قصص و روايات - روايات عالمية :

رواية المجهول الفصل السادس حب مستحيل

رواية المجهول للكاتبة ايفون ويتال

رواية المجهول الفصل السادس حب مستحيل

وصل جوناثان واميليا نيل الى لويزفيل بعد ظهر نهار الجمعة وانتقلا على الفور الى دار آل اوبريان ملبين دعوة للعشاء بعدما اتفقا مع جيسيكا على موافاتهما بعد انتهائها من عملها.
فوجئت الأبنة عند دخولها منزل فيفيان بجو المودة والألفة المخيم على المجتمعين وكأنهم على معرفة سابقة.

بدا والداها مسرورين جداً في التحدث الى مضيفتهما مأخوذين بسحرها وحسن ضيافتها ولم يطل الأمر حتى انضم اليهم بيتر فجلسوا الى مائدة حفلت بكل ماتعلمت فيفيان تحضيره من مأكولات يتبادلون الأحاديث ويتناقشون في أمور الطب.
ادركت جيسيكا خلال السهرة ان والديها باتا مقتنعين تماماً بصواب انتقالها الى لويزفيل فلم يتطرقا الى الموضوع أبداً.
وعند عودتهم الى المنزل اعترف الوالدان لــ جيسيكا بأنهما اساءا الظن بلويزفيل بعد ماسمعاه من الدكتور اوبريان وماشاهداه خلال مرورهما فيها.
في الصباح التالي اصطحب بيتر ضيفه في جولة الى المستشفى تاركين اميليا تستمع الى ابنتها تحدثها عن عملها وطريقة عيشها في لويزفيل.

جيسيكا: اني بخير يا أماه فلاتقلقي عليّ.
الأم: هل تهتمين بأكلك؟
ضحكت الأبنة وقالت مطمئنة: بدأت اتعلم الطهي عدا عن ان فيفيان تحيطني برعايتها كم من مرة عدت فيها متأخرة لأجدها قد حضرت لي العشاء.
الام: انها سيدة رائعة.
جيسيكا: الجميع هنا لطفاء معي وأنا مسرورة بالعمل.
لم تسنح الفرصة لجيسيكا للتحدث الى والدها على انفراد حتى بعد ظهر اليوم التالي.

جلسا في غرفة الجلوس بينما تمددت اميليا في غرفتها يحدثها باعجاب عن المستشفى وعن جولته في ارجائها:
الاب: اعترف ياجيسيكا بأني اعجبت كثيراً بالدكتور اوبريان.لم اعرف شيئاً بعد عن شريكه.
فوجئت جيسيكا بعبارة ابيها واحتارت كيف تخفي انفعالها مجيبة بتلعثم: دان ترافورد؟ آه، انه ... انه طبيب لامع وجراح ماهر ويبدي اهتماماً بجراحة الأعصاب.
توقف جوناثان عن مراقبة الدخان المتصاعد من غليونه والتفت اليها سائلاً باهتمام: أصحيح؟ هل ستتسنى لي مقابلته؟
جيسيكا: استبعد ذلك فهو ... ( لاحظت علامات الخيبة على وجه والدها فاستدركت) هل اتصل به وادعوه لتناول فنجان من الشاي؟
رحب جوناثان باقتراح ابنته هاتفاً: ولم لا؟

من حسن حظها انها نقلت الهاتف من غرفة الجلوس فلم ير والدها ارتجاف يدها وهي تدير قرص الهاتف في غرفة نومها. تهادى الى مسمعها صوت انثوي هادئ النبرات فأحست بقشعريرة تسري في جسمها وسألت:
 أهذا منزل الدكتور ترافورد؟
المرأه الأخرى: أجل لكنه في اجازة عطلة الأسبوع بامكانك الاتصال بشريكه الدكتور اوبريان.
قطع الخط قبل ان تسنح الفرصة لجيسيكا للاستيضاح فاعادت السماعة الى مكانها وعادت ادراجها الى غرفة الجلوس بعينين تائهتين يعتصرهما الألم.بادر جوناثان بالسؤال: هل سيأتي؟

تهادت على مقعدها شاردة الذهن وتمتمت: لا اعتقد ذلك فهو ... مرتبط بموعد آخر.
علق الأب بخيبة: أمر مؤسف ( وحدج ابنته بنظرة ثاقبة متابعاً ) أراك شاحبة الوجه ياجيسيكا هل تشعرين بشئ؟
تعمدت الابتسام قائلة: مجرد ألم خفيف في المعدة. سأهيئ الشاي قبل ان تستيقظ أمي.
ما ان انفردت بنفسها في المطبخ حتى راحت تؤنب ذاتها على بلاهتها وتهورها في علاقتها مع دان.كيف تركت نفسها تتورط مع شخص عرفت غايته منها منذ البداية؟ لم تعد تدرك حقيقة شعورها نحوه. هل تحبه ام لا؟ واقتنعت في نهاية الأمر بأن حبها له ضرب من المستحيل فهو ليس الرجل الذي تنشده ... لكن لماذا التفكير بأنه مع امرأة أخرى يؤلمها الى هذا الحد؟ أهي الغيرة التي تحز في نفسها أم اشمئزازها من تصرفاته؟

انقضت عطلة الأسبوع بسرعة ولم تلتق جيسيكا الدكتور ترافورد الا مساء الاثنين في العيادة حيث اضطرت لانتظار بيتر الى حين عودته من المستشفى للتباحث في حالة أحد المرضى.كانا يتكلمان عن والديها حين دخل عليهما دان باناقته المعهودة.
بادره بيتر وهو يهم بالخروج:من المؤسف انك لم تقابل والدي جيسيكا في عطلة الأسبوع فجوناثان نيل واحد من أشهر الاطباء الذين صادفتهم.كنت ولاشك ستسر بمعلوماته عن جراحة الاعصاب التي تعطيها الكثير من اهتمامك.

بقي دان صامتاً الى ان أغلق بيتر الباب خلفه،فسأل جيسيكا ببرودة: لماذا لم تعلميني بقدوم والديك؟
نهضت جيسيكا عن مقعدها واضعة يديها في جيبتي سترتها مخافة ان يلاحظ ارتجافهما وسارت الى النافذة تنظر الى الخارج: اتصلت بك بعد ظهر السبت لادعوك لتناول الشاي لكني اكتشفت انك كنت مشغولاً جداً.
تقدم منها مجيباً بنبرة هادئة لا أثر فيها للاعتذار أو للأسف: آه، سيلفيا. أهي التي تلقت المخابرة؟

جيسيكا: اعتقد ذلك، مالم تكن قد امضيت عطلتك مع أكثر من امرأة.
دان: كلمة منك ياجيسيكا وتصبح سيلفيا سامرز صفحة من الماضي.
استدارت تواجهه قائلة بسخرية: اتساءل متى ستعاود قول هذه العبارة الى فتاة أخرى؟
دان: جيسيكا! لم أتمن امرأة قبلك كما أتمناك انت.

جيسيكا: يفترض ان اشعر بالاطراء لكني أحس العكس تماماً. وان اردت معرفة حقيقة شعوري الآن فيمكنني اختصارها بكلمة حقارة.
شحب وجهه فجأة وامسك بمرفقيها يهزها بعنف: يا الهي. اراهنك على انك كاذبة في حقيقة شعورك، فانت لم تشعري بالحقارة تلك الليلة.ماأحسست به ساعتها كان عاطفة جامحة لاتخفى على احد. لاتحاولي التلاعب معي ياجيسيكا نيل والا اثبت لك الآن وفي عيادتك كم انت كاذبة.
جيسيكا: انك ... انك تؤلمني.

دان: احمدي ربك على ان يدي ليستا حول عنقك لأني مافكرت يوماً بازهاق روح انسان كما افكر الآن.
افلتها فتراجعت الى النافذة تدفن وجهها في راحتيها بينما غادر الغرفة مغلقاً الباب خلفه بقوة جعلتها تهتز في مكانها لقد خرج من حياتها مخلفاً فيها جرحاً يصعب على الأيام مداواته.

كان شعورها في محله،فخلال الأسابيع التي تلت عاملها دان كأي شخص غريب.افتقدت ملاحظاته الجارحة لها افتقدت هزءه المعتاد لم تعد تلاحظ ابتسامته الساخرة بل وجه عابس يلعب دور رب العمل انها تحبه كما لم تحب انساناً في حياتها.وتشعر بهذا الحب يضج في اعماقها ويهدر في عروقها.لكنها تأخرت في الاعتراف بهذا المارد السجين في فؤادها ولم يعد بامكانها الافصاح عن حبها لانسان لاقيمة للحب عنده.

كانت جيسيكا عائدة من زيارة احد مرضاها في احدى المزارع المجاورة فعرجت على منزل اوليفيا للاطمئنان عليها وعلى الطفل فقد شعرت اليوم بحاجة الى محادثة شخص يفهمها ويساعدها فلم تجد أفضل من هذه الصديقة الوفية التي طالما اعجبت بآرائها وعملت بنصائحها.
جلستا على الشرفة تتناولان الشاي بينما غط لوغان في نوم عميق في سريره الصغير بالقرب من والدته.لم تخل لقاءاتهما في المدة الأخيرة من الحديث عن الطفلة القادمة الى لويزفيل فسألت اوليفيا ضيفتها بحماس: متى تتوقعين وصول ميجان؟
جيسيكا: ستصل غداً صباحاً في أول قطار قادم من جوهانسبرغ.

اوليفيا:  هل اخبرت فيفيان بذلك؟
جيسيكا: اكتفيت باعلامها بقدوم الطفلة لتمضية بعض الوقت معي وسألتها السماح لها باللعب في الحديقة خلال عملي في العيادة.
اوليفيا: ماذا كان جوابها؟
جيسيكا: تعرفين فيفيان لم تبد أي اعتراض بل رحبت بالفكرة واعدة باحاطة الطفلة بعنايتها طوال النهار اذا اضطررت للتغيب عن الغداء.
اوليفيا: ارجو ان تنجح الخطة.
جيسيكا: هذا ما اتمناه أيضاً.
كانت تعلم انها عملية رهان لا اكثر من غير ضمانات اكيدة لنجاحها.
أمضت جيسيكا ليلتها تصارع الارق تتساءل ان كان تصرفها صائباً في تدبر اللقاء بين فيفيان وميجان؟فقد لاتتفقان معاً وتضيع فيفيان على نفسها وعلى الطفلة فرصة نادرة.

أو قد تسير الأمور على مايرام وتتحابان ولكن هل يبقى دورها خافياً على الاثنين فتتفادى احراجاً هي بغنى عنه؟
اقتنعت بعد ان غلب الكرى اجفانها بالكف عن تساؤلاتها فالعملية كلها مجرد تجربة وان فشلت فلن تلحق الاذى بأحد.
استيقظت قبيل الفجر على غير عادة فارتدت ثيابها على عجل وتوجهت الى محطة القطار تنتظر وصول ميجان.
اجاب موظف المحطة على تساؤلاتها القلقة وهي تذرع الرصيف بخطى سريعة:
الموظف: سيصل القطار بين دقيقة وأخرى يادكتورة نيل.
ولم تمض دقائق حتى شاهدت دخان القطار وهو يقترب من المحطة.
وقبل ان يشارف على التوقف أطلت الطفلة برأسها من احدى النوافذ تلوح بيدها لجيسيكا هاتفة:
ميجان: دكتورة جيسيكا ، دكتورة جيسيكا.

وماهي الالحظات حتى كانت ميجان ترتمي في حضن جيسيكا بقوة كادت ان توقعها لكنها نجحت في استعادة توازنها وطوقت ميجان بذراعيها.
جيسيكا: يسرني ان اراك ثانية ياميجان.كيف حالك ياصغيرتي؟
ميجان: اشتقت اليك يادكتورة.
جيسيكا: وأنا أيضاً ( وحملت الحقيبة الصغيرة متابعة ) لنذهب الآن سنتكلم في الطريق فأنا متشوقة لأريك منزلي.
لم تكف ميجان عن الكلام طوال الطريق فاخبرت جيسيكا كيف رافقها جوناثان نيل من الميتم في سيارته الفخمة محملة بقطع الحلوى التي ارسلتها اميليا لها وحكت لها عن الرحلة الممتعة في القطار من جوهانسبرغ الى هنا اصغت اليها جيسيكا بحنان من غير ان تقاطعها لم تعهدها بهذا الحماس الى الكلام والضحك فقد عرفتها كئيبة لايعرف وجهها الابتسامة.

انهمكت جيسيكا فور وصولهما الى المنزل بتحضير الفطور بينما راحت ميجان تتحرى المنزل غرفة بعد الاخرى.
لاحظت جيسيكا عند جلوسهما الى المائدة شهية الطفلة الهائلة الى الأكل فسألتها بتودد:
 ألم تأكلي شيئاً في القطار؟
ميجان: بلى لكني لم أذق البيض منذ فترة طويلة فالمسؤولون عن الميتم لايقدمونه الا في المناسبات الخاصة.
دفعت بطبق البيض أمام الطفلة من غير ان تسألها عن ماهية المناسبات الخاصة وراحت تراقبها تلتهم البيضة تلو الاخرى بشهية غير معقولة.
ما ان انهت جيسيكا غسل الصحون حتى سمعت طرقاً على باب المنزل وصوت فيفيان سائلة:
 هل بامكاني الدخول؟

جيسيكا: بالطبع فيفيان نحن في المطبخ.
وضعت الزائرة طبقاً من الحاوى على الطاولة قائلة: حضرت بعض الحلوى مساء البارحة ( واردفت الى ميجان ) فقد تودين تناولها مع الشاي.
جيسيكا:  شكراً يافيفيان ( وربتت على كتف الطفلة متابعة) ميجان انها السيدة اوبريان وزوجها طبيب ايضاً.
مدت الصغيرة يدها مصافحة: مرحباً ياسيدة اوبريان.
امسكت فيفيان بيد ميجان بحرارة وقالت مبتسمة: يسرني التعرف عليك ياميجان وارجوك ناديني العمة فيفيان ( والتفتت نحو جيسيكا تسألها ) هل لديك عمل بعد ظهر اليوم؟

تنهدت جيسيكا مجيبة: أجل يافيفيان.
فيفيان: سأزور اوليفيا اليوم وبامكاني اخذ ميجان معي لتتعرف على فرانسين.لاشك في انها ستجد سلوى في المزرعة.
سألت الطفلة بحماس:هل تملكين مزرعة ياعمة فيفيان؟
فيفيان:  انها مزرعة أخي ولديه ابنة تدعى فرانسين تكبرك بثلاث سنوات لكني متأكدة من انها ستسر بلقائك ستتجولان في المزرعة وتمضيان وقتاً ممتعاً هل تودين مرافقتي؟
رفعت ميجان عينيها الزرقاوين نحو جيسيكا تسألها بتهذيب: هل استطيع الذهاب يادكتورة جيسيكا؟
جيسيكا: طبعاً ياحلوتي

 

فيفيان: حسناً سأمر لاصطحبك بعد الغداء مباشرة.
تنفست جيسيكا الصعداء بعد خروج فيفيان كانت قلقة للغاية من نتيجة محادثة ميجان مع جارتها فالمرحلة الأكثر صعوبة تكمن عند التعارف.
راقبت الطفلة فيفيان تعود ادراجها في الممر الحجري وسط الحديقة وقالت:انها سيدة لطيفة.
جيسيكا: اجل انها لطيفة للغاية.تعالي نرتب اغراضك.
افرغت جيسيكا حقيبة ميجان الصغيرة من محتوياتها البسيطة وراحت تستعرض الملابس القليلة الموضوعة فيها بغير ترتيب انها كل ماتملكه ميجان في هذه الدنيا اضافة الى فرشاة اسنان واخرى للشعر ومنشفة.

جيسيكا: أظن اننا بحاجة لساعتين من التسوق.انت بحاجة لفساتين جديدة وبعض القمصان والسراويل لترتدينها اثناء اللعب.
ميجان: هل ستبتاعين لي ثياباً جديدة؟
جيسيكا: أجل فلنقفل باب المنزل ونبدأ جولتنا بين أسواق لويزفيل.
ولم تتركا محلاً الا ودخلتاه أو توقفتا امام واجهاته تستعرضان الثياب وتتفرجان على آخر ما ابتكرته مقصات الخياطين وأذواق المصممين.
عثرتا في نهاية المطاف على محل لألبسة الاطفال لتخرجا بعد قليل محملتين بالاكياس والعلب حملت ميجان قسماً منها هاتفة: قضينا وقتاً ممتعاً أليس كذلك؟
جيسيكا: لديك الآن مايكفيك هل نسينا شيئاً آخر؟

ميجان: ابداً لم احصل على هذه الكمية من الهدايا منذ وقت طويل شكراً يادكتورة جيسيكا.
علت قحة مصطنعة خلفهما مباشرةً فاستدارت جيسيكا لتجد نفسها وجهاً لوجه مع دان ترافورد يلقي التحية:
 صباح الخير.
لو لم تكن تعلم انه مستحيل طبياً لأقسمت على ان قلبها قد انتقل من مكانه من شدة خفقاته.
جيسيكا: صباح الخير يادكتور.
قدم نفسه الى ميجان مبتسماً: أنا دان ترافورد.ما اسمك؟
حدجته الصغيرة بنظرة خجولة واجابت: ميجان لاي. هل انت طبيب أيضاً؟
دان: نعم هل يزعجك ذلك؟

ميجان:  طبعاً لا( والتفتت نحو جيسيكا قبل ان تعاود السؤال ) هل انت صديق الدكتورة جيسيكا؟
لاحظ دان ارتباك جيسيكا وتورد وجنتيها فاجاب غامزاً بعينيه لميجان: لا تهتمي لتعابير وجه جيسيكا انها تحبني لكنها تريد ابقاء الأمر سراً ( وتعمد تغيير الموضوع مثيراً دهشة جيسيكا) هل ترغبين بتناول البوظة؟
وافقت ميجان بسرور: اجل.
ساعدهما في حمل الاغراض وساروا معاً نحو كافتيريا قريبة.
دان: يبدو انكما اشتريتما اغراضاً كثيرة اليوم.
اجابت ميجان باعتزاز: اشترت لي الدكتورة جيسيكا مجموعة كبيرة من الثياب.
رمق جيسيكا الصامتة بنظرة سافرة وهم يدخلون القاعة المبردة:
دان: لاعجب في ذلك فهي صاحبة ذوق رفيع.

هتفت الصغيرة مشيرة باصبعها الى احدى الزوايا: هناك طاولة شاغرة.
دان: اسرعي اليها ياميجان ( وتطلع الى جيسيكا مردفاً ) تفضلي يادكتورة نيل.
تقدمت جيسيكا بصمت وما ان جلسوا الى الطاولة حتى سألها دان بتهكم: ماذا تطلبين ياجيسيكا بوظة مثل ميجان؟
تعلم انه يسعى لاثارة غيظها فحافظت على هدوئها واجابت: سأتناول فنجاناً من الشاي شكراً.
نادى دان الخادم باشارة من يده وطلب: نريد صحناً كبيراً من البوظة للسيدة الصغيرة وفنجانين من الشاي شكراً.
ولما ابتعد الخادم نظر الى ميجان مردفاً: هل ستمضين اجازتك مع الدكتورة جيسيكا؟
ميجان: أجل فقد سبق للدكتورة ان وعدتني باحضاري الى هنا لتمضية العطلة وكعادتها فقد وفت بوعدها لي.
دان: عظيم! انه وعد يستحق الوفاء حقاً.

ميجان: هل انت طبيب ناجح مثل الدكتورة جيسيكا؟
توردت وجنتا جيسيكا من جديد وهي تستمع بانزعاج الى الحوار الدائر امامها.
دان: اتمنى ذلك.مارأيك ياجيسيكا؟
ابتسمت جيسيكا مجيبة بدهاء: وهل لاحد ان يتناقش في مقدرة جهاز كومبيوتر على تقديم معلومات صحيحة؟
جهلها خلفيات الحديث لم يسمح لميجان بان تدرك حقيقة ماقصدته جيسيكا في كلامها لكنها لاحظت نبرة العداء الواضحة في كلماتها فنظرت بذهول الى الاثنين تحاول اكتشاف حقيقة مايجري.

لم تغب حركتها عن انتباه دان فبادر الى ايضاح الأمر لها:ماعنته الدكتورة جيسيكا هو اني طبيب لامع ان لم أقل أفضل منها.
ونظر الى غريمته بتحد مردفاً:هذا ماعنيتيه في كلامك أليس كذلك؟
ترددت جيسيكا في الاجابة لكنها ما ان لاحظت نظرات ميجان الحائرة وانتظارها للرد حتى تنهدت مبتسمة رغماً عنها: وهل يمكن ان أعني غير ذلك؟
لم يشكرها على جوابها بل اكتفى بالابتسام وهو يتناول اقداح الشاي من الخادم فوجئت جيسيكا خلال جلستهم بتعلق دان بالاطفال حتى ميجان ارتاحت له وتخلصت من الحياء الذي قيد حركتها في لقائها الآخرين.بامكانه ان يكون لطيفاً حينما يشاء لكن لطافته مع ميجان تختلف تماماً عن اللطافة التي أبداها نحوها في الماضي لم تتصور ابداً ان شخصاً كــ دان ترافورد يبدي اهتماماً بالاطفال الا في مايتعلق بمهنته وتساءلت ان كانت قد تسرعت في الحكم عليه من خلال ماسمعته من أقاويل واخبار؟لكن الوقائع كلها ضده وعلاقته بسيلفيا سامرز تمنعها من مراجعة حساباتها وطرد الاوهام من مخيلتها.

رافقهما دان الى حيث اوقفت جيسيكا السيارة وتقدم من الصغيرة قائلاً بحنان صادق: سررت بمعرفتك ياميجان.
ميجان:  شكراً يادكتور دان على البوظة.
وضعت جيسيكا الاغراض في السيارة واجلست ميجان في المقعد الامامي ثم تقدمت من دان مخاطبة: اشكرك على تصرفك اللطيف مع ميجان.
دان: بامكاني ان أكون أكثر لطافة لوحاولت ان تكتشفي ذلك.
احتارت كيف تفسر شعورها نحوه في هذه اللحظة ونظرت اليه قائلة بصوت عال: لن نشغلك اكثر شكراً على الدعوة.
انحنى امامها قائلاً بسخريته المعهودة: هذا من دواعي سروري.
ما ان ابتعدت بسيارتها مسافة قصيرة حتى نظرت بالمرآة لتجده واقفاً حيث تركاه ومالبث ان لوح بيده مودعاً وكأنه أحس بنظراتها فتوردت وجنتاها وضاعفت من سرعة السيارة كي تتخلص من تأثيره عليها.
قالت ميجان وهما تهمان بدخول المنزل حاملتين العلب والاكياس: ألم يعجبك الدكتور ترافورد كما اعجبني؟
جيسيكا: بلى أظن ذلك.

سألتها الطفلة بفضول:اذن لماذا بدوت غاضبة عند بداية حديثنا معه؟
جيسيكا: لم أكن غاضبة بل فوجئت بقدومه.
لم تشأ جيسيكا الاسترسال في هذا الاستجواب المحرج فطلبت من الصغيرة ان تبادر الى ترتيب حاجياتها الجديدة في الخزانة الخشبية الصغيرة في غرفتها.

وقفت جيسيكا تراقب فيفيان والصغيرة تبتعدان في السيارة في طريقهما الى مزرعة آل كينغ كل شئ يسيرعلى مايرام حتى الآن ومن المؤكد ان خطتها ستنجح كما توقعت لها.
مضى الوقت بطيئاً بعد الظهر واضطرت جيسيكا لمغادرة المنزل مرة واحدة حينما استدعيت على عجل للكشف على احد مرضاها في الجوار.
قضيت معظم وقتها في التفكير بما يجري الآن في المزرعة تنتظر بقلق عودة ميجان.
رن الهاتف في غرفة الجلوس فرفعت السماعة لتسمع صوت اوليفيا بوضوح:جيسيكا؟ لقد غادرتا المزرعة الآن وأظنك ترغبين بمعرفة كيف تصرفت فيفيان. اطمئني ياعزيزتي بدت أماً حقيقية. وفرانسين أيضاً أحبت الصغيرة. اعتقد ان خطتك قد نجحت.

جيسيكا: هذا ماتمنيته منذ البداية فميجان طفلة لطيفة.
اوليفيا: انها اكثر من لطيفة واذا لم تقرر فيفيان شيئاً حيالها فأنا على استعداد لتبنيها.
جيسيكا: انت رقيقة القلب يااوليفيا.
اوليفيا: انت تفوقين الجميع رقة ولطافة.سأراك لاحقاً.
انهمكت جيسيكا بالعمل في الأيام التالية فبقيت ميجان بمعية السيدة اوبريان طوال فترة غيابها عن المنزل. حتى ان فيفيان أصرت على ان تنام الصغيرة معها عندما تضطر جيسيكا للعمل ليلاً. فمانعت جيسيكا في بادئ الامر حتى لاتثير شكوك فيفيان لكنها وافقت في النهاية امام حماس ميجان وتعلقها الشديد بالدكتور اوبريان وزوجته.
بعد مرور أسبوع على وجود ميجان في لويزفيل توجهت جيسيكا برفقة دان الى مستوصف خارج المدينة دأب على زيارته شهرياً. وفي الطريق خارج لويزفيل اخبرها دان باقتضاب عن المستوصف وعن أهل القرية المحيطة به.

- الحالات المرضية كثيرة هناك بالرغم من الطقس الجميل والهواء المنعش النقي.
كان المستوصف يعج بالمرضى فباشر دان عمله بالاهتمام بالرجال منهم بينما تولت جيسيكا الكشف على النساء والاطفال. بدت في قمة السعادة وهي تزور للمرة الاولى مستوصفاً وبقيت في عملها حتى مابعد الظهر عندما غادرا القرية عائدين الى لويزفيل سالكين هذه المرة الطريق الزراعية بين اشجار الصنوبر وغابات القصب. تمددت جيسيكا منهوكة في مقعدها لكن فرحة لخوضها تجربة جديدة في عملها. بعد دقائق وصلا الى الطريق الرئيسية المارة في سفح الجبل فسلكا درباً شديد الانحدار تتخلله منعطفات قاسية.

وعند احد المنعطفات فوجئ دان بجمهرة من الناس متحلقين حول شاحنة لنقل الماشية يتراكضون في ذعر وفوضى.
فاضطر الى الضغط على مكابحه بكل ماأوتي من قوة وأوقف السيارة الى جانب الطريق وترجل من السيارة هاتفاً: جيسيكا استيقظي. اظنه حادث اصطدام.
استقرت الشاحنة عند حافة المنحدر بعدما حطمت أوتاد الأمان المنصوبة على جانبي الطريق مقدمتها تتأرجح في ذلك الفراغ الرهيب بينما الدواليب الخلفية مازالت عالقة بأعجوبة بعدد من الاوتاد وبعض الحجارة.

صاح رجل من بين الفضوليين: أنا سعيد برؤيتك يادكتور ترافورد هذا الرجل بحاجة لمساعدة ( وأشار بيده الى رجل جالس في الجانب الآخر للطريق واضعاً يديه فوق رأسه ثم اردف ) لقد استطاع ان يقفز من الشاحنة قبل ارتطامها اما السائق فمازال في مقصورة القيادة ولاندري أحي ام لا.
اصدر دان اوامره بسرعة: اتجه فوراً الى المستوصف القريب واخبرهم بما حدث واطلب منهم ان يجلبوا رافعة أو أي شئ آخر لسحب هذه الشاحنة بعدها اتصل بالمستشفى في لويزفيل ليرسلوا لنا سيارة اسعاف حالاً.

- سأذهب بأقصى سرعة.
توجهت جيسيكا الى حيث جلس المصاب حاملة حقيبتها الطبية وباشرت بالاسعافات الأولية.
ثم استدارت نحو دان وهو يراقب عملها قائلة: لقد اصيب برضوض مختلفة وبتمزق في عضل يده وحالته لاتدعو للقلق. ماذا بشأن الرجل في الشاحنة؟
دان: ليتني أعلم مدى اصابته. فنحن عاجزان عن القيام بشئ قبل سحب الشاحنة.
فكت جيسيكا المنديل من حول عنقها وتناولت من حقيبتها قطعاً من القطن لفتها ثم احكمت ربطه وقالت بهدوء: لاأظن ان الوضع يتحمل الانتظار.
صاح دان بحدة وهو يراقبها تربط المنديل حول خصرها:ماذا ستفعلين؟
جيسيكا: سأتسلق سطح الشاحنه في محاولة للوصول الى مقصورة القيادة ( وأردفت بجدية بالغة ) دان يجب ان أصل الى السائق قبل فوات الأوان.
دان: هل جننت؟ قد تنزلق هذه الشاحنة في أية لحظة.
جيسيكا: على احدنا ان يصل اليه يادان. سأحاول أنا أولاً.

صاح مزمجراً من شدة غضبه: عليّ اللعنة ان تركتك تقومين بهذا العمل المجنون.
لم يؤثر صياحه فيها وبقيت على عنادها:
جيسيكا: بحق السماء يادان لاتؤخرني. ان لم يكن قد مات هذا المسكين فانه ولاشك يحتضر.
دان: لن تخاطري بحياتك ياجيسيكا.
جيسيكا: أفضل ان اخاطر بها لانقاذ حياة انسان بدلاً من أن اقف مكتوفة اليدين.
تدخل أحد الرجال كان يسترق السمع اليهما مقاطعاً: لدي حبل في السيارة نستطيع ان نربط به مؤخرة الشاحنة بجذع احدى الاشجار في الجانب الآخر من الطريق.بعضنا يتوزع على الطريق لتحذير السيارات القادمة والبعض الآخر يقوم بملء صندوق الشاحنة بعدد من الاحجار لتتوازن مع ثقل السيدة.

نظر دان الى الرجل شزراً وهتف: اسمع ياهذا...
قاطعته جيسيكا بسرعة: اعجبني اقتراحك ولكن اسرع بالتنفيذ.
بادر الرجل فوراً الى توزيع المهام على بقية الرجال. ثم اومأ الى جيسيكا للصعود الى الشاحنة وما ان همت بذلك حتى استوقفها دان قائلاً: أتدركين خطورة ماتفعلين؟
جيسيكا: أجل أدرك ذلك.
دان: انت تخاطرين بحياتك لأجل شخص قد يكون ميتاً.
جيسيكا: أعلم هذا لكن علي ان اتأكد. هذه الشاحنة تتأرجح بين الموت والحياة ولن تتحمل ثقل وزنك.
دان: هذا صحيح انما...
جيسيكا: هلا ساعدتني فالوقت ليس في صالحنا.
دان: أرجوك، احترسي!
دفعها من الوراء برفق حتى طالت يدها الزاوية الحديدية للصندوق، فتأرجحت الشاحنة تحت ثقلها محدثة صوتاً مخيفاً دفع دان إلى الصراخ لجلب المزيد من الأحجار لاعادة التوازن.

مرت الثواني ثقيلة احسها دان دهوراً، راحت جيسيكا خلالها تسير على مهل و بحذر في الصندوق الضخم باتجاه مقصورة القيادة. العرق يتصبب منها غزيراً، و شعرت بخوف لم تحسه من قبل. لكنها لن تتراجع أبداً عن محاولة الوصول إلى السائق، و لو سيكلفها ذلك حياتها. لم تأبه برائحة رذاذ الماشية المنبعثة من زوايا الشاحنة فقد كانت مشغولة بقطع تلك المسافة القصيرة و الخطيرة في آن معاً. أمتار قليلة تفصلها عن السقوط إلى قعر الوادي السحيق.
وصلت بعد جهد إلى مكان السائق حيث المرحلة الاصعب في محاولتها الخطيرة. فتسلقت سور الصندوق ووقفت على حافته لتجد نفسها في الهواء تنظر إلى الهاوية، و دواليب الشاحنة الأمامية ما زالت في دورانها محدثة صوتاً رهيباً.

احست بدوار مفاجئ و بجفاف شديد في حلقها، فالمناطق المرتفعة تشكل احدى نقاط ضعفها.
أما الآن فلا مجال للتراجع فالأمر يتعلق بحياة انسان، فاحكمت قبضتها على حديدة ناتئة في مقدمة صندوق الشاحنة واضعة رجليها باضطراب عند النافذة و متجنبة النظر إلى الأسفل. ثم دفعت نفسها ببطء إلى الأمام تحاول قدر الامكان الاحتفاظ بتوازنها و ضغطت على حلقة الباب حتى فتحته، فدخلت مقصورة السائق و اتكأت بهدوء قرب الرجل المغمى عليه خلف المقود.

أغلقت جيسيكا باب الشاحنة علّ ذلك يزيدها شعوراً بالأمان، و استدارت ناحية الرجل تتحقق من اصابته. لاحظت جرحاً بالغاً في صدغه ينزف بغزارة، فمدت يديها تتفحصه برفق بحثاً عن جروح اخرى.
سمعت دان يناديها باعلى صوته: جيسيكا.... جيسيكا؟
صاحت من الداخل مجيبة: إني بقرب السائق و هو ما يزال حياً، حتى الآن على الأقل.
خلعت منديلها الحريري الملفوف حول عنقها و ربطت به رأس المصاب لتمنع سيلان الدم.
مرت الدقائق بطيئة، لكنها لم تعد تكترث للوقت أو تهتم للخطر المحدق بها. انصب اهتمامها على اسعاف المصاب شاكرة ربها على أنه فقد وعيه كي لا يشعر بالآم الجرح. علا صوت دان من جديد: ابقي مكانك، فسيارة المستوصف في طريقها إلى هنا.

و لم تمض دقائق حتى سمعت جيسيكا منبه السيارة مدوياً بالقرب من الشاحنة و صراخ دان: اسرعوا بربكم، فالشاحنة تكاد تهوي.
تنفست جيسيكا الصعداء، فالنجدة وصلت و عما قليل ستخرج المصاب من هنا و يتم نقله إلى المستشفى.
دان: الزمي مكانك يا جيسيكا، سيقومون بسحب الشاحنة نحو الطريق و لن يكون الأمر سهلاً.
أمسكت بطرف المقعد، و ثبتت رجليها في أرض الشاحنة ملقية بثقلها فوق جسم المريض و هتفت بنبرة وجلة: إني مستعدة.
اهتزت الشاحنة لثوان بدأت بعدها في التراجع نحو الطريق، و عاد الخوف يدب في أوصالها، فاغمضت عينيها حتى لا ترى ما يحدث. أقل خطأ و تنتهي الشاحنة في قعر الوادي.

فجأة توقفت الحركة و خيم هدوء غامض على المكان، فتحت جيسيكا عينيها لتجد نفسها محاطة برجال الانقاذ و قد أصبحت الشاحنة في وسط الطريق. سارع دان إلى فتح الباب ليطمئن عليها:
دان: جيسيكا؟
في صوته حنان لم تعهده من قبل، و وجهه الشاحب يعكس اضطرابه و قلقه. قميصه الأبيض تلطخ بالبقع السوداء، و سرواله الرمادي يعلوه الغبار. مرر أنامله المرتجفة على شعره بانفعال، و أوشكت أن تمسك بتلك الأنامل الواجفة و تحضنها براحتيها لتطمئنها، لكن الوقت لا يسمح بذلك.
جيسيكا: عليك أن تساعدني يا دان، نجحت في وقف النزيف لكنه أصيب بالاغماء و نبضه ضعيف.
أحاطت ذراعاه بخاصرتها يساعدها على الترجل من الشاحنة، و أصدر تعليماته إلى رجال الاسعاف بنقل المريض فوراً إلى المستشفى.

تناولت حقيبتها تلحق بالمسعفين:
جيسيكا: سأرافق المصاب إلى السيارة.
دان: سألحق بك إلى المستشفى.
صعدت إلى جانب المصاب و قبل أن يقفل رجل الاسعاف الباب، نظرت إلى دان الواقف إلى جانب سيارته مبتسماً، و لوحت له بيدها.

قصص مشابهة:
الآراء والتعليقات على القصة
قصص و روايات مختارة