قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل الثامن

رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال

رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل الثامن

أنا عنكِ ما أخبرتهم لكنهم ..لمحوكِ تغتسلين في أحداقي
*نزار قباني*

فوجئت بشخص طويل وسيم يقف على طاولتها قائلاً بهدوء
- حضرتك داليدا هانم ؟!

رفعت حدقة عينيها نحوه باستغراب
- اه أنا داليدا .. مين حضرتك ؟!

لا يعرف ماذا يقول يشعر بالخجل ..، التوتر ..، القلق فهذه المرة الأولى له في هذا الموقف هتف بقلق:
_ أنا.. أنا مراد توفيق ممكن أخد من وقت حضرتك ربع ساعة
_ اتفضل خير ؟!
يرتجف حرفيًا مما يفعله الآن قلبه يرتجف بعنف خوفًا من ردود الأفعال التي سيتلقاها
أردف بهدوء:
_ هو حضرتك مرتبطة
ردت بغضب:
_ حضرتك قاعد وآخد من وقتي علشان تسألني مرتبطة ولا لأ.

تنفس بصوت مسموع قلقًا وهو يردد:
_حضرتك متفهميش غلط أنا بس معجب بحضرتك أنا الصراحة جاي وراكي من القاهرة لما لقيتك جاية هنا علشان أتكلم معاكي وأقولك إني معجب بيكي وعايز يعني أزور حضرتكم فى البيت
رددت بحدة وصوت عالِ:
_ أفندم

فى تلك اللحظة ولسوء الحظ وتعاسته وهو يتحدث مع صديقه استمع إلى صوتها الذي لو استمع إلى مائة صوت فى وقت واحد يستطيع تميز صوتها من بينهم رفع بصره يراها تجلس مع شخص غريب رجل آخر غيره هل تخطت عقبته ..؟! هل قدرت على نسيانه ...؟! لا وألف لا فهو زين السباعي من هى لتتخطى عشقها له سواد احتل عينيه اتجهه نحوها تحت نظرات عماد التي لم تظهر عليه أي دهشة أو استغراب
ردد بصوت أجش:
_ مين ده يا داليدا
همس مراد لنفسه:
_ هى ليلة سودة أنا عارف
تنفست بصوت مسموع وهى تراه أمامها والغضب يتراقص أمام عينيه لكنها تماسكت مرددة بجدية:
_ أهلا يا زين ده أستاذ مراد توفيق بيتكلم معايا علشان عايز يجي يتقدملي لو حصل قبول عقبالك.

قبض على رأسه بشدة غير قادر على استيعاب حديثها داليدا ليست له ولا لغيره داليدا ستعيش فقط على ذكراه جذب مراد من قميصه مرددًا بنبرة متملكة مهتزة صارخة:
_ بتاع إيه عايز تتجوزها داليدا مبتتجوزش داليدا مبتحبش غيري ومش هتعيش غير ذكرى حبي،
ضرب مبرح كان من نصيب مراد لا أحد يستطيع أن يقيد زين فهو في حالة انفلات عصبي جلس بجانبه بعد ما هدأت ثورته قليلًا يقبض على رأسه متألمًا مما يحدث بعقله يئن يصدر أصوات مخيفة وبجانبه عماد يضع يده عليه مرددًا:
_ زين اهدى أرجوك اهدى هيجرالك حاجة
ضرب على صدره وهو يصرخ بانهيار:
_ داليدا مش لحد سامعين داليدا مش هتكون ملك حد بعد زين السباعي آه عقلي الوجع هيموتني.

اقتربت منه بدهشة وخوف ودموع من رؤيته هكذا ردد عماد بقلق:
_ متقربيش منه امشي من المكان كله دلوقتي مينفعش تقربي ممكن يعمل أي مصيبة امشي دلوقتي

غادرت وقلبها يؤلمها لرؤيته هكذا ويؤلمها على نفسها على أنانيته وعلى ضعفه وعلى الوجع الظاهر بعينيه خانتها دموعها وهى تركب السيارة عائدة إلى مدينتها والخوف ينهش قلبها وجسدها.

بالقاهرة
بحى إمبابة دلفت لمنزلها وهى تبكي تشهق تهزي أنفاسها عالياً تغمض عينيها وتفتحها مرات عديدة تشعر بالهواء ينسحب من حولها وهى تهزي:
_ زين بيعمل كده ليه بيرميني ويرجع يقول أنتي متحبيش غيري متعيشيش حياتك مع غيري هو أنا لعبة في إيديه ولما هو عايزني سابني ليه رماني كدة ليه ... ليه يارب إيه الحكمة فى كدة يارب طيب هو تعبان كدة ليه مرهق ليه ... طيب إيه الحالة اللي هو فيها دي طيب ليه أنا اللي حياتي متعبة كدة ...لا أنا مبقتش مستحملة يارب اااااااااه.

سقطت مغشيًا عليها لم تتحمل تساؤلات عقلها لم تتحمل كل ما تعانيه رطمة قوية جعلت كل من فى المنزل يفزع مهرولين إلى الخارج صدح صوت والدتها بهلع:
_ داليدا مالك يا ضنايا
شيلها يا إسماعيل.

فرصة من ذهب حملها إلى غرفتها وذهبت أمها من التوتر تأتى بالطبيب هى جلس بجانبها مستغلًا لذلك الوضع يتحسس ساقيها عنقها والشيطان يتلاعب بعقله جعله يجذب ورقة زرقاء من غرفته وبعض من الحبر السائل لطخ إصبعها بالحبر ثم الورقة يبتسم بتشفى فهو أقوى انتقام لها صفعة قوية ستجعلها حطام.

دلفت والدتها ومعها الطبيب يتفحص ابنتها والقلق ينهش بقلبها عليها ردد الطبيب بجدية:
_ هى اتعرضت لضغط نفسي كبير يا مدام أنا أعطيتها حقنة مش هتفوق منها غير الصبح
ياريت محدش يضايقها ويشوف إيه مزعلها
رد إسماعيل بخبث:
_ تمام يا دكتور اتفضل
غادر مع الطبيب وبقيت هى بجانب ابنتها تقبل يديها جبهتها كل شيء بها بحنان وألم وهى تسمعها تغمغم:
_ بابا بتسيب إيدي ليه ... مشيت وسبتني ليه أنا تعبانة من غيرك والله يا بابا متمشيش علشان خاطرى أنا هبقي كويسة بوجودك مع ماما بابا لاااااا.

رجفة عنيفة بكيانه وهو نائمًا أعلى السرير داخل الغرفة البيضاء التي يبغضها طوال عمره وفي يده محلول جعل جسده يرتخي بعد شدته يصرخ بألم كالأطفال يبكي بعنف يهاجمه دوار شديد جعل عقله على أبواب الفقدان دلف عماد وهو يردد بتوتر:
_ زين باشا عامل إيه دلوقتي
رد بوجع:
_ تعبان أوي مش مستحمل اللي بيحصل في دماغي يا عماد مش قادر
هتف عماد بجدية:
_ ده الطبيعي يا زين

زمجر فيه بشراسة:
_ والحل أنا مش قادر حرام عليك بقا خليني أخد مهدئ تاني وحياه أمك يا عماد مش قادر

ردد بهدوء:
_ مينفعش مهدئ زين لازم تتواجه مع نفسك لما أنت تعبان كل ده فى بعدها ومش مستحمل حد يتجوزها ليه متتجوزهاش أنت فكر يا زين
داليدا تستاهل إنك تفكر أنا هسيبك دلوقتي جنبك فى الدرج حبة مهدئ واحدة فكر لما توصل لحل وبعدين خدها ونام والصبح هجيلك تانى
غادر وتركه وحيدًا يتحدث مع نفسه مرهق هل تستحق داليدا كل ما يعانيه ماذا لو اجتمع هو وهى تحت سقف بيت واحد ..لا هو لن يتزوج
عناد.. كبرياء.. حيرة .. غرور لا يعرف فهو لن يتزوج وهى لن تتزوج غيره وستعيش على ذكراه تناول المهدئ جعله يتعب حتى غفلت عينيه فى ثبات.

بفرنسا
يغلق الأمتعة وبداخله سعادة لا توصف اليوم عائدًا بعد غياب خمسة عشر عامًا عائدًا إلى حبيبته التى طردته وهو فقيرًا لا يمتلك شيء
حبيبته أرض العزة أرض الكنانة تتمثل حالته وحنينه واشتياقه فى مقطع من أغنية بالورقة والقلم *طرداك وهى بتحضنك وهو ده اللى يجننك* انتهى من كل شئ وفي يده زوجته يغلق باب منزله الحبيب الذي حمل فى طياته ذكريات كثيرة غادر إلى المطار يجلس وهى نائمة بجانبه وبداخله أحاسيس ومشاعر كثيرة.

وبعد ساعات صدح صوت المضيفة بجملة جعلته يرتجف قائلة:
_ برجاء ربط الأحزمة ستهبط الطائرة بمطار القاهرة الدولي فلتصحبكم السلامة
استقيظت زوجته وتمسكت بيده فالخوف يراودها فهى لا تعلم ما المجهول لها هنا فى هذه البلد
على سلم الطائرة يقف يستنشق الهواء بسعادة
هواء حبيبته وأرضه ووطنه وكل شيء لكل مغترب وكل مقيم بها

جيوش من الكوابيس هاجمت منامه بدون رحمة، جعلته يتمايل في فراشه كطير ذبيح مُلطخ بالدماء يلتقط أنفاسه الأخيرة، قطرات العرق تتصبب من جميع أجزاء جسده، تمر لقطات خاطفة أمام عينيه عندما نهض من فراشه في المشفى ينتوي المغادرة، صور مشوشة من الممرضات اللاتي يحاولون تهدءته، آخر ما تذكره صورة عماد وهو يسنده لفراشه في منزله، فاق من نومه مفزوعًا وجد ممرضه بجواره تعد إبراه مُهدئه .
 أنتي بتعملي إييه هنا !

قال زين جملته وهو يشعر ببركان يتوق برأسه للانفجار، ارتبكت الممرضة وأسرعت في انهاء الإبرة المهدئة، ولكن ما جرى عكس ما توقعته، فوجئت بزين يقف أمامها بجسد مرتجف ينهرها بقوة أرعبتها
- اطلعى بررا .. برررا ..
وضعت ما بيدها فوق المكتب وحاولت الإمساك بهاتفها لإخبار الدكتور عماد، ولكنه لم يُطيعها الفرصه لذلك، قبض على ذراعها بقوة وسحبها خلفه، كلاً منهما يتألم هو من ضجيج رأسه وهى من قبضته القويو، ألقاها زين خارج منزله ثم أقفل الباب بقوة ممسكًا برأسه التي أوشكت على الانفجار .. ركض نحو بار مطبخه باحثًا عن نبيذه المُفضل بجنون وبدون وعي ..

صوت رنين الجرس اخترق آذانه، حاول بقدر الإمكان أن يتجاهله ولكن إصرار الضيف كان أقوى من كل تجاهلاته، بيده عبوة النبيذ يمشي مختل الاتزان، يتمايل يسارًا ويمينًا كمن فقد عقله، يهذي بكلمات غير مفهومة، فتح الباب إذا ب ( فريدة درويش ) أمام عينيه، يراها أمامه طشاش، جسد امرأة فقط دون التعرف على الهوية، مد كفه وسحبها للداخل
- داليدا .. تعالي...

أصيبت بالاندهاش لحالته المتدهورة
- زين ! زين مالك ..
تمايل بجسده عليها بدون إدراك ليقفل الباب، لم تخل عيناها من الاستغراب والتعجب، هذا هو زين السباعى أمامها ضعيف هزيل شخصٍ مُختلف أمامها اُصيب بفقدان عقله، اقتربت منه وهى تحاصر خصره بذراعها وتضع ذراعه فوق كتفها مستندًا عليها
- تعالى اقعد طيب !

ألقى زين بجسده فوق الأريكة ليرتشف رشفة أخرى من مشربه قائلاً
- هى قالتلي لا،، هى ماكملتش،، هى صممت تمشي وتسيبني ..
حاولت أن تجد من كلامه معنى تفهمه ثم دنت منه
- هى مين دي .. زين أنا جمبك أنا أهووه ..
دفعها بعيدًا عنه
- لا هى .. مش أنتي .. هى داليدا .. هى هى...

اقتربت منه بحركات خبيثة قاصدة أن تلقي بجسدها بين ذراعيه
- بص لي كدة ! أنا فريدة أنتي مش وعدتني هنتجوز أنا قدامك أهو .. ولا أنت مش بتحبني !
في تلك اللحظة ظهرت أمامه صورة لداليدا، شعر بمغناطيس يجذبه من ياقته ليقبلها، فقد جميع زمام تحكمه على مشاعره، سار خلف خطوات شيطانه بدون تفكير ليشبع غريزته المحرمة، ارتطمت بالأرض عبوة النبيذ التي كان فجوة يتسلل منه شيطانه إليه ليملكه ويُحركه كما يهوى .

في عيادة الدكتور عماد
الدكتور مراد بحيرة
- طيب احنا كدة عملنا اللي اتفقنا عليه ! حالة زين ادمرت أكتر بمجرد ماشافها مع حد غيره...
إتكأ عماد بظهر مقعده للخلف واصابع كفيه متشابكة في بعضهما مردفًا بهدوء
- المشكلة إن زين مش بيعاني من مرض واحد بس، الحب زرع في حياته شجره سابت جذور كتير جوه قلبه احنا مش عارفين نوصلها ..
عقد مراد ساعديه أمام صدره قائلاً
- بس دا مش غريب يادكتور، هو أي حد فينا هيحب هيتجنن ! ويفقد عقله زي زين! كانت الناس كلها اتجننت ..
ابتسم الدكتور عماد قائلاً
- أنت عارف نسبة الحب الحقيقية في العالم كله لا تتجاوز ١٠ % !
رفع الدكتور مراد حاجبه متعجبًا: دا بجد !

- هو أنت فاكر إن أي حد يحس بدربكة جوه قلبه على كام دمعة من عيونه كدة نسميه بيحب ! الحب روح مخلوقة منك لو اختفت تموت ومش أي حد هيوصل للمرحلة دي .. آديك شايف المجتمع اللي احنا فيه، بنات ماشية بمبدا راح قرد يجي غيره غزال .. وشباب ماشي يتعرف على طوب الأرض .. حب إيه بس اللي بيتكلموا عنه !
ضحك مراد بصوت مسموع ثم أردف قائلاً
- وأنت إيه رأيك في حالة زين، احنا لينا أكتر من ٣ سنين مش عارفين نوصل لحل ..
- عمرنا يامراد ماهنوصل لحل طالما التشخيص غلط، وفي الطبيعي كل اللي مروا بحاله زين كانت أخرتهم يإما انتحروا أو اتحجزوا في مستشفى الأمراض العقلية .. ودا اللي خايف منه..

مراد بتفكير:-
- زين من الأشخاص اللي فقدت لحد مامتلكها الوهم، بقى عنده إدمان لشعوره بإن أي شخص هيعرفه بيحبه . وكان بمجرد أول واحدة تقول له: أنا بحبك، ويرضي غروره بيها يمل ويروح لواحدة غيرها على طول .

عماد بحماس
- إلا داليدا .. عارف ليه اتعلق بيها ! لأنها قالتله لأ .. كسرت كبره وثقته في نفسه، كل بنت بتخوض علاقة مع زين بتدمره أكثر، داليدا الوحيدة اللي فوقته وكشفت جرحه..

- أنا شايف إن دا له علاقة بطفولته، زي مثلاً الشخص اللى بيحس بحالة من عدم الاستقرار النفسي الشديد لأنه مالقاش الحب الكافي في طفولته ربما يكون أكتر عرضةً للغيرة المرضية التملكيو !

- احنا كده وصلنا إنه مصاب بنوع من أنواع الممارسة الإكلينيكية، الهوس الشبقي Erotomania3، وولع بالحب الأوحد، بالإضافة لشخصية زين الرومانسية زيادة، تملكية، شخصية نرجسية سادية ! ..

قطع حديثهم دخول الممرضة بسرعة
- دكتور عماد .. إلحق زين باشا طردني وحالته متدهورة خالص .. أحسن يعمل حاجة في نفسه ..

فزعا كلاً من مراد وعماد سريعًا ليتوجهوا إلى منزله ..

 في مبنى شركة المجهول
في مكان ذي أثاث فخم، وعدد هائل من العاملين يؤدون مهامهم بنشاط وهمة، تجلس فوق مقعدها الجلدي بجسد مرتجف، وأصابع قدمها متكوةه مما يدل على ارتباكها وقلقها .. فاقت على صوت فتاة يُناديها بهدوء
- آنسة جهاد اتفضلي، فايز بيه في انتظارك ..

وثبت جهاد قائمة ببطء هى تحتضن حقيبتها الجلدية أمام صدرها بخوف، طافت عينيها في جميع أنحاء المكان إلى أن وصلت لأعتاب مكتب ضخم متسع يبدو عليه معالم الروعة والفخامة،إذا بشاب في منتصف الثلاثين واقفًا أمام النافذة قائلاً بنبرة رسمية
- ياريت تقولّي بسرعة عاوزة إيه عشان معنديش وقت ..
تحركت شفتاها بتردد قبل ما يتحرك لسانها وبعد مُعاناة استجمعت كلماتها بداخل فمها
- أنا جاية لحضرتك بخصوص زين السباعي ..

استدار إليها بجسده باهتمام ويبدو على هيئته الغضب الملحوظ قبل ما يتفوه سبقته جهاد بالتحدث
- عارفة إنه كان السبب في ضرب آخر شحنتين لحضرتك .. وأنا هساعدك تاخد حقك منه ..
رمقها بنظرات توحي بالفخر والفرحة
- تعالي تعالي .. اقعدي .

في إحدى فنادق الجيزة
 لوسمحت عاوز غرفة لشخصين
- باسم مين حضرتك ؟!
- باسم فريد .. فريد نورالدين ..
ابتسم موظف الاستقبال
- حضرتك الموسيقار فريد نور الدين معقولة ! حضرتك أنا من أشد المعجبين بعزف وألحان حضرتك، حقيقي أنت فريد ولون عزفك فريد بردو ... اتفضل اتفضل ارتاح وأنا هخلص كل حاجه..

نظرت له مارتن بفخر قائلة
- أنا سعيدة جدًا بنجاحك فريد .
قبّل فريد كفها بحنو
- وأنا أسعد عشان أنتي السبب فيه ...
- متى ستذهب لداليدا ؟

شعرة خوف انتابته من مواجهتة لابنته التي آثر أحلامه وأوهامه عنها وتركها لأم طامعة فى المال والمادية .
- بكرة الصبح هروحلها وأعرفك عليها .. متستعجليش .
مارتن بفرحة: متاكدة أنني سأحبها لأنها ابنتك فريد ..
صوت الموظف قائلاً
- اتفضل حضرتك مع العامل الأوضة جهزت ..
حضن فريد زوجته بحنو وسارا معًا خلف العامل الذي يحمل أمتعتهم ..

في شقة زين
فاق من غفوته وجد نفسه في منتصف مخدعه ذو جسد عاري، تحركت عيناه ببطء ليجد شعر طويل يطوق عنقه، وذراع يحاصر خصره، لجزء أقل من الثانيو تخيلها هى بجانبه متذكرًا حديث سابق بينهما ثم تبسم له ليفوق من شروده وتسقط عينيه على امرأة رغم رشاقتها وجمالها إلا انها كانت على صدره كجبل صخري راسخ، ابتلع ريقه ليبلل حلقه شاعرًا بفرحه تملأه برغم شوقه واشتياقه الذي يجذبه من ياقة قميصه نحو عينيها قلبها احتضانها .. داليدا فقط التي تذوق معها طعمًا عذبًا للحب، كأنها أتت مفصلة على مقاس اُمنياته..

نهض بهدوء ذاهبًا إلى مرحاض غرفته، شعرت فريدة بحركته ثم استقظت من منامها والبسمة تشق ثغرها قائلة
- بقيت احسن !
ابتسم زين ساخرًا وهو يقول
- يعني يكون جمبه فريدة درويش ومايتحسنش ؟!
رن صدى صوت ضحكتها في جميع أرجاء المكان بصوت أنثوي جذاب ثم أردف زين قائلاً محاولاً إخفاء ضيقته
- ينفع تمشي دلوقتي !
صُدمت من طلبه الغريب وتغيرت ملامح وجهها
- نعممم ..

حاول زين تلطيف الجو قائلاً
- والله يادودو مايتشبعش منك، بس مش حابب حد يشوفك هنا ..
نهضت من مخدعها واقتربت نحوه بتمايل محاولة إظهار معالم جسدها
- حد زي مين بقى اللي خايف يشوفني ..
ابتسم رغم عنه قائلاً
- أكرم مثلاً .. مش لطيفة يشوفك معايا هنا ..
داعبت أنفه بحب قائلة بهمس
- طب بالنسبة للشحنة .. تمام !

قبل زين أناملها بتلقائيه
- الشحنه دي واللي وراها ولرقم عشرة لو تحبي ..
ضحكت بصوت آخر مرتفع
- شكلها هتبقى فتحة خير علينا كلنا ..

في حي إمبابة
صوت صاخب يخترق آذانها وهى تحت سطو نُعاسها حتى تردد في ذهنها كهواجس مرعبة، امتلأت جبهتها بقطرات العرق المنبثقة من مسامها، تمنت لو تفتح عينيها تجد كل ما فاتها وهم، تصحى لتركض لحضن أباها بدلال منتظرة ما أحضره لها بعد يوم طويل ممل من العمل، تجد إخوتها الصغار يتشاجرون ويقلقون راحتها، أمًا تحضر لها أشهى المأكولات وتُناديها بصوت عذب كي تساعدها في تجهيزه قبل ما ينهى والده حمامه المائي الدافء، ماذا ولو كان كل الألم الذي مررت به هراء عالم، كابوس طالت مدته بسبب سباتها الذي تسببت به حبوب مخدرة، ماذا ولو كانت الحياو عينة مجانيه للتجربة إذا أعجبتني حصلت عليها كلها .. والعكس، لماذا لم يخلق مع الحياة كتالوج لنختار منه الحيلة التى تناسبنا ! بعد كثير من التساؤلات والأكاذيب التي تعيشها في خيالها لبخل الواقع عليها بتحقيقها فتحت عينيها بتثاقل وكأن فوق جفونها صخرتين تزيحهما بمعاناه شديده..

استمعت لصوت قفل باب الشقة وصوت أمها المتلهف نحو ذلك القاسي ذي النوايا الخبيثة
- كنت فين ياسماعيل ! قلقتنى عليك ياخويا ..
ابتسم بمكر تعلب الذي حدد هدف اصطياد فريسته قائلاً
- شغل .. شغل ياسعاد .. المهم أنا واقع من الجوع هاتيلنا لُقمة نسند بيها بطننا..

سعاد بحب: حالاً ياخويا .. أصلاً كنت سالقة فرخه للبت داليدا حلال عليك، كل وإشبع وإملى بطنك داليدا مش هتاكل كعادتها ..
أحسّت باختناق لكلمات أمها وإهمالها وتفضيل زوجها على ابنتها، يقولون أن الست تمتاز -بالحاسة السادسة- تستطيع من خلالها كشف الرجل قبل ما ينطق، ولكن خطأنا نحن كسيدات نتجاهل إحساسنا ليستمر حبنا وفي نهاية المطاف نلوم أنفسنا ونحملها مرارة الندم مردفين ( طب والله قلبي كان حاسس ) !

اقتربت نحو مكتبها تبحث عن هاتفها، أصابها الشغف أن تحدثه، تطمئن عليه، تستمع لصوته الذي اشتاقت له كثيرًا، تريد أن تغسل بصوته أكذوبة فراقه، فتحت رسائله القديمة لتقرأها بقلب مضطرب وهى تقلد طريقته لإخراج الحروف من ثغره كأنها تبحث عن صوته من بين حروف الكلمات، كل عضو بجسدها يتحرك ليجبرها على الحياة لأنه منتظرها، منتظر عودة من لا يعود، تنهدت بمرارة وجع ممزوجة بدمعة تخدش وجنتها، احتضنت قلمها ملجأ قلبها الوحيد لتكتب بيد مرتعشه
أصبحت أسيرة حبك وأنت بفؤاد قلبى جاهلًا، مهما طال الأمر فلم يصاب قلبي بجزعٍ وكيف يجزع بستان الورد من ورده مهما الشوك أوجعه !

تركت قلبها جنبًا عندما تذكرت حديث الفتاة مع والدتها، قامت بحماس أنساها كل آلالمها المبرحو لتفتح جهازها _ اللاب توب _ لتستكمل مقالها مردفه في ذهنها
- اشتغل أحسن لأني لو قعدت كدة مش هبطل تفكير وحركات مجنونة، أنسب حل للنسيان الشغل ..

فتحت تتطبيق الوررد لتكتب عنوانًا بالخط العريض باسم  الحبل السُري  ثم اتخذت نفسًا عميقا وشرعت بنثر كلماتها فوق أحرف اللوحة الالكترونية باللهجة المصرية ..

[ بما أن العمود بتاعي اسمه من قلب الشارع ، فأنا قررت كلامى يكون بلغتنا كلنا، بعيدًا عن الكلام الفصحى والجرائد، كلام يخرج من القلب للعقل، كلنا نفهمه ونترجمه.

كنت قاعدة في كافيه بدور على موضوع افتتح بيه مقالي الأسبوعي، اتفاجئت بوداني اتحدفت على التربيزة اللي جنبي لما بنت سألت مامتها سؤال بيتردد في ذهننا كلنا يوميًا وعمرنا ما فكرنا نواجهه، البنوته دى كانت بتقول ايه !

 ماما هو إيه اللي يخلي أي اتنين في الدنيا يكملوا مع بعض لآخر العمر .. من غير ما يزهقوا أو يملوا ... ماتقوليش حب .. أنا عاوزة أعرف إيه القوة الكونية اللي في الحب تخلي أي اتنين متعلقين في روح بعض للأبد ؟!
كنت متحمسهة جدًا أعرف رد مامتها، وحقيقي ردها عجبني، مختصر ردها إن الحب من الحاجات الاساسيه اللي منقدرش نستغنى عنها ولا نعوضها حتى ولو مافيش حب، فى نوع من الحب ممكن نحطه تحت بند التعود، أنت اتعودت ترجع من بيتك تلاقى مراتك مجهزه الأكل والمكان النضيف اللي بتلقائية نفسيتك بترتاح أول ماتدخل وعلى المقابل تكون مجبر تقدرها وتحسسها بمجهودها وأد إيه أنت من غيرها ولا حاجة .

وقفة .. طبعًا كلنا عارفين الكلام دا، طيب تيجوا نتخيل لو في يوم الزوجة قامت بكل مهامها على أتم وجه ومستنية كلمه شكر واحدة من جوزها تهون عليها فللأسف متلاقيش غير عنف وصوت عالي وووو .. دايما طرف قايم بدور العنصر المضحي على سبيل عمار سفينة حياتهم، هنا بقى هيدخل رتم العلاقات في نوع من الملل والزهق والكأبة، والشخص اللي بيدي هيتعب .. ودا سبب اسم المقال بتاعي ..

بمجرد ما طنط مامت البنوته جاوبتها، جيه في بالي مقال للدكتور  طه محمد  كان بيقول فيه إن أي علاقة بين أي اتنين ما ينفعش تقوم على طرف واحد، وهو الطرف المعطي دايما هو مصدر كل حاجة في الحياة والطرف التاني كل اللي عليه يمرع وينعم بالعطاء كالجنين في رحم أمه .

أي علاقة فالدنيا لازم تكون العصاية فيها ممسوكة من النص، كفتين ميزان على أد ماتاخد على أد ماتدي، بلاش نرسخ فكرة إن شخص واحد هو محور الكون، مافيش حاجه اسمها أنا وبس وأنت من غيري مش هتعرفي تكملى ! بلاش علاقات استعبادية واعتمادية قائمة على طرف واحد وبس .

نرجع لسؤال البنوته ونختصر إجابته في معادلة بسيطة، الحياة مبنية على معادلة الأخذ مساوٍ للعطاء، لو كفة خفّت عن التانية هنلاقي نوع من الخلل، عمر الحب ما هينفعنا لو معندناش فن التعامل مع الحبيب،بالعكس أزواج كتير مابيحبوش بعض بس مكملين عشان عارفين يتعاملوا مع بعض إزاي .. كلنا مخلوقين من نفس واحد مكملين لبعض مش مستعبدين لبعض، يبقى القوة الكونية مش فالحب .. القوة الكونية في استمرار الحياة بين أي اتنين فينا إحنا .. وفي فن تعاملنا مع بعض .

 فن التعامل أساس أي علاقة
بقلم داليدا فريد ...

تنهدت بارتياح قائلة: يارب يعجب دكتور فؤاد
لم يشغلها مقالها الأسبوعي عن التفكير والانجذاب له، وبدون تفكير قررت أن تهاتفه لتطمئن عليه .. ظل عقلها يوعظها
- ياداليدا ماينفعش بطلى جنان ..
قلبها محاولا السيطرة على عقلها
- هرن رنه بس .. لو مردش أنا هقفل .. منا لازم أطمن عليه وكمان أعرف هو اتعصب ليه كدة لما شافنى

 في شقة زين
انصرفت أخيرًا من شقته فريدة درويش وبعد مغادرتها بدقائق كان الدكتور عماد بصحبة الممرضة أمام شقته، فتح زين الباب قائلاً
- تعالى اتفضل ..
عماد بذهول واستغراب: أنت مجنون ولا قاصد تجنني معاك ..
زين ممازحًا: ولما أنت تتجنن أنا مين يعالجني !
أردف عماد داخل المنزل مشيرًا للممرضة
- الواضح عليه بقى كويس .. استنني فالعربية تحت ..
غادرت الممرضة وأقفلت الباب خلفها تنهد عماد قائلاً
- طردتها ليه ..
زين بمزاح: والله لو كانت حلوة ما كنت هسيبها تخرج حتى دقيقة !

عماد بنفاذ صبر: يابنى أنت مش راحم نفسك ليه !
زين بلا مبالاه وهو يتجه نحو المطبخ
- ياعم وأنت متعصب ليه وهو كان حد منهم اشتكالك، ما الدنيا حلوة أهي وكلنا بننبسط !
عماد وهو يجلس على الأريكة
- لا وكمان بتهزر، وأنا اللي جاي على سرعه ٢٤٠ عشان أحسن تعمل في نفسك حاجة ..
وقف زين أمام بار مطبخه قائلاً.

- متخافش مش هنتحر، لسه ماوصلتش للمرحلة دى .. المهم قولي أنت خايف عليا !
رمقه عماد بنظرة سخط قائلاً
- ودا سؤال ! ياخى لو مكنش بحكم مريض ودكتوره، فأكيد باعتبار إننا ولاد عم .. ودا واجب إني اتسحل وراك لما تكون واقع في مصيبة ..
قهقهه زين وكأنه لم يصاب بشيء منذ ساعات، كأن ما جرى مجرد نوبة لم يتذكرها ..
- تشرب إيه ؟!
- اعمل قهوة عشان شكلك ناوي تطير آخر شوية العقل اللي في دماغي .. أنا حقيقي مش عارف مين فينا الدكتور ومين المريض على بال ماأغسل وشي وأجيلك ..

 في غرفة داليدا
تجوب غرفتها ذهابًا وإيابًا بقلق وتوتر، فهو من ضيع طريق عودتها له، ولكنها مازالت تحبه بصدق ويرفضه كبريائها بصدق أيضًا .. أظهرت رقمه على شاشة هاتفها مستجمعة شتات قوتها وعازمة الأمر وصوت يصدر من جوفها ليحمسها على ارتكاب جريمتها
- هطمن عليه وبس .. يلا ياداليدا ... مش يمكن هو مستنى اتصالك !

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية