رواية صرخات أنثى للكاتبة آية محمد رفعت الفصل الثامن والستون
اجتمعت مخاوفها جميعًا، وتجسدت قبالتها فجأة، انهار عالمها الآمن، فور أن رأته يقف قبالتها، نظراته كادت أن تحرقها حية، جحظت عينيها صدمة لما تراه، تراجعت زينب للخلف، وهي تهز رأسها رافضة تصديق ما تراه.
تحرر لسانها الثقيل أخيرًا، فصرخت هلعًا:
-سيف!
ارتكن ظهرها للحائط من خلفها، استندت عليه وسقطت أرضًا على ركبتيها، تناديه ببكاءٍ هيستري:
-سيف، سيف!
جذب مئزر الاستحمام الشتوي، يرتديه مسرعًا، ومن ثم ركض للخارج باحثًا عنها بقلقٍ، وجدها تميل أرضًا مستندة على الحائط من خلفها، جسدها يرتجف بعنفٍ، ونظراتها المرتعبة مُسلطة على باب المنزل، المفتوح على مصرعيه.
انحنى إليها يحيط جسدها المرتجف، يتساءل بقلقٍ وخوف:
-مالك يا زينب؟ في أيه؟
عينيها الجاحظتين، مازالت تتطلع لباب المنزل، رفعت اصبعها المرتعش للباب، وأخبرته بحروفها المتقطعة:
-يمان!
زوى حاجبيه بذهولٍ، تركها ونهض يتجه للباب، فتفاجئ بأحد عمال الماركت، يحمل الأكياس، يبدو على ملامحها الدهشة لما يحدث، وما أن رأى سيف حتى ردد بانزعاجٍ:
-من فضلك سيدي ادفع لي لأغادر، عليا إيصال طلباتًا آخرى.
مشط الطرقة الفاصلة بين شقته، وشقة أخيه بنظرةٍ متفحصة، وهز رأسه إليه، فعاد للداخل متجهًا لغرفة نومه، ونظرات زوجته المرتعبة تلاحقه.
عاد يحمل المال وخرج يدفع ثمن الأغراض، ثم ولج للداخل يضع الأكياس على أقرب طاولة، فإذا بها تتساءل برعبٍ:
-يمان برة يا سيف!
ضم شفتيه معًا بضيقٍ، واستدار يوجهها بنظرةٍ غاضبة:
-مفيش حد برة يا زينب، الظاهر إن أعصابك بايظة ومن كتر خوفك منه مبقتيش قادرة تشليه من تفكيرك.
أتكأت على الأرض بجذعيها، ونهضت تتجه إليه بخطواتٍ متهدجة، قائلة باصرارٍ:
-أنا شوفته يا سيف، كان برة صدقني.
ورفعت كم اسدالها تشير له على يدها، مستطردة:
-ومسكني من ايدي، حتى كانت زرقة دلوقتي، بص!
تطلع لمعصمها مثلما فعلت هي، فجحظت عينيها صدمةٍ، حينما لم وجدت جلدها باللون الطبيعي، عادت تتطلع له بأعين غائرة بالدموع ورأسها يهتز بحركة صغيرة:
-لأ! صدقني يا سيف يمان كان بره والله كان برة.
قالتها وأحاطت وجهها بكفيها، تبكي بانهيارٍ وخز قلبه له، فسحبها إليه بقوة، يحيطها داخل أحضانه، ويده تمر على طول ذراعه، ليمدها بالحرارة بعدما شعر ببرودة جسدها، من شدة الخوف.
ضم رقبتها بكفه الأخر، وهمس لها بصوتٍ حنونٍ:
-حبيبتي ميقدرش يمس منك شعرة وأنا جنبك ومعاكِ، خلاص يا زينب مبقتيش لوحدك في الحرب دي، أنا هنا وهفضل هنا على طول يا عمري.
وإتجه للأريكة يجلس عليها برفقتها، ومازالت تميل على صدره، نزع حجابها، وغمس أصابعه بين خصلاتها المبتلة، قائلًا بصوتٍ رخيمٍ:
-شليه من تفكيرك، إطرديه بره حياتنا يا زينب.
ورفع رأسها إليه، يتعمق بمُقلتيها الفاتنة، هاتفًا بصوتٍ منخفض:
-مبقاش في غيري أنا وإنتِ، مفيش غيرنا يا حبيبي!
وتابع ببسمة زادت من جاذبيته:
-طيب مش بعد الكلام الحلو ده تقومي تعمليلنا فطار ملوكي كده، ده احنا حتى عرسان جداد.
ابتسمت من بين دموعها، وهزت رأسها بخفةٍ، فمال يقبل جبينها وهو يزيد من طمأنينتها:
-حضري الفطار عما أكمل الشاور اللي حسداني عليه ده، ومتنسيش تشغلي القرآن في الشقة كل يوم الصبح على صوت الشيخ محمد رفعت أنا بحب كده.
اتسعت ابتسامتها، ونهضت تتجه لشاشة التلفاز، قائلة بسعادةٍ هاجمتها لوجوده:
-وأنا كمان بحبه جدًا، وفعلًا بعمل كده كل يوم.
ابتسم بمحبةٍ لها، سبق أن أخبرته كثيرًا بما تحب فعله صباح كل يوم، فاستغله الآن ليشغل عقلها عما يهاجمه، غادرت أمامه للمطبخ بحماسٍ لما ستصنعه له، وبمجرد اختفائها من أمامه، عاد الوجوم والغضب لملامحه، فأسرع لغرفة نومه، يجذب من مكتبه الحاسوب.
فتحه سيف وأعاد تسجيل الكاميرات الخارجية، فازداد تجهم معالمه غضبًا، كان يعلم منذ اللحظة الأولى بأنه سيحاول فعل أي شيء أحمق، والآن باتت خطته واضحة له.
جاب الغرفة ذهابًا وإيابًا، والغضب يحبس أوردته كالقنبلة المُوقتة، ذلك اللعين ليس سهلًا بالمرة، عقله شيطانيًا بدرجةٍ مخيفة.
أغلق سيف حاسوبه، وجذب هاتفه يبحث عن رقم علي الغرباوي، وما أن أجابه حتى قال:
-دكتور علي أنا محتاج أتكلم معاك ضروري.
اتاه صوته ومن حوله أصوات السيارات المجاورة له:
-وأخيرًا فتحت موبيلك، بعتلك كتير عشان اقولك إن أنو وفاطمة جاين ليكم.
هتف بحماسٍ:
-طيب كويس، تعالى لإني عايزك.
تساءل بريبةٍ من حديثه:
-في أيه يا سيف، قلقتني!
ضم مقدمة أنفه بيديه، واستطرد:
-مفيش موضوع بسيط، لما تيجي هكلمك فيه.
اجابه بتفهمٍ:
-نص ساعة بالكتير وهكون عندك إن شاء الله.
اغلق الهاتف ووضعه على الكومود، ثم اتجه لخزانته ينتقي ما يناسبة، قبل وصولهما.
سقط على المكتب من خلفه، يحاول فتح عينيه، عقله لا يستوعب أن ابن الشيخ مهران، يمتلك قبضة قوية هكذا، لقد سبق له أن قام بالاشراف على تدريبه بالجيم الرياضي الخاص به، ويعلم منظور كل شخصٍ قام بتدريبه، عاد يفتح عينيه من جديدٍ، في محاولةٍ لاستعادة ثباته، استند على سطح المكتب، وعاد يدعم وقفته، مستديرًا بغضبٍ للخلف.
رمش إيثان بعدم تصديق، فور أن رأى صديق آيوب، والذي انتظر قدومه بحماسٍ، تغاضى عن ذلك الأمر، وقابله بنظرةٍ غاضبة، بينما اصبعه يشير على الورم المجاور لشفتيه، هادرًا:
-فهمني أيه اللي عملته ده؟!
شمله بنظرة ساخطة، جابته من رأسه لأخمص قدميه، وببرودٍ استدار لأيوب الذي يحاول أدهم مساندته بالوقوف:
-مش أنا نبهت عليك وقولتلك متلعبش مع أولاد الشوارع يابن الشيخ مهران!
كبت أدهم ضحكاته، بينما عاد آيوب يهتف في عدم تصديق:
-عُمران! إنت نزلت مصر أمته؟
استدار إليه يواجهه ببسمة جذابة، فاذا بأيوب يحتضنه بحبٍ، والاخر يستقبله بترحابٍ، ربع أدهم يديه أمام صدره، ووقف يراقبهم بابتسامةٍ عذباء، بينما اشتعلت أعين إيثان غضبًا، واندفع يفصلهما قائلًا بسخريةٍ:
-نأجل أحضان العشق الممنوع ده، أنا ليا تار عنده ولازم أخلصه.
ابتلع آيوب ريقه بتوترٍ، وقال يحذره:
-بلاش يا إيثان، إنت مش قده!
تراقص حاجبيه من فرط الغيظ والغضب، فدفع آيوب تجاه أدهم الذي تلقفه مجددًا، وعاد عاقدًا العزم على أن يطيح غريمه، كور يده وصوب لكمته تجاه وجه عُمران، الذي يقابله بابتسامةٍ جامدة، ومازالت يحتفظ بنظارته السوداء.
اتجه إليه بيده المتكورة، فانحنى عُمران يتفادى لكمته، وسقط عليه بركلة، أصابت أسفل ظهره فأسقطته بمكتبه أرضًا أسفل أقدام يونس الذي يدلف للتو، بينما اعتدل عُمران يلتقط نظارته التي اطاحها انحناء جسده، وارتداها بغرورٍ.
تابع يونس ما يحدث باستغرابٍ، وانتقل بعينيه لابن عمه، يتساءل:
-أيه اللي بيحصل هنا ده؟
إتجه إليه آيوب يشكو له، كالصغير:.
-صاحبك مش ناوي يبطل حركاته المستفزة دي يا يونس، خليه يبعد عني عشان المرادي الطاووس الوقح هيسويه زي أسفلت الحارة.
اعتدل إيثان بجلسته للتو، مزيحًا أجزاء الطاولة المتناثرة من فوقه، واتكأ على ذراع يونس، حتى نهض يصيح:
-مش هحله الخواجة ده، هجيبه هجيبه.
دنى إليه عُمران، يردد بسخريةٍ:
-ما تجيني ولا الطريق مرهق عليك يا حيلتها!
راقب يونس من يقف قبالته، بنظرة متفحصة، تذكر تلك المكالمة التي سبقت ان جمعت آيوب برفيقه، ومال على آيوب يسأله بريبة:
-متأكد إن ده أخو دكتور علي الغرباوي؟
هز رأسه عدة مرات، يؤكد ذلك، بينما في الخلف يضم أدهم مقدمة انفه ليخفي وجهه المحمر من فرط الضحك.
ترك إيثان كتف يونس، واتجه لعمران، والغيظ يحشد جيوشه على معالمه، راقبه الاخير بضجرٍ، بقى ثابتًا محله، يحرك رقبته بمللٍ، وما أن وصل إليه إيثان حتى تنحي نصف استدارة فاذا به يقتحم الحائط بجسده كالكرة التي تتلقفها الشبكة بكل ترحابٍ!
أغلق يونس عينيه بشفقةٍ، وفتحهما ليقابل من يقف قبالته، تنحنح بتوترٍ وقال:
-أهلًا بيك.
وبصعوبة نطق ما قد يضع له العداء بينه وبين رفيقه:
-نورتنا!
اعتدل إيثان بجلسته، وجاهد ليفتح حدقتيه صارخًا:
-يونس يا حقير، بترحب بيه وهو معلم على صاحبك!
وتابع وهو يلتقط أنفاسه بعنف:
-ده بدل ما تمسك شومة وتروق الخواجة اللي شايف نفسه ده.
ردد عُمران جملته المعتادة:
-ميغركش لبس الخواجات ده، أنا أصلًا من العتبة!
فشل يونس بإبادة ابتسامته، ربما إن كان بوضعٍ أخر لكان غير راضيًا من معرفة ابن عمه بشخصيةٍ هكذا، ولكن للعجب أثار عُمران فضوله بشكلٍ غريبٍ.
اتجه يونس لأدهم الصامت، مال يهمس له:
-أيه يا حضرة الظابط، شايفك واقف بتتفرج في صمت، مش عادتك يعني!
ابتسم ساخرًا، وهتف:
-اللي قدامك ده نازلي من لندن بيدورلي على حجة عشان يفض الفرح قبل ما يبدأ، فانسى إنك تشوف مني أي شهامة ممكن تضيع مستقبلي مع شمس هانم.
تعالت ضحكات يونس، وتابع آيوب الذي يحاول معاونة إيثان بينما يتابعهما عُمران بملل على بعد منهما، وقال بهمس له بدهشةٍ:
-مش كاتب كتاب إنت!
شاكسه بسخريةٍ:.
-ولو دخلت بيتي لازم أقلق منه وحياتك!
ارتفعت ضحكاته بشكل جعل ايثان يتوعده بغضب، فاتجه يعاون آيوب بمساندته، سحب ايثان يده منه ولكزه ببطنه بكوع يده، هادرًا بغيظٍ:
-روح كمل ضحك على صاحبك، ابعد.
كبت ضحكاته بثباتٍ مخادع، وقال:
-أنا عملتلك أيه، الله!
عاد يلكزه ومازال يحتمل على ذراع آيوب:
-واقف تحب في الخواجة اللي علم على صاحبك الوحيد!
أشار على ذاته مستنكرًا:
-أنا! أنا كنت واقف مع حضرة الظابط واساله!
واستدار يطالب شهادته:
-مش صح يا آدهم؟
هز رأسه يؤكد ببسمة صاخبة، بينما تآوه يونس حينما عاد يلكزه بعنفٍ، هاتفًا:
-صوتك الحقير جايلي من هنا، بطل كدب، ده عندكم حرام ولا أيه يابن الشيخ مهران؟
ضحك آيوب وأكد له:
-صح يا إيثو.
لوى شفتيه بتهكمٍ، وقال:
-يعني اللي حصلك ده كله بسبب آيوب، وفي الآخر تقلب عليا أنا!
استجاب ليد آيوب وجلس على المقعد الخسبي يجيب يونس بمكرٍ:.
-كُل هيأخد نصيبه متقلقش، أصلب طولي وهظبطله فيديو هو والخواجة اللي جايبه ده، وهبعته لمراته ام سفيان هخليها تنزله على أول طيارة وتعلقه في نص الحي.
ترك آيوب يده، وهدر بانفعالٍ:
-مالكش دعوة بعلاقتي بسيف يا إيثان، وبعدين إنت اللي لسانك وحركاتك الطايشة اللي وصلتك هنا.
أشار له بتحذيرٍ:
-إنت بتعلي صوتك عليا!
هز رأسه ينفي ذلك، بينما من خلفه يؤكد الطاووس الوقح:
-أنا سمعته من برة يبقى عالي، تمامك أيه؟
وجذب آيوب ليقف قبالته، متسائلًا بسخرية:
-تحب تتشقط بأحضان أنهي حيطة المرادي؟!
دنى إليه أدهم يردد ببسمة ساخرة:
-كفايا عليه كده، إنت نسيت إنك جاي تشوف آيوب وده في العموم فعل خيري بعيدًا عن العنف يا بشمهندس!
منحه نظرة متفحصة، قبل أن يلتزم صمته، احتقنت اوردة إيثان، فنهض يجذب المطرقة جواره، وهم إليه، هاتفًا بعزمٍ:
-بقى إنت داخل لهنا تعلم عليا، مش هحلك النهاردة.
سقط آيوب على ذراعه، ويونس على الذراع الأخر، ومال إليه يُذكره:
-افتكر البوتيك الرجالي اللي عايز تفتحه يا إيثو، لو كونت عداء مع الخواجة مين هيساعدك؟
رمش بأهدابه يفكر فيما يقول بتمعنٍ، بينما استطرد آيوب يُحمسه:
-بص عليه كده، ذوقه شيك جدًا وإنت محتاج تستفاد من ده.
ارتخت معالمه قليلًا، وترك العصا ليونس، رفع إيثان عينيه لعمران الذي يتابعه بتسليةٍ، وقال:
-هعدهالك بس عشان ضيف، لكن آآ..
ومال يسأل يونس بتخبط:.
-لكن أيه؟
كبت ضحكاته وهو يجيبه:
-ملكنش يا إيثان، صلي على النبي كده واستهدى بالله..
عبث بملامحه كفاقد الذاكرة:
- أنا مسيحي يا عم!
وهتف بابتسامة مشاكسة:
-بتستغفلني وأنا متطوح؟
مازحه وهو يدعم وقفته المهتزة:
-هيبقى أنا وكريستينا عليك! كفايا هي غفلتك!
احتدت معالمه واستدار يبحث خلفه مرددًا:
-فين الشومة، في قتلين هنا النهاردة.
تركه آيوب وهو يردد بضجر:
-بص بقى أنا بحاول أهديك وإنت مش قابل، سلام انا.
وإتجه لعمران وآدهم يشير لهما بالدخول لمكتب يونس المنفرد، فاتبعوه للداخل، بينما بقى إيثان يجذب يونس من تلباب قميصه، صارخًا بحدة:
-بتعاريني يا يونس؟
انتهت ليلى من صنع العصير، وانشغلت بسكبه بالأكواب، فمالت فاطمة لشقيقتها تسألها باهتمامٍ:
-مالك يا زينب، وشك مش طبيعي من ساعة ما جينا؟
أجابتها وهي ترسم ابتسامة هادئة:
-مالي يا فطيمة، أنا كويسة جدًا، وسيف حد كويس جدًا حتى في طريقة تعامله معايا.
خشيت أن تضغط عليها، وخاصة بوجود زوجة يوسف، فضمتها لصدرها بحبٍ وهمست لها:
-هكلمك لما أروح، عشان نقدر نتكلم على راحتنا.
هزت رأسها بخفةٍ، وابتسامتها تجاهد لرسمها، خرجت ليلى حاملة للأكواب، وضعتها وجلست تردد ببسمتها البشوشة:
-نورتي الدنيا كلها يا فاطمة.
أجابتها ببسمة رقيقة:
-بنورك يا دكتورة.
قدمت لها الكوب، فحملته منها وهي تردد على استحياء:
-تعبتي نفسك ليه بس.
رددت بحبٍ:
-تعبك راحة يا روح قلبي.
تناولت منها زينب الكوب، وقالت باحترام وحب:
-بجد والله من غيرك كنت هحتاس.
واستدارت تخبر شقيقتها:
-دكتورة ليلى يا فاطمة مش سايباني، وبجد كل ما بحتاج شيء من قبل ما أطلبه بتكون مفكرة فيه.
ابتسمت فاطمة بمحبةٍ، وقالت بدعوةٍ صادقة:
-ربنا يخليكم لبعض يا رب.
أغلق سيف باب الشرفة الخارجية، تاركة زوجته برفقة شقيقتها وزوجة اخيه، واتجه للطاولة المستديرة، يجذب احد المقاعد المجاورة لأخيه الذي يتفحص الحاسوب برفقة علي.
أغلق علي الشاشة، وتمتم بضيق:
-الواد ده عايز يتحطله حد وبأسرع وقت.
هز يوسف رأسه، وقال بقلقٍ سيطر على ملامحه:
-قدر يعرف ازاي عنوانه، ووصل ازاي بالسرعة دي!
صاح سيف بانفعالٍ:
-وبعدين يعني، هستنى أيه تاني! ده جالي لحد باب بيتي يا يوسف!
استدار علي للخلف وأشار له:
-ممكن تهدى شوية، مش عايزين نلفت النظر للي بيحصل ده، زينب من غير حاجه متوترة وباين جدًا إنها بتحاول تكون طبيعية.
نظم انفاسه الهادرة، وردد بصوتٍ منخفض:.
-انا خايف يا دكتور علي، أنا مش هستحمل حد يأذيها.
ربت يوسف على يده بحنانٍ وأخبره:
-اهدى يا سيف، مفيش حاجة هتمسك ولا هتمسها.
اقترب علي بجسده للطاولة، وقال:
-سيف، ليه مبتفكرش تأخد زينب وتنزل مصر تغير جو، ومنه تتدارى بعيد عنه كام يوم.
صمت قليلًا يوازن ما أخبره به، وعاد بنظراته ليوسف بحزنٍ، قرأ ما يفكر فيه أخيه فربت مجددًا على كتفه، وقال:.
-مش هزعل، صدقني إنك هتكون في أمان إنت ومراتك ده يهمني أكتر من أي مشاعر هبلة، وكده كده أنا هحصلك، أحل بس حوار جمال وزوجته وهحصلك في أقرب وقت.
هز رأسه بضيقٍ، وقال:
-يومين أحضر الأوراق وهسافر كام يوم لحد ما أشوف هتخلص على أيه؟
نهض علي بخبره بابتسامته الجذابة:
-كل خير إن شاء الله، على الاقل أدهم موجود في مصر، لو فكر يعمل اي حاجه هيكون فايقله.
وحمل هاتفه ومفاتيحه مستأذنًا بالانصراف بلباقة:.
-بقالنا ساعتين هنا، مش يالا بينا يا دكتور يوسف ولا عاجبك نقطع على العريس من أولها كده؟
تعالت ضحكاته الرجولية، فنهض يتبعه هادرًا بمرحٍ:
-متقلقش على دكتور سيڤو في الجزئية دي.
شاركهما الضحك بالرغم من توتره حيال هذا الأمر، ولحق بهما للخارج.
إتجه نعمان لسيارته، منكس الرأس، يشعر بالهزيمة التي تحيطه لمرته الأولى، ومن خلفه يتبعه أفراد الأمن الخاص بحماية شركته، كان قد عينهما لحمايته بعد أن انتزع الشركة من عُمران، كان يظن بأنه سيفعل أي شيءٍ، ربما لإن تفكيره المسمم شرع له ذلك.
فتح له إحدى الرجلين باب سيارته، وما كاد بصعوده حتى أتاه صوتًا، ذكوريًا من خلفه:.
-خروجك مكسور بالشكل ده رمم كل وجع جوايا، بس يا خسارة موبيلي أغلي من إني أوثق الخلقة القذرة دي عندي، لوقت الشماتة وتشفية الغليل.
استدار للخلف ليتفاجئ بجمال قبالته، يستند على مقدمة سيارته واضعًا يديه بجيوب جاكيته، يتابعه بنظرة غمرتها التشفية والانتصار.
انتصب بوقفته وإتجه إليه، حتى بات يقف أمامه، واستطرد ببسمة ساخرة:.
-رافع إنت رأسنا هنا بالفيديو اللي نزل، بس المفروض تشكرني، انا دافع وموصي عليك بالاهتمام الحونين!
غدفت عدائية مُقلتيه واكتظمت بالكراهية والحقد، فصاح بعنفوان:
-بقى حتة واد جربوع زيك يآآ..
-اخرس، أنا أنضف منك ومن عشرة زيك يا حقير.
صرخ بوجهه يوقفه عن استكمال حديثه، ورفع اصبعه يحذره وجسده يرتعش من فرط كبته لغضبه العظيم:.
-أنا لحد اللحظة دي ايدي مرفوعة عنك، مش لانك راجل كبير وعايب، لانك مهما كان حامل نسب أعز صاحب ليا، مش هقدر أرفع ايدي عليك وأبص في وشه حتى لو كنت كلب وو
انتفخت أوردته حقدًا، فاستدار للرجلين يصرخ بهما:
-ماذا تنتظرون أيها الحمقى؟ هيا اقضوا عليه.
هاجموه معًا، فتأهب جمال للتصدي لهما، ولكن قبل أن تمسه الأيدي، توقفت سيارة فاخرة امامهم، وهبط منها أربعة رجال ببنية مخيفة، أحاط اثنين منهم جمال بشكلٍ دائري، بينما هاجم الرجلين رجال نعمان المندهش مما يحدث.
ابرحوهما ضربًا، فسقطوا ينزفون بغزارةٍ، أما نعمان فتراجع للخلف برعبٍ، وأراد أن يصعد للسيارة ليفر هاربًا، ولكن قبل أن يصل لباب السيارة، أغلقه أحدهما وقال بخشونةٍ مرعبة:.
-اتفضل معانا يا باشا، بهدوءٍ ومن غير شوشرة.
ابتلع ريقه الجاف بصعوبة، فجاهد لخروج صوته:
-على فين؟ وانتوا مين؟
تجاهل أسئلته، كأنه حشرة، وقال:
-معانا أوامر بترحيلك لمصر حالًا، ووقت وصولك هتلاقي اللي في انتظارك.
تعجب جمال مما يحدث، وخصوصًا من ظهورهم الذي يبدو له بأنهم كانوا يتعقبونه من البدايةٍ، انفعل نعمان وقال:
-أوامر من مين؟
جذبه أحد الرجال للسيارة، قائلًا:
-اتفضل معانا والا هنضطر نلجئ للقوة.
ارتعب من نبرته ونظراته الخطيرة، فصعد باستسلام للسيارة، وصعد الرجلين من الطرفين، متعمدين احكام اي محاولة هروبه، وبالامام صعد أحد الرجلين المحاصران لجمال لمقعد القيادة، وقال الآخر بلطفٍ:
-بشمهندس جمال، اتفضل حضرتك لعربيتك واتحرك عشان نطمن إن حضرتك بأمان ونقدر نتحرك.
بدأت له الخطوط بالظهور، فقال:
-انتوا مين؟ وكنتوا بترقبوني ليه؟
اجابه بتحفظٍ شديد:
-معنديش أوامر أبلغ حضرتك بأكتر من كده.
زوى حاجبيه بدهشةٍ، وقال:
-عُمران اللي عمل كده صح؟
صمته المطول كان اجابة صريحه على سؤاله، جذب جمال هاتفه واتصل بعُمران، مرة، مرتين، ثلاث مرات، ولا يوجد أي رد.
أبعد الهاتف عن أذنه، يتابعه بنظرات مندهشة، ومازال الحارس يقف قبالته، ينتظر مغادرته للمكان تحسبًا لسلامته، تصاعد رنين هاتف الحارس، فرفعه وهو يردد بوقار:
-أيوه يا باشا.
لأ محدش لمسه، اطمن كله تحت السيطرة.
ضيق عينيه بنظرة مستنكرة، فانتزع منه الهاتف، يراقب اسم المتصل بحزنٍ، لقد رفض اجابته وفضل الاطمئنان عليه عن طريق أحد رجاله، اذًا مازال غير قابل لأسفه، فلماذا خدعه؟
رفع الهاتف لاذنه، فاستمع لصوته يشدد بحزمٍ:
-أمن جمال وخرجه من عندك، مهما حصل متطلعش من مقر الشركة الا لما تتأكد إنه مشي، وإن نعمان معاك وتحت سيطرتك، مفهوم؟
تحرر صوته الحزين، يردد بانكسارٍ:
-تهمك في أيه سلامتي وإنت مش قابل تسامحني؟
قابله بصمتٍ مزق قلب جمال، فتابع جمال بنبرة تحشرجت من فرط كبته دموعه:
-خدعتني ليه يا عُمران؟ عشان أسيبك تسافر صح!
تنهد بألمٍ، وقال:
-وبعدين معاك يا جمال، مش قولتلك هحتاج وقت؟
انهمرت دموعه رغمًا عنه، فاستدار للخلف حتى لا يرى أحدٌ دموعه، وقال:
-مش عايزك تأخد أي وقت، مش عايزك تفكر في اللي حصل ولا تفتكره أصلًا.
واستطرد بنبرته المبحوحة:.
-عُمران، هو إنت ممكن تسامحني لو دعيت ربنا إنك تفقد الذاكرة ويتمحى الموقف ده من ذكرياتك!
وتابع بانهيارٍ تام:
-وجعك وجعني يا صاحبي!
تمكن جمال من سماع شهقاتٍ يحاول الأخير كبتها، ولكنه يعلم جيدًا بأنه يبكي، فقال بوجعٍ:
-خلاص زي ما تحب، المهم تكون كويس وبخير.
وتابع ببسمةٍ يجاهد برسمها:
-إنت بتحب آيوب وبترتحله، روحله يمكن يهون عليك اللي عملته أنا فيك.
تحرر صوت عمران المتحشرج يقول:.
-ولو صاحبت طوب الأرض إنت في مكان لوحدك، مفيش حد هيوصل ليه أبدًا يا عبحليم!
انقلب بكائه لضحكٍ، فأزاح دموعه متسائلًا بمزحٍ:
-طيب هترجعني لعصمتك أمته يا سي السيد؟
سقط الاخير بنوبة من الضحك، وقال:
-أقسم بالله لو ما بينا عيش وملح لكنت إتبريت منك ومنكم كلكم نفر نفر، بس هعمل أيه إنتوا قفشين في رقبتي كأني أمكم التانية.
واستطرد بهدوءٍ اجتازه:
-يلا روح ريحلك كام ساعة، وشوف هتصالح مراتك ازاي.
أسرع يتساءل في لهفةٍ:.
-طيب هتكلمني تاني أمته؟
زفر عُمران، وهدر بانفعال:
-ما خلاص بقى يا جمال، هو أنا سايب عيل بيرضع ورايا! وبعدين عشان تكون في الصورة أنا بكره معزوم عند أشرقت، بقولك من دلوقتي عشان متستغلش ده وتهري أمي رن بكره، لو عملتها هظرف أمك بلوك فوري.
واسترسل يأمره:
-اقفل بقى وشوف مراتك وابنك، صحيح هتوفي بوعدك ولا هتطلع بجم؟
ضحك وقال:
-وفيت وبقى عُمران جمال بهجت.
سحب نفسًا مطولًا، زفره على مهلٍ وقال:.
-ربنا يباركلك فيه ويطلع على قدر من الاحترام ده لو فلت من تحت ايدي يعني!
تلاشت ابتسامته، وقال بجدية تامة:
-مهما حاولت تهزر وتضحك، حاسس بوجعك وبعجزي معاه، أنا عاجز أخففلك وجع أنا السبب فيه!
وبرجاءٍ شديد قال:
-هو إنت ممكن تنسى اللي حصل في يوم من الأيام؟
طال صمته، وازدرد انفاسه الثقيلة يخبره:
-روح راضي مراتك ورجع ابنك لحضنك يا جمال.
قالها وأغلق الهاتف على الفور، سالبًا قلب الاخير النازف، استدار يمنحه الهاتف واتجه لسيارته بآليةٍ تامة.
فور انتهاء المكالمه استدار يعود حيث محل اجتماع الشباب، جذب المقعد وجلس بوجهٍ يلوح به الحزن كالشراعٍ، لاحظ آيوب معالمه، فتساءل باستغراب:
-مالك يا عمران؟
وتساءل بشكٍ:
-هو بشمهندس جمال كويس؟
هز رأسه وهو يرسم ابتسامة هادئة:
-كويس يا آيوب الحمدلله.
فتح يونس باب المكتب، وولج للداخل يضم إيثان أسفل يده، يردد بابتسامة واسعة:
-كابتن إيثو جاي بنفسه يصالحك يا بشمهندس.
سدد له إيثان نظرة مستشيطة، فمال يهمس له:
-البوتيك يا إيثو.
زفر وردد على مضضٍ:
-متزعلش، أنا بحب أرخم على آيوب شوية.
رفع قدمًا فوق الاخرى، ومال يستند على كفه ناطقًا بثباتٍ مستفز:
-ده وأنا بره مصر، لكن دلوقتي إنت مجبر تحترمه، وتسحب رخامتك وبرودك ده لحد معندوش اللي يعز عليه.
اتسعت ابتسامة آيوب فرحة، فوقف خلف مقعد عُمران يلف يديه ويتراقص، متعمدًا اغاظة إيثان، الذي يراقبه بآعين مشتعلة، بينما تتسع ابتسامة آدهم، فنزع هاتفه يراقب الرسالة المرسلة له باهتمامٍ، نهض يستأذن قائلًا:
-في مشوار مهم لازم اعمله، هتيجي أوصلك بطريقي يا عمران؟
أجابه عُمران وعينيه مازالت تقابل ايثان:
-هقعد مع آيوب شوية، متقلقش عارف طريق الرجوع.
ردد آيوب باصرارٍ:.
-مستحيل هسيبك تمشي، إنت هتبات معايا اليومين دول قبل ما أسافر عشان اسبوع امتحاناتي.
جذب أدهم أحد هواتفه، وقدمه لعمران قائلًا:
-ده فيه خط مصري، خليه معاك عشان أكون على تواصل معاك.
هز رأسه بخفة وتناول الهاتف يضعه بجيب جاكيته، ردد أدهم في حبور:
-عن إذنكم.
قالها وغادر، ومن خلفه آيوب الذي ركض حتى اوقفه قبل صعوده للسيارة، استدار، يقابله، فقال بانزعاجٍ:
-ماشي بدري كده ليه يا حضرة الظابط؟
اغلق أدهم باب السيارة وقال بابتسامةٍ هادئة:
-عندي مشوار مهم يا آيوب، وبعدين عايز أيه من حضرة الظابط ما الطاووس بوقاحته كلها نزلك!
صعدت قدمه على اطار السيارة، حتى جلس على مقدمتها، وقال بضحكة مرحة:
-عمران صاحبي بس إنت أبويا.
زوى حاجبيه بسخطٍ:
-أبوك! مكنوش 9 سنين فرق دول!
هدأت ضحكاته، وقال بجدية:
-والله ده اللي يحسه من نحيتك، بحس إن معزتي ليك زي يونس أو بابا كده، مش قادر أشوفك صديق.
ارتسم الألم على ملامح وجهه، فتصنع الثبات وهو يجيبه:
-حطني في المكانة اللي تحبها، أنا جنبك وهفضل معاك على طول.
تعمق بالتطلع له، وقال بحيرة مضحكة:
-أنا خايف من اللي بحسه تجاهك، حاسس إنه هيقلب فيلم هندي وهتطلع أخويا في الآخر.
قالها وانفجر من الضحك، على عكس أدهم الذي جاهد ليحتفظ بابتسامته الصغيرة، فأراد أن يهرب من مواجهته، فقال بحزم جاهد له:
-طيب انزل من على العربية، خليني ألحق مشواري.
هبط آيوب، واتجه ادهم للسيارة سريعًا، وقبل أن يشغل محركه وجد آيوب يطل من النافذة ويخبره بمزحٍ:
-من ساعة ما نزلنا من لندن وبطلت تقولي يابن الشيخ مهران! هل ده معناه انك أخدت عليا بزيادة وهتقولي ياض ولا أعتبرك حبيت اسمي فجأة؟
اهتز جسد أدهم والحزن يتمكن منه، فقال بخشونة وهو يتصنع انشغاله بتشغيل السيارة:
-أنا هتأخر كده والقائد هيجازيني بسببك.
وتابع يشير له:
-روح شوف الخواجة بدل ما يقتل صاحبكم ده.
انتبه آيوب لكلماته، وصاح بدهشة:
-أنا نسيته اصلا، أبقى كلمني لما ترجع.
قالها وركض للمحلات، قاصدًا مكتب يونس، بينما تحرك أدهم بسيارته على الفور، وكل ما يشغل عقله، ماذا سيفعل آيوب حينما يعلم الحقيقة؟ الايام تمضي ولم يتبقى عن اختباراته سوى القليل، كيف سيتقبل الامر؟
صعدت فريدة للأعلى، تتبع خطواته، وأعينها معصوبة، تستمع لصوته الرجولي الدافئ:
-شوية كمان هنا، براڤوو.
زفرت بنفاذ صبر، هتفت:.
-إنت واخدني على فين يا أحمد!
مرر إبهاميه على كفيها الرقيقان، وقال يحمسها:
-هانت ونوصل يا قلبي.
تتابعته على مضضٍ، حتى أحاطها بذراعيه، يهمس لها بصوته الرخيم:
-هنا بالظبط.
وقفت محلها تراقب ما سيفعله، شعرت بأنفاسه القريبة منها، فعلمت بأنه يقابلها بوقفته الآن، شدد أحمد على كفيها وقال بسعادة ملموسة بصوته الحماسي:.
-من يوم ما افترقنا وأنا حياتي كلها وقفت، كنت بصبر نفسي إن أكيد هيجي وقت وهنسى، بقول مش كل اللي افترق عن حبيبه مات في بعده، بس أنا مت يا فريدة!
واستطرد بألمٍ كالعلقم بفمه:
- السنين كانت بتعدي عليا، وأنا لا قادر أنسى ولا أقادر أخمد وجعي، استسلمت إنك هتكونلي في يوم من الأيام.
وتابع وهو يقبل كفيها:
-بس ربنا سبحانه وتعالى كافئني بيكِ بعد صبر، وكملها معايا ووهبني طفل منك إنتِ يا فريدة.
انهمرت دموعها من أسفل الشاش الأسود، المحيط لعينيها، فازدردت صوتها الهامس:
-ليه بتقول كده يا أحمد؟
أزاح عنها العصبة، ومنحها ابتسامة طيبت وجعها الذي أيقظه داخلها، قائلًا بعشق:
-عشان اللي فات اتردم ومش هيبقى فيه غير الحلو اللي بينا وبس يا فريدة هانم.
اتسعت ابتسامتها وهي تتأمل الغرفة التي أعدها بالكامل، لاستقبال المولود، أعادها سنواتًا من عمرها، وكأنها مازالت المرآة التي تحتفل بأول طفل لها، وكأنها لم تنجب من قبل.
مررت عينيها على السرير الصغير الذي يتوسط الغرفة، والأخر الذي يعلو لصعوده درج عريض، باللون الوردي، يزاحمه الكثير من العرائس والألعاب، وعلى أحد الاطراف بيانو وردي اللون، ومكتبة صغيرة.
جذب انتباهها اللون الوردي الذي يكسو أغلب ملامحه الغرفة، فاستدارت تتساءل بمكرٍ:
-اشمعنا البينك!
ودنت إليه تسأله ببسمة رقيقة:
-إنت عايز بنت يا أحمد باشا؟
أحاطها بيده والاخرى تضم وجهها بحب:
-شبهك، عايز بنت شبهك يا فريدة.
واستطرد وهو يتطلع لعينيها بهيامٍ:
-نفس لون عيونك اللي مداوباني دول.
لمس خصلات شعرها، مستكملًا:
-نفس لون شعرك.
وتابع بعشقٍ صريح:
-عايزها تشاركك كل حاجة فيكِ.
انزوت بأحضانه بفرحةٍ أدمعت عينيها، ضمها إليه وهو يقبل رأسها بحبٍ، بينما تهمس له على استحياءٍ:
-أنت دواء تعبي النفسي اللي عشته طول السنين اللي فاتت.
وابتعدت تطالعه بنظراتٍ جسدت عشقه بحرفيةٍ، أزاحت دموعها وهي تخبره بابتسامة:
-تعرف إني كنت هكمل علاجي عند علي، وانتظرني كتير أروحله بس مرحتش، عارف ليه؟
هز رأسه ينفي وعينيه غائرة بدموع فرحته بحديثها:.
-عشان وجودك جنبي شفاني من كل اللي أخوك عمله فيا يا أحمد، لدرجة إني بقيت قادرة أسامح وأغفر، لو أنت التمن لصبري ومعاناتي معاه فأنا والله مسامحه!
احاط رقبتها بيده، يقربها إليه بقوةٍ، بينما تتمسك هي به، كأنهما يتعاهدان الا يفترقان مجددًا، ولو تعاهد القدر سيحاربان معًا للبقاء على قيد الحياة، وما قربهما الا حياة!
عاد يحمل أكواب القهوة الساخنة بين ييديه، قدمه لها وصعد على مقدمة السيارة جوارها، حملت الكوب منه ويديها تفركان ببعضهما من فرط البرودة، فسألها باهتمامٍ:
-تحبي ندخل العربية؟
أشارت فاطمة نافية:
-لأ، أنا حابة المنظر هنا، بس الجو برد شوية.
منحها ابتسامة عاشقة، ترك علي كوبه على سقف السيارة العلوي، وهبط ينزع عنه البالطو الجلدي، الذي يرتديه، عاد يجلس جوارها ويداثرها به بحنانٍ، ضمته فاطمة حولها فقالت وهي تمنحه ابتسامة مرحى:
-مش خايف تتعب يا دكتور؟
رفع رماديته لها وقال بعاطفة أججت مشاعره إليها:
-فداكِ يا عمر الدكتور.
وتابع يشاكسها، بضحكة عالية:.
-وبعدين الدكتور اتمرمط واتسحل ورا قفل الأبواب في وشه، ما صدق إن اتفتحله باب واحد فيهم، تفتكري هيفرط فيه؟
ضحكت بقوة فور تذكرها غلقها للباب باستمرارٍ بوجهه، شاركها الضحك وقال:
-أنا بحمد ربنا إن الوقح أخويا ميعلمش بقفلة الأبواب دي، لإنه لو عرف كان زلني قدام عيلة الغرباوي كلها.
أحاطت جاكيته بحب، يتلألأ بمُقلتيها، وقالت:
-عُمران شخص لطيف جدًا على فكرة، مش زي ما إنت أو أنكل أحمد بتتكلموا عنه.
هز رأسه وبابتسامته الساحرة، أخبرها:
-مهو ليه ميت وش، محدش يقدر يجزم إن ده طباعه الدايمة.
وتنهد بحزنٍ فشل باخفاءه:
-أنا بفتقده جدًا لما بيغيب طول اليوم في الشغل، ما بالك بسفره بعيد عني!
وتابع وقد تأثرت بما يقصه:.
-اتعودت أسافر مؤتمرات كتيره، بروح كل مكان وبرجع وأنا على ثقة إنه موجود، وقايم بواجباني على أكمل وجه، لما كنا بننزل مصر كنا بننزل مع بعض، المرادي فراقه صعب، يمكن عشان أنا عارف إنه مسافر وهو موجوع.
انكمشت تعابيرها بحزنٍ، وقالت:
-اللي حكيتهولي مكنش سهل يا علي، بس اللي مفهمتوش إزاي خالك قدر يعمل كده؟
عصف قبضته بعصبية، واختنق صوته وهو يقول:.
-من طول عمره وهو كده، كل مرة بنستهون بحقده بتكون قرصته أصعب من الأول، بس المرادي القضيا.
ربع يديه لصدره، واستند بظهره على زجاج السيارة الأمامي، يتابع الأشجار من حوله بتمعنٍ، بينما تضم جاكيته بكل محبةٍ.
قبض عليها فوجدها تدمس أنفها بالجاكيت، كأنها تستمد جرعة أكسجين الحياة، تلقفها إليه، يضمها بحبٍ، وقال يشاكسها بهمسه المغري:
-قولتلك الأمان في حضني أنا، مش في ريحة البرفيوم!
كانت السيارة شاهد قوي لغرام طبيبًا وقع في حب مريضته منذ النظرة الأولى، وكانت أيضًا تشهد على ذلك المجروح الذي قضى ساعات يغفو على الدريكسون وعينيه تتابع الشقة التي تقطن بها زوجته وابنه.
انهمر الدمع من آعين جمال، وهو يتابع ضوء الغرفة مفتوح، تتبع يوسف حتى وجده يصعد لها الآن برفقة زوجته، فصف سيارته بعيدًا عن مدخل المبنى، وراقب الشرفة بألمٍ.
يفصله عن ابنه وزوجته بضعة خطوات، لا يقوى على قطعها، فأغلق عينيه يسترخي بجلسته بعد أن حقق انتصارًا حافلًا على من سحق شرفه وطال بظلمه صديقه.
جلس جوارهم على طاولة الطعام، كانت تضم أنواع عديدة من الأطعمة الشهية، والأفضل من كل ذلك، رؤية وجه هذا الشيخ البشوش، الذي ما أن قابله حتى غمره بالأحضان، معبرًا عن امتنانه اما فعله مع ابنه بالغربة.
تطلع عُمران للشيخ مهران باعجابٍ شديد، ملامحه الطيبة بشوشة للغاية، كرمه وحسن ضيافته كانت بارزة منذ لحظة استقباله، ولج إيثان للداخل بعدما طرق الباب مرتين، فأشار له الشيخ مهران:
-تعالى يا إيثان ادخل.
جذب يونس المقعد وقربه للطاولة قائلًا:
-اقعد، الاكل برد!
جلس على المقعد جوار آيوب يحدج عُمران بنظرةٍ شرسة، بينما الاخير يبتسم له ببرودٍ، لاحظ الشيخ مهران الورم المجاور لفمه، فتساءل بدهشةٍ:.
-أيه اللي عمل فيك كده يابني؟
تطلع لمن يقابله بنظرة عنيفة، وقال من بين اصطكاك أسنانه:
-بعد عنك يا عم الشيخ البقرة اللي جابها متولي الجزار عشان يدبحها فكت الحبل وزقتني في الحيطة.
ضحك يونس وآيوب بشدةٍ، بينما تابع عمران تناول طعامه بجمود تام، جعل الاخير يراقبه بغيظٍ، قرب الشيخ أطباق الطعام إليه وأشار له:
-مبتكلش ليه يابني، أوعى يكون مش عاجبك أكلنا؟
رسم ابتسامة هادئة، وقال:.
-بالعكس والله أنا أكلت كتير جدًا، تسلم إيد ست الكل.
برق إيثان بدهشة من اسلوبه الرقيق بالتعامل، عكس شخصه الهمجي، فردد بسخطٍ:
-ابن ناس اوي!
مال آيوب يخبره بشماتة:
-جدًا، وعلى فكرة مبينساش حقه.
أحاطه بنظرةٍ قاتلة، ويده تغمس الملعقة بالطاولة، فتنحنح عمران يخبره بهدوءٍ بريء:.
-ألف سلامة عليك يا أستاذ إيثان، بس خد بالك بعد كده وإنت بتعدي من قدام محل الجزارة، الله أعلم المرة الجاية يمكن تلاقي مثلًا طور يفرمك ويساويك بأسفلت الحارة، لازم تكون حريص!
واستدار يردد ببراءة مخادعة:
-مش كده ولا أيه يا شيخ مهران؟
ابتسم الشيخ وقال:
-كده يابني، الانسان لازم يكون حذر!
فشل يونس بكبت ضحكاته، فضحك وهو يتابع وجه إيثان الواشك على الانفجار، وخاصة بإنه ترك مقعده واتجه ليجاوره هو، كأنه ينفذ رسالة عمران المبطنة ببعده عن آيوب.
ولج فارس للداخل، حاملًا زجاجات المياه، وضعها على الطاولة، واتجه يجلس على ساق أبيه، يراقب من أمامه بنظراتٍ شملت الاعجاب، فمال إليه يهمس بصوتٍ كان مسموع لآيوب الذي يجاور أبيه:
-عمو ده مز أوي يا بابا؟
احتقنت معالم إيثان وهو يرمق غريمه، فلكز يونس بعتف:.
-شوف ابنك لاعلقه في مروحة السقف.
سيطر تلك المرة على ضحكاته وقال:
-هفهمه حاضر.
ومال يهمس لابنه:
-بس يا فارس، الضيف هيسمعك عيب!
ضحك آيوب وردد بسخرية:
-عيب ليه هو بيذم فيه، بيقولك مز!
منحه ايثان نظرة متوعدة، فمنحه قبلة بالهواء، وانتبه لفارس يسأله:
-صاحبك ده يا آيوب؟
هز رأسه مؤكدًا بغرور:
-آيوه صاحبي، ومن لندن كمان.
عاد يتساءل وهو يراقبه يتحدث مع الشيخ مهران على مقدمة الطاولة:
-اسمه أيه يا آيوب؟
جذب يونس ملعقة الشوربة، يضعها بفمه ليكف عن الحديث بينما نظرات ايثان تشتعل كالجمرات، وبحزمٍ قال:
-مش قولنا متتكلمش على الاكل وتبطل تقول آيوب كده تاني، إسمه عمو!
اختطفه آيوب وأجلسه على ساقيه، هادرًا بانفعالٍ لابن عمه:
-إنت مالك يا يونس، أنا اللي قايله يناديني كده، مش عايز أكبر يا أخي أنا حر!
ونهض يحمله على ذراعيه، متجهًا للمقعد المجاور لعمران، جلس جواره وأشار على الصغير ببسمته الجذابة:.
-ده فارس ابن يونس يا عُمران، وشكله كده معجب من معجبين الطاووس الوقح.
منحه نظرة تحذيريه وهو يتنحنح أمام الشيخ باحراجٍ، جعل آيوب يبتلع ريقه بخوفٍ منه، وتابع قائلًا ليبدد ما سبق قوله:
-ده إسمه البشمهندس عُمران سالم الغرباوي يا كابتن فارس.
منحه عُمران ابتسامة هادئة، وجذب منديلًا ورقيًا يجفف يده، ثم قدم كفه يصافح الصغير بحرارةٍ:
-أهلًا بالجميل.
صافحه الصغير بسعادةٍ، وقال بعفوية:.
-ده إنت اللي جميل اوي يا عمو، وعينك لونها حلو ما شاء الله.
وتابع رافعًا يده للشيخ مهران، يبرر:
-بقول ما شاء الله اهو عشان محسدوش يا جدو
ضحكوا جميعًا ومازالت نظرات إيثان تهاجمه، نهض عُمران يردد بحرجٍ:
-الحمد لله، أنا شبعت.
نهض الشيخ يشير على طبقه:
-فين ده يابني طبقك لسه زي ما هو؟
التهم إيثان ما بمعلقته، وهو يردد ببرودٍ:.
-هتلاقيه عامل دايت وخايف على وزنه، لكن اللي زينا مبيهموش، بتقل براحته ويحرقه على الأجهزة، باين البشمهندس راجع مرهق من السفر ومش حمل لعب الاجهزة.
تمعن بالتطلع له بنظرةٍ ثابتة، بينما شفتيه تنجبر ببسمة صغيرة، يعلم بأنه يستفذه ليخرج وحشه الوقح قبالة الشيخ، ففجأه حينما قال:.
-ربنا يهديك ويصلح حالك يا أخ إيثان، أنا خايف تفوتني صلاة المغرب جماعة في المسجد مع الشيخ مهران، ولو على الأجهزة، فصاحبك بيعشق الحديد، والاوزان التقيلة، نعوضها في يوم تاخدني وتعزمني على أكلة دسمة ونطلع على الأجهزة مع بعض.
وتابع بغمزة ساخرة، رغم جدية نبرته الواصلة للشيخ من خلفه:.
-معرفش ليه من أول ما شوفتك وأنا حاسس إني بحبك لله في الله كده يا اخي، فعلا في خلق تشوفها تحس إنها عشرة عمر، واحنا سبق واتعرفنا في محل المعلم يونس من شوية، وكلنا عيش وملح دلوقتي مع بعض، هعوز أيه أكتر من كده عشان أحبك مثلًا
واشار للشيخ وهو يتجه للخروج:
-يلا يا شيخنا عشان نلحق الصلاة.
ابتسم الشيخ وجذب سبحته واتبعه يردد:
-بينا يابني.
وأشار لابنه وابن شقيقه، قائلًا:
-خلصوا أكل وحصلونا على المسجد.
خرج عمران برفقة الشيخ مهران، وتبقى إيثان الذي مازال يتطلع لمحل عمران الفارغ بصدمة، بينما اتسعت ابتسامة يونس بالاعجاب، ومال لآيوب يخبره:
-أيه الشخص الجامد ده، ده هيجيب لإيثو صدمة عصبية!
كبت ضحكاته وقال يهمس له:
-ماله وشه قلب ألوان كدليه، قوم خده الصيدلية بسرعة، باين ضغطه علي!
أشار بلا مبالاة وقال بجدية مضحكة:
-فكك منه ده بسبع أرواح، وقولي إنت اتعرفت على عُمران ده ازاي؟
واستطرد بفضول:.
-شخصيته ملفتة أوي، قولي كل حاجه عنه وبالتفاصيل!
-وبعدين يعني يا أدهم، مش هتبطل لف ودوران عليا!
قالها مراد بغضبٍ شرس، وهو يطرق الطاولة الفاصلة بينهما، بينما يحاول أدهم الحفاظ على ثباته وقال:
-أنا مش فاهم أيه اللي معصب حضرتك بالشكل ده؟ كل ده عشان بقول لحضرتك إني سمعت نصيحتك واهتميت بتفاصيل الفرح، وهسافر على طول انا وزوجتي لميلانو؟
منحه نظرة جعلته يبتلع ريقه بارتباكٍ، وخاصة حينما مال يضم كفيه على الطاولةٍ:
-واشمعنا ميلانو؟!
حافظ على ثباته، وهو يجيبه:
-زوجتي اللي مختارها، وأنا طبيعي وافقت على المكان اللي هي نفسها تزوره، ده فيه شيء يزعل حضرتك أو القادة مني!
دعس شفتيه السفلية بين أسنانه، ونهض يقترب إليه بخطواتٍ ثقيلة، زادت من ارتباكه، انحنى إليه وتطلع له مباشرة وهو يعيد بنبرة أشد خطورة:
-هعيد لأخر مرة، اشمعنا ميلانو يا أدهم؟
تصنع عدم معرفته بما يقول، وردد بدهشة:
-هو في حاجة يا باشا؟ لو انا ممنوع من السفر عرفني؟
استند بذراعيه على ذراعي المقعد خاصته، وردد بهدوء مخيف:
-أنا اللي دربتك وعرفتك امته تستخدم ذكائك، وامته تلف وتدور، فيوم ما تحاول تخش في تحدي معايا افتكر إني أستاذك وقائدك!
اهتزت مقلتيه قبالته، بينما نصب الجوكر عوده وقال:
-أنا عارف إن في حاجه بينك وبين رحيم، واللي مطمني إن المهمة مش في ميلانو أصلا.
واتجه لمقعده، يجلس واضعًا ساقًا فوق الاخرى:
-أنا جبتك هنا النهاردة، عشان لو شميت إنك اشتركت في المهمة دي من قريب أو من بعيد يبقى وصلك تحذيري المسبق للي هعمله معاك.
جف حلقه رعبًا مما استمع إليه، فاشار مراد بزورقة عينيه للباب:
-روح كمل ترتيبات فرحك يا آآ، يا عريس!
نهض عن المقعد وغادر للخارج، يقتبس النظرات المرتبكة إليه، لا يخشاه أكثر مما يخشى أن يفعل شيئًا يضايقه، العلاقة بينهما غامضة حتى على الاسطورة، الذي حاول فهم طبيعة علاقة أخيه به، ولكنه يعلم بأن هناك مشاعر نبيلة بينهما.
وقف عمران أمام المسجد بالخارج برفقة يونس وآيوب، بعد صلاة المغرب، وما أن وجدهما يستعدان للرحيل حتى تساءل باستغراب:
-والشيخ مهران؟
ابتسم آيوب وأجابه:.
- الشيخ مهران بيدي دروس بالمسجد بعد صلاة المغرب لطلاب الأزهر يا عمران.
نزع حذائه وولج مجددًا يراقب المسجد، ابتسم عمران والحزن يزحف لعينيه رغم ابتسامته، حينما رآه يجلس أرضًا، ويلتف من حوله عدد من التلاميذ، كانوا يتشاركون بصف الصلاة جواره، والآن يحيطونه بحبٍ.
خرج إليهما مجددًا، فلف آيوب ذراعه حول كتفه، وبحماسٍ سأله:
-قولي بقى عايز تروح فين وأنا معاك؟
استرخت معالمه، فمنذ اللحظة التي وطأت قدميه حارة الشيخ مهران، وهو يشعر براحة وصفاء، ازداد بدخوله لمنزله.
وقفوا امام عمارة الشيخ مهران، فرفع عُمران بصره للأعلى، وقال:
-عايز اطلع عند البرج ده لو ينفع؟
رفعوا رؤؤسهما للأعلى، وقال يونس مبتسمًا:
-عند الحمام تقصد؟
هز رأسه بحماس، فضحك آيوب وقال:
-إنت مُصر تحتك ليه بإيثان.
عاد ببصره إليه، متسائلًا بعدم فهم:
-ماله بالبرج، مش ده بيتك؟
تمادت ضحكاته الرجولية، فرد عليه يونس:
-أيوه بس إيثان مسيطر على السطوح، وعامل فيها البرج لإن والدته بتكره الحمام، كل ما بيعمل البرج فوق عمارتهم بتطلع تهده وتطفش الحمام، لحد ما الشيخ مهران قاله يجبهم عندنا فوق.
وضع يديه بجيوب جاكيته، وقال باصرار عنيد:
-حابب أشوفه.
هم آيوب للداخل، وقال:
-يارب يكون مشي، تعالى!
صعد عُمران خلفه للاعلى، واتباعهما يونس، وصلوا للطابق الاخير من البناء المرتفع، فوقف آيوب جوار عُمران يلتقط انفاسه، بينما تسلل لهما صوت إيثان، الذي يغفو على الأريكة الخشبية المحاطة بمرتبة من القطن، واضعًا قدمًا فوق الاخرى ويصيح بانفعال:
-يعني أيه مش راضية بيا! هي نسيت نفسها ولا أيه يا ماما؟ كلمي خالتي وقوليلها تضغط عليها.
وتابع وهو يحرك قدمه بعصبيةٍ:.
-أمال كانت نازلة رفض في العرسان ليه، مانا عارف إنها كانت بتعمل كده عشان مستنياني أحن ولما اتنيلت وحنيت بتشوف نفسها عليا بنت إيفون!
وعدل من جاكيته الرياضي، مستطردًا:
-هي تطول إني أتقدملها ومرتين! تفوق لنفسها.
وأضاف بعدما اعتدل بجلسته:
-لا بصي الكلام في التليفونات ده لا هيقدم ولا هيأخر، خدي بعضك واطلعي على خالتي، إديهملهم هما الاتنين وارجعي على طول.
سلام.
اغلق الهاتف وابتسامة الغرور تحفل على وجهه، فتسلل له صوتًا غليظًا يهتف:
-ده مش عايز بقرة تنطحه، ده عايز لودر يدوس فوقه أربع مرات!
احتدت مُقلتيه فور أن رأه يستند على دربزاين الدرج، مربعًا يديه أمام صدره، ويتابعه بنظرةٍ ساخرة، هرع إلى آيوب الذي يتطلع له بصدمة مما استمع إليه، وصاح:
-ده بيعمل أيه هنا؟
أتاه الرد من خلفهما:.
-ما خلاص يا إيثو الله، ده انا جبتلك البشمهندس لعندك عشان تخططوا للبوتيك جنب الحمام بمزاج عالي!
ضيق عينيه وهو يرمقه نظرة الحما التقيمية لزوجة ابنها، بينما يتطلع له الاخر ببرود.
تخطاه عُمران واتجه لسور السطح، وقف يتطلع للمباني القديمة بابتسامة هادئة، يعشق تلك الاجواء ولطالما رغب أن يكون جزءًا منها، جذب انتباهه الشرف الخشبية العتيقة المحيطة لأكثر من منزل، المباني من حوله بسيطة التكوين، ولكن يغمرها الكثير من الفرحة والراحة التي يستطيع لمسها داخله الآن.
هو الذي ذاع صيته، باحترافية صناعته، وفخامة منشئاته حديثة الطراز، يجد أن ما صنعه لا يضاهي شعوره بوقفه بهذا المكان.
سحب يونس إيثان للأسفل، اقنعه بالعودة لمنزله والقدوم غدًا حتى لا يشب شجارًا جديدًا بينه وبين عُمران.
وقف آيوب جواره، يطالعه بابتسامة جذابة، ختمها بسؤاله المتعجب:
-شايفك مبسوط وحالك اتبدل بعد ما طلعنا هنا؟
وضع يديه بجيوب سترته وقال:
-المكان ده كفيل يغيرني أنا شخصيًا يا آيوب.
ولف برأسه له، يخبره بامتنانٍ:
-يارتني جتلك امبارح، كنت محتاج لاجواء زي دي تسكن النار اللي جوايا.
رمش باهدابه بعدم فهم، وقال:.
-مالك يا عُمران؟ إنت فيك شيء صح!
تنهد بوجعٍ لمسه الاخير، فاتجه للأريكة، جلس فوقها يتطلع لسطح المنزل بسكينة واعجاب، وما أن اتبعه آيوب حتى قال بآنينه الخافت:
-من غير ما تحاول معايا، الخلاصة في كلمات بيكونوا أبشع جملة ممكن تتحفر جوايا.
ورفع رماديته له، يخبره بانكسارٍ:
-خالي قرر يفرقني عن صاحب عمري، فعراني وحطاني مع مراته في سرير واحد عشان يضمن إنه يفرقنا وللأبد!
أحاطت جسدها بيديها ودموعها تنهمر دون توقف، وحينما شعرت بعلو شهقاتها، كممت خديجة فمها بيدها وتركت العنان لعبراتها تفيض عنها ما يحجرها.
طرقت سدن الغرفة وولجت، تتساءل وعينيها معلقة بالقرآن الكريم:
-خديجا، في آية مش إعرف اقرأها، ممكن ساعدني!
ورفعت عينيها إليها، لتتفاجئ بها تحاول ازاحة دموعها والاعتدال بجلستها، راسمة بسمة مصطنعة، وصوتها المتحشرج يردد:
-آه طبعًا، تعالي يا حبيبتي.
مالت سدن للخارج تراقب الحاجة رقية، فما ان وجدتها تعد العشاء، ولجت بعدما أغلقت الباب من خلفها، جلست قبالتها وقالت بلهفة:
-مالك خديجا، بتعيط ليه؟
جذبت منديلًا ورقيًا، تزيح دموعها، وقالت:
-مفيش يا حبيبتي، أنا بس اوقات كده بقعد اقلب في القديم واللي يعكنن مزاجي.
رددت بالانجليزية بعدم فهم:
-أتعنين حياتك السابقة مع زوجك السابق؟
هزت رأسها ببكاءٍ، واجابتها:.
-أجل، أحمل منه ذكرياتًا سيئة، لقد كان يتفنن باهانتي، كنت أتمنى الموت كل ليلة، لم يصبرني على هذا الابتلاء الا ابني فارس، حفظه الله لي.
أشفقت عليها، تعلم جيدًا كيف يكون ألم اهانة أثنى، ازدردت صوتها، قائلة:
-هل كان يعتدي بالضرب عليكِ خديجا.
ضحكت بصوتٍ مسموع، رغم هبوط دموعها، وقالت:
-بل فعل الأبشع من ذلك.
زوت سدن حاجبيها بعدم فهم، فرفع خديجة جلبابها تريها ساقيها وجسدها، بترت شهقاتها بكبت كفها لفمها، تتسع حدقتيها بشكلٍ مفزع، أعادت جلبابها عليها، وبانكسار قالت:
-مش عايزة يونس يشوفني كده يا سدن، كل ما أيام عدتي بتمر كل ما بترعب وبخاف، لو رفضت جوازي منه مرة تانية هكون بخسر فرصتي الأخيرة معاه.
ادمعت عينيها ألمًا، واتشحت بابتسامةٍ موجوعة، ورفعت لها بلوزتها تريها مخطوطة السكين التي تحملها إلى الآن، تعجبت خديجة مما رأته، فازاحت دموعها وتساءلت باستغراب:
-دي ضربة سكينة! من ايه دي؟
بابتسامة لخصت معاناتها هي الآخرى، كأنثى ممزقة:
-لقد ترك لي عمي تذكارًا أبديًا، بعد أن قتل أخي.
تشاركتا الوجع، نفس المذاق المرير، كلاهما أنثى تم الاعتداء عليهما من أقرب أناسًا إليهما، ضمتها خديجة، تربت على ظهرها بحنان، بينما هي بحاجة من يضمها إليه.
ابتعدت سدن تزيح دموعها، وبابتسامة مشرقة قالت:
-حسنًا خديجة، إن كانت رؤية جروحك تذكرك بما مضى، لماذا لا تتخلصي من ذكرياتك السيئة هذة.
زوت حاجبيها بعدم فهم:
-ماذا تقصدين؟
ردت عليها تشرح:.
-عليكِ بمعالجة جروحك، بجراحة تجملية، إن رغبتي ألا يراكِ يونس بتلك الحالة.
نصب تركيزها معها، وقالت:
-بس مش حرام ده؟
ابتسمت سدن وضمت المصحف الشريف لها، مستطردة:
-لا أعلم، مازلت أجتهد للعلم عن دينينا ولكني على ثقة بإن الله عز وجل لن يحرم شيئًا هكذا بمثل حالتك تلك، كلما ازددت تعمقًا بالدين الاسلامي أجده سلسًا، الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده.
واضافت باقتراحٍ:.
-فلننتظر الشيخ مهران ولنسأله معًا، إن وجدناه غير، محرم فلنذهب معًا لطبيبة متخصصة، ما رأيك؟
اتسعت ابتسامتها بفرحةٍ، وأخذت تشير لها بالموافقة، فابتسمت الاخيرة والدموع مازالت بأعينهما، فعادت تضمها إليها مجددًا، وتلك المرة قالت:
-ما مر من حياتك مضى ولن يعود، لقد انتهى الشطر السييء والآن حان الوقت لتكتبي حياتك بيدكِ خديجة!
بالأعلى.
وضع يونس الشعلة الصغيرة على الطاولة، ثم وضع قدح الشاي الكبير عليه، ومن جواره يجلس آيوب جوار عُمران، سكب الشاي بالأكواب التي تحمل أعواد النعناع، قدمه يونس إليه، فالتقطه مرددًا:
-تسلم يا يونس.
منحه ابتسامة صغيرة، وقدم لآيوب الاخر، ثم جلس جوارهما يتساءل:
-هنفضل قاعدين هنا كتير، صلينا العشا وقعدين بقالنا اربع ساعات، ومازلت مصر تقعد هنا!
وأضاف مقترحًا:
-ما تيجي ننزل عندي تحت.
ارتشف من كوبه، وأجابه:.
-أنا حابب القعدة هنا لحد ما أدهم يجي.
ابتسم آيوب يخبره بمكر:
-مش هيجي، أنا كلمته وقولتله انك هتبات معايا.
ووضع قدمًا فوق الاخرى، يخبره بعنجهيةٍ وهو يرتشف من كوب الشاي خاصته:
-فاكرني هتخلى عنك بالسهولة دي يا طاووس!
ارتشف عُمران من كوبه، وقال بنفس الثبات والابتسامة الصغيرة:
-وأنا مش عايز أفارقك يابن الشيخ مهران!
تنحنح يونس هادرًا:
-ما نكمل وصلة العشق الممنوع ده عندي تحت، الجو بدأ يبرد!
لف رأسه له وقال:.
-أنا حابب أفضل هنا.
اصراره كان غريبًا، لدرجة جعلت آيوب يقول:
-خلاص يا يونس انزل انت تحت عشان فارس، وأنا هفضل هنا مع عُمران.
هز رأسه في يأس، ونهض يشير له:
-طيب تعالى معايا خد فرشة نضيفة وبطاطين.
هبط معه آيوب للأسفل، فتمدد عمران محله على الأريكة، يعيد فتح هاتفه، فتفاجئ بعدد من الرسائل من زوجته، على حسابه الخاص، حرر زر الاتصال، وما أن استمع لصوتها فشم فيه غضبها، أسرع يمتصه بحيلته:.
-حبيب قلبي وروحي، وحشني صوتك أوي.
-والله! تصدق إني شوية وهصدقك، بحاول أكلمك من امبارح وانت قافل تليفونك، أنا كنت هموت من القلق عليك يا عمران!
وضع يده أسفل رأسه، وقال:
-أنا كويس يا مايا، غاوية تتعبي أعصابك وتقلقي ابني حبيبي عليا!
بغضبٍ هدرت:
-ابنك ومامته زعلانين منك، إنت مش بس هان عليك تمشي وتسبني، لا وهان عليك تنام من غير ما تكلمني يا عُمران!
ردد بحزنٍ مصطنع:.
-أنا معرفتش أنام من غيرك، ولا عارف اعيش أصلًا، آنتِ عارفة إن آيوب زهق معايا عشان يخليني أفك ولما فشل قالي قوم روح إنت مالكش علاج.
صعق من يقف خلفه، يحمل الأغطية، بينما يتابع هو:
-صدقيني حابب أرجعلك النهاردة قبل بكره بس للأسف مضطر أفضل عشان آيوب محتاجني أذكرله، امتحاناته بعد اسبوع، وآدهم كمان عايزني أفضل معاه عشان ترتبيات الفرح، إنت عارفة معزته عندي فبالتالي مقدرش أقوله لأ.
تنحنح آيوب لينتبه لوجوه، فاعتدل بجلسته، وقال:
-طيب يا حبيبتي هكلمك بكره، تصبحي على خير.
اغلق الهاتف وقابل تلك النظرات المندهشة، تحرر آيوب عن صمته أخيرًا قائلًا بسخريةٍ:
-دي شكلها كنبة اتصنعت للفشارين!
وتابع وهو يلقي الغطاء إليه:
-ايه يا عم الفشر ده، ده أنا بنفسي شاهد انك عايز تخلع آدهم من الجوازة النهاردة قبل بكره.
تعالت ضحكات عمران، فالتقط الاغطية وطرحها أرضًا قائلًا:.
-آيوب يا حبيبي، الست طول ما حاسة أن جوزها مجبور يبعد عنها هتنام وتعيش حياتها، لو شكت صفر في المية إنه بعيد بارادته ومرتاح وسعيد فورًا هتلاقيها فوق دماغه، أو على الاقل هتنكد عيشته وعيشة اللي خلفوه!
شاركه الضحك وانحنى يعدل الغطاء جواره، ثم وضع الوسادة وتمدد، فقال عمران حتى يرفع عنه الحرج:
-لو عايز تنزل تنام تحت انزل، أو حتى نام على الكنبة.
وضع ساقًا فوق الاخرى، وقال بسخرية:.
-انا لا نازل تحت ولا هنام على كنبة الفشارين دول، خليني هنا لحد ما ربنا ياخد بيدي وأعدي الامتحانات وبعدين نجرب كنبة الفشر دي.
انفجر عُمران ضاحكًا، وقال:
-زي ما تحب البيت بيتك، خد راحتك.
نزع عنه جاكيته وخلع التيشرت الخاص به، ثم تمدد جواره، جحظت أعين آيوب، وصاح بصدمة:
-انت بتعمل أيه، الجو تلج!
قال ساخرًا:
-ده برد ده! بالنسبالنا كأنك معلي التكيف شوية، نام يا آيوب أنا مبسوط كده.
طرح الغطاء عليهما وقال وهو يتثاءب:
-زي ما تحب.
وسرعان ما غفوا معًا، بينما أعلى البرج، طل إيثان من الاعلى يرمقهما بنظرة خبيثة، جذب هاتفه وشرع بالتقاط عدة صور، هاتفًا بمكرٍ:
-لما نشوف سيفو هيعمل أيه لما يلاقي في حضن جوزه ضرة تانية!