قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني للكاتبة منال سالم الفصل السادس عشر

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني بقلم منال سالم

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني للكاتبة منال سالم الفصل السادس عشر

أصرت على تبديل ثيابها المنزلية العادية بأخرى أكثر إغراءً، تصلح لليلتها المؤجلة، انتظر "هيثم" على جمرات متقدة، متلهفًا لرؤية زوجته الفاتنة، وتعمدت الأخيرة التباطؤ في الخروج من الحمام لإكساب نفسها المزيد من الثقة، والتغلب على الرهبة الغريزية الخاصة بتلك الأمور الحميمية. طــال غيابها، وضجر العريس المتلهف من كثرة الانتظــار، فتخلى عن رقدته المترقبة بالفراش ليذهب إليها عند الحمام، دق بابه متسائلاً بأنفاسٍ جاهد لتبدو أقل حماسًا:
-"هموسة"، إيه يا حبيبتي؟ إنتي هتباتي جوا؟

أتاه صوتها معتذرًا:
-سوري.. إديني وقتي وهطلعلك.
احتج على مماطلتها مرددًا بتبرمٍ مازح:
-وقتك إيه بس.. ما أنا قاعد على الدكة بقالي كذا يوم ..

رفع يده استعدادًا لطرق الباب مجددًا، لكن قبل أن تصل يده للكتلة الخشبية، فتح من تلقاء نفسه، وأطلت عروسه الجميل بثوبٍ حريريٍ من اللون الأبيض، غطى كامل جسدها، فيما عدا صدرها وكتفيها؛ فقد كان مكشوفًا بشكل يحفز المشاعر الكامنة على التحرك بإثارة ورغبة. توهجت عيناه بمزيد من الشوق والتهلف، بالكاد تجزم أن لعابه قد ســال لرؤيتها متضرجة بحمرتها الخجلة، ونظراتها المليئة بالحياء. التوت شفتاه عن ابتسامة عريضة، وهتف يتغزل بها:
-ماشاءالله على الجمال.. ده إيه ده؟!

توترت من تغزله الصريح، وحاولت إخفاء مفاتنها المغرية بعقد ساعديها أمام صدرها، لم تنظر نحوه وهي ترد باقتضابٍ خافت:
-شكرًا.
التف ذراعه حول خصرها، ليضمها إلى صدره، ويشعر بدفء بشرتها على جسده، ثم همس لها وهو يحني رأسه على وجنتها ليقبلها:
-ده أنا عندي كلام كتير هاقوله للصبح.

رجته بقلقٍ لم تستطع التغلب عليه:
-بالراحة ممكن.
قال دون أن تفتر ابتسامته:
-ده احنا على أقل من مهلنا.
نظرة أخرى استقرت على منحنياتها اللافتة، وقال بتشوقٍ أكبر، وأصابعه قد اتخذت دورها في مداعبة مشاعرها:
-هو أنا ورايا إلا إنتي يا "هموس".

أطلقت زغرودة مبتهجة بمجرد أن أطلعتها ابنتها على إتمام مراسم زيجتها، لم تتمكن "آمنة" من إخفاء مشاعرها الأمومية الفرحة لإثبات طهر وعفة ابنتها، خاصة لكون تلك المسألة مرتبطة بسمعة وشرف العائلة. استراح صدرها، وانعكست غبطتها على تعبيراتها، فازدادت إشراقًا. اقتربت من "سعاد"، وأخفضت رأسها عليها لتعلمها بالأمر، شاركتها الأخيرة أيضًا في فرحتها، وربتت على كتفها قائلة بابتسامة نضرة:
-عقبال نهار فرحتنا بـ "فيروزة".

رد بوجه ضاحك:
-يا رب يا "سعاد"، وتكوني إنتي واقفلها.
على الفور هتفت دون تفكير:
-طبعًا، دي الغالية عندي.

في تلك الأثناء، وكعادتها المتلصصة، رأتهما يتهامسان في خفوت، فاشرأبت بعنقها للأعلى لتلمح الاثنتين تثرثران بضحكٍ خجل. استثار الأمر حفيظتها، وبعجرفة لا تليق بها اقتحمت "حمدية" المطبخ لتتطفل عليهما؛ لكنها لم تفهم ما يتحدثان عنه بصوتهما الهامس، بدا حوارهما كالألغاز. لاكت آخر قطعة من ثمرة الموز لتنتهي كليًا من التهام ما في طبقها، ثم ألقت بالبقايا في سلة القمامة، وضعت الصحن في الحوض دون أن تكلف نفسها عناء تنظيفه، وتساءلت بفضولٍ واضح، ونظراتها تحوم حول كلتيهما:
-بتتودودا في إيه كده؟

التفتت "سعاد" نحوها، وأجابتها بفرحة لا تقل عن رفيقتها الطيبة:
-باركي لـ"آمنة"، بنتها خشت على عريسها، وكله تمام والحمدلله.
لم يظهر الرضا على ملامحها، وقالت باقتضابٍ:
-كويس..

تفرست "سعاد" في تعبيراتها المتجهمة، وسألتها مباشرةً:
-هو إنتي مش فرحنالها ولا إيه؟
ابتسمت على مضضٍ، وأنكرت على الفور:
-لأ إزاي..
ثم تأوهت من الإرهــاق، وتعللت كاذبة:
-بس تلاقيني مش مركزة كده اليومين دول، حيلي مهدود من السفر، و"خليل" والعيال ما بيريحوش نفسهم.

من لا يعرف طبيعة شخصها الكسول، لاعتقد بالفعل أنها تفني كل مجهودها لأجل أسرتها؛ لكنها كانت أبعد عن ذلك بكثير. تجاهلت "سعاد" لغوها التافه، وقالت بما يشبه إملاء الأوامر:
-طيب يالا عشان نحط الأكل للرجالة، وبعدها نجهز لليلتنا التانية، لأحسن النهاردة وارنا حاجات كتير، والوقت بيجري بسرعة.
لم يمنع فضول "حمدية" من سؤال "سعاد" بوقاحةٍ:
-صحيح، إنتو اتحشرتوا ليه في موضوع بنت "رياض"؟

أجابت عليها الأخيرة بتمهلٍ:
-إنتي عارفة الحاج "اسماعيل"، طول عمره حقاني، مخلصوش اللي حاصل معاها، وبعدين ما هي زي بناته، مايخيرهاش عنهم.
لوت ثغرها مغمغمة بضيقٍ تلون به وجهها:
-أيوه..
دنت منها "سعاد"، وبادلتها ابتسامة صافية خالية من أي ضغائن، قبل أن تنطق:
-وعقبال ما يقف لولادك.

ردت "حمدية" بتكلفٍ، وامتعاضة صريحة على وجهها:
-إن شاءالله يا حبيبتي.
ثم رمقتها بنظرة حاقدة، لتبعد وجهها عنها، وهمست لنفسها في غلٍ ينبع في صدرها:
-يا بختك بيه، كان زماني مرات الكبير، والكل بيخدم عليا!

كلتاهما جلستا تتحدثان على انفرادٍ لبعض الوقت في غرفة خالية من الزحام، وبعيدًا عن الحركة غير الاعتيادية لأصحاب المنزل، أو حتى الضيوف القادمين للمكوث به. حظيت الاثنتان ببعض الخصوصية، فدفعهما ذلك للبوح بمكنونات القلب المتعب؛ حيث ربطت بينهما صداقة بعيدة، واحتفظت -رغم مضي العمر، وانشغال الجميع- بنفس الود، والمحبة، والتفاهم. مشطت "فيروزة" شعر رفيقتها بتمهلٍ بطيء، لتعطيها ذلك الدلال الرقيق الذي افتقدته، وتأملت انعكاس تعبيراتها الذابلة في المرآة. رأت ذاك اللمعان الخفي في حدقتيها، وربما طغى بريقه الغريب على الحزن المرسوم على ملامحها المهمومة، تركت المشط على التسريحة، والتفتت نحوها تهنئها، وعيناها تتطلعان إليها:
-مبروك يا "أسيف"، وربنا يتمملك على خير.

ابتسمت برقةٍ وهي ترد:
-الله يبارك فيكي يا "فيروزة".
تنهيدة بطيئة تحررت من صدرها قبل أن تعلقٍ:
-أنا مش عارفة أقولك إيه على موضوع البيت، قلبي عندك.
لمحة حزن أخرى طفت على صفحة وجهها، وتضاعف معها ذلك اللمعان المؤلم في عينيها، لحظات استغرقتها في الصمت، لتقطعه بعدها قائلة:
-الحمدلله..

ردت عليها "فيروزة" بنوعٍ من المواساة اللطيفة:
-كله بيعدي، وإن شاءالله اللي جاي يبقى أحسن.
عقبت عليها "أسيف" بقلبٍ ملتاعٍ يئن من آلام الفقد:
-صدقيني مافيش بعد الأم والأب أي حاجة تتعوض.
نكست رأسها قليلاً وهي ترد بصوتٍ بدا متأثرًا:
-معاكي حق...

قاومت "فيروزة" تلك الغصة التي اجتاحت حلقها، وحاولت تبديد الأجواء الحزينة بأخرى فرحة ومناسبة لهذا الطرف السعيد، فاستطردت قائلة باهتمامٍ:
-بس شكل خطيبك ده ابن بلد وجدع..
نظرت "أسيف" نحوها، وقالت ببسمة باهتة:
-ايوه..
أضافت عليها رفيقتها بنوعٍ من الغموض المُحير:
-بس أنا حاسة إني شوفته قبل كده.. يعني ملامحه مش غريبة عليا.

بمنطقيةٍ أوضحت لها "أسيف":
-هو بيتنقل من مكان لمكان، بيجيب بضاعة، بيودي شغل، ويستلم من كذا حتة.
ردت في تفهمٍ:
-ربنا معاه ..
ثم تشجعت لتسألها دون مراوغة:
-وعلى كده إنتي بتحبيه يا "أسيف"؟

برقت عيناها بوميضٍ لم يكن قلقًا، ومع هذا خجلت من منحها الجواب. لم تحاول "فيروزة" الضغط عليها لاستخراج الرد من بين شفتيها، لكنها استنتجت من صمتها، وتورد بشرتها وجود بعض المشاعر الودودة والإيجابية نحوه .. ابتسمت بلطفٍ لها، وأضافت مغيرة مجرى الحوار:
-ربنا يسعدك معاه، وعمتك وبناتها كويسين معاكي؟

تنفست "أسيف" بعمقٍ أولاً، أمهلت نفسها الفرصة لتعطيها ردًا محايدًا:
-يعني الوضع كان صعب علينا كلنا، أنا مش عارفاهم، وهما نفس الكلام، وأدينا بنتعامل.
تفهمت "فيروزة" اقتضابها في الحديث معها، فتلك طبيعتها الكتومة، لم تعتد على الإفصــاح عما يجيش في صدرها بسهولة، كانت والدتها الراحلة "حنان" الأقرب إليها، ومن قبلها كان والدها "ريــاض"، كما أنها لم تكن من النوع الاجتماعي المختلط بالآخرين، تحبذ غالبًا قضاء وقتها بصحبة أهلها إلى أن تبدلت أحوالها بين عشية وضحاها.

ظلت رفيقتها هادئة في تعبيراتها، وأضافت تشجعها:
-تمام .. أهم حاجة عندي تكوني مبسوطة ومرتاحة يا "سوفي".
ابتسمت قائلة لها عن رضا:
-الحمدلله.
عقدت "فيروزة" ذراعيها أمام صدرها، وتابعت القول بنوعٍ من التهكم:
-كويس إنكو هتعملوا كتب الكتاب هنا، بصراحة، ومن غير زعل كده، عم "فتحي" يتفاتله بلاد.
عاد الحزن ليحتل نظرات "أسيف"، أغمضت عينيها، وردت بزفيرٍ منزعج:
-ربنا يهديه.

أرخت صديقتها ساعديها، ووضعت يدها على كتفها لتضغطت عليها، ثم قالت بنوعٍ من التفاؤل:
-ماتقلقيش طول ما عمي "اسماعيل" موجود، وإن شاءالله هتبقى ليلة جميلة.
قالت مجاملة بابتسامة مقتضبة:
-يا رب.. بس كان نفسي أشوف "همسة".

ضحكت "فيروزة" وهي توضح لها سبب غيابها:
-عروسة جديدة بقى، وإنتي كمان هتحصليها أهوو.
عمقت "أسيف" من نظراتها نحوها، وقالت بما يشبه التمني:
-عقبالك يا "فيروزة".
على عكس المعتاد من معظم الفتيات لم تنشغل بأمر البحث عن الزوج المناسب كثيرا، أو حتى تهتم بحدوثه من عدمه، كانت غير مبالية بذلك، تفكيرها يؤرقه أمورًا أهم من هذا، لذا هتفت تشكرها بشكلٍ روتيني:
-تسلمي يا حبيبتي.

بدا الهروب من حلقة الضغط النفسي هو الحل المتاح حاليًا، للحصول على قسطٍ من الراحة العقلية، قبل أن يعود لهمومه المتكالبة عليه. لم يأبه "تميم" بمشقة السفر المفاجئ، واستقل سيارته قاصدًا البلدة التي دُعي إليها. كانت الطرقات غير معبدة تقريبًا حين وصل إليها؛ أغلبها رملي تثير الأغبرة في الجو حين تتحرك العربات عليها، أو ضيقة نسبيًا، تكفي لمرور سيارة واحدة ذهابًا، وأخرى إيابًا؛ لكنها تمرق بين الزراعات المشبعة بالخضرة النضرة، والباعثة بالسرور على النفس.

توقف في فسحة متسعة، يبحث عن أحد المارة، ليستعلم منه عن وجهته. أطل برأسه من النافذة، وحركها في الجانبين بغير هدى. في نفس الأثناء، مرت "حمدية" على مسافة قريبة منه، لمحته دونًا عن غيرها وهي تتهادى في خطواتها. كانت سيارته مميزة، وفي نفس اتجاهها، اقتربت بتؤدة منه لتتأكد من هويته. لم تتفاجأ بوجوده، وهللت عاليًا لتفلت أنظاره إليها:
-الله! ده المعلم "تميم" بنفسه هنا!

استدار الأخير في اتجاه مصدر الصوت الأنثوي، علامات الاستغراب ارتسمت على محياه حين رأها، وقال بدهشةٍ لم يكلف نفسه عناء إخفائها:
-إزيك يا حاجة؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟
اعترضت على اللقب الذي منحه لها، وصاحت بتذمرٍ منزعج:
-أنا مش حاجة ياخويا، أنا لسه صغيرة .. في دور إخواتك يا معلم.
لاحت على زاوية فمه ابتسامة تهكمية، واعتذر على مضضٍ:
-لا مؤاخذة .. مقصدش.

باغتته بسؤاله مباشرة دون تمهيدٍ:
-قولي إنت جاي هنا ليه في بلدنا؟
ضاقت عيناه باستغرابٍ، وهو يردد:
-بلدكم؟!
أكدت عليه باقتضابٍ:
-أيوه..
لكن ما لبث أن أسهبت في الحديث موضحة:
-لأحسن يكون "خليل" عزمك على قراية فاتحة البت "فيروزة"، مالوش حق، ده معرفنيش إنك جاي!

هبطت الكلمات على رأسه كالصاعقة، تصلب في مكانه للحظة فاقدًا قدرته على النطق أو الحركة، حملق فيها بعينين متسعتين في اندهاشٍ غير مسبوق، لكن ما علمه بمحض الصدفة وخز قلبه بشدة، وحز فيه بألم مهلك لم يختبر شدته مُسبقًا، انفرجت شفتاه متسائلاً بصوتٍ شبه مختنق:
-هي.. هتتخطب؟
أجابته بنوعٍ من السخرية:
-أيوه.. أومال كلنا ملمومين هنا ليه برابطة المعلم؟!

ثم أطلقت ضحكة هازئة متوقعة أن يشاركها التعليق، لكن خالف حدسها، وبقي صامتًا. لاحظت "حمدية" الوجوم المستريب الذي كسا تعابيره بشكلٍ غريب، رمقته بنظرة فضولية متفرسة، وهنا تداركت حقيقة الأمر، ليس لديه معرفة سابقة، ولذا عبرت عما يدور في عقلها مرددة:
-باين معندكش خبر..
حاول "تميم" ضبط حالة الإحباط التعسة والمؤلمة التي حلت عليه، وقال بوجهٍ حزين منطفئ:
-لأ.. وربنا يتمم على خير.
ولأنها سمة تختص بها عن غيرها، تساءلت "حمدية" بسخافة، وكامل نظراتها عليه:
-مقولتليش جاي ليه؟

لم يكن يملك من الطاقة الكلامية حاليًا ما يجاريها في قدرتها على جذبه للحوار، فَقَد رغبته في كل شيء، أظلمت عيناه، وغامت تعبيراته، حتى ما كان يتمتع به خلسة في خيالاته غير المرئية من أحلام أصبح من المحرمات عليه، ليتلاشى ما احتفظ به بينه وبين نفسه من مباهجٍ لا تخصه، لتتحول حياته للمزيد من البؤس والحرمان. تباعدت عيناه عن نظراتها التي تتفحصه، وأجابها بصوتٍ غلفه التوتر:
-دي زيارة على السريع بخلصها هنا مع جماعة حبايبي.

ألحت عليه بفضولها:
-مين يعني؟ أنا أعرف كل بيت هنا.
لم تكن لتتركه يبتعد دون أن تحظى على الرد الذي يشبع فضولها، كانت من ذلك النوع الذي لا يكل أو يمل، أو حتى يشعر بالحياء. نفخ في سأمٍ، ورد باقتضابٍ:
-بيت الحاج "اسماعيل".
هتفت بحماسٍ:
-ده نسيب "خليل" جوزي...

لم تمنحه الفرصة للاختيار، بل فرضت نفسها عليه وهي تتابع:
-خدني في سكتك يا معلم "تميم"، وأنا هوريك البيت، شكلك تبع فرح قريبة الحاج "فتحي"، ما هو كتب كتابها النهاردة على واحد مجدع كده.
وجودها المستفز زاد من حالة الاختناق المطبقة على صدره، ومع هذا لم يكن أمامه مهرب منها، لذا باستسلامٍ يائس قال:
-اتفضلي .. ما أنا معرفته.

استقرت في المقعد المجاور له بعد أن أغلقت باب السيارة خلفها، ابتهجت أساريرها مرددة في حماسٍ، لم يزده إلا آلمًا وقهرًا:
-مين يصدق جوازتين في ليلة واحدة.
تضاعفت وخزات قلبه المميتة، وانعكست آثارها على تقلص عضلات وجهه، اشتدت عروقه، واختنقت الدماء بها. بحركة غير ملحوظة من يده، رفع "تميم" ذراعه للأعلى قليلاً، وقربه من وجهه، ليمسح بإصبعه طرف عينه الذي حبس تلك العبرة الخائنة المتسللة إليه، حزنًا وكمدًا على خسارة ما لم يملكه يومًا...

عُرف عن الألم الجسدي بزوال آثاره مع مرور الوقت، أما ألم الروح؛ فقلما يتم التعافي منه! بصعوبة بالغة استهلكت بقايا ثباته الزائف، كافح "تميم" في حضور "حمدية" السقيم ليخفي ما عصف بصدره من حزنٍ أمات قلبه النابض، آه لو أطلع أحدهم على روحه المتآكلة، لأدرك مدى العذاب الذي يعانيه الآن! غلف ملامحه بقساوة خارجية، ونظراته بجمودٍ مصطنع، حتى لا يُرى ما بهم من قهر يفتك بجوارحه. ومع ثرثرتها الزائدة عن ترتيبات الخطبة المزعومة من قبل زوجها،

انفرطت آخر حبات عقد أمله الميؤوس منه، وتأكد عن ظهر قلب بأنها لم ولن تكون له يومًا. أوصلته "حمدية" عند منزل الحاج "اسماعيل"، ترجلت من السيارة قبل مسافة لا بأس بها، وتولى مهمة صفها عند بقعة خاوية، على مقربة من ذلك السرادق المقام على مرمى العين. استطاع أن يتبين رفيقه وسط الضيوف المتزاحمين، دنا من "منذر" الذي تزين في أبهى ثيابه، لتليق بهذه المناسبة السارة، وهنأه على عقد قرانه. سأله الأخير باهتمامٍ، ونظراته تتجول على ملامحه الواجمة:
-ها عرفت توصل بسرعة، ولا قابلت مشاكل في السكة؟

ابتسامة مرسومة بالإجبار على محياه، كانت وسيلته المؤقتة، لدفن أحزانه في الأعماق، حافظ عليها "تميم"، وأجابه بهدوءٍ:
-الطريق تمام يا "منذر"، بس فجأة كده قررت تتجوز؟
جاوبه "منذر" بصوتٍ انخفض قليلاً:
-شوية حاجات حصلت كده عجلت بالموضوع.
هتف مجاملاً، ودون أن تظهر رغبة واضحة عليه في معرفة التفاصيل:
-ربنا يتمم بخير..

تفرس أكثر في تعابيره المهمومة، وسأله:
-شكلك مش فرحان؟
تعلل كاذبًا:
-لأ إزاي .. ده بس إرهاق السفر.
-تمام.

قالها "منذر" وهو يصطحبه للداخل ليجلس وسط المدعوين من أهل البلدة، وأقرباء العريس ومعارفه. كان ممتنًا لبقائه في معزل عن البقية بالرغم من الصخب المحيط به؛ لكن لا شيء يُقارن بالصراخ المكتوم المتألم المنطلق بين جنبات نفسه. عــاد إليه "منذر" ليقف إلى جواره متسائلاً:
-الحاج "بدير"، والحاج "سلطان"، وباقي العيلة بخير؟

قال وهو يومئ برأسه:
-كلنا في نعمة .. تسلم على سؤالك.
جالت نظرات "تميم" على الوجوه المألوفة التي التقاها من قبل في حفل زفاف ابن خالته، دفعه ذلك للسؤال بجديةٍ:
-بأقولك يا "منذر"، هو إنت تعرف نسايب "هيثم" منين؟
أحنى الأخير جزعه عليه، وأشــار له بعينيه قائلاً:
-شايف اللي قاعد ناحية الشمال ده.

تساءل في حيرة وهو يركز نظره على كلٍ من "اسماعيل" و"فتحي":
-أنهو واحد، اللي قالب سحنته ولا التاني اللي بيتكلم مع آ...
قاطعه بصوت أجش رغم خفوته:
-لأ الأول، اللي اسمه "فتحي".
رفع "تميم" أنظاره نحوه، وسأله:
-ماله بقى؟

على مضض أجابه:
-ده قريب الجماعة، ابن خالة أمها، وبعيد عنك شخصية ما يعلم بيها إلا ربنا، سواد من برا وجوا، مايتوصاش في الغل والحقد.. عمل أفلام وحركات عشان ياكل حق الغلبانة قريبته.
كان وصفه دقيقًا عنه، حتى أن قسماته عكست بُغضه الظاهري بوضوح، فتساءل في غرابة:
-طب وعملت معاه إيه؟

غمز له رفيقه في ثقة قبل أن يرد:
-عيب عليك، ده أنا "منذر طه حرب"، وإنت عارفني في الحق زي السيف، معرفش أبويا.
ربت على كتفه قائلاً بزهوٍ لا يقل عنه:
-أبو الرجولة كلها يا عمنا.
خفف حضور "منذر"، ومرحه الذي مزج بين الجدية والهزل من وطــأة الأحزان الجاثمة على قلبه، هكذا خدع نفسه ليلتهي مؤقتًا عما أهلك روحه .. وظل بالقلب نبضة أخيرة، تتلهف بتوقٍ رهيب لرؤيتها –ولو للحظة- قبل أن تصبح مستحيلة للأبد.

تلفت حوله بتوترٍ، وهو يدقق النظر في الطريق الذي امتد على مرمى البصر، متفحصًا عن كثبٍ، كل مَركبة تعبر من جواره. أراد الالتقاء به أولاً قبل أن ينتقل لمنزل "اسماعيل"، لوضع النقاط على الحروف، والتأكد من اتباعه للنهج الذي رسمه للظفر بابنة أخته كعروس. حرك "خليل" الهاتف المحمول على أذنه، ليتلقى إشارة إرســال قوية، واستدار برأسه للجانب وهو يقول بتلهفٍ:
-أنا واقفلك على أول الطريق أهوو ..

أتاه صوت "آسر" معلقًا عليه:
-خلاص شوفتك يا أستاذ "خليل".
أنهى المكالمة الهاتفية معه ليجد إحدى السيارات تقترب منه، لمح يد "آسر" وهو يخرجها له من النافذة ليلوح له بها، تنحى للجانب مفسحًا المجال لإيقاف السيارة على جانب الطريق، صفها على مهلٍ، وترجل منها ليلتقي بمُضيفه الذي هتف مرحبًا به:
-حمدلله على السلامة يا أستاذ "آسر".
قال وهو يحتضنه في ودٍ:
-الله يسلمك، ومافيش داعي للألقاب، احنا خلاص قربنا نبقى نسايب
رد في استحسانٍ:
-فعلاً..

ثم سأله مبديًا اهتمامًا مبالغًا فيه:
-ها، قولي البلد مش بعيدة عليك، مظبوط؟
أجاب بدبلوماسيةٍ استساغها الأخير:
-الطريق حلو، مسألتش كتير، وعرفت أوصل على طول.
غمغم "خليل" في حبورٍ:
-كويس.. تعتبر ماخدتش وقت من آخر مرة كلمتني.
ضاقت نظرات "آسر" بشكٍ وهو يسأله:
-وإيه الأخبار يا أستاذ "خليل"؟ في مشكلة لو فاتحت عمها وخطبتها النهاردة؟ هو مش عارفني وآ...

قاطعه مؤكدًا بما لا يدع أي مجال لإثارة الريبة:
-لأ.. اطمن، أنا مظبطلك الدنيا كلها، كلمت الحاج "اسماعيل" عنك من يومين، وهو بعت ناس تسأل عليك زي ما قولتي أروح فين، وعند مين، وطبعًا جيتك عنده عشان تتكلم معاه شخصيًا دي حاجة كبيرة، وهايقدرها.
التوى ثغره بابتسامة ممتنة وهو يعقب:
-شكرًا يا أستاذ "خليل"، حضرتك سهلتلي حاجات كتير.
هتف الأخير في خبثٍ، وتلك النظرة الماكرة تتراقص في حدقتيه:
-ما أنا يهمني مصلحة بنت أختي.

تنحنح مرددًا بنبرة ذات دلالة غامضة:
-مفهوم، وبالنسبة لموضوع التأشيرة لقريبك ده اللي كلمتني عنه أنا خلاص تقريبًا خلصتها، كلها كام يوم وهتبقى عندك.
انفرجت أساريره عن ابتسامة غريبة وهو يهلل:
-أيوه بقى، بشرني بالأخبار الحلوة..
مسح على كتفه مؤكدًا من جديد:
-اطمن، أنا عند وعدي.
تساءل "خليل" بجدية:
-والحساب هيبقى أد إيه؟
بسمة منمقة تشكلت على جانبي شفتيه حين أجابه:
-الحساب وصل .. عيب نتكلم في الحاجات البسيطة دي، احنا بقينا تقريبًا نسايب.

تحدث "خليل" في صوتٍ متحمس، جعل "آسر" أكثر ثقة عن ذي قبل:
-طبعًا، هو في زيك يا ابني، وأنا مش عايزك تقلق، موضوع "فيروزة" هيخلص على خير بأمر الله، وأنا عند وعدي.

في كل غضب الدنيا استدارت بثوبها البراق لتواجه والدتها، بعد أن أخبرتها بمجيء "آسر" لخطبتها دون علم مسبق منها. رمقتها "فيروزة" بنظرة نارية محتقنة، عبرت عن قدر محدود من الثورة المندلعة بداخلها، احتجاجًا على تقرير مصيرها بهذا التجاهل المستفز. هدرت مستنكرة فرض الأمر عليها، وهي تلوح بيدها:
-وإزاي محدش يقولي؟ أنا آخر من يعلم يا ماما؟!

بررت "آمنة" موقفها بتوترٍ ملحوظ في صوتها:
-يا بنتي أنا زيي زيك.. خالك مقاليش حاجة غير على آخر وقت.
صاحت بصوتها المتشنج تلوم خذلانها، حتى في أهم القرارات الحياتية:
-ده جواز يا ماما، مش فستان ولا جزمة جديدة عاجبته فجبهالي..
صمتت والدتها، ونظرت لها بأسفٍ مما زاد من غيظها، تصلبت عروقها، وتابعت صياحها الغاضب:
-والمفروض أوافق على اختياره.

قالت محاولة تهوين المسألة عليها:
-دي أعدة رجالة، هيتكلموا ويشوفوه .. ومافيش حاجة رسمي.
احتد صوتها وهي ترد:
-أنا مش "همسة"، مافيش حد يقدر يجبرني على حاجة مش عايزاها.
وضعت "آمنة" يدها على ذراعها، وقالت بترددٍ:
-طيب خلاص، أنا هاكلم عمك وآ...
وقبل أن تكمل عبارتها اقتحمت "حمدية" الغرفة لتقاطعها قائلة ببرودها السمج:
-يعني عاوزة تحرجي خالك قصاد الخلايق دي كلها؟ وتقللي منه؟ ما تبطلي أمور الجنان دي!

استدارت "فيروزة" لتصبح في مواجهتها، كانت الأخيرة تقف عند باب الغرفة الذي أغلقته من خلفها، تستند بظهرها عليه، وعلى وجهها تلك الابتسامة الباردة المليئة بالحقد. قست نظراتها نحوها، واشتعلت بحمرتها الملتهبة، ثم تقدمت ناحيتها لتصبح على بعد خطوتين منها، وهتفت فيها بعصبيةٍ:
-وهو خالي كان عملي حساب؟ ده ما يرضيش ربنا إنه يجوزني غصب عني!
ردت "حمدية" ببرود، وهي تتغنج بجسدها:
-ده مجرد تعارف.. مش حاجة يعني.
صاحت توبخها في غيظٍ:
-يا سلام، بأمارة ما جايبينه لحد هنا؟ بلاش الكلام الأهبل ده!

اعتدلت زوجة خالها في وقفتها، وحدجتها بنظرة جافية غير مبالية، ثم نطقت بسخافةٍ قاصدة إخراجها عن شعورها:
-وإنتي إيه اللي مزعلك؟ هو أنا اللي جيباه؟ ما هو من طرف صاحبتك إياها..
كزت "فيروزة" على أسنانها في حنقٍ ووالدتها ترجوها:
-خلاص يا "حمدية"، هي مش عايزاه، بناقص منه.
توحشت نظراتها، وردت:
-احنا جايين نهزر يا "آمنة"؟ ده جواز، وكلام رجالة.

استغربت شقيقة زوجها من حميتها الزائدة، وتحفزها لأمر تلك الخطبة بتلك الحدية؛ وكأنها مسألة مصيرية .. ومع ذلك لم يظهر انفعالها، وقالت لها:
-أيوه، بس بالاتفاق، مش بالغصب.
تقوست شفتا "حمدية" عن بسمة خبيثة، وعمدت إلى تزييف تفسير الأمور لتربك والدتها، وبالتالي لا تتخذ صفها، فقالت تتهمها بنفس الأسلوب المستفز:
-ما جايز يا "آمنة" قايلين لبعض من قبلها، عاملة الشويتين دول علينا، أل يعني بنتك المصونة في الحركات دي..

ثم غمزت لـ "فيروزة" بعينها خاتمة حديثها:
-يا بت اطلعي من دول، أنا فهماكي كويس.
جاء النفي من أعماق "فيروزة" مصحوبًا بصراخٍ رافض، لتدافع به عن نفسها:
-أنا مش كده يا مرات خالي، طول عمري واضحة ودوغري، ماليش في اللف ولا حركات البنات إياها، و"علا" صاحبتي ليا لي كلام معاها بسبب ده.. أنا مش هاسكت.
مدت "حمدية" يدها لتضرب كتفها عدة مرات، وقالت بجمود:
-وماله، اتعاتبوا، اتحاسبوا، اصطفلوا مع بعض، بس ده اللي حصل يا حلوة ...

ثم تعمدت التباطؤ في نبرتها وهي تستكمل:
-ولعلمك الموضوع دلوقتي بقى في إيدين عمك، يعني خالك مالوش دعوة، عمك "اسماعيل" صاحب الكلمة الأخيرة فيه.
وكأنها منحتها الحل السحري لكافة مشكلاتها، تسلحت "فيروزة" بشجاعتها النابعة من قوة شخصيتها، وتحدتها قائلة:
-سهلة! أنا هاطلع أتكلم مع عمي، وأقوله إني مش موافقة على العريس ده.

همّت بالتحرك، لكن أمسكت بها "حمدية" قبل أن تخطو للأمام خطوة أخرى، شدت على معصمها، وجذبتها بقوة للوراء، لتقول لها بعينين يملأوهما الحقد:
-اخربيها زي تملي، ده اللي بيريحك، ما هو إنتي غيتك تولعي الدنيا، لا ليكي كبير، ولا بتعملي اعتبار لحد.
استلت بعنفٍ يدها من قبضتها، وردت عليها بنظرات غلفها الكره:
-أنا حرة في حياتي.

نظرت لها بازدراءٍ وهي تنعتها:
-بدل ما تبقي عانس يا عين أمك، بايرة، لا تنفعي في جواز، ولا تنولي خلفة، الحق علينا بنعمل اللي فيه مصلحتك؟
انفجرت صارخة بها:
-ملكيش دعوة بيا، أنا مش زيك!
هنا ولج "خليل" للغرفة متسائلاً بوجهٍ متجهم وهو يدور بنظراته على ثلاثتهن:
-صوتكم عالي ليه؟
على الفور قلبت "حمدية" الطاولة على رأس الجميع، واتهمت ابنة أخته علنًا لتوغر الصدور:
-البت دي عاوزة تفضحك يا "خليل"..
استشاطت نظراته غضبًا، وتساءل بملامح نافرة:
-نعم تفضحني؟

ردت "فيروزة" نافية على الفور:
-لأ يا خالي الحكاية مش كده، ماتصدقش كدبها ده!
هتفت "حمدية" تعنفها بحدةٍ:
-أنا كدابة؟ سامع يا "خليل"؟ دي جزاتي عشان بأنصحك؟ وبأقولك بلاش تتبتري على النعمة اللي جيالك لحد عندك؟
تجاهلتها "فيروزة"، ووقفت قبالة "خليل"، لتقول له بأنفاسٍ هادرة:
-اسمعني يا خالي.. أنا مش هاتجوز أي حد بالطريقة دي، حتى لو كان العريس ملاك نازل من السما، صحيح اتضايقت إنك عملت كده من ورايا واتكلمت مع اللي اسمه "آسر" ده، بس أنا بأقولك أنا مش عايزاه، وهاروح لعمي أعرفه ده، وهو يتصرف معاه.

مجرد تلميحها الصريح بنيتها للجوئها لعمها لدعمها ونصرتها عليه، أصابه بالمزيد من الغضب نحوها، ليس لتجاوز سطوته التي أكد عليها لـ "آسر"، بل لإفسادها للمصالح السرية بينه وبين زوج المستقبل، أطبق على عنقها يخنقها منه، انحشرت أنفاسها في حلقها، وبرزت عينيها في ذهول صادم.. ضغط "خليل" بأصابعه أكثر على عروقها ليقطع الهواء أكثر عنها، وهو يهتف بغلٍ:
-إنتي إيه؟ جبروت! عاوزة تجبيلنا الفضايح حتى هنا كمان؟

تدخلت "آمنة" لنجدة ابنتها من بين براثنه، وبكت في حرقةٍ ترجوه، محاولة إبعاد قبضته عنها:
-سيبها يا "خليل"، هتموت في إيدك.
زاد من ضغطه الخانق على عنقها، وهو يتابع بتهديد عدائي:
-أنا مش هاعجز إني أموتك.. هادفنك حية ولا إنك تفضحيني قصاد أهل البلد.

قاومت "فيروزة" انقطاع أنفاسها بتشنجٍ، نجحت في تحرير نفسها، لكن بقيت آثار أصابعه القاسية على جلدها، لم تضعف أو تهتز، غالبت ألمها، ووقفت تواجهه باستبسالٍ جريء، رافضة خشونته وعنفه المفرط:
-فضيحة إيه بالظبط؟ هو أنا عملت حاجة حرام؟ خلي عمي يعرف، ويحكم بنفسه، وبأقولهالك يا خالي، أنا مش موافقة على البني آدم ده، هتدفني بالحيا عشان قولتلك لأ؟!

أطلقت جراءتها غير المرتاعة نوبة غضبه عليها، تلقت صفعة موجعة على صدغها، لم تكن قد استفاقت منها بعد، لتحصل على أخرى عنيفة جعلتها ترتد بترنحٍ نحو والدتها التي احتضنتها لتحميها من بطش شقيقها الغاضب، بالكاد نجت من عنفه الأعمى، نظرت له بكراهيةٍ، وهي تحاول الوقوف ثابتة أمام قسوته، وقبل أن تنطق مدافعة عن حقها، ونابذة كل محاولاته لردعها، وضعت "آمنة" يدها على شفتيها تكتم صوتها، توسلتها بانكسارٍ:
-خلاص يا "فيروزة"، عشان خاطري يا بنتي، ماتكلميش وهو في الحالة دي.

آلمها ضعف والدتها ورضوخها الدائم، استعطفتها الأخيرة بنظراتها الذليلة، فصمتت لأجلها مرغمة، ومع هذا رفعت عينيها نحو خالها تتحداه بصمودها. نظرات الشماتة الظاهرة في عيني "حمدية" كانت مستفزة لأبعد الحدود، وبكل برودٍ هتفت -من تلقاء نفسها- تستثير أعصاب زوجها عن قصدٍ:
-يا ساتر على نشوفية دماغها، عمالة اتحايل عليها من صباحية ربنا، وهي ولا عايزة تسمع لحد، أعوذو بالله من كُهن البنات، إيش حال ما كان العريس من طرفها؟
أشــار "خليل" بسبابته آمرًا:
-البت دي تفضل هنا ماشوفش خلقتها برا، تحبسوها في الأوضة دي لحد ما الليلة دي تعدي على خير.

ردت زوجته على الفور تؤيده:
-وماله يا خويا، اللي تشوفه، احنا مش ناقصين فضايح.
تابع ملقيًا أوامره على زوجته وشقيقته بصوته الأجش:
-متخرجش منها إلا في وجودي، سامعيني إنتو الجوز.. الخطوبة هتم قصاد الكل، بيكي من غيرك، هتحصل يا بنت "آمنة"!
ضربت "حمدية" على صدره مدعية خوفها عليه:
-اهدى بس يا "خليل"، كل اللي إنت عايزه هايحصل.

لم تكلف نفسها عناء إخفاء تشفيها فيها، ونظرت لها باستمتاعٍ حاقد قبل أن تتبع خطوات زوجها لتغلق الباب بالمفتاح. نفرت الدمعات المختنقة من عيني "فيروزة" التي دمدمت شاكية لأمها بصوتها المجروح:
-والله العظيم اللي بيحصل فيا ده حرام، ومايرضيش ربنا، هو بالعافية؟!

ذوى قلبه بألم لا يطاق في ضلوعه، وكأن أحدهم يقتلعه بشراسة غير آدمية، حين أبصر تعانق الأيدي بحرارةٍ، لمباركة الخطبة الجديدة، عقب قراءة الفاتحة، خلال مراسم عقد القران الخاص برفيقه "منذر". كان حاضرًا بجسده، مغيبًا عمن حوله، لم يظهر حتى طيفها بين الحضور ولو لمرة واحدة. رأى "تميم" والدتها بابتسامتها المنقوصة، زوجة خالها بنظراتها النهمة الطامعة؛ لكن طاووسه الأبيض أبى أن يمنحه نظرة أخيرة، غابت عن خطبتها، وتركته وحيدًا يعايش الآن حزنًا محتومًا، ومن نوع مختلف؛

ينهش في بقايا الروح، ويحيل القلوب الحية لحجارة صماء. دمعة أخرى غادرة فرت من عينه، أزاحها على الفور قبل أن تلحقها أخرى. انسحب من السرادق باحثًا عن بقعة خاوية من البشر، اختلى بنفسه لبعض الوقت، لم يحتسب كم مضى؛ لكنه كان مفصولاً عمن حوله، بكى في صمتٍ يدمي القلوب، بعد أن فشلت كل محاولاته لكبح ذلك الضعف المخزي.

شعر باحتراقٍ يلتهم أحشائه، ازدادت قسوته مع اختناق أنفاسه، وقد أدرك الحقيقة المفطرة لقلبه، بأنه تذوق عذاب الحب الحقيقي قبل حلاوته. الآن بعد فوات الأوان، اعترف بينه وبين نفسه بأن ما ضمره في وجدانه من مشاعر مرهفة، شغلت عقله كثيرًا، وألهبت عواطفه بالرغبة، كان فقط لأجلها، نعم لقد امتلأ قلبه شغفًا بها، ودبيب الحب الموجع الذي اشتعل في صدره لم يكن إلا لها وحدها؛ وإن كانت لا تعلم هذا .. وحدها من حركت الماء الراكد من أسفله، لتطلق العنان لأحاسيسه الكامنة، ووحدها من اغتالت أحلامه، وأعادته للحضيض.

أخرج من جيبه علبة سجائره، التقط واحدة منها، ودسها بين شفتيه، ثم حاول إشعال ولاعته؛ لكنها عاندته، لم تنبعث الشرارة منها، فكف عن المحاولة. انتصب في وقفته بتأهبٍ حذر، عندما رأى تلك الذراع الممتدة نحوه، بشرارة لهبٍ صغيرة تريد إشعال عقب سيجارته. استدار للجانب ليجد "آسر" بتعبيراته الباردة، تنعكس في عينيه المحتقنتين بوضوح، رغم العتمة المتواجد بها. استهل الأخير حديثه ناطقًا بصوتٍ رتيب؛ لكنه ساخر:
-صحيح الدنيا صغيرة، مكونتش أتوقع أشوفك هنا.

لفظ "تميم" السيجارة من فمه ليرمقه بنظرة احتقارية بائنة، ثم هدر به بخشونة:
-هات آخرك معايا.
استقام "آسر" في وقفته، ليرد بغموضٍ أصابه بالحيرة والارتباك:
-أنا أخري معروف، الدور والباقي عليك إنت!
اخشوشنت نبرته مرددًا بما يشبه الزئير:
-ماتحورش، وهات اللي في بطنك.

غامت عينا "آسر" بشكلٍ غير أليف، بات شخصًا آخرًا وهو يوضح له:
-يا عم ما تتحمأش أوي، بس أنا فاهمك، ما احنا رجالة زي بعض!
اعترض عليه بغلظةٍ، وبوجه مشدودٍ على الأخير:
-لأ مش زي بعض!

اختفت الابتسامات المنمقة من على تعابيره، تحول "آسر" لما يشبه المسخ وقد سقط القناع المهذب الذي دومًا يغلف به تقاسيمه، من المؤكد أن نظرة "تميم" له كانت في محلها، خاصة حين سأله بفحيح بعث على نفسه الرهبة؛ ليس خوفًا منه، وإنما خوفًا عليها:
-بيني وبينك كده .. المُزة عجباك؟ صح...؟!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الإعجاب، المشاركة والتعليقات على الرواية
W
لتصلك الفصول الجديدة أو الروايات الجديدة
اعمل متابعة للصفحة (اضغط لايك للصفحة)