنى !
ألقى عليه بسمة ساخرة قبل مغادرته
- وهى الصداقه فيها يخصك ويخصني ! براحتك ياصاحبي ..

اشعل زين سيجارته التي ينفث بها دخان احتراقه من الداخل فسقطت عينه على صورة مصغرة لداليدا ملقاه بداخل الدرج المفتوح جزئيًا أمامه قائلًا بنبرة ندم
- هرجعلك إنسان تاني !

وصل عماد بصحبة فريد أمام شركة زين العملاقة قرابة غروب الشمس واحمرار لونها الذي يحاوطهم من أعلى، دلفا سويًا من سيارتهما فردد عماد بنبرة شبه آمرة
- ممكن تسيبنب أنا اللي أتكلم معاه ..
تحركت شفتي فريد بضجر قائلًا
- تمام ...
اندفعا سويا إلى مكتبه بعدما تأكدا من وجوده بالداخل من حارس البنيه فوجدها شبه فارغه من حركة العمال، وعدم وجود مديرة مكتبه بمكانها، مط عماد شفته لأسفل مندهشًا ثم فتح باب مكتب زين بدون سبق استأذان، تراجع زين بظهره للخلف بمجرد اقتحام عماد لمكتبه قائلًا
- عماد ! في حاجة ..
شيء من الارتباك والحرج أصاب بدن عماد فأردف بهدوء
- محتاج أتكلم معاك شوية ..
أطرق زين بلا اهتمام
- مش فاضي عندي سفر بكرة وفي شغل كتير لازم أخلصه ..
رمق فريد عماد بنظرة لوم فأردف سريعًا
- يابني أنا بترجاك زي أبوك اسمعني بس ..
نصب عوده بقوة ليضع حدًا لحديثهم بنظراته النارية قائلاً
- معنديش أب، عماد اتفضل وخده معاك أنا مش عاوز أسمع كلمة من حد .
نفذ صبر عماد مردفًا
- زين داليدا بتموت فالمستشفى .. محتاجالك ! صلح اللي أنت عملته فيها بإنك توهبها الحياة، قلبها وعقلها مش قابل أي استجابة للعلاج، أنت الحاجة الوحيدة اللي لو حسها قلبها هيأمر عقلها يفوق ! البت في غيبوبة ليها أكثر من شهر .. حرام عليك ..

بتحركات ثلجية أمسك سماعة هاتفه ليضغط على زر الإتصال بالحرس
- ابعتوا حد ياخد الناس دي من هنا .
انفعل عماد أكثر مما جعله يتحدث متسلحًا بزيه الطبي قائلا بنبرة تحذيريه
- زين أنت كدة بتجبرني اتصرف معاك كدكتور ومريضه ! أرجوك ما تجبرنيش على حاجة أندم عليها ..
أكمل زين حديثه بالهاتف وهو ينظر لهما بشموخ قائلاً
- بسرعة يابني عشان أنا مش فاضي للأوهام دي !
ثم رفع عينيه نحوهم بتحدي
- بقول تتفضلوا من غير شوشرة .
فريد بانفعال
- أنت شيطان ! بنتي بتموت وحامل في ابنك وأنت رافض حتى تساعدهم .

تقاذفت على آذانه كلمة حامل كحجارة سجيل فعصفت بقلبه كالتبن المنثور، اقتحم رجال الأمن مكتب زين فأردف أحدهما وكان سبب في إيقاظه من غفوته
-أوامرك يازين باشا ..
تجاهل تناثراته الداخلية مردفًا بقوة
- وصل البهوات لبرة ..
صرخ عماد بوجهه
- بتخليني أندم إني اتعاملت معاك من باب القرابة وظنيت إنك ممكن تخف بالحسنة، بس شكلي ارتكبت غلطة مشواري الطبي كله مستحيل يغفرهالى .
رمق زين رجاله بنظرة آمرة فهموا مغزاها، فأمسك أحدهم بذراع فريد والأخر بذراع عماد .. استدار زين بجسده ليبعد أنظاره عنهما منتظرًا خروجهم، فمجيئهم كان بالنسبة له مفاتيح اخترقت أبوابه المغلقة بداخله، شرخ ما بقلبه يؤلمه، مقتطفات من فيلم سنيمائي تدور أمام عينيه متذكرًا لحظاته المعسولة معها، تغنجها بدلال بين ذراعيه كطفلة مدللة للتو ارتمت بداخل أحضان من أرادت، صدى صوت ضحكتها كان كافيًا أن يشطر قلبه ألف شطر، شعاع حب منبعث من عينيها لم يراه من امراة غيرها، يقال أنها التهبت به حبًا حتى أضاءت ولكن كان يرى أنه اشتعل بها عشقا ككرة ملتهبة فخشي عليها من الاقتراب لكي لا تحترق ..

مرت عدة دقائق بعد ما انصرف عماد وفريد بتأفف وبغض، على أعتاب باب مكتبه بصوت عالي  مجريًا عماد مكالة هاتفية لإحدى المستشفيات النفسية التي يعمل بها قائلاً بنبرو لاهثه آمره قاصدًا إيصالها لآذان زين
- تجهزولى عربية بأكبر عدد ممرضين ممكن وأنا جاي حالًا ..


في المساء
وجود حضرتك مع المريضة مالهوش &ي فايدو، حضرتك ممكن تتفضل دلوقتي وتيجوا الصبح
أردف الطبيب المُعالج لداليدا جملته الأخير ة وهو يخرج من باب العناية .

اقترب فريد منه بصدمة
- احنا موجودين معاها طول الوقت ! إيه اللي جد يعني .. أنا مش هقدر اسيب بنتي .

زفر الطبيب بنفاذ صبر مردفًا
- أنا مقدر الحالة اللي حضرتك فيها، بس وجودك معاها مش هيفيد بحاجة، ولو كنا وافقنا على وجود حضرتك هنا دا عشان مقدرين قلقك على بنتك، لكن هنا مستشفى ليها قواعد وقوانين ..
ثم رمق الممرضه بنظرة آمره قبل مغادرته، ربتت مارتن على كتفه قائلو بحنو
- فريد هيا بنا الآن وسنعود إليها في الصباح لأجل الصغار يبدو عليهما الإرهاق الشديد .
نظر إليها بعيون دامعة وأوشك على الحديث ولكنها قطعته
- سنعود الصباح .. هيا الآن .
طأطأ رأسه بخُزي ثم تأهب للمغادرة وهو يمسك بكف إخوتها الصغار بحنان، أردفت زينه ببراءة
- هى ديدا هتمشي وتروح عند ماما ؟!
نظرة أسف سيطرت على ملامحه مردفًا بيأس
- ادعيلها ..

انصرفوا جميعًا من باب المستشفى تحت أنظار الممرضة التي تترقبهم بحرص، وبمجرد مغادرتهم أسرعت نحو غرفة الطبيب قائلة
- يادكتور أهلها مشيوا خلاص ..
وجه الطبيب حديثه نحو زين قائلًا
- اتفضل يابشمهندس مع الممرضة .
لوهله شعر بأن قلبه ينخلع من موضعه، طافت عيناه يمينًا ويسارًا محاولًا استجماع شتات قلبه المُتناثر قائلًا وهو يستعد للمغادرة
- أنا متشكر أوي إنك قدرت الحالة اللي أنا فيها .
ابتسم الطبيب مجاملاً
- المهم عندنا صحتها .. أتمنى كل دا يجي بفايدة. ..
التقط نفسًا طويلًا وهو يكور أصابعه بقلقٍ بالغ ويتبع الممرضة نحو غرفتها ذكرى خاطفة تابعت ذهنه للحظاتهم الجميلة سويًا وقتما كان يلعب على أوتار الحب ليظفر بلحن انهيارها أمامه...

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية