قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل الأول

رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال

رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل الأول

أسدلت الشمس أشعتها الحمراء على الكون محجوبة خلف السحب وكأنها تنزف دمًا علي وجعها وما مرت به ليلة أمس، كان يوم تتحرك عقارب ساعته ببطء يلدغ طرف قلبها علي مهلٍ، رجفة خفيفة أصابت قلبها فجأة، رفعت أصابع كفها ثم بسطتها مجددًا ببطء شديد، تتراقص جفون عينيها متمردة كأنها ترفض هراء هذا العالم واِستخفافه بألم تلك العضلة الموجودة أقصي اليسار ..

اِبتلعت تلك الحسناء غصة أحزانها لترطب حلقها بما أصابه من جفاف الوجع، اتخذت عدة أنفاس متتالية كأنها تتأكد هل ما زالت علي قيد الحياة أم بُعثت لدار الخلد .. أصابها اليأس في مقتل عندما تحسست دقات قلبها وجدته يتراقص علي أوتار وجعٍ يقرضها من الداخل ... انتقلت أناملها من فوق قلبها إلي طرف عينيها لتزيل الدمعة المنسكبة التى باتت في عينيها منذ ليلة أمس ..

اتاها صوتاً جعلها تنهض كالملدوغه
 ماتقومى يااختى ... نموسيتك كحلي

ارتفعت دقات قلبها وسالت سيول دمعها فوق وجنتها أكثر وهى تلتقط أنفاسها بقوة
زاد معدل الطرق علي الباب، كأنه يتنافس مع ضربات قلبها ..
- يعنى نموت من الجوع هنا ماتحنى علينا،،، قومى يلاا بلا دلع بنات ...

أردف زوج أمها كلماته الأخيرة قبل أن يبتعد عن أعتاب غرفتها التى تحكم غلقها كل ليله خشية من نظرات ذلك اللعين، انتصب عودها ودارت بجسدها حتى لمست أقدامها أرضية الغرفه الباردة، طافت بعينيها تبحث عن نعالها ساندة قلبها بكف يديها مرددة

- يارب بقي هون عليا العيشه دى ..

رجّت رأسها قليلاً محاولة تشتيت ذكرياتها الأليمه التى تنهشها من الداخل متنهدة بصوتٍ عال ثم ألقت نظرة خاطفه علي شاشه هاتفها
- مممم اماا اشوف زين بعت حاجة ولا لا ...

وسرعان ماتراجعت بعيون سبحت في محيط الدمع وهي تردد بصوت مرتجف
- ز .. زييي ... زين ! احنا سيبنا بعض امبارح حقيقي ولا دا كان كابوس ؟!

بللت حلقها مجددا ثم أردفت قائله
- لا احنا متخانقين شويه بس وهنرجع تانى أكيد، هو عارف إن قلبى متعلق بيه ومستحيل ههون عليه ... عادى يعنى مااحنا يااما اتخانقنا .. بس هو ليه قلبى واجعنى اوي المرة دي .. هو معقوله يكون مش هيرجع ..

فتحت درج الطاولة الجانبية الصغيرة وامسكت بصورته المدفونة بين ورقات دفترها .. شقت ثغرها ابتسامة باهتة
- صباح الورد عليك ...

فرت دمعه من طرف عينيها فسقطت علي صورته، فشهقت بصوت مكتوم وهي تمد إبهامها لتزيل دمعتها من عليها، استمرت تتأمل ملامحه بحسرة ووجع وهى تمرر أناملها لتتحسسها فنحن جميعا نتحسس الأشياء عندما نفقد الأمل في وجودها .. ثم ابتسمت بيأس وهى تردد لتوهم نفسها

- أكيد كلامك اللي قولتهولى كان في ساعة عصبية وضيقة .. حق أنا عارفاك لما بتتعصب مابتشوفش قدامك ..

جففت الباقي من دموعها بطرف كُمها ثم أكملت قائله
- أنا هقوم دلوقتى أفطرهم وهرجع ألقى رسالة منك زي ماعودتنى كل يوم .. ماتخلنيش استنى كتير،، ممكن !

وضعت صورته في مكانها المعتاد ثم وثبت قائمه وهي تجفف وجهها وتلتقط عدة أنفاس متتالية
- اجمدى يا داليدا اجمدى، زين معرفش الحب غير معاكى فمسير الحب يرجعه ... هو كان بيقولى كدة ..

استجمعت شتات شملها وخرجت من غرفتها كجبل صلب قوي من يراه يخشاه ولكن مابداخلها تصدعات وشقوق أوشكت علي الانيهار ...
أصوات تصدح بداخله جعلته يستيقظ من نومه الهادئ مسح بكفه الخشن على وجهه وهو يغمغم بنوم:
_ صباح القلق زمان دليدا باعته مليون رسالة
دليدا ...؟!
دليدا...؟!
لقد انفصل عنها بالأمس تذكر بكاءها صدمتها توسلها له ولكنه تذكر أيضا تلك المشادات الدائمة بينهم أزال عن باله تلك الذكريات واستقام يعد قهوته رفيقته العزيزة وهو يردف بهدوء:
_ القهوة لا تكذب وإن كانت كل يوم بوجه.

ابتسم بحنان لصورة والدته الراحلة منذ سنوات وهو يردد:
_ صباح الخير عليكي يا ماما وأنا مش بخير من غيرك عشر سنين من غيرك يا ست الكل
امبارح أنا ودليدا سيبنا بعض دليدا مملة وصعبة أوي امبارح مكنتش زعلان وأنا بسيبها بس هو النهاردة أنا حاسس بلخبطه سيكا يعني ووجع خفيف بس أكيد هيروح الواد أكرم عازمني علي الغدا مامته بتعمل أكل حلو أوي بس مش أحلى من أكلك هقوم أروح أفطر وأروح لأكرم وأرجعلك يا ست الكل بالليل مش هتأخر عليكي علشان متزهقيش.
قبل وجنتيها الظاهرين بالصورة واتجه يبدل ملابسه ويغادر.

_ وأنت بقا سنجل ولا مرتبط يا زين
ابتسم بتلاعب وهو يردد:
_ ده أنا لو مش سنجل اسنجلك نفسى والله سنجل يا قمر من امبارح الصراحة
صدح صوت ضحكتها وهى تقول:
_ يا بختي
_ ده أنا اللي يا بختي والله الفطار وصل افطري يلا ونتقابل بالليل عند أكرم فى الخن
_ ما تيجي نطير بعيد عن أكرم
_ نطير فين
_ العجمى عندك
اختفت الابتسامة من على وجهه ليردف بحدة وجمود:
_ العجمى لا واتفضلي افطري خلينا نمشي

ذلك الحي أصابه فى مقتل أنه حي ذكرياته الجميلة العزيزة حي داليدا المفضل لها وله ولن يلوثه بزيارته له مع أي فتاة أخرى حتى ولو انفصل عن داليدا.

 

في إحدى منازل حي امبابة

انتهت داليدا من إعداد الطعام ووضعه فوق الطاوله الخشبيه المستديرة، ولم تخل من نظرات زوج أمها ( اسماعيل ) التى تشعر بها تأكل معالم جسدها المستتر ..

 عاوز حاجه تانى أعملهالك
وقفت أمامه بضيق وحنقة وهي تقول جملتها، رفع حاجبه قليلا ثم أردف قائلا
- لو بس الجميل يحن علينا ويجى يقعد جمبي يحلى اللقمة معايا بدل ماهى نازلة وحيدة كدة .. ماتيجى تفتحى نفسي ياديلوو ..

نظرت له باشمئزاز وسرعان ما دارت بجسدها هاربة من حصار نظراته اللعينة
- انا هصحي أخواتى يفطروا قبل ماأنزل الجامعة ..

انسحبت من أمامه علي الفور، مازال يتاملها بنظراته الخبيثة ثم أردف قائلا وهو يعبث بشاربه
- كنت فين ياخشب لما كنا نجارين ... يامستقووووى!

أيقظت داليدا أخواتها من أمها ثم ارتدت ملابسها الفضفاضة وغادرت منزلها الأشبة بسجن يتربع في قلبه سجانها ...

لمست أقدامها أرضيه الشارع الطينى الممزوجة بأصوات المارة المزعجة، كانت عيناها تطوف يمينا ويسارا كأنها تبحث عن جزء فقدته من أجزاء جسدها وربما فُقدت كلها ولم يبق منها إلا شبح يمر بين الخلق .. كانت تبحث عنه تحديدا في أوجه المارين حذاها حتى أن قلبها كان يرتعش بمجرد أن مر الشبيه او تنسمت ريح طيفه القابض علي قلبها بقوة ..

وصلت إلي موقف سيارات النقل تبحث عن سياراته التى كانت كل صباح تنتظرها، ولكنها أصيبت بخيبة أمل جديد كمثل التى أصيبت بها فلم تجد اسمه علي شاشة هاتفها .. فاقت من شرودها علي صوت السائقإ
- ٢٦ يوليو يااابله ..

لم تلتفت إليه وأكملت طريقها بتثاقل شديد في قدميها،، وصلت إلى مدرجها كالتائهة لم تع كم استغرقت من الوقت للوصول، كأنها تصارع شيء ما بداخلها لم تصل له حتى الآن فلا تهتم بمحطات وصولها علي أرض الواقع ...

 يادودو .. مش بتردى. ليه عليا من امبارح ؟!
قالت شروق رفيقتها جملتها بعفوية وهي تقترب منها ..

رفعت داليدا عينيها بأسي
- انتى بعتى حاجه ...
- اه يابنتى وكنتى أون لاين طول الليل امبارح .. حتى زعلتينى منك والله ... كده تنفضيلى ...

نظرت لها بأسف
- سامحينى .. مخدتش بالى والله .. كنتي عاوزه حاجة ..

《《 عندما ننتظر رساله بعينيها من أحدهما فإننا نصاب بالعمى الكلى عن باقي البشر، كأن الرسالة المنتظرة تأسر بين طياتها جميع الحواس الآداميه 》》
نظرت لها شروق بعيون غير مصدقة
- أخبار زين ايه ؟!

اسمه كان بمثابة آله حاده مرت علي جدار القلب، وقفت بجسدٍ مرتعش
- زييين ! انتى شوفتيه ؟!

تعجبت شروق من ردها وارتباكها، فأردفت قائلة
- داليدا ! مالك ؟ انا بسألك عادى علي فكرة .. اتفزعتى ليه ؟!

شهقت نفسًا بألم
- انا ماشيه ..
قبضت شروق علي معصمها
- استنى .. والمحاضرررة ؟!

زاحت كفها بعيدا
- مش قادرة بجد .. ابقي ابعتيلى الريكورد ..

تركتها داليدا قبل أن تنتظر منها ردا، سارت خلف خريطة قلبها بدون وعى كالهائم علي وجهه في قلب الصحراء باحثًا عن طوق النجاة لينتشله من توهانه ..
 بعد ساعات
قادتها أرجلها لمكان ذكرياتها، المكان الوحيد الذي ضحكت فيه كثيرًا واليوم جاءت إليه لتبكى له أكثر، فالشاهد علي الضحك له كل الحق لمسح دمع العين ..

تحركت فوق أحجار شط اسكندرية بتوازن مختل كالطائر الذي أقسم على الطيران بجناح مكسور، وصلت إلى المكان الذي عاش معهما لحظاتهم المسروقه من الزمن، لمس الهواء البارد وجنتيها مختلطا بقطرات من أمواج البحر القويه التى رست علي وجنتيها بهدوء تاام كأن جيوش حزنها كانت أقوى من اندفاع الموج فنجحت بجدارة علي تهدئته وسكونه ..

ظلت طويلا تتأمل البحر مستلذة بخلوتها معه متكأة علي عكاز الصمت، أصبحت ذكرياته، طيفه، كلماته، لمساته، ضحكاته تدور أمام عينيها كشريط سنيمائى .. ساكنة مكانها كالمصاب بشلل الذكريات ..
《《 يقولون أن المرأه حينما يهاجمها الحب تفقد القدرة علي كل شيء،، وعندما تصاب بغيابه ذلك يهدد طاقات القلب بالنفاذ 》》
على طاولة الطعام
سيدة خمسينية تردد بحنان:
_ كل يا زين يا حبيبى
ابتسم هو بألم مردفًا:
_ بأكل يا سوسو تسلم إيديك ربنا يخليهالك يا أكرم.

أنهى طعامه الذي لم يأكل منه شيء يعبث به فقط يعبث مثل قلبه يوجد شيء يعبث به لا يعرفه لكنه يؤلمه حد الموت ..فقدان .. خذلان.. حقًا لا يعرف
غادر هو وصديقه إلى مقر شركته الذي سيتم افتتاحها عن قريب
يجلس وسطهم بنصف عقل نصف روح نصف قلب عقله فقده عندما رأي عينيها وروحه فقدها عندما فقد أمه وقلبه عندما ابتسمت له ولكن كل ذلك تعوّد فقط تعوّد انتشلته من دوامته اللعينة صوت أنثوى يردد:
_ يا زوز سرحان فى ايه
هز رأسه عدة مرات قبل أن يردف بخبث:
_ سرحان فيكى يا جميل واقفة بعيد ليه قربى هنا.

اقتربت وهى تترنح من أثر المادة الكحولية التى تناولتها مغمغمة:
_ بحبك يا زوز ومحبتش حد قدك والله
ردد بسخرية:
_ لا منا عارف متقلقيش قربى بقا هاتى الورق اللي هيتمضي ده وتعاليلى أكرم فين صحيح
أجابت بغنج:
_ فى المكتب اللي جنبنا هو و سوزى
_ يا حبيبتى يا سوزى
اقترب منها وهو يقبل شفتيها عنقها كفيها كل جزء بها يقبلها تارة وينظر للأوراق تارة ويأخذ رشفة من النبيذ الأحمر الذي أمامه مشروبه المدمر المفضل تمر أمام عينيه سحابة طيف دليدا ليزفر بحنق ويجذب الفتاة يقبلها مرة أخرى بعنف.

لازالت جالسه أمام بحر اسكندرية ساكنة العينين، ولكن قلبها لم يكف عن البحث .. كأنها تريد البحث عن شيء تتعمد نسيانه .. ابتسمت بآسي كأن شبح ذكري ما هاجمتها

 أنا حقيقي حاسة قلبي طاير من الفرحة... أنا نجحت خلاص، كدة عديت أول سنة من الكليه وهابقي صحفية اد الدنيا
قالت دليدا جملتها بفرحة وهى تتنقل أمام عينيه كطفلة مشاغبة حصلت للتو علي مرادها ..

وضع كفيه الاثنتين على ذراعيها حتى أصبحت محاصرة بأسوارهما، تلك المرة الأولى التى تكون بقربه بهذة الدرجة .. كان قلبها ينجذب منها أوشك علي الانخلاع .. كانت مغناطسية عينيه قوية للحد الذي يمكنها أن تقلي بجسدها صوب بؤرة جاذبيته .. قلبه تحديدا ...

قطع زين حبال الصمت قائلا
- المهم دلوقتي مش هوصيكى علي دعايا وإعلانات لشركتى اللي ناوي افتحها .. كام مقال من إيديكى الحلوين دول .. دا أنا حتى زيزو حبيبك ...

احمرت وجنتيها بخجل
- أنت هتوصينى علي قلبي يازين .. وبعدين ياحبيبي احنا واحد ... فأكيد نجاحنا هيبقي واحد ..

اقترب منها خطوة سلحفيه قائلا
- إن شاء الله ياديدا هعوضك على كل وجع إنتى عشتيه .. وطول منا عايش هيكون هدفي الوحيد إني إزاي أخليكي طايرة من الفرحة ...

ردت باندفاع
- أنا عاوزة أبقي طايرة من الحب يازين ... الحب اللي محستهوش غير معاك ..

ابتعد عنها قليلا ثم وضع أناملها على شفتيه طابعا قُبلة دافئة قائلا
- وأنا أوعدك يا داليدا عمري ما هسيبك مهما حصل ...

شعرت بقلبي ينخلع بداخلى، يقاومنى شعرت، كلماته شنت الصراع بينى وبين قلبي .. قلبي يريد أن يحضنه حضن تسمع له آذانى صوت قرقعة عظامى بداخلة،، ولكنى كنت أريد أن أحضنه أنا كحضن أم تملؤه حنان وحب يروينا سوياا ..

فاقت من شرودها علي صوت تكبير آذان العصر

نظرت في ساعتها
- خبر أبيض دانا يادوب الحق أرجع القاهره قبل العشا ..
لملمت شتات شملها بعد ما ألقت آخر نظرة علي البحر كأنها تودعه ..
- هرجعلك تانى عشان أنت اللي باقيلى دلوقتي ..

نصبت عودها متنهدة بحرارة ثم دارت بجسدها فجاة وللحظات أصيبت بالشلل، كل عضو بجسدها عجز عن الحركة .. إلا قلبها لازال يؤلمها ضجيجه، اغرورقت عيناها، وتجمد الدم بداخلها .. ثم أردفت قائلة بذهول
- زين ! أنت هنا من إمتى ؟!

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية