قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية صغيرتي للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الحادي عشر ( شتاء دافئ )

رواية صغيرتي نوفيلا للكاتبة فاطمة حمدي كاملة

رواية صغيرتي نوفيلا للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الحادي عشر

( شتاء دافئ )

خرج الطبيب من الغُرفة بعدما انتهى لتوه من فحص " تهاني " بدقة، راح يقول بنبرة رسمية:
‎- هتمشي على العلاج دا لمدة اسبوع لحد ما تجي لي العيادة وأشوفها، وياريت صورة تحاليل كاملة وأشوفها في الاستشارة إن شاء الله.

أومأ يوسف بصمتٍ وهو يسير معه كي يوصله إلى الخارج شاكرًا إياه، عاد إلى الغرفة مجددًا وولج إلى داخلها، نظر إلى والدته بصمت وهي كذلك، التزم صمتهُ بينما قال همام بصوتٍ أجش:
‎- أنا خلاص مابقتش مأمنلك يا تهاني، رغم كل اللي كنتِ بتعمليه ورغم إسلوبك الزفت، إلا إني كنت باقي عليكِ لكن أنتِ طلعتي جاحدة ومعندكيش قلب، معقولة هان عليكِ البنت؟ ليه بتنتقمي من مين؟ من واحدة ماتت في بنتها؟ مش معقولة أنتِ مش طبيعية..!

أغلقت عينيها بضيق هاربة من نظراتهُ، بينما تتأفف بضجر وهي تواصل بنبرة مستفزة:
‎- ضغطي عالي أنا مش ناقصة، مجرد ما أقدر أقف على رجلي هسيب لك الدنيا كلها وأمشي وإشبع بيها أنت وإبنك وربنا يهنيكوا!
‎صرّ سعد على أسنانه غاضبًا، مازال حديثها فظا غليظا؟!
‎لم يلين قلبها المتحجر، لم تُهد كونها مرضت!

تتمسك بأخلاقها البشعة، تهند يوسف بيأس تام من إسلوب والدته وفقد الأمل فيها بحسرة، حسرة تجتاح قلبه حيث أنها ستبقى أمه مهما فعل هي أمه، كيف يراضيها ورضاها فيه عذابه؟
‎لم ينتظر أكثر من ذلك وخرج من الغرفة مختنقا، تبعه همام وهو يضرب كفا بكف بغضب قاتل، نادى على إبنه بنبرة متعبة:
‎- يوسف..
‎التفت يوسف إليه وراح يقول بنبرة متكلفة:
‎- نعم؟
‎تابع همام في صرامة:
‎- مريم فين؟

أجاب يوسف ببساطة:
‎- عندي في البيت، اللي كنت قلت لك عليه قبل كدا، أنت عارف إني كنت بجهزه..
‎همام وهو يحك ذقنه قليلًا بينما يرد كاظمًا غيظه:
‎- أها، بتعمل إيه يعني عندك مش فاهم؟ مريم ترجع النهاردة تمام؟
‎حرك رأسه بنفي قاطع قائلًا بجدية تامة:
‎- مريم مش هترجع هنا تاني، أرجعها إزاي؟.. مستحيل طبعا خلاص أنا وهي هنعيش هناك..
‎اقترب همام من إبنه يهتف بصرامة:
‎- مش عاوز استهبال، تعيشوا هناك لوحدكم إزاي؟ .. إيه التهريج داااا، لسه الدخلة ما تمتش دا مجرد كتب كتاب!

- تتم..
‎قال يوسف كلمته بنبرة ذات معنى وتابع بلا مبالاة:
‎- إيه مشكلتك دلوقتي، الدخلة وهتم فيه طلبات تاني؟
‎مسح على وجهه بضيق فيقول:
‎- تتم بأصول مش منك لنفسك، ولازم تخرج من عندي هنا زيها زي أي بنت وبعدين تبقى حر أنت وهي إنما كلامك دا ميمشيش معايا تمام؟

يوسف بغير رضا:
‎- لا مش تمام، مريم مش هتدخل البيت دا تاني مش هضمن أسيبها دقيقة واحدة هنا، وكدا كدا هي خرجت من عندك أصلا برضوه يعني في إيه بقى؟
‎- فيه استظراف
‎قالها جازا على أسنانه، بينما يستكمل:
‎- أنت تسمع اللي بقولك عليه، على الأقل اسبوع واحد وبعدين نعلن جوازكم وتغور تروح على بيتك بعد كدا ومش عاوز نقاش..
‎زفر يوسف مع قولها المتجهم:
‎- ماشي بس لما صحة مريم تتحسن شوية وكمان الوضع هنا يهدى شوية، أنا ماشي..
‎انصرف على ذلك وترك والده يشتم سرًا في غيظ..

جلست يسر جوار أمها في صمت وهي تتردد في النطق بتلك الكلمات التي تريد قصّها على والدتها..
‎تنهدت بعمق قبل أن تتحرر من صمتها قائلة بهدوء:
‎- حمدلله على سلامتك يا أمي، بإذن الله هتكوني بخير..
‎اكتفت تهاني بهز رأسها دون أن تنطق، فقط ملامحها كانت متجهمة بشدة..
‎- ماما ممكن أتكلم معاكِ شوية بعد إذنك؟
‎أردفت يسر، لتثبت تهاني بصرها عليها رغم ضيقها الشديد، قالت بضجر؛

- عاوزة إيه؟
‎تابعت يُسر بنبرة متزنة بينما ابتسامة عذبة تغزو شفتيها:
‎- ممكن أفهم ليه بتكرهي مريم بالدرجة دي، فهميني بس، أنا عارفة إن مامتها الله يرحمها كانت مش بتحبك أو حاجة زي كدا بس مريم ذنبها إيه؟ وإيه المشكلة لو عاملتيها زيّ؟

تنهدت تهاني بثقل وهي تشيح بوجهها عنها ناظرة للجهة الأخرى في غضب،وساد الصمت بينهما لدقائق قبل أن تقول تهاني بنبرة محملة بالألم:
‎- لأن أمها كانت بتكرهني من غير سبب، كانت بتحب همام وهي متجوزة!، يعني بتخون جوزها وأنا كنت بموت لما بشوف نظرات الاعجاب الواضحة في عنيها، زائد إنها في مرة حاولت تقتلني! أه تقتلني متستغربيش، أخو همام كان من الناس اللي على نياتها أوي وعشان كدا كانت بتستغفله وتبص لهمام، وكانت عاوزة تخلص مني عشان الجو يخلى ليها! بس ربنا قادر على كل شيء ماتت قبل ما دا يحصل في الحادثة..

تابعت يُسر في تفهم:
‎- وبابا كان إيه موقفه منها؟ كان بيبادلها النظرات؟
‎حركت رأسها نافية بجدية:
‎- الشهادة لله لأ..
‎يُسر بابتسامة ودودة:
‎- طب دي حاجة كويسة جدا، المفروض تعتزي ب بابا دا العمر كله لأنه مخلص والمخلصيين قليليين دلوقتي يا ماما..

صمتت تهاني وهي تمسح على وجهها بكفها، بينما تتابع يُسر بهدوء:
‎- وبعدين يا ماما مريم مش زي أمها خالص، متستاهلش كل اللي شافته منك، مريم طالعة لبابها الله يرحمه، مش أنتِ بتقولي أنه كان طيب؟.. والله مريم ما فيه أطيب منها.. جربي تفتحي لها قلبك وهتعرفي أد إيه هي كويسة وبريئة أوي..
‎ردت بتهكمٍ:
‎- البنت بتطلع لأمها دايمًا، مافيش بنت مش بتطلع لأمها، دا حتى في الأمثال الشعبية بيقولوا " إقلب الأدرة على فمها تطلع البنت لأمها"
‎ضحكت يُسر بتعجب من هذه الخرافات، لتواصل حديثها باتزان؛

- دا مجرد مثل يا ماما مالوش أي أساس من الصحة، مش لازم البنت تطلع لأمها، يعني مع إحترامي ليكِ يا ماما أنا مطلعتش زيك، مش بقول إنك لا سمح الله وحشة وأنا حلوة، بس أنتِ ليكِ طبع وأنا لي طبع واحنا الاتنين مختلفين أنا حتى بحب اللبس المحتشم وأنتِ بترفضي دايما، وليا أسلوب حياة مش بيعجبك يعني دا أكبر دليل على إن البنت مش بتطلع لأمها.. بلاش تحكمي عليها من غير ما تعرفيها كويس..
‎تشوش تفكير تهاني للحظة، ورغم أنها قاربت على الاقتناع بحديث ابنتها المتزن، إلا أنها زمجرت معنفة إياها بقسوة:
‎- قومي روحي أوضتك، أنا عاوزة أنام!

استيقظت من نومها لتجد نفسها وحيدة في الغرفة، نهضت جالسة بارهاق وهي تنظر حولها بحثا عنه، انكمشت ملامحها بعبوس وهي تترحل من سريرها بتمهل، خرجت إلى بهو المنزل لتجد السيدة " عطيات " تجلس وهي غافية..
‎اقتربت تربت على كتفها برفق مع قولها:
‎- دادة!

فتحت عينيها تطالعها بلهفة مع سؤالها:
‎- إيه يابنتي محتاحة حاجة؟
‎قالت مريم بهدوء:
‎ليه منمتيش يا دادة وقاعدة بتنامي على نفسك كدا؟ وفين يوسف؟
‎أجابتها بابتسامة صافية:
‎- قعدت يمكن تصحي وتحتاجي حاجة، والأستاذ يوسف قال خارج شوية وزمانه راجع، أعملك حاجة تاكليها؟

حركت رأسها بنفي وهي تقول متنهدة:
‎- شكرًا يا دادة، أنا هخرج الجنينة أستنى يوسف، وأنتِ قومي نامي وارتاحي..
‎أومأت السيدة قائلة بلطف:
‎- تصبحي على خير يابنتي..
‎بادلتها ابتسامة لطيفة كذلك مع قولها:
‎- وأنتِ من أهله يا دادة..

خرجت إلى الحديقة وهي تحكم شالها عليها، فالجو شديد البرودة لكنه رائع بالنسبة لها، أخذت تتنفس بعمق وهي تحتضن نفسها بذراعيها تملأ رئتيها بالهواء ونسمات الشتاء المُحببة لها، مشت حتى وصلت إلى شجرة التوت التي لم تطرح ثمارها الآن، ابتسمت باتساع ابتسامة عاشقة سعيدةً لتلبية طلبها، تمنت أن يأتي موسم التوت فتتفتح الشجرة وتزدهر بالثمار لتتناول حباتها مع حبيبها وحدهما..

أفاقت من شرودها على شيء دافئ اقترب منها، وبذراعين يضمناها بحنو، أغمضت عينيها دون الالتفات له وافتر ثغرها بابتسامة واسعة، ومن ثم همسهُ الحانِ:
‎- واقفة في البرد ليه؟
‎أجابته بنبرة دافئة وهي تلتصق به:
‎- أنا بحب البرد، وقت أستناك!
‎أدارها إليه كي يتمكن من رؤية وجهها الحبيب، يلثم وجنتها بتمهل مع قوله المثير:
‎- بعدين الجميل ياخد برد وأموت أنا!
‎ضحكت بخفوت وهي تردف نافية بثقة:
‎- لا مش هاخد اطمن!

قهقه ضاحكا مع قوله:
‎- أحبك وأنت واثق من نفسك يا صغنن..
‎شاركته ضحكاته وهي تضع رأسها على صدره تَسمع دقاته المتتالية النابضة بحبها، توقفت وتوقف..
‎ضمها متنهدًا بحب جارف، سمع صوتها وهي تسأله:
‎- إنت كنت فين؟
‎فأجابها بايجاز:
‎- كنت بقضي كام مشوار كدا عشان كنت لسه مخلصتش شغل..
‎كادت تتحدث مرة أخرى فقاطعها وهو يداعب وجنتها هامسا:
‎- وحشتيني على فكرة، مافيش كلام حلو هسمعه النهاردة ولا إيه؟

حركت رأسها نافية بمشاكسة ودلال، ليحملها فجأة قائلًا بغمزة من عينه:
‎مش عاوز، أسمعك أنا..
‎ضحكت بشدة وهي تركل بقدميها الهواء في سعادة من غزله وتدليله الوافران، دخل بها إلى غرفتهما وهو يقول بخبث:
‎- هتنامي جنبي النهاردة..
‎شهقت فاغرة شفتاها بصدمة وهي تقول باعتراض:
‎- مش هينفع يا يوسف، بتهزر؟
‎يوسف متصنعا الجدية:
‎- ليه بقى إن شاء الله؟

أجابته بتوتر:
‎- عشان إحنا لسه ما إتجوزناش يا دوبك كتب كتاب، وكتب الكتاب مش يديك الحق تنام جنبي ولا حتى تيشلني دلوقتي ولا أي حاجة، يُسر فهمتني كدا وأنا وعدتها إني مش هخليك تعمل كدا، نزلني بقى أنا كنت نسيت، نزلني يا يوسف
‎ضحك بتسلية على تعابير وجهها وهو يقول مراوغا:
‎- تدفعي كام؟

- ولا مليم مش معايا فلوس..
‎ضيق عينيه بمكر متابعا:
‎- مش عاوز فلوس أصلا!
‎قالت ببلاهة:
‎- أومال عاوز إيه؟!
‎تأملها مليًا، قبل أن يهمس مازحا:
‎-أعطيني قُبلة! ..

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية