قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل العشرون

رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار كاملة

رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل العشرون

كانت شمس مستلقية علي الفراش، منكمشة علي نفسها، كوضعية الجنين في رحم أمه .. مغمضة عيناها تقنع نفسها أنها في كابوس .. وسينتهي .. ظلت هكذا حتي بدأت انفاسها تهدأ قليلاً .. وتستعيد سيطرتها .. حاولت أن تتمالك أعصابها، وتبدأ في التصرف سريعاً .. لم تكن ابداً ضعيفة ولا متخاذلة .. ولن تكون الآن، نعم هي لم تمر بموقف مثل هذا من قبل، ولكنها أيضا لن تسمح بأن تكون مجرد ضحية .. يجب أن تقاوم .. لن تستسلم، ولو انتهت حياتها، علي الأقل تكون قد دافعت عن نفسها وشرفها .

جرعة من الشجاعة والقوة، أعطتها لذاتها، ونهضت من الفراش سريعاً حتي تجد لها مخرجاً من هذا المأزق، اقتربت اولاً من الباب، ووضعت أذنها تستمع لما يحدث بالخارج، وعندما لم يصل إلي مسامعها اي شيء، جالت ببصرها في الغرفة، وكما توقعت النوافذ كلها مغلقة بالأسوار الحديديةً، ولا سبيل للهروب منها، حاولت البحث في الغرفة عن أي شيء قد يعاونه في الهروب، ثم تذكرت شيئاً جعلها تبتسم ابتسامة خفيفة، وهي تتمني أن تجده مازال في مكانه .
انحنت إلي الأسفل، وأقحمت أناملها بداخل جوربها الرياضي الذي ترتديه، وأخرجت منه هاتفها المحمول، عادة لم تستطع تغييرها منذ ان كانت تعمل وهي صغيرة، كانت دوما ترتعب من فكرة أن تصادف لص في الطريق، لذا كانت تضع كل أغراضها الثمينة داخل جوربها، نقود .. او هاتف بديل، تضعه للطوارئ .

أخذت الهاتف وقامت بفتحه وأقتربت من النافذة، ثم قامت بالاتصال بقصي، لا تعلم لما هو من جاء بذهنها ولكن لم تشعر سوي بأنها في حاجة إليه، انتظرت ان يجيبها ولكن عوضاً عنه أجابتها سيدة الشبكة الملعونة، لتسمعها الرسالة الكريهة: هذا الهاتف قد يكون مغلقاً او خارج نطاق التغطية، حاول الاتصال في وقتاً لاحق .
بدون وعي أطلقت السباب من فمها وهي تلعن حظها العاثر، ثم قررت ان تتصل بصديقتها وهمت بالضغط علي الاسم ولكنها تراجعت في اللحظة الاخيرة، فهي لا تعرف ماذا يحدث الأن ؟، ولا تريد ان تزيد قلقها، انتظرت دقيقة ثم حاولت الاتصال به مرة أخري وهي تكاد تسمع صوت دقات قلبها المجنون داخل صدرها، من شدة الخوف ان لا يجيبها، ضغطت علي زر الاتصال، وانتظرت بأمل كبير ان تستمع لصوت رنين الهاتف .. لحظات تحمل فوق أعناقها دهراً كاملاً .. سكون تام وهي في انتظار الرنين او الرسالة الصوتية الكريهة .. ثم فجأة سمعت صوت الهاتف يعلن عن ان الله استجاب لدعائها، وقفت متلهفة علي سماع صوته وعيناها متعلقتان بباب الغرفة، تتمني ان لا يفاجئها أحد الأن، ثم أتاها صوته: مين ؟

بصعوبة شديدة استطاعت تهمس وتقول اسمها: شمس
_شمس .. أنتي فين ؟، طمنيني عليك، أنتي كويسة حد اذاكي، اتكلمي سمعيني صوتك .
دموع تنساب من عيناها، حنين شديد لرؤية وجهه الأن، احساس بالوحشة والخوف وهو ليس بجوارها، بالكاد استطاعت ان تطلق صوتها وقالت بخفوت: أنا كويسة .. بس مش عارفة انا فين، احنا في بيت كبير، انا محبوسة في أوضة، الشبابيك كلها عليها حديد، مش عارفة أعمل ايه .

مرارة تصل إلي حلقه، ألم من مجرد سماع صوت بكائها وهو عاجز عن الوصول إليها .. أشتياق شديد لها: طيب تقدري توصفي ليا أي حاجة من الشباك .
دققت شمس النظر جيداً من خلال النافذة الحديدية ثم قالت: لا احنا الجبال حوالينا من كل اتجاه، زي ما يكون البيت ده مبني في وسط الجبال .. مش قادرة أشوف حاجة مميزة ... ثم صمتت قليلاً وتمعنت في النظر أكثر .. وأضافت اخيراً: بص يا قصي .. كل الجبال اللي حوالينا لون صخورها اللون العادي، ما عدا جبل واحد اللي قدامي بالضبط لونه مايل للأحمر شوية.

وقف قصي يبحث بعينيه في كل اتجاه، ثم توقف فجأة وصاح: لقيتك يا شمس.. لقيت الجبل .. متقلقيش يا حبيبتي، احنا قريبين منك، انا حأكون عندك بسرعة، أنا لقيتك ومش حأسيبك تروحي مني تاني ابدا، خلي تليفونك مفتوح .. وخليكي معايا وأوعي تقفليه مهما حصل .
ابتسمت شمس ابتسامة مطمئنة وقالت: انا معاك ومستنياك .. متتأخرش عليا .
صوتها كان كالسهم أصاب قلبه في مقتل، لم يكن يريد في تلك اللحظة سوي أن تكون بين ذراعاها والا يتركها ابدا، آفاق من شروده وأطلق صيحة للجميع: يلا بسرعة علي الجبل اللي هناك ده .

في تلك الأثناء .. كان كل شيء قد انتهي .. لقد وقع شريف في الفخ الذي نصب له، لو يعلم فقط ماذا فعل بنفسه ؟، كان اختار الطريق الصحيح دوما .. لقد كان مخير أن يختار ما بين الحق والضلال .. ولكنه ترك نفسه للطريق الذي لا عودة منه الا من رحم ربي .
لقد ادمن النساء .. وتلك ستكون نهايته .. استطاعت الفتاة بسهولة شديدة أن تغرقه معها، ولو علمت انها لم تكن بحاجة لأن تفعل شيء، فهو ليس بحاجة لأي مغريات حتي ينساق لها ..

طرقات علي الباب أخرجتهما مما هما فيه ... نهضت الفتاة وفتحت الباب ..ألقي شريف ببصره .. فوجد زيلدا تقف أمامه وهي تبتسم ابتسامة ذات معني، ولكنه لم يستطيع أن يفهمها
.. وقفت تشاهد المشهد الذي أمامها ثم قالت: شكلك اتبسطت علي الأخر .
ظل مستلقي علي الفراش، لا يعبأ بشيء وأجابها قائلاً: اوي .. دي الستات اللي بتعرف تقدر قيمة الراجل .
أطلقت ضحكة رنانة وأجابت بسخرية: مش لما يبقي راجل الأول .

نهض من الفراش بغضب وتوجه نحوها وجذبها من ذراعها قائلاً: أنتي تقصدي ايه ؟، تحبي أوريكي أنا راجل ازاي والا نسيتي .
نظرت له بتحدي وأزاحت يده من عليها وقالت: هو انت فاكر لما تضربني علقة موت .. تبقي هي دي الرجولة، ده انت غشيم أوي ... عامة يا بيبي انا محضرة ليك مفاجأة حتعجبك اوي .. ثم نظرت إليه من أعلي لأسفل وقالت: بس مَش حينفع تشوف المفأجاة وانت بالمنظر ده .. لازم تلبس حاجة .. والا تحب أخلي حد يساعدك .
أشاح بوجهه عنها وابتعد حتي يرتدي ملابسه، وعندما انتهي قال لها: انا جاهز .

فابتسمت وهي تضع يدها بيده وقالت: المفاجاة دي حتعجبك أوي ... هما بصراحة اكتر من مفاجاة .. بس خلينا منستعجلش .. الاول نروح للمفاجأة الأولي اللي في الأوضة اللي جنبك .

ظلت شمس بجوار النافذة تنتظر وصولهم وهي تضع الهاتف علي أذنها وتستمع لصوت قصي، الذي يثلج صدرها وينسيها ما هي فيه، إلي أن انتبهت لصوت المفتاح الذي يدار في الباب، فهرعت نحو الفراش، ووضعت الهاتف تحت الوسادة، وجلست تضم ساقيها نحوها وهي تحاول التماسك .
لحظات قليلة تفصلها عمن بالباب، لا تعلم من القادم الأن، وما الذي سيحدث ؟، ظلت تردد بداخلها دعوات أن يسرع قصي قبل ان يحدث شيء، ثم فجأة شهقت من الصدمة عندما وجدت شريف أمامها .. لم تدرك ما الذي يحدث ؟، نهضت من مكانها واتجهت نحوه وهي تحدق به وقالت: شريف ... أنت ايه اللي جابك هنا ؟، هو في ايه بالضبط ... أنت .. انت اللي عملت فيا كده، أنت اللي خلتهم يخطفوني... الندالة وصلت بيك للدرجة دي .

وقف شريف مصدوم، لا يفهم ما الذي يحدث، يستمع لكلمات شمس ولا يصدق انه يراها امامه، ثم التفت نحو زيلدا واقترب منها وقبض علي ذراعيها بكفيه بعنف وقسوة وقال: شمس بتعمل ايه هنا يا زيلدا، ايه اللي جابها هنا .
حدقت به بشماتة ثم قالت بصوتاً مرتفع: guys
ليندفع ثلاثة رجال إلي الغرفة، ويقبضوا علي شريف، ويقيدوا يديه للخلف بأيديهم، ثم اضافت زيلدا قائلة: اهدي كده يا شوشو وخلّينا نتفاهم في هدوء ... شمس هنا عشان في مصلحة عايزينها من قصي، لو خلصها حترجع شمس وعليها مليون بوسة، محصلش، الشباب هنا حيقوموا معاها بالواجب، وخصوصا أن الصنف ده جديد عندنا وكلهم نفسهم يجربوه .

صاح بها شريف قائلاً: اخرسي يا حيوانة، شمس محدش حيلمسها، ده فيها موتك .
علت ضحكاتها ترج المكان وقالت: موت مين يا تافه .. موت زيلدا !.. انت عارف مشكلتك انك متعرفش انت بتتعامل مع مين، ولا مين الست اللي كنت بتنام في سريرها، ثم نظرت نحو شمس وأضافت: ااه يا شموسة ... في سريري وفِي حضني، ومن بعد خمس دقايق من معرفتي بيه، بعد ما قلتي ليه انك مش عايزاه،ما استناش شوية وزعل عليكي ... أو حاول يرجعك .. لا جه علي طول لحضني ومش كده وبس ده كان بيبوس رجلي عشان أفضل معاه .

كانت شمس تستمع لهما وهي مصدومة .. تشعر انها سقطت في بركة من الاوحال ولا تعرف كيف تهرب منها !، ظلت تنظر لهما بأحتقار ثم قالت: عادي .. ده المتوقع، مش مشكلة عشرة السنين، ولا مشكلة العمر اللي ضيعته معاه ... ولا حتي فارق معاه أني معرفتش غيره ومحبتش غيره في حياتي ... انا مش مستغربة ولا متفاجئة .. أن اكتر بنادم صدقته ووثقت فيه ..طلع أحقر راجل صادفته .

كان شريف يستمع لها وقلبه يقطر حزناً علي ما وصل إليه الحال همس بحزن: شمس... أنا .. أنا صدقيني .. محبتش حد غيرك .. أنتي كل حاجة بالنسبة ليا .. أنا ضعفت ااه .. اكتر من مرة .. وغلطت .. لكن حبك جوايا عمره ما قل ولا اتغير .. أنا وقعت مع واحدة حية عرفت تضحك عليا ازاي .. أرجوكي سامحيني .. ارجوكي .

علت ضحكات زيلدا الرنانة الساخرة وقالت: أنتم كده يا مصريين، دايما بتمثلوا العفة والطهارة، عاملين نفسكم ملايكة ماشية علي الأرض .. بتدوا لنفسكم الحق أنكم تحللوا وتكفروا وتغلطوا الكل، لكن أنتم لا، شايفين نفسكم أحسن شعب وأحسن ناس، وأنتم كلكم عيوب، بتحاسبوا الست لو حبت، وتسامحوا الراجل حتي لو زني، لو الست متغطية واتعاكست تقولوا نزلت ليه من بيتها، ولو لابسة لَبْس مش علي مزاجكم تقولوا دي نازلة تتعاكس، وهي اللي جابته لنفسها، بتقولوا ان الستات ناقصين عقل، وان الرجالة العقل كله ورغم كده لما الراجل يغلط مع ست، يبقي هي السبب، هي اللي أغرته، طب والعقل الكامل راح فين ساعتها، بتفصلوا الدين علي مزاجكم، وبتقولوا ده حلال وحرام، وأنتم أول ما تشوفوا ست حلوة بتجروا ورا جسمها بدون تفكير، بتدعوا الفضيلة في العلن، ولما تقعدوا ورا الابواب بتمارسوا كل أنواع الفجر، أنا مش حية ... أنا ست مارست دورها الطبيعي، وأنت راجل مارست شهوتك الطبيعية، مفكرتش لحظة لا في دين ولا في حب، فبلاش دور الضحية ده .. عشان الراجل عمره ما كان ضحية .

صمت عّم المكان، شعور بالخزي اجتاح شريف، لم يستطع ان يجادل أو يعارض، معها كل الحق، لقد ركض خلف نزواته بدون حتي ان يلتفت إلي ان الله مطلع علي ما يفعله، لقد ضرب بكل شيء عرض الحائط ولَم يفكر سوي في متعته، وها هو الأن .. ماذا فعل ؟.. وماذا حل به ؟، سوي العار أمام نفسه اولاً، ثم شمس حبيبته ورفيقة عمره، أطهر انسانة في الوجود .. لقد حطم بيده التمثال الذي كانت صنعته له .. لقد كانت دائما تراه في مكانة مختلفة .. كانت تقدسه، والأن هذا الشخص الذي كانت تعشقه لم يعد له وجود في حياتها، تحولت نظراتها التي كانت مليئة بالعشق والحب إلي نظرات احتقار واشمئزاز، ماذا فعل بنفسه ؟، وكيف سيستطيع ان يحيا بهذا الخزي ؟.

أشارت زيلدا للرجال بأن يتركوه ويغادروا الغرفة ثم أضافت: حأسيبك معاها شوية .. يمكن تحب تقولها حاجة سر، ما انا عارفاك .. ثم تحركت خطوتين وعادت بخبث لتقول: ااه نسيت أقولك .. ماجي اللي انت لسه قايم من حضنها دلوقتي .. واللي مفكرتش لحظة واحدة ترفضها، عندها إيدز .. يعني أقدر أقولك الف مبروك، حبيت أحطك في اختبار صغير، وأشوف استكفيت والا السفالة واصلة معاك لفين، لكن مخيبتش ظني يا بيبي، وطلعت راجل قذر بامتياز، مبروك عليك الايذر يا حبيبي .

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية