قصص و روايات - روايات عالمية :

رواية المجهول الفصل السابع هذا القدر من الفرح والارتياح

رواية المجهول للكاتبة ايفون ويتال

رواية المجهول الفصل السابع هذا القدر من الفرح والارتياح

 لم يكن الوقت في صالح جيسيكا، فالرجل الممدد في غرفة العمليات مصاب بنزيف داخلي، و الممرضة المساعدة تشير إلى أن نبضه يضعف بصورة مطردة. ما تحتاجه هو خمس دقائق أخرى قد تنقذ حياة إنسان و تنشله من براثن الموت.

حتى دان الواقف قربها لم يستطع أن يفعل شيئاً، فتفادى الاثنان النظر إلى بعضهما البعض و حتى التكلم منهمكين في محاولة يائسة لانقاذ المصاب. و دأبت على الالتفات بين الحين و الآخر إلى جهاز التنفس يخف تدريجياً منذراً بوقوع الكارثة. يداها المغطتان بقفازين ملوثين بالدماء، لم تتوقفا عن العمل لثانية واحدة تحاول في احداهما إبقاء مجرى الدم مفتوحاً بين العمل لثانية واحدة تحاول في احداهما ابقاء مجرى الدم مفتوحاً تحطم الاعصاب و القلب، و في الاخرى معالجة التمزق الذي احدثه تحطم الاضلاع من جراء السقطة. لكن الوقت لا يرحم تمضي ثوانيه بسرعة مقربة المصاب من حتفه.

رفعت الممرضة كمامتها الملطخة بالدماء و همست بيأس و خيبة:
- لقد مات يا دكتورة نيل.
التفتت جيسيكا بهلع إلى الشاشة السوداء المعلقة قربها، تطلق صوتاً رتيباً متواصلاً معلنة توقف قلب المريض عن الخفقان. لقد خذلها الوقت فلم يمهلها دقائق خمساً لينتصر في النهاية، فتراجعت مهزومة تغسل يديها. بينما أعطى دان تعليماته إلى الممرضة المساعدة:
- لقد انتهى الأمر، فاجري اللازم يا آنسة، و اعملي على ابلاغ ذويه.

لحق دان بجيسيكا إلى غرفة الملابس منادياً باسمها، لكنها لم تشعر برغبة في التكلم معه، و ضاعفت خطواتها تهرباً من مواجهته. تريد أن تختلي بنفسها و لو لدقائق معدودة تلتقط فيها انفاسها، فما ان وصلت إلى الحمام حتى قفلت الباب خلفها بقوة حابسة نفسها مع الحزن و الخيبة.

استعادت هدوءها رويداً رويداً من غير أن تتمكن من مسامحة نفسها على ما فعلته في غرفة العمليات. لابد من أنها أخطأت. لكن كيف؟ حدقت في يديها تستعيد مراحل العملية علها تكتشف شيئاً، لكن ذاكرتها أبت التعاون تاركة اياها فريسة الندم و الشرود. فجأة و هي تخلع ثوب الجراحة، تذكرت حادثة بسيطة سبقت صدور ذلك الصوت عن آلة التنفس، و لاحت صورة المصاب امامها من جديد تعيدها إلى واقعها الحزين. لقد غاب عن بالها ما رأته قبل أن تعلن تلك الآلة اللعينة الخبر المشؤوم. لقد تلوث قميصها و قفازاها ببقع الدم المجمد في الوقت الذي بدأ المضبع يشق طريقه في صدر المصاب. مما يعني أن عنصر الوقت هو الذي قضى على المريض و ليس مضبعها. لو كان بامكانها إيقاف الزمن أو اختلاس بضع دقائق أخرى فربما كانت كافية لمنع قلب ذلك المسكين عن التوقف.

عند خروجها وجدت دان واقفاً في وسط الرواق قاطعاً عليها المرور. ما يزال مرتدياً ثوب الجراحة الملوثة و على وجهه أكثر من سؤال:
- هل أنت بخير؟
- إني... إني على ما يرام.
- هذه الأمور تحدث دائماً يا جيسيكا.
- أعلم ذلك.
- لقد فعلت ما بوسعك.
أدارت وجهها ناحية النافذة و عيناها تكادان تدمعان:
- لكن... آه، علي أن أملأ بعض المستندات و أتهيأ لمقابلة ذوي المريض.
حط يده على كتفها تمنعها من التحرك:
- جيسيكا... إياك أن تخاطري بحياتك مرة أخرى.
التقت نظراتهما لثوان اعادت إليهما تلك الدقائق الرهيبة التي قضتها في الشاحنة المتأرجحة على حافة الوادي.
احست أنه يقاسمها خوفها على نفسها، فالقلق البادي في عينيه ربما كان صادقاً و ارتعاش أنامله فوق كتفها يؤكد ظنها.
- طبت مساء يا دان.

شعرت بنظراته تتبعها حتى نهاية الرواق لكنها لم تجرؤ على الاستدارة، مخافة أن يلاحظ الدمع و قد خطط أهدابها بعد أن لبت عيناها نداء قلبها الموجوع.
في صباح اليوم التالي، جلست جيسيكا على شرفتها ترشف قهوتها و تنظر إلى الصحيفة الموضوعة أمامها مبرزة في صفحتها الأولى خبر قيامها بذلك العمل البطولي لانقاذ سائق الشاحنة.

لم تحتمل قراءة تفاصيل النبأ، فهي لا تعتبر ما قامت به عملاً خارقاً يستحق كل هذه الضجة، لقد أدت واجبها تجاه انسان بحاجة للمساعدة، لكنها فشلت في انقاذ حياته. فأين البطولة في ذلك؟
لم ينقطع هاتفها عن الرنين طوال النهار، فالناس تريد معرفة تفاصيل الحادث منها شخصياً. فانهمرت عليها اسئلتهم بالحاح مستفسرين حيناً و مهنئين حيناً آخر. لكنها في نهاية المطاف اضطرت إلى نزع شريط الهاتف لتهنأ بقسط ضئيل من الراحة.

عند المساء سمعت جيسيكا طرقاً خفيفاً على باب منزلها، و لما فتحته وجدت دان ترافورد متكئاً على حافة الباب. ابتسم ملقياً التحية:
- مرحباً يا جيسيكا. كنت...
قاطعته قبل أن ينهي عبارته:
- دعني اتكهن بما ستقول. لقد كنت ماراً فرأيت أنوار المنزل مضاءة و فكرت بأن تعرج لتناول القهوة. أليس كذلك؟
لم ينتظر دعوتها له و دخل الغرفة و الابتسامة لا تفارق وجهه:
- أنت تقرأين أفكاري يا جيسيكا.
سارت أمامه نحو المطبخ هاتفة:
- هذا ما لن أفعله أبداً.
وقف بالقرب منها يراقبها تحضر القهوة ثم سأل بمكر:
- هل نامت ميجان؟

- أجل لكن ليس هنا. قد يستدعونني إلى المستشفى في أية لحظة،فارتأيت أن تقضي ليلتها عند بيتر و فيفيان.
جلس على كرسي قريب من الطاولة فوضعت فنجان القهوة أمامه و جلست في مواجهته.
- يبدو أن ميجان تمضي معظم عطلتها مع فيفيان بدلاً من ان تمضيها معك.
- هذا لأني منهمكة بالعمل هذه الايام وفيفيان مولعة بالاطفال عدا ان بقاءها مع فيفيان كان الحل المناسب في الوقت الذي اضطر فيه للبقاء في العيادة.

- لاشك في ذلك.
لم تعجبها لهجته الساخرة فانتفضت بانفعال سائلة:
- الى ماذا ترمي يادان؟
- اعتقد ان جلب ميجان الى هنا كان خطة مدروسة.
- حقاً؟
- اجل فــ فيفيان وبيتر لم يرزقا اولاداً وميجان فتاة يتيمة وان نحن جمعنا الحالتين معاً نكوّن عائلة مثالية.
- لكني يا دان...
قاطعها وكأنه يدرك مايجول في خاطرها:
- لن أضيف كلمة أخرى ان كان هذا ماتخشينه كل ما أريده هو التأكد من صحة ظني.
تململت جيسيكا في مقعدها:
- كيف عرفت؟

- الأمر في منتهى البساطة فـ بيتر لم يترك مناسبة الا وتحدث فيها عن ميجان وعن الاوقات الممتعة التي يقضيانها معاً وهذا مادفعني الى التساؤل عن حقيقة المدة التي أمضتها معك انها أدلة كافية على ماحاكت يداك.
- حل رائع لكلا الطرفين. ألا توافقني الرأي؟
- بكل تأكيد انما لايغب عن بالك استحالة التلاعب بمشاعر العالم كما يحلو لك.
تعلم انه على حق في مايقول لكنها لم ترد الاعتراف بذلك واحست بكرهها له فأجابت بعناد:
- انه الحل الافضل.

افرغ فنجانه دفعة واحدة ودفعه بعيداً عنه ثم تطلع اليها ساخراً:
- وماذا سيحصل في حال فشلت خطتك الذكية؟
- سيخيب ظني طبعاً.
- والصغيرة المسكينة سترسل في أول قطار الى الميتم الذي جائت منه كطرد بريدي غير مرغوب فيه.
- لاتتكلم عنها بهذه الطريقة.

- واجهي الحقيقة ياجيسيكا جعلت الصغيرة تدرك معنى الحرية وترى مايوجد خارج جدران سجنها أعدتها الى اجواء العائلة التي عرفتها مرة واحدة منذ زمن بعيد ومن الاجحاف ان تعيديها من جديد الى واقعها المرير في الميتم.
استدارت لتواجهه لكنها فوجئت به وقد وقف خلفها مباشرة فاستندت الى الحائط تبرر موقفها:
- لقد حسبت حساب كل شئ ان اخفقت خطتي فأنا من ستتحمل تأنيب الضمير ولا احد غيري.
- يسعدني سماع ذلك لأني للمرة الاولى لن أشاركك هذا العبء.

أجابت بحدة من غير ان تتمكن من السيطرة على ارتعاشها:
- لم أتوقع ان يشاركني احد ذلك.
- انت جميلة حين تغضبين!
- اصمت. ارحل من هنا وأتركني وشأني.
- هل يمكنني ان اخفف من تأنيب ضميرك؟
رفعت وجهها بثقة:
- ضميري مرتاح.
- حقاً؟ لن يظل طويلاً على هذه الحالة.
اجابت بسرعة تحاول مقاومة نظراته المزعجة:
- أرحل قبل ان ...

لم تقوى على اكمال تهديدها فقد عانقها بحرارة طال لهيبها كل جسمها.
حاولت الافلات لكن يده انسلت الى عنقها تمنع عليها الحراك فوضعت راحتيها على صدره تجاهد في الامتناع عن التجاوب. لكن مقاومتها لم تدم طويلاً واختلطت دقات قلبيهما بعدما فقدت السيطرة على أحاسيسها لكنها ما ان افلتها من طوق ذراعيه حتى احست بجسامة ما ارتكبته.
- لم تكملي عبارتك ياجيسيكا.
احست بالاهانة التي حمّلها جملته فتراجعت خجلة تجاهد في السيطرة على اضطرابها:
- من الأفضل ان ... ان تذهب.
تقدم منها وكأنه لم يسمع ماقالت هامساً في اذنها:
- أهذا أمر؟

أحست بشحنات كهربائية تسري في عروقها دفعتها الى دفن وجهها في صدره. انه سيد الموقف ويدرك تماماً مايفعله فهتفت بصوت متهدج:
- أرجوك يادان... أرجوك توقف.
سلط عليها نظرات سافرة وقال وهو يترك يديها المرتجفتين:
- حسناً، كان الامر يستحق المحاولة.
خرج من غير ان يزيد كلمة أخرى وبقيت جيسيكا مسمرة حيث تركها تلعن نفسها على الضعف الذي اظهرته مع هذا الطبيب المراوغ انها تشعر بميل هائل اليه وقد يكون حباً لكنه لايشكل مبرراً لاستسلامها له بهذه الطريقة السهلة. اتكأت على الكرسي الخشبي خلفها تتكهن برأيه فيها بعد الذي حصل منذ دقائق. لم تفكر يوماً ان تنافس فتاة أخرى على قلب رجل وخاصة سيلفيا سامرز. وان لم تتحكم أكثر بعواطفها في المستقبل فان دان سيظن انها تسعى لانتزاعه من حياة سيلفيا.

في الأيام التي تلت انهمكت جيسيكا بالعمل فلم تسنح لها الفرصة لتهتم بمشاكلها العاطفية لكن الشئ الوحيد الذي لم تستطع التخلي عن التفكير به كان قضية ميجان وكلام دان عن امكانية فشل خطتها فعطلة الصغيرة شارفت على الانتهاء من غير ان تفاتحها فيفيان برأيها فيها.
ارتأت التحقق من حقيقة الأمر بنفسها فدعت ميجان الى منزلها لتمضية السهرة وبعد العشاء انتقلتا الى غرفة الجلوس حيث تمددت جيسيكا على الاريكة الطويلة وطوقت الصغيرة بذراعيها مستفهمة بحنان:

- كنت عابسة الوجه طوال الوقت هل هناك مايزعجك؟
أجابت ميجان من غير تردد وقد ازداد تجهم وجهها:
- سأغادر هذا المكان غداً.
- هل استمتعت بعطلتك؟
اغرورقت عينا الصغيرة بالدموع:
- آه كثيراً لكن ... كم اتمنى ان أبقى الى الأبد.
رفعتها جيسيكا بذراعيها تضمها الى صدرها برفق وتمسح دموعها:
- ما الذي اعجبك اكثر في هذه العطلة؟
- كل شئ لكن صداقة فرانسين تبقى الأفضل فهي حقاً نعم الصديقة واتفقت معها على تبادل الرسائل و ... آه لقد نسيت العمة فيفيان والعم بيتر لقد احببتهما كثيراً وكأنهما والداي.

- هل انت متأكدة من أحساسك هذا؟
اسندت الطفلة رأسها إلى كتف جيسيكا و طوقت عنقها بذراعيها:
- ليتني أبقى هنا و لا أعود إلى ذلك الميتم الكريه. سأشتاق إليهم و إليك أنت أيضاً.
ضمتها جيسيكا إلى صدرها تاركة شعر الصغيرة الناعم يخفي دموعاً ترقرقت على وجنتيها.
- و أنا أيضاً سأشتاق إليك، سآخذك إلى سريرك.
أدخلت جيسيكا الصغيرة إلى غرفتها، و بعد أن تأكدت من أنها غفت نزلت إلى الطابق السفلي و تسللت من باب المطبخ إلى الحديقة متجهة إلى منزل آل اوبريان. لم تقرر بعد كيف ستفاتح بيتر بالأمر و لكنها لن تلغي خطتها و تترك الأمور كما هي عليه.

ما زالت مكتبة بيتر مضاءة، فأتجهت على مهل إلى نافذة المكتبة ووقفت تسترق النظر الى الداخل. فيفيان بين ذراعي زوجها تشهق بالبكاء كمن حلت به مصيبة. لم يسبق أن رأتها بهذه الحالة فالصقت أذنها بالنافذة تحاول التنصت إلى ما يدور بين الزوجين.
- لا يمكنني أن ادعها تعود يا بيتر.
اكتفت جيسيكا بهذا القدر من التجسس خشية أن ينتبه أحدهما لوجودها، و قفلت راجعة إلى مسكنها. لا بد و أن فيفيان تعني الطفلة بكلامها، فأغلقت الباب خلفها بهدوء و جلست في غرفة الجلوس تتوقع أن يقرع بابها بين اللحظة و الأخرى.

و حدث ما توقعته، فبعد نصف ساعة سمعت قرعاً خفيفاً على باب المطبخ فسارعت إلى اشعال النار تحت غلاية الماء قبل أن تفتح الباب.
ابتسمت للزائرين مرحبة:
- تفضلا، كنت أحضر فنجاناً من الشاي و يسعدني أن تشاركاني.
- سنشربه معك هنا، في المطبخ.
حضرت الأكواب بينما جلس بيتر و فيفيان إلى الطاولة ساكتين.
نجحت فيفيان في إزالة آثار الدموع عن عينيها، من غير أن تفلح في اخفاء اضطرابها عن جيسيكا و هي تقدم لها كوب الشاي.
- جيسيكا... في ما يختص بميجان

 

كتمت جيسيكا انفعالها و سألت متصنعة جهلها سببب زيارتهما:
- ما بها ميجان؟
سارع بيتر إلى الاجابة بلهجة حازمة:
- نرغب بتبنّيها.
انفرجت أسارير جيسيكا فجأة و هتفت بسرور:
- يا له من قرار!
لم يلحظ أي من الزوجين وقع الخبر على جيسيكا، و أردفت فيفيان مستوضحة:
- هل هناك من قد يعترض على ذلك؟ أعني... أحد أقربائها أو أي وصي عليها؟

- لن يعترض أحد يا فيفيان.
التفت بيتر إلى زوجته مبتسماً:
- في هذه الحالة لا اعتقد أننا سنواجه أية مشكلة.
أرادت فيفيان أن تتأكد من أن كل شيء سيكون على ما يرام فقالت مقترحة:
- علينا بالتحدث إلى ميجان أولاً، فقد لا تروق لها الفكرة.
- سأناديها حالاً، فأنا أعرف ميجان و هي و لا شك ما زالت مستيقظة.
أوقفها بيتر قبل أن تتخطى باب الغرفة:

- قبل أن تفعلي ذلك جيسيكا، نود أن نخبرك بما قررنا أن نفعله. لا نريدها أن تعود إلى جوهانسبرغ غداً فبامكانها اكمال سنتها الدراسية هنا في لويزفيل.
علت شفتي جيسيكا ابتسامة عريضة و أجابت موافقة:
- إني واثقة من إمكانية تدبير ذلك. فلوالدي صلات وثيقة مع أحد النافذين هناك، و بامكانه مساعدتنا.
تبادل الزوجان نظرات الرضى قبل أن تلتفت فيفيان إلى جيسيكا:
- هل يمكننا التحدث إلى ميجان الآن؟
- سآتي بها في الحال.

انحنت جيسيكا فوق سرير الطفلة هامسة برفق:
- ميجان حبيبتي، يسعدني أنك لم تنامي بعد. بيتر و فيفيان يودان التحدث إليك.
لم تجب جيسيكا على اسئلة الصغيرة و هي ترتدي خفيها بسرعة واعدة اياها بأنها ستعرف كل شيء عما قريب. و أمسكتها بيدها و نزلتا معاً إلى المطبخ، حيث تبادلت الصغيرة مع الزائرين نظرة سريعة، التفتت بعدها فيفيان نحو زوجها سائلة:
- هلا أوضحت الامر لميجان يا بيتر؟
رد الدكتور أوبريان بحنان:
- سأترك الامر لك يا عزيزتي.
فتحت فيفيان ذراعيها و نادت ميجان بتودد:
- تعالي يا حبيبتي.
هرولت الطفلة تطوق عنق عمتها بذراعيها الصغيرتين بينما اردفت فيفيان بتأثر:
- ما رأيك بالبقاء هنا معنا؟
- تعنين معك و مع عمي بيتر؟

- أجل يا حبيبتي.
لمعت عينا ميجان فرحاً مستفهمة:
- بصورة دائمة؟
- أجل، فنحن نرغب بأن تكوني ابنتنا.
لم تصدق الطفلة أذنيها فهتفت:
- أتريدان أن تتبنياني؟
- أجل... (و لاح طيف الشك في عيني فيفيان للحظات ثم أكملت) شرط أن تكوني راغبة في ذلك أيضاً.
دمعت عينا الطفلة و غمرت فيفيان متمتمة:
- أجل، أجل أرجوك!

اختلطت دموع السيدة اوبريان بدموع الصغيرة و ضمت الطفلة بقوة إلى صدرها تدفن وجهها في الضفائر الناعمة:
- ميجان، حبيبتي لقد أدخلت السعادة إلى قلبينا بعد سنين طويلة من الغم و التعاسة.
وقفت جيسيكا تنظر إلى المشهد المؤثر بعينين تشعان فرحاً. فخطتها لقيت النجاح الذي توقعته لها و أفلحت في تكوين اسرة سعيدة.
رفعت الطفلة رأسها تسأل فيفيان:
- أهذا يعني أني لن أعود إلى جوهانسبرغ غداً؟
رد بيتر بحزم:
- من الآن و صاعداً ستبقين معنا في لويزفيل.
قفزت الطفلة هاتفة بفرح:
- آه، كم أحبك يا عمتي فيفيان، و أنت أيضاً يا عمي بيتر!
- و الآن يجب أن تخلدي للنوم يا ميجان و في الصباح الباكر سآتي لأصحبك إلى منزلنا.

أجابت الطفلة مطيعة:
- حسناً،تصبحون على خير... و أشكركما على تبنيكما لي.
لم تعد جيسيكا قادرة على كبت دموعها، فأشاحت بوجهها ناحية النافذة تاركة لعينيها حرية التعبير عن فرحها و تأثرها. و ما ان غابت الطفلة عن ناظري فيفيان حتى اتكأت على ذراع زوجها متمتمة:
- و الآن يمكنني أن أسترسل في البكاء.
اعترض بيتر محذراً:
- لا لن تفعلي، فقد بكيت كفاية هذه الليلة.
مسحت عينيها باناملها موافقة:
- أظنك على حق يا بيتر، أنا آسفة يا عزيزي.

انحنى الدكتوراوبريان أمام زوجته و احتواها بذراعين، و مرة أخرى أشاحت جيسيكا بوجهها عن مشهد عاطفي، انما من نوع آخر.
- سأتكلم الليل مع والدي و سيطلعني على نتيجة اتصالاته في الصباح.
أمسك بيتر بيد زوجته و توجها نحو الباب:
- حسناً، الأمر بين يديك الآن يا دكتورة نيل.
أغلقت جيسيكا الباب خلفهما، و ما أن خلت بنفسها حتى راحت تقفز فرحاً و زهواً، و هرعت إلى غرفة الجلوس لتتصل بوالدها.
وفت فيفيان بوعدها في اليوم التالي، و جاءت في ساعة مبكرة لاصطحاب ميجان و مساعدتها في نقل حوائجها إلى منزلها الجديد. و ما ان اقفلت جيسيكا الباب خلفهما حتى رن الهاتف في غرفة الجلوس و كان المتحدث والدها.

- أنباء سارة يا جيسيكا، أوراق التبني ستكون جاهزة غداً و سترسل في أسرع وقت ممكن إلى المحكمة في لويزفيل.
احتارت جيسيكا لشدة فرحها كيف تشكر والدها، و أقفلت السماعة بسرعة و توجهت مباشرة إلى العيادة حيث دخلت على الفور غرفة بيتر لتعلمه بالأمر.
تراخى الدكتور أوبريان على كرسيه مبتسماً:
- شكراً يا جيسيكا ( و لمعت عيناه ببريق غريب مردفاً) لم تبد عليك علامات الاستغراب ليلة البارحة حين أنبأناك بعزمنا على تبني ميجان و كأنك على علم بقرارنا.

أدركت جيسيكا القصد من عبارته، فأجابت بصدق متجنبة النظر في عينيه:
- بعد أن وضعت أوليفيا طفلها، و خلال تبادل الحديث مع فيفيان اكتشفت لديها توقاً إلى أن يكون لها طفل.
- لذلك تعمدت جلب ميجان إلى هنا، و كل ما يحدث الآن هو نتيجة خظة رسمتها بنفسك!
- لقد راهنت بالرغم من فداحة الخسارة، و لكني في المقابل كنت أعلم أني لو نجحت سأدخل السعادة إلى قلوب ثلاثة.
- أنت انسانة مميزة يا دكتورة جيسيكا.

و نهض عن كرسيه ليقف في مواجهة النافذة، من غير أن ينجح في إخفاء دموعه عنها. و سادت الغرفة دقائق صمت طويلة احتارت جيسيكا خلالها ماذا تفعل، أتبقى أم تخرج؟ لكن صوته علا من جديد بنبرة حزينة:
- طوال السنين المنصرمة حاولت و فيفيان أن نتظاهر أمام بعضنا و أمام الناس بعدم اكتراثنا بانجاب الأولاد، و أظن أننا نجحنا في ذلك، إلى أن دخلت ميجان حياتنا. ابتسامة واحدة منها كانت كافية لتصب الزيت على النار كنت أخال سعيرها قد همد في قلبينا. ابتسامة واحدة كشفت لنا الفراغ الهائل الذي تعاني منه حياتنا. كلنا وقعنا في حب ميجان منذ النظرة الأولى وهي بادلتنا الشعور ذاته في وقت قصير وكأنها فرد من العائلة لاأدري كيف أشكرك على صنيعك هذا ياجيسيكا.

- لالزوم للشكر يادكتور اوبريان لأنه سيزيد من احراجي.
ولم تعطه الفرصة ليتفوه بكلمة أخرى وخرجت عائدة الى عيادتها. لم تشعر بهذا القدر من الفرح والارتياح منذ أمد بعيد. لقد كسبت الرهان واعادت الحياة الى منزل بيتر وفيفيان وخلصت تلك الطفلة من براثن ذلك الميتم الكريه انه تحديها الثاني لدان ترافورد ولكنه مازال متفوقاً عليها بنقاط كثيرة...
ما ان مضى على دخولها عيادتها دقائق حتى فوجئت بدان واقفاً كعادته قرب الباب:
- آه ، الدكتورة نيل صانعة الأعاجيب. ضربة من عصاك السحرية قلبت عائلة اوبريان رأساً على عقب.
- الا تشاركهما سعادتهما يادان؟

افتر فمه عن ابتسامة هازئة هاتفاً:
- وكيف لا؟ لكن يجب ان تشكري حسن طالعك على ان الامر انتهى الى هذه النتيجة والا لكانت الطفلة الآن في طريقها الى حياة تكره كل لحظة فيها وتلاحقك لعنتها الى الأبد.
اجابت بهدوء وعيناها لاتفارقان عينيه:
- لقد شكرت حسن طالعي على شئ آخر أيضاً وهو انه لن تسنح لك الفرصة لتردد على مسمعي ذلك التحذير الذي مابرحت تردده.
- انك تسيئين فهمي ياجيسيكا فأنا لاأقلل من أهمية ماقمت به لكن رهانك كان خطيراً.

- اتظن اني اغفلت خطورته؟ لقد امضيت ليال طويلة اصارع الخوف والهواجس ناهيك عن القلق من امكانية فشل خطتي. لكنها في النهاية نجحت. فارجوك احتفظ من الآن وصاعداً بملاحظاتك الساخرة لنفسك.
- مهنتك كطبيبة تفرض عليك الاعتناء بحالة مرضاك الجسمية وليس حالتهم النفسية وان كنت ستنجرفين في المستقبل وراء عاطفتك في تعاملك معهم فأنا اقترح ان تقلعي عن مزاولتك الطب وتبحثي لنفسك عن مكتب تعالجين فيه المشاكل الاجتماعية والنفسية لدى الناس.

انتفضت جيسيكا بحنق ظاهر و هتفت بملء صوتها:
- أنك على حق، فقد أقوم بذلك قريباً.
التقت نظراتهما للحظات، ثم طوق خصرها بذراعيه مقرباً إياها منه بقوة كادت تمنع عليها التنفس، و قال بابتسامته المعتادة:
- أتعلمين يا جيسيكا؟ تبدين أكثر إغراء عندما تغضبين.
همت بالكلام لكنه أحنى رأسه و عانقها، فحاولت التملص من ذراعيه لكنه أمسك بيديها وراء ظهرها ثم راح بحنكة الخبير يهمس باسمها قرب اذنيها. و لم تعد قادرة على المقاومة فاستسلمت راضخة إلى تلك الكتلة من اللهب.
سمعا طرقاً على الباب فافلتها دان بسرعة و استدارت ناحية مكتبها تحاول إخفاء احمرار وجنتيها عن عيني الممرضة هانسن و هي تدخل الغرفة لتجمع ملفات المرضى:
- آه، مازلتما هنا؟

أجاب دان بهدوء حسدته عليه جيسيكا المضطربة:
- كنا على وشك الرحيل.
- لقد اتصلوا بك من المستشفى يا دكتور ترافورد، فالسيدة روكس تعاني من ألم حاد في الصدر و صعوبة في التنفس.
- سأذهب في الحال (و توقف عند الباب ملقياً نظرة أخيرة على جيسيكا) سأراك لاحقاً.
وقفت الممرضة عند الباب ترقب دان يبتعد في آخر الرواق، و قالت:
- بالرغم من صغر سنك كطبيبة، فقد فرضت نفسك في هذا المكان و لمّا يمض على وصولك أكثر من ثلاثة شهور. لقد حظيت باعجاب الجميع و تقديرهم، مما سيسبب كدراً للبعض في هذه المدينة الصغيرة.
أجابت جيسيكا و هي تدقق في محتويات حقيبتها الجلدية:
- لقد بذلت ما في وسعي لأقوم بواجبي كاملاً.

- أنت تقومين بأكثر من ذلك. تعاملين الناس بطريقة مختلفة. أي أنك تنظرين إليهم كبشر و ليس كسلعة. لنأخذ الدكتور اوبريان مثلاً...
قاطعتها جيسيكا تدافع عن رجل بدأت تعجب به و بعمله:
- بيتر اوبريان طبيب رائع.
ردت الممرضة مبتسمة:
- لا مجال للمجادلة حول هذه النقطة. لكن أنظري ما صنعت به. لم أره في حياتي فرحاً كما كان اليوم. كلنا يعرف حالة زوجته و قصة اصابتها بالعقم، لكن لم يأت أحد على ذكر ذلك لأننا لاحظنا أن حرمانهما من الأولاد لا يسبب لهما أية مشكلة. إلى أن جئت و اكتشفت حاجتهما فلم تقفي مكتوفة الأيدي مثلنا، بل حاولت المساعدة و أفلحت.

- آنسة هانسن أنك تخجلينني. لقد ساعدتني الظروف و الا لما نجحت في مسعاي. فلا يمكنني ان أطالب الآخرين بتبني طفل، فمن المرجح أنهم سيرفضون طالبين مني عدم التدخل بأمور لا تعنيني، لكن صدف أني أعرف طفلة تدعى ميجان تشاركهما الحاجة نفسها. أما الباقي فقد تحكمت به العاطفة وحدها.
- ما زلت اعتبر عملك رائعاً و لن أغير رأيي.

و خرجت من الغرفة بينما أمضت جيسيكا بضع دقائق في ترتيب مكتبها قبل أن تعود إلى منزلها. أخجلها كلام الممرضة هانسن عن عملها و احست بالحرج و تمنت في قرارة نفسها لو يحذو دان حذو الآخرين و يتخلى عن ملاحظاته الجارحة 

قصص مشابهة:
الآراء والتعليقات على القصة
قصص و روايات مختارة