قصص و روايات - روايات عالمية :

رواية المجهول الفصل الثاني بعنوان لا يختلف عن غيره من الرجال

رواية المجهول للكاتبة ايفون ويتال

رواية المجهول الفصل الثاني لا يختلف عن غيره من الرجال

امضت جيسيكا عطلة نهاية الأسبوع في توضيب حاجياتها و إعادة ترتيب أثاث المنزل بطريقة تتناسب و ذوقها. بدأت فكرة العيش وحدها في مسكنها الصغير القابع على كتف حديقة آل أوبريان الغناء، فهنا ستحقق أمنية أمها و تكون طبيبة و امرأة في آن معاً.

في ساعة مبكرة من صباح الاثنين، اصطحبها بيتر إلى المنزل القديم في إحدى ضواحي المدينة و الذي يشغله كعيادة بعيداً عن الضوضاء و الزحمة أول من التقت كانت الممرضة اميلي هانسن التي بالرغم من علامات الدهشة الفاضحة التي ارتسمت على وجهها عند تعارفهما، رحبت بها بحرارة متمنية لها التوفيق في عملها، ثم استدارت ناحية الدكتور أوبريان.

اميلي: اتصل الدكتور ترافورد منذ دقائق و سيتأخر في المجيء إلى العيادة
بيتر: هل أعطاك سبباً لذلك؟
اميلي: ذهب عند الفجر إلى مزرعة آل كرايسون
بيتر: ماذا حصل؟
اميلي: رفس ثور هائج أحد العاملين في المزرعة، و حالته تتطلب ادخاله المستشفى لاجراء عملية مستعجلة
التفت بيتر نحو جيسيكا قائلاً:
بيتر: يبدو أنك ستمضين اليوم الأول بمفردك يا دكتورة. هل بمقدورك تسيير الأمور إلى حين رجوعي؟
أجابت الطبيبة الشابة بهدوء و ثقة:
بكل تأكيد

بيتر:حسناً، إن اردت الاستفسار عن شيء، نادي الآنسة هانسن و سأكون في المستشفى ان احتجتما إلي
دخلت جيسيكا عيادتها بعد رحيل بيتر، تلقي نظرة على محتوياتها و تتفحص خزانة الملفات و أسماء المرضى، حين دخلت عليها الممرضة
اميلي: هل تودين القيام بجولة للتعرف على المكان؟
جيسيكا: و لم لا؟

سارتا في الرواق الأبيض و قد زينت جدرانه لوحات هادئة الألوان و المناظر. توقفت الممرضة أمام إحدى الغرف قائلة:
هذه الغرفة تابعة لعيادتك (و اشارت بإصبعها إلى الغرفتين المجاورتين) و هاتان الغرفتان للدكتور أوبريان و تلك للدكتور ترافورد
جيسيكا: و لماذا غرفتان؟
ابتسمت الممرضة اميلي معلقة: لن تطرحي هذا السؤال بعد أن تشاهدي شدة الازدحام هنا
جيسيكا: مازلت لا أرى فائدة من وجود غرفتين لكل طبيب
اميلي: وجودهما يتيح لك الكشف على مريضين في آن معاً. تعالي
و أخرجت معطفاً قصيراً أبيض
اميلي: من المؤسف أنه ليس مقاسك، فقد كان معداً لرجل
فتحت جيسيكا حقيبتها الجلدية و تناولت سترة بيضاء مطوية بعناية و وضعتها على المقعد خلف مكتبها
جيسيكا: لا بأس، فقد جلبت سترتي معي.

ابتسمت الممرضة بلطف و علقت:
تصرف ذكي من جانبك يا عزيزتي، فهذه السترات الجاهزة لا تعجبني أبداً
جيسيكا: متى يبدأ المرضى بالتوافد؟
اميلي: اعتقد أنهم بدأوا لتوهم، فأنا اسمع جلبة في غرفة الانتظار
جيسيكا: إذن، من الأفضل أن تباشري عملك في الحال و لا تدعيهم ينتظرون. أليس كذلك؟
اميلي: في الحال يا دكتورة.

ما إن أغلقت الممرضة الباب خلفها، حتى أسرعت جيسيكا إلى ارتداء سترتها البيضاء ملقية نظرة سريعة على الغرفة تتحقق من مكان وجود آلات الطبابة. إنها عيادة صغيرة و مريحة تحوي كل ما قد يلزمها أثناء الكشف على المريض. سرير جلدي طويل و عالي مكسو بغطاء أبيض، و خلفه شاشة مربعة تظهر عليها نتائج الفحوص مباشرة. قرب المكتب، خزانة زجاجية صفت عليها آلات معقمة و بعض الأدوية الضرورية. إنها تجربة جديدة و غريبة تمر بها، فعملها هنا يختلف تماما عما كانت تقوم به في جوهانسبرغ.

لقيت جيسيكا بعض الصعوبات في تعاملها مع الدفعة الأولى من المرضى، و راعها ما لاحظته من تعابير متناقضة على وجوههم. فمن دهشة عند ولوجهم الغرفة إلى حيرة و ارتباك خلال الكشف، لينتهي الأمر باذعان حذر لارشاداتها. لكنها كانت تعلم في قرارة نفسها ان حيرتهم هذه ستزول فور مغادرتهم العيادة و في حوزتهم الوصفة الطبية.

تطلعت إلى ما تبقى من أسماء على اللائحة المعلقة أمامها، و نادت بأعلى صوتها
المريض التالي
دخل مزارع ضخم الجثة لفحت وجهه شمس البيادر و فتلت ساعديه أعمال الحقل، خلع قبعة القش الكبيرة عن رأسه الضخم بوقاحة سائلاً بصوت أجش:
هل استعان الدكتور أوبريا بممرضة أخرى؟
جيسكا: لست ممرضة يا سيد بوشوف، بل طبيبة مساعدة
فتح المزارع فاه مشدوهاً
المزارع: أأنت الطبيب الجديد؟

ردت جيسيكا ببرود متعمدة:
هذا صحيح. مما تعاني يا سيد بوشوف؟
أشار باصبعه الغليظة إلى صدره شارحاً:
إنها الكحة يا... يا دكتورة. تكاد تقتلني و تسبب لي ألماً مبرحاً هنا. هل بإمكانك اعطائي دواء ناجعاً لها؟
تقدمت منه على مهل ممسكة بسماعتها
جيسيكا: سأكشف عليك أولاً
انتفض الرجل فجأة و تراجع إلى الوراء مزمجراً بانفعال:
تكشفين علي؟

لم تأبه جيسيكا لردة فعله، و أشارت إلى العازل
جيسيكا: اخلع قميصك يا سيد بوشوف و استلق على السرير
تناول قبعته ملوحاً بها و كأنه يحمي نفسه
المزارع: لن أخلع قميصي أمام امرأة. صفي لي الدواء و لن أزعجك بعد ذلك
حدجته جيسيكا بنظرة فاحصة و هتفت بتذمر:
اسمع يا سيد، ليست المرة الأولى التي تقع عيناي على رجل كاشف الصدر، فاخلع قميصك و دعنا من هذه الحركات السخيفة
المزارع: لن أفعل امام امرأة غير زوجتي. و أنت.

قحة مفاجئة صدرت خلف المزارع قاطعة عليه عبارته، فاستدارت جيسيكا ناحية الباب، لتلتقي عيناها بعينين رماديتين ترمقانها بنظرة شرهة، أثارت فيها ارتباكاً تخظى تأثيره حدود المفاجأة
لم تهتم بسؤاله عمن يكون، فهالة الرجولة المحيطة بقوامه الرشيق و منكبيه العريضين، شلتها قبل ان تتمكن من الكلام
الرجل الداخل: هل حدث سوء يا دكتورة؟
جيسيكا: أريد أن اكشف على السيد بوشوف لكنه يأبي خلع قميصه
تدخل المزارع معترضاً بانفعال:
انها امرأة يا دكتور ترافورد.

التفتت جيسيكا من جديد ناحية المتطفل، عند سماعها اسمه، تمعن النظر فيه بذهول مشوب بالاضطراب. ما برح واقفاً على عتبة الباب، يبادلها النظرات بعينين وقحتين لا يرف لهما جفن
دكتور ترافورد: و لا تنس يا صديقي أنها أيضاً طبيبة، و من المؤكد أنها رأت خلال عملها مئات الرجال الكاشفين عن صدورهم. لا تكن غبياً يا رجل و اخلع قميصك
انصاع المزارع لأوامر الدكور ترافورد و خلع قميصه متلعثماً:
بئس هذه الأيام اللعينة، فالعالم و لاشك سائر إلى الخراب
غادر الطبيب ترافورد الغرفة بهدوء كما ظهر، فالتقطت جيسيكا آلتها و بدأت الكشف على المريض من غير ان يبدي اعتراضاً
استغرق الأمر دقائق قامت جيسيكا بعدها لتغسل يديها
جيسيكا: بامكانك ارتداء قميصك ياسيد بوشوف
المزارع: مالأمر يادكتورة؟
جيسيكا: احتقان في شعيباتك الرئوية،هل تدخن؟

المزارع: نعم
جيسيكا: كم سيكارة يومياً؟
المزارع: ادخن...ادخن كثيراً
اعادت جيسيكا السؤال بلهجة آمرة:
هيا ياسيد بوشوف،كم سيكارة؟
اجاب المزارع بتذمر:
حوالي الستين على مااعتقد،ولاتحاولي ان تسأليني التوقف عن التدخين
جيسكا: لن اطلب منك التوقف عن التدخين لكني سأسألك التقليل منه أو التوصل الى تدخين نصف العدد الحالي، ثم اردفت قبل ان تسمع اعتراضه
سأصف لك دواء وعد الى هنا بعد اسبوع.

تناول المزارع قبعته بسخط واتجه نحو الباب:
من الأفضل ان ارى الدكتور اوبريان أو الدكتور ترافورد
ابتسمت جيسيكا وهي تكتب نوع الدواء على ورقة صغيرة امامها ثم تمتمت بتهكم:
كما تشاء ياسيد بوشوف
علت ضحكة جيسيكا بعد خروج المزارع حانقاً من عيادتها فالتحدي الخفي بين كونها امرأة وعدم اعتياد المرضى على ذلك ظهر جلياً منذ اليوم الأول لكن ضحكتها هذه لم تدم طويلا مع دخول المريض التالي.

تهادت جيسيكا على مقعدها بعد ان تأكدت ان المرأة التي خرجت لتوها من الغرفة كانت آخر اسم لديها لهذا الصباح. لقد نالت ماكانت تسعى اليه منذ فترة وأحست بتغيير في حياتها كطبيبة.كانت على حق عندما تجاهلت تحذيرات والدها وأقدمت على المجئ الى هذا المكان أفاقت من شرودها عند سماعها وقع خطوات خلفها،فاستدارت لتجد نفسها مرة.

أخرى وجهاً لوجه مع دان ترافورد الذي لم يكتف هذه المرة بالوقوف عند الباب بل تقدم من مقعدها بقامته الطويلة مسلطاً عليها نظرات وقحه
ألقت جيسيكا نظرة سريعة على الزائر الجذاب من غير ابتسام
حدق دان ترافورد فيها طويلا ولم يترك مكاناً من جسمها الا وتفحصه
من شعرها الأشعث حتى حذاءيها مما بعث فيها رجفة خفيفة لم تقو على اخفائها فتململت محركة كتفيها بعصبية واضحة.ثم تمتمت بصوت خافت:
لالزوم للتعارف بعد ان اسدى اليّ السيد بوشوف خدمة جلة، اريد ان أشكرك يادكتور.

دان ترافورد: لاتشكريني فربما احتجت لمساعدتك يوماً ما
لم تدرك جيسيكا حقيقة مايرمي اليه لكن شعوراً داخلياً ينبئها بأن ماقصده لايتعلق بالعمل ابداً،فأجابت:
بما اننا سنعمل معاً في الأشهر القادمة فانني سأكون مسرورة ان نحن تعاونا في العمل
ارتسمت على ثغر دان ترافورد ابتسامة ماكرة اثبتت لجيسيكا صدق شعورها وقال معلقاً
يسرني سماع هذا الكلام.

حدقت جيسيكا طويلا في هاتين العينين المسلطتين عليها تحاول اقناع نفسها بأن صاحبها لا يختلف عن غيره من الرجال الذين مروا في حياتها لكنها مضطرة للأعتراف بأن دان يتمتع بميزة خاصة لم تعرفها من قبل ميزة النفاذ الى القلب بسرعة وقدرته العجيبة على جعلها تحس انها امرأة اذ ان كلماته اعادت اليها في لحظات شعورها بالأنوثة
ارتبكت وأشاحت بوجهها نحو النافذة محاولة اخفاء قلق ارتسم فجأة على محياها ولم ينقذها من هذا الموقف المحرج سوى دخول بيتر اوبريان الغرفة.

بيتر: آه،انت هنا يادان اراك قد تعرفت على زميلتنا الجديدة
رد دان ببرودة من غير ان تطلق عيناه سراح جيسيكا:
اجل لقد تعارفنا
هتف بيتر موزعاً نظراته بين الأثنين:
حسناً هل سارت الأمور على مايرام هذا الصباح؟
ابتسم الدكتور ترافورد بسخرية قاطعاً على جيسيكا فرصة اخبار بيتر بما حدث مع المزارع بوشوف: على أفضل مايرام يابيتر.

التفت بيتر نحو الممرضة التي دخلت لتأخذ ملفات المرضى عن طاولة جيسيكا وقال:
هل اتصل أحد ياآنسة هانسن؟
اميلي: كلا بامكانك الذهاب الى المنزل والتمتع بوجبة طعام هانئة
صفق دان هاتفاً بفرح
لم اسمع نبأ ساراً كهذا منذ شهور(والتفت الى جيسيكا متسائلاً)هل ترافقينني؟
حافظت جيسيكا قدر الامكان على هدوئها وأجابت متصنعة البراءة
اتعني الى الغداء؟
رد دان بلهجة هازئة: طبعاً الى الغداء دكتورة
اعتذرت جيسيكا بتهذيب لكن بحزم:
اعمال كثيرة علي القيام بها قبل ان يصبح بامكاني القول اني انهيت ترتيب المنزل.شكراً على الدعوة
اجاب دان بلهجة تعكس عدم اكتراثه:
ياللأسف .القاكم بعد الظهر.

خيم صمت طويل على القاعة بعد رحيل دان قطعته الممرضة هانسن معلقة
اعرف شيئا واحداً عن الدكتور ترافورد وهو عدم تخليه عن المحاولة مهما حصل ربما هذا سبب نجاحه كطبيب
ضاعت تعابير وجه الدكتور اوبريان بين العبوس والابتسام
بيتر: كلامك ياآنسة هانسن وكلام زوجتي سيجعلان جيسيكا تظن اننا نؤوي رجلا خطيراً في عيادتنا
صاحت الممرضة مدافعة عن دان
لا،ليس هذا ما قصدته ليس الدكتور ترافورد من هذا النوع ابداً،انما يملك قوة غريبة تجعل منه شخصاً لاتصده امرأة.

ابتسم بيتر بمكر معلقاً:
اتعنين انه جذاب للغايه ياآنسة هانسن؟
توردت وجنتا الممرضة خجلا واحتارت كيف تخفي ارتباكها،فصاحت
اذهبا لتناول الغداء واتركاني وشأني
ماكادت جيسيكا تنهي غداءها حتى سمعت رنين الهاتف في غرفة الجلوس
اعتذر لازعاجك في وقت الغداء فالدكتور ترافورد غادر العيادة لتوه الى المستشفى والدكتور اوبريان في اجتماع هام للغاية
التقطت جيسيكا القلم وسألت بقلق:
ماالأمر ياآنسة هانسن؟
ردت الممرضة موضحة
لقد تلقيت مكالمة من اوم هاني دلبورت وهو تاجر مشهور في البلدة يقول ان زوجته سقطت وتشكو من ألم رهيب
جيسيكا: ارشديني الى المنزل لأمضي حالاً.

الممرضه: يملكان محلاً ملاصقاً لمكتبة لوغان ومنزلهما يقع خلفه مباشرة
اعادت جيسيكا سماعة الهاتف الى مكانها ومضت بعد ان تناولت حقيبتها الى منزل آل دلبورت
لم تجد صعوبة في اتباع تعليمات الممرضة وفي دقائق كانت تقرع باب المنزل فاستقبلها رجل مرتبك قدمت له جيسيكا نفسها
سيد دلبورت،انا الدكتورة نيل
تنحى اوم دلبورت جانباً مفسحاً لها المجال لتمر
اهلا يادكتورة ارجوك اتبعيني
لحقت جيسيكا بسيد المنزل بقامته النحيلة وعظامه النافرة الى غرفة النوم
جعلتها تستلقي بعد ان غسلت قدميها بالماء الساخن ولكنه لم يجد في تخفيف المها
وفي الغرفة المظلمة تمددت امرأة ضخمة الجثة رمادية الشعر على سرير خشبي قديم تئن بصوت خافت وكأنها تحتضر .وضعت جيسيكا حقيبتها على كرسي قريب وتقدمت من المريضة مبتسمة.

مرحباً ياسيدة دلبورت.انا الدكتورة نيل
نظرت السيدة بطرف عينيها الى جيسيكا وتمتمت بالرغم من المها
لايبدو عليك ذلك مازلت يافعة ياصغيرتي
تقبلت جيسيكا كلام العجوز مبتسمة بالرغم من كرهها الشديد لتشبيهها بالطفلة
ستسمحين لي ان اكشف عليك.أليس كذلك؟
افعلي ماتشائين لكن ازيلي عني هذا الألم المبرح.

هم الرجل بمغادرة الغرفة لكن جيسيكا استوقفته وهي تباشر الكشف على العجوز
بامكانك البقاء هنا ياسيد دلبورت
راحت يداها الصغيرتان تتلمسان بلطف وحذر معدة العجوز تحاول تحديد موضع الألم
منذ متى تعانين هذه الآلام ياسيدة دلبورت؟
قاطعتها العجوز بلهجة محببة وهي تعيد اتداء ملابسها بمعاونة زوجها
ارجوك ناديني العمة ماريا فالكل يناديني بذلك
وأشارت بسبابتها الى العجوز الجالس على حافة السرير
وزوجي يدعى اوم هايني
انكما ثنائي لطيف اخبريني الآن عن آلامك
تنتابني هذه الآلام باستمرار منذ عدة اسابيع تقوى تارة وتخف تارة اخرى لكن هذه هي الأسوأ
وزفرت زفرة طويلة مخفقة في اخفاء المها عن الطبيبة الشابة
جسيسكا: لماذا لم تعرضي نفسك على طبيب؟
ماريا: ظننت ان الأمر لايتعدى عسر هضم بسيط
ساد صمت ثقيل التقت خلاله عيناها عيني جيسيكا.

ماريا:ماالأمر ياصغيرتي؟صارحيني ارجوك
جيسيكا: لايمكنني الجزم في الوقت الحاضر،ياعمتي لكني اعتقد ان الآمك ناتجة عن حصاة في الكلية
صاحت العجوز باشمئزاز اضحك جيسيكا
حصاة؟ومن اين جاءت هذه الحصاة؟
فتحت جيسيكا حقيبتها وشرعت في تحضير حقنة
انها تتكون في المثانة ياعمتي لكني لن اسهب الآن في تفسير ذلك سأعطيك مايخفف المك واطلب منك ان تمضي عدة أيام في المستشفى
رددت العجوز بذهول عبارة الدكتورة وما ان همت بالاعتراض حتى قلبتها جيسيكا على بطنها
لتغرز رأس الابرة في جلدها.

اريد ان اصورك بالأشعة فبهذه الطريقة نتأكد من صحة تشخيصي للداء وبعدها نقرر مايجب عمله
ماريا: لايمكنني دخول المستشفى ماذا سيحدث لهايني خلال مكوثي هناك؟
علا صوت السيد دلبورت للمرة الأولى منذ وصول جيسيكا ورد بلهجة مطمئنة حازمة
لاتقلقي علي ماريا سأتدبر اموري لابأس يادكتورة سأدخلها المستشفى في الحال
حسناً ياسيد دلبورت سأقوم بالاجراءات اللازمة.

بعد لحظات قليلة كانت جيسيكا وراء مقود سيارتها البيضاء تواجه مشكلة مضحكة ومزعجة في آن معاً لقد اخبرتها الآنسة هانسن عن وجود ثلاث ابنية عالية في لويزفيل .الأولى الهيكل الحجري والذي تعرفه جيسيكا جيداً لوقوعه في الطريق المؤدي الى العيادة والباقيتان المدرسة الرسمية والمستشفى وكلاهما بان ل جيسيكا بوضوح وهي تقود سيارتها في الطريق العام ولكن الصعوبة تكمن في معرفة اي منهما هي المستشفى.

لم يكن امامها وهي الغريبة عن البلدة سوى اتباع السهام المغروزة الى جانب الطريق حيناً وسؤال المارة حيناً آخر الى ان وصلت في النهاية الى الباحة الواسعة المحيطة بالمستشفى ودخلت المبنى المجدد والمحاط بأشجار الصنوبر وتغطي جدرانه نباتات خضراء نضرة كانت تفكر في حالة السيدة العجوز وصحة تشخيصها للمرض الذي تعاني منه عندما سمعت صوت دان ترافورد خلفها مباشرة.

ياللصدفة الرائعة
أهو حظها العاثريفرض نفسه اليوم حتى تلتقي الرجل الذي منذ لقائها الأول يتعمد بجسارة القضاء على رصانتها والتأثير على ثقتها بنفسها؟
.اقترب منها دان مبتسماً بسخرية
تبدين وكأنك تائهة هل تبحثين عن أحد؟
كنت...اريد ان اقوم بالأجراءات اللازمة لادخال احد المرضى قبل المساء فعليها ان تخضع لصور الأشعة في اسرع وقت ممكن
اتبعيني يادكتورة نيل
سارت جيسيكا خلفه في الرواق المؤدي الى الادارة
مااسم المريضة؟
السيدة دلبورت
استدار دان ناحيتها وقد ارتفع حاجباه دهشة
العمة ماريا صاحبة البنية الضخمة؟مابالها هذه المرة؟

اعتقد انها البحصة
تمتم دان وهو يهم بدفع الباب المؤدي الى مكتب استقبال المرضى
هل انت متأكدة من انها البحصة؟
كل التأكيد(وأضافت بشئ من التهكم)هل تشك في صحة تشخيصي يادكتور ترافورد؟
لم أشك لحظة في صحة تشخيصك يادكتورة نيل لكن قد يكون الأمر مجرد سوء هضم بسيط
اني متأكدة من ان الأمر ليس كذلك .الى اللقاء
دخلت المكتب مقفلة الباب خلفها.لم تلتقي قبلاً رجلاً بمثل سماجة دان ترافورد وتأثيرة على مزاجها فقد كانت فيفيان على حق في وصفها له لكن الوقت الآن لايسمح باثارة مثل هذه الأمور خاصة وان السيدة دلبورت مرهونة بسرعة ادخالها المستشفى.

اتمت جيسيكا الاجراءات اللازمة وقبل ان تعود ادراجها الى السيارة استرعى انتباها صوت خطوات سريعة تتبعها وأحست بقشعريرة باردة تسري في انحاء جسمها
دكتورة نيل
انه صوته يضج في انحاء الرواق بنبرة التهكم التي لاتفارق عباراته
جمدت في مكانها واستدارت لتجد دان يسد عليها الطريق بطلته المؤثرة وقامته الممشوقة.

هل لديك مانع في حمل مجموعة من صور الأشعة وتسليمها لبيتر فهو يود الاطلاع عليها؟
بكل تأكيد يادكتور ترافورد
ناولها دان ظرفاً مختوماً معاوداً الكلام
بالمناسبة يادكتورة نيل ان احتجت الى استشارة ثانية بشأن العمة ماريا فأنا في خدمتك
كتمت جيسيكا غيظها ونظرت الى محدثها مبتسمة بهدوء مصطنع
شكراً على عرضك اللطيف يادكتور ترافورد لكني لاأشك لحظة في تشخيصي
لم يقدر دان على كتم ضحكة اطلقتها شفتاه وقال هازئاً
آه كم تعجبني هذه الثقة بالنفس
كيف اتوقع من مرضاي ان يمنحوني ثقتهم اذا لم اكن املك الثقة الكافية بنفسي؟

اجاب محافظاً على نغمة الهزء نفسها التي غشت عباراته حتى الآن
صحيح...صحيح.
احست نفسها كبركان على وشك قذف حممه وسألته بجفاء
اهناك خدمة اخرى يادكتور ترافورد؟
بقي ان تقبلي دعوتي الى العشاء الليلة
بدا التحدي واضحاً في كلامه جلياً في نظراته فاحجمت عن الكلام لثوان طويلة وكأن شللاً اصاب دماغها لكنها تمالكت نفسها مجيبة بهدوء
اني واثقة من انك ستجد شخصاً مسلياً اكثر مني تمضي معه وقت فراغك يادكتور ترافورد
هز رأسه موافقاً وقد اغاظه رفضها المتكرر لدعوته
لاشك في ذلك يادكتورة نيل.

غاب دان في نهاية الرواق تاركاً اياها فريسة زوبعة هائلة من القلق والحنق مرة اخرى تتجنب تحديه وتظهر جبناً متهربة من دعوته لها فحملت افكارها المتعبة الى سيارتها واتجهت الى العيادة لتستقبل من جديد سيلاً من المرضى
فور دخولها عيادتها القت نظرة سريعة على ملفات المرضى الموضوعة على مكتبها وراحت تدقق فيها قبل المضي في الكشف على اصحابها استوقفها ملف امرأة في المراحل الأخيرة من حملها تدعى اوليفيا كينغ لها من العمر تسع وعشرون سنة حازت على اعجاب جيسيكا فور ولوجها الغرفة بقامتها القصيرة وشعرها الحريري الراقص على كتفيها تبادلت الاثنتان ابتسامة رقيقة ونهضت جيسيكا عن كرسيها مرحبة.

مساء الخير ياسيدة كينغ تفضلي بالجلوس
تهادت السيدة الحامل على المقعد
شكراً يادكتورة
الملف يدل على انك احدى مريضات الدكتور اوبريان
هذا صحيح وفور علمي بأن الطبيب الجديد امرأة اخبرته بأني افضل عرض نفسي عليك من الآن وصاعداً
ابتسمت جيسيكا بلباقة
لم اظن اني سأسمع هذا الكلام من احد مرضاي اليوم
هتفت السيدة بتعجب
لماذا؟

معظم مرضاي ياسيدة كينغ اصيبوا بصدمة عندما علموا بأن امرأة ستقوم بالكشف عليهم وللمرة الأولى منذ وصولي الى هنا اجد من يقصد عيادتي لأنني امرأة
في الحقيقة كنت اخشى ان يسبب توجهي الى طبيب آخر اساءة الى بيتر لكن لكونك امرأة اعطاني العذر المناسب.
عفواً ياسيدة كينغ لكني لم افهم ماتعنين لماذا تحتاجين العذر لتبدلي طبيبك؟

ارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتي المريضة واردفت شارحة
فيفيان زوجة بيتر هي اخت زوجي ومن غير اللائق التخلي عن طبيب تربطني به صلة قرابة.
حسناً هلا خلعت ثيابك ياسيدة كينغ وارتديت هذا القميص الأبيض سأعود بعد دقائق لأكشف عليك
اتجهت جيسيكا الى غرفة الطوارئ لاسعاف ولد اصيب بجرح عميق في احد اصابعه وعادت مباشرة الى عيادتها حيث استلقت السيدة كينغ على السرير الجلدي لم يستغرق الكشف سوى دقائق قالت جيسيكا بعده معلقة.

لم يبق امامك مدة طويلة ياسيدة كينغ
ابتسمت المريضة تاركة جيسيكا تساعدها في النهوض
انه طفلك الأول أانت متحمسة للفكرة؟
جداً حتى انها باتت تؤثر على اعصابي
لاحاجة للقلق ياسيدة كينغ
ضحكت اوليفيا ضحكة رنانة
هذا ماقاله لي بيتر ومع ذلك لم اتخلص من القلق تماماً ناهزت الثلاثين وسمعت قصصاً كثيرة عما تعانيه المرأة في هذه السن اثناء الولادة الأولى
جلست جيسيكا الى مكتبها تدون بعض الملاحظات ثم التفتت الى مريضتها
لاادري سبباً لشغف بعض الناس في اثارة هلع الآخرين
السبب هو وجود اشخاص اغبياء مثلي يصدقون مثل هذه الأخبار اريد الطفل مهما كلف الأمر
وستحصلين عليه ياسيدة كينغ

اغمضت اوليفيا عينيها وأسندت رأسها الى حافة المكتب
سيضفي على المنزل جواًمن المحبة والألفة وبه ستتوطد علاقتي بزوجي اكثر فأكثر لزوجي ابنة صغيرة من زوجته الأولى رحمها الله،ولكن هذا لم يؤثر على علاقتنا فهي اكثر من متينة وهذا الطفل يادكتورة نيل سيزيدها روعة ومتانة
ماأسم ابنة زوجك؟
فرانسين
ارتسمت مسحة من القلق على وجه اوليفيا
حماسها غير معقول وهذا احد الأسباب التي تقلقني
قلقك في غير محله ياسيدة كينغ كل شئ سيسير على مايرام فأنت شابة وأنا واثقة من انك تفوقينني قوة وعزماً
اشعر بارتياح وأن اتحدث اليك وأرجو ان تقومي بزيارتي في المزرعة قريباً شرط عدم الكلام في شؤون العمل

اشكرك على هذه الدعوة اللطيفة ياسيدة كينغ
لنتخل عن الشكليات ادعى اوليفيا وكما قالت فيفيان عند قدومي الى لويزفيل كلنا عائلة واحدة هنا وهي على حق في ذلك
حسناً اتفقنا
ارجو ان تستمتعي بالعيش بيننا فالناس هنا لطفاء جداً
ونهضت عن مقعدها متابعة
والآن علي ان اذهب
نهضت جيسيكا بدورها مذكرة
يجب ان اكشف عليك من جديد بعد اسبوع
بكل تأكيد شكرا على هذه الجلسة الرائعة
الاستماع الى مرضاي جزء من مهنتي
انت لطيفة للغاية الى اللقاء في الاسبوع المقبل وربما قبل ذلك.

حدقت جيسيكا طويلاً في الباب بعد ان اغلقته اوليفيا وراءها تفكر في هذه السيدة الفتية صاحبة الوجه الناعم والسحر الذي لايخفى على احد اعجبت ببراءتها وحماسها لأن تكون اماً انها النوع الذي يؤثر في الآخرين منذ الوهلة الأولى ويترك حضوره عطراً فواحاً لمدة طويلة.

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية