قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية صغيرتي للكاتبة فاطمة حمدي الفصل العاشر ( الحب في أبهى صوره )

رواية صغيرتي نوفيلا للكاتبة فاطمة حمدي كاملة

رواية صغيرتي نوفيلا للكاتبة فاطمة حمدي الفصل العاشر

( الحب في أبهى صوره )

لم تصدق أنهُ عاد بهذه السهولة؟، ليشعرها بدفىء وجوده وأمانه الذي حُرمت منه ليوم واحد فقط، ابتعدت عنه قليلًا كي تتمكن من رؤيته وتُشبع عيناها من ملامحه المحفورة داخل قلبها الصغير، مررت أناملها على وجنته وذقنه وهي تهمس بابتسامة ودودة:

- حبيبي، أنت رجعت بجد؟ ..
تنهد بهدوء تنهيدة ممدوة، وراح يقبض على كفها دون كلام ثم يصطحبها داخل البيت، سار حتى جلس وأجلسها جواره على الأريكة بينما يقول بهدوء أخافها قليلًا:
- إيه اللي أنا عرفته دا؟
تلعثمت في قولها بينما تزوغ عيناها بتوتر بالغ:
- ع عرفت إيه؟
ثبت نظره عليها فيقول بجمود:
- مقولتليش ليه من أول يوم؟، إزاي تستني وتتمادي وتخبي عليا حاجة زي كدا؟، أنتِ بتستهبلي يا مريم؟، بجد أنا مش مصدق!

ودون مُقدمات كانت تجهش في بكاءٍ حار متحاشية النظر إلى عينيه المُحاصرتين لها، بينما يستطرد يوسف بغضب جم:
- أنا مش عاوز عياط، بتبكي ليه دلوقتي؟ شيفاني عملت لك حاجة؟ بكلمك تردي عليا متبكيش!
أومأت برأسها إيجابًا، بينما تقول من بين شهقاتها:
- بعيط عشان أنت زعلان مني، وكمان أنا كنت خايفة..
تابع بنفاد صبر:
- خايفة من إيه؟، مني أنا؟
استطردت بحزن:
- منك ومنها، هي هددتني وأنا كنت خايفة تنفذ التهديد، وكنت خايفة أنت تغضب وتسيبني لما تعرف إن مامتك خلتني مدمنة..

ضغط على ذراعها بغيظ بينما يهتف بحدة:
- هبلة أنتِ؟ ولا إيه؟، قلت لك ميت مرة مافيش حد يعرف يأذيكِ طول ما أنا موجود حتى لو أمي، وأنتِ عارفة كدا كويس، يبقى بتخبي عليا ليه؟ مافيش مبرر يا مريم للي حصل بس حسابك معايا مش دلوقتي، بعدين.. بعدين يا مريم..
هتفت برجاء:
- أرجوك ماتزعلش مني، أنا أسفة والله هتكون أخر مرة أعمل أي حاجة تزعلك..
- يا دادة..
هتف مناديًا، لتحضر السيدة عطيات لتوها قائلة في تهذيب؛

- أفندم يا أستاذ يوسف؟
قال يوسف بجدية:
- ياريت تحضري الغدا من فضلك..
أومأت في طاعة وانصرف بينما نهض عن مجلسه واتجه نحو النافذة واضعا يديه في جيبي بنطاله وهو يتأمل الزهور المتراقصة بفعل الهواء، تنهد بضيق يجتاح قلبهُ، لا يعلم ماذا يفعل بوالدته؟
وكيف يواجهها، تخطط لقتل حبيبته؟ بأي حق وأي قلب لديها؟
لمَ تسعى لخراب حياته مع من أحببها عنوة؟

شعر بيدها تربت على ظهره بهدوء ولم يسمع صوتها، لم يلتفت لها ليقول بجدية تامة:
-نعم يا مريم؟
صوت أنفاسها المضطربة وصله قبل أن يصله صوتها المرهق وهي تقول:
- هتسامحني؟.. وناوي تعمل إيه معايا يعني هتعالجني ولا لا؟
التفت لها واقترب منها خطوة، ثم أخبرها بحزم رفيق:

- اللي حصل مش ذنبك أنتِ يا مريم، إهدي، قلت لك حسابك بعدين وحسابك دا عشان خبيتي عني، إنما أي حاجة تانية أنتِ مالكيش ذنب فيها، كمان أنتِ مش مدمنة لان المخدر مالحقش يتمكن منك، أنا سألت قبل ما أجيلك وعرفت كل حاجة، هو علاج هتاخديه بانتظام بعد الأكل كل يوم لمدة اسبوعين عشان الآلآم اللي بتحسي بها وبعدها هتكوني كويسة..
ابتسمت بارتياح وهي تقول بامتنان:
- شكرًا يا يوسف..

لم يبادلها الابتسامة إنما قال بنبرة مهمومة:
- العفو..
تابعت مريم في حذر:
- ممكن أسأل سؤال؟ لا اتنين؟
أومأ لها دون أن ينطق، فاستأنفت بفضول:
- مين اللي عرفك باللي حصل؟

أجابها وهو يعود ينظر من الشرفة بلهجة صارمة:
- أنا أصلا كنت ماشي ومش مطمن عليكِ، ساعتها كلفت دادة عطيات بمراقبة أمي والزفتة التانية دي، ولما بلغتني باللي ناويين عليه قلتلها تجيبك هنا، إنما موضوع البرشام دا يسر اتصلت وقالتلي.. ها والسؤال التاني؟
تابعت وهي تنظر حولها تتأمل المكان وألوانه بانبهار:
- البيت دا بتاعك؟
عاد ينظر إليها، يتأمل ملامحها بعينيه، ثم يثبت عينيه على عينيها قائلًا بهدوء صارم:
- لا..

تعجبت وقد خاب أملها، لتسأله بحنق:
- إومال بتاع مين؟
فأجابها بحماس منتظرًا ردة فعلها:
- البيت دا بتاع مريم..
افتر ثغرها عن ابتسامة راضية وهي تردد بملامح مبتهجة:
- إيه، بتاعي!
ابتسم رغمًا عنه على ردة فعلها الطفولية وهو يستطرد بتوضيح:

- بقالي تقريبا سنة بجهز فيه، كل اللي كان نفسك فيه عملته فيه، المرجيحة وشجرة التوت اللي في الجنينة وكمان صغير في الحجم زي ما طلبتي وألوانه طفولية ومبهجة، كل حاجة زي ما تمنتيها، كنت ناوي أفاجئك بيه قبل دخلتنا بكام يوم بس أهو ملقتش مكان مناسب تكوني فيه غيره، إيه رأيك فيه زي ما اتمنيتي ولا؟
أسرعت تلقي بنفسها داخل أحضانه وأغلقت عيناها بشدة بينما تبتسم بسعادة عارمة وهي تدفن وجهها عند عنقه قائلة:
- دا أحلى ما اتمنيت، دا جميل وروعة، أنا مش مصدقة نفسي، إنت إزاي كدا؟ إزاي بتقدر تخليني أسعد واحدة في الدنيا؟! بحبك بحبك أوووي وعمري ما حبيت حد أدك..

منحها ابتسامة عذبة، ليقول برفق:
- مش أكتر مني يا مريم، لما بشوفك سعيدة بكون أنا أسعد واحد في الدنيا ولما بتزعلي بتعكنن أنا ومبعرفش أعيش طبيعي..
صمت قليلًا قبل أن يواصل بهدوء ونبرة ذات معنى:
- بس دا ميمنعش إن حسابك لسه جاي يعني!
أومأت بابتسامة وهي لا تشعر بذرة من الخوف، كيف تخاف؟
من إنسان يوفر لها الحب كما يجب؟ كما أُنزل، يسعى لإسعادها ويرفق بقلبها لطالما أهدته إياه على الرحب والسعة! ..
- أوك حاسبني براحتك وأنا مش هعترض، بس أهم حاجة متبعدش عني
ابتسم وهو يحرك رأسه موافقًا بينما يتجه بها نحو طاولة الطعام ليتناولاهُ معا...

بعد مرور وقت طويل، حيث حل المساء، غفت عيني مريم بعد أن استلقت على الفراش وأخذت الدواء وقضت وقتها مع يوسف، رفع الغطاء عليها بهدوء واستقام واقفًا وهو يرمقها بنظراتٍ مطولة تحمل الكثير من المشاعر الخاصة، مستحيل أن يقسى عليها، لم يستطع ذلك، دائمًا يراها طفلتهُ، ناهيكٍ عن فقدانها لوالديها من صغرها ومعاملة أمه الجافة لها، كل هذا يجعله يرفق بها دائما، قد وعدها أن الابتسامة لم ولن تفارق ثغرها طالما كان حي يتنفس... وهو يحاول جاهدًا أن يوفي بوعده، وأن يعلمها كيف تفعل الصواب دون قسوة أو عنف!خرج من الغرفة وتوجه حيث توجد " عطيات"، ليقول بهدوء حمل الرجاء:
- لو سمحتي يا دادة خليكِ جنب مريم، أنا خارج وهرجع بعد شوية، لو صحيت وحست إنها تعبانة كلميني بس..
أومأت إيجابا مع قولها:
- حاضر في عنيا..
تنهد بأريحة وبرح المكان، عازمًا على الذهاب إلى الفيلا، بالفعل بعد مرور وقت قليل كان هُناك..
ولج إلى الداخل وسأل عن والده فأخبروه أنه بغرفة مكتبه، راح يطرق الباب ودخل، ليجده في حالة يرثى لها، جالس في وادٍ أخر، عيناه حزينتان متعبتان للغاية، والارهاق بدا.

واضحا بقوة على قسماته، رفع نظره إلى يوسف الواقف أمامه في صمت حزين، بينما يقول بنبرة متعبة:
- حمدلله على السلامة، رجعت قبل معادك يعني؟
يوسف وقد تجاهل سؤاله عن عمد ورسم الغضب على ملامحه كما رسم الحزن المصطنع:
- مريم فين يا بابا؟، فين الأمانة اللي سبتها في رقبتك؟!
تنهد همام بمرارة وهو ينهض عن مقعده مجيبا بنبرة شبه منكسرة:
- مش عارف أقولك إيه، من حقك تزعل بس...
يوسف وقد قاطعه بتجهم:
- بس إيه؟ بقولك فين مريم؟! أنت المسؤول عن اللي حصل دلوقتي، أنا عاوز مريم سمعتني؟

زفر زفرة قوية وهو يقول بضيق حقيقي:
- كفاية تأنيب أنا قلبت الدنيا عليها، أنت فاكر إني زعلان عشانك؟، دي بنت أخويا وأمانة أخويا، أنا قلبي بيتقطع عليها، أنا منمتش من إمبارح إسكت شوية بقى..
أنهى كلامه وراح يجلس على الأريكة بارهاق شديد، دفن وجهه بين كفيه وكان على وشك البكاء..
ليسمع صوت قهقهة يوسف تصدح في الغرفة، رفع وجهه مذهولًا وهو يردد بغضب جم؛

- أنت بتضحك على إيه؟
قال يوسف بحذر وهو يتراجع خطوة للخلف:
- من غير ضرب، مريم عندي!
توسعت عيناه بصدمة وذهول في آن، حدق فيه بغيظ شديد رغم صمته، نهض متجها إليه وهو يرمقه بنظرة شرسة، في حين ابتعد يوسف وهو لم يستطع التوقف عن ضحكاته، لينحني همام ويخلع نعله عن قدمه وهو يشتم بعنف، بينما يدفعه بالنعل وهو يهتف بحنق شديد:
- أنت واد مش متربي، يا جزمة يا..

ليشير له قائلًا من بين ضحكاته:
- إهدى بس، هفهمك، إهدى..
صرّ على أسنانه بقوة بينما عينيه مشتعلتين بغضب ناري، ليقول بصرامة شديدة:
- تفهمني إيه، إنطق؟!
بعد أن هدأ قليلًا جلس معه وقص عليه ما حدث، من الألف إلى الياء..
ليتوجه همام كالعاصفة إلى زوجته معنفًا إياها وألقى عليها تهديده قائلًا:
- هطلقك!

لوت الأخيرة شدقها ساخرة، لتقول بلا مبالاة:
- طلقني يا همام، مبقتش فارقة معايا..
كان المتحدث يوسف فقد استفزته كلمات والدته ولا مبالاتها تلك، ليهتف بغضب:
- ليه بتعملي كدا؟، ليه مصرة تدمرينا بأفعالك؟ ليه مصرة تبوظي حياتي؟ ليه مصرة تفسدي الحاجة الحلوة الوحيدة في حياتي؟!
نظرت له بتهكمٍ سافر قبل أن تجيبه ببساطة:
- عشان بكرهها وهفضل أكرهها، وعمري ما هرضى عليك طول ما هي معاك وأنت متمسك بيها..
رد عليها في المقابل:
- تكرهيها دا أنتِ حرة في نفسك لكن مش من حقك تأذيها وتخططي لقتلها، ايه قلبك دا إيه؟ مش من حقك كمان تمنعيني عنها، أنا اللي هعيش مش أنتِ؟

مريم هي حبيبتي ومافيش حد غيرها هيدخل قلبي كمان مافيش حد هيقدر يأذيها طول ما فيا نفس!
انتقل ببصره إلى نهال وقال جازا على أسنانه:
- وياريت الكل يعرف كدا، ويخلي عنده دم بقى..
- أنتِ، إطلعي برا بيتي فورا أنا مش عاوز أشوفك تاني، مفهوم؟

أردف همام بهذه الكلمات وهو يُشير إلى نهال بسبابته والغضب يعصف بعينيه، تحرجت نهال ونظرت إلى الأرض بانكسار، بينما يتابع همام:
ولو شفت وشك تاني متلوميش إلا نفسك!
تحركت نهال منصرفة وهي تبكي بحرقها فقد خاب أملها وضاع حلمها، فهل استسلمت بهذه السهولة؟!

ليستمعوا إلى صوت ارتطام حاد، فقد سقطت تهاني مغشيا عليها...

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W