قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني للكاتبة منال سالم الفصل الخامس والعشرون

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني بقلم منال سالم

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني للكاتبة منال سالم الفصل الخامس والعشرون

بركبته الثقيلة، زاد من ضغطه القاسي، على جلد عنقه، قاصدًا منع رئتيه من الحصول على الهواء اللازم لإعاشته، تضاعفت معاناة "فضل"، وتخبط بذراعيه وهو يجاهد لإبعاده عنه، ورغم هذا إلا أن "تميم" كان محكمًا قبضته على كتلة اللحم المسجاة من أسفله، توحشت عيناه، ورمقه بتلك النظرة الميتة، والتي تعني بكل وضوح هلاك غريمه، قبض الأخير بيده على فك الأول يعتصره بشراسة، ثم غرز نصل مديته الحاد في جلده، متعمدًا اختراقه، كز على أسنانه يخبره بعدائية بحتة:
-مش أنا قولتلك من الأول، إدي بالك جيالك؟

صرخ "فضل" متأوهًا من وخز النصل المؤلم، والذي شق طريقه في وجهه، فتابع "تميم" موضحًا:
-يعني هتاخد في وشك لحد ما أمك متعرفكش!
وتبع ذلك لكمة عنيفة جعلت الدماء تنزف من بين أسنانه، حاول "اسماعيل" إزاحة "تميم" عن ابنه؛ لكنه فشل أمام عنفه الشديد، اعتذر منه بتوسل:
-خلاص يا ابني، سيبه، حقك عليا أنا، ابني "فضل" مايقصدش.
لم يكلف "تميم" نفسه عناء النظر إليه، ليعرف من يخاطب، وقــال بصوته الأجوف، المحمل بغضبه:
-ابنك ناقص رباية، وأنا هاظبطهولك!

كان الشجار غير متكافئ من وجهة نظر "اسماعيل"، فابنه يتصارع مع شخصية عنيفة، ملمة بأساليب القتال المهلكة، وهو رغم بنيته الضخمة لا يجيد الحركة مثله، وبالتالي إن لم يتدخل فورًا، لربما خسر ابنه حياته، لذا هرول باحثًا عن مساعدة خارجية، يأتي بها لتعاونه في إبعاد هذا المعتدي الشرس عنه، بينما منح "تميم" من أرقده أرضًا لكمة أخرى، جعلته يشعر بتهشم فكه السفلي، بالكاد قاوم "فضل" للإبقاء على حياته، أرخى الجاثم فوقه ركبته عنه قليلاً، ليستنشق الهواء بصعوبة، فسعل وبكى وهو يستغيث:
-يا جدعان، حد يحوشه عني!

علق عليه "تميم" بنبرته الهازئة:
-دلوقتي قلبت حُرمة؟ أومال كنت نافخ نفسك معايا ليه يا بغل؟!
عاد "اسماعيل" وبصحبته أفراد من أمن المشفى، استعان بهم في دفع "تميم" عن ابنه، ورغم كثرتهم، إلا أنهم وجدوا صعوبة في إزاحته، حتى نجحوا أخيرًا في تحرير "فضل" الذي تدحرج على بطنه، واستلقى عليها لبرهةٍ، قبل أن يزحف بإعياء بعيدًا عنه، وسعاله المتحشرج يجرح في أحبال صوته المتألمة، تحسس وجهه بتوجسٍ، ليرى الدماء تنزف من جرح المدية، والذي حتمًا سيترك أثره لبضعة أيام على وجنته. نفض "تميم" الأذراع القابضة عليه، وأعاد نصل مديته لمكانه بإبهامه قبل أن يوجه حديثه إلى الكهل المصدوم:
-ربي ابنك يا حاج!

لم تكن ملامح وجهه بالغريبة عن "تميم"، تذكره بمجرد التطلع إليه، وإن لم يتعرف إليه الأخير بعد، انخفضت عيناه نحو "فضل" الذي نهض على قدميه، ومسح بظهر كفه خيوط الدماء التي اصطبغت بها بشرته، بمنديل قماشي، كان محتفظًا به في جيب جلبابه، ابتعد أفراد الأمن بعد تحذير شفوي لثلاثتهم، بعدم افتعال الشجار مجددًا، ولم يكترث بهم "تميم"، أو بتهديدهم، كان مستعدًا لتصعيد الأمور لأقصاها؛ لكن الغليان الواضح على وجه "فضل" الذي أهين على يده، كان يأكله بشدة، وقبل أن يشرع في لعنه –حفظًا لماء الوجه- بعد بعثرة كرامته، وسحق رجولته أمام الغرباء، رفع "اسماعيل" ذراعه محذرًا ابنه:
-خلاص يا "فضل"، مش جايين من آخر الدنيا عشان نتعارك مع خلق الله!

رد بغيظٍ، وبنظراتٍ مغلولة موجهة نحو "تميم"، ويده لا تزال موضوعة على خده:
-ماشي يابا، اللي تؤمر بيه.
اتجهت أنظار "اسماعيل" إلى "تميم"، ودقق النظر فيه جيدًا، أدرك حينها أنه رأه سابقًا، وقبل أن تتحرك شفتاه ليسأله، بادر الأخير بالقول:
-إنتو قرايب جماعة "هيثم"؟ نسايبه يعني؟
دون تفكيرٍ أجابه "اسماعيل":
-أيوه.. أنا شوفتك قبل كده.

استقام "تميم" في وقفته، ولم تبتعد نظراته العدائية عن وجه ابن ذاك الرجل، وهو يرد عليه موضحًا:
-مرتين يا حاج، هنا وعندكم...
توقف هنيهة عن الكلام ليضيف بعدها:
-بس مشوفتش البغل ده معاك!
استشاط "فضل" على الأخير من إهانته له مجددًا، وصاح بصوته المبحوح في أبيه:
-سامع يا حاج؟!

تحداه "تميم" ببرود، وتحفز في وقفته، بدا كمن يستفزه عن عمدٍ، لجره لشجار آخر:
-ما يسمع، هتعمل إيه يعني؟ الغلط بدأ من عندك، فاستحمل للآخر.
صــاح "اسماعيل" بضيقٍ، ووجهه متضرج بحمرةٍ منزعجة:
-خلاص بقى، مش عايزين مشاكل مع حد! كفاية اللي احنا فيه، وبينا من هنا!
تجهم "فضل" معقبًا عليه، وملامحه يغطيها تكشيرة عظيمة:
-عشان خاطرك يابا.

ثم دنا من "تميم" ليقول له، بما يشبه الوعيد:
-لينا كلام تاني، الحوار بينا مخلصش!
ابتسم مرحبًا بوعده، وقال باستهزاءٍ
-وأنا جاهز، ومستنيه، بس ساعتها، مش هتدخل باب المستشفى ده
وأشـــار بيده نحو المدخل المخصص لدخول المرضى، قبل أن يحركها نحو بقعة أخرى ليشير إليها وهو يتابع:
-هتطلع من هنا..

وغمز له مضيفًا بهسيس:
-باب المشرحة!
ازدرد "فضل" ريقه، وكظم غضبه مرغبًا ليتبع والده، وبضعة شتائم محتجزة في جوفه، شيعه "تميم" بنظراته النارية إلى أن انصـرف بسيارته، ليلقي بعدها نظرة على مبنى المشفى، وعقله قد انشغل مجددًا بـ"فيروزة".

وقف في شرفته، المطلة على الحدائق الواسعة، في الحي الراقي الذي يسكن به، واضعا هاتفه المحمول على أذنه، وكوب النسكافيه الساخن بيده الأخرى، أسنده "آسر" على حافة السور، ليبرد قليلاً، وهتف مجاملاً بتملقٍ مبالغ فيه:
-كل الشكر لمعاليك يا فندم على اهتمامك، عيلة قريبتي مش عارفين يودوا جمايل سيادتك فين!

هز رأسه بإيماءة خفيفة وهو يصغي للطرف الآخر، ليعلق بعدها بلهجةٍ متشددة:
-أكيد طبعًا، لازم القانون يحاسب البنت المجرمة دي.
أطلق ضحكة مفتعلة قصيرة، كنوعٍ من إظهار اهتمامه بحديثه الساخر، وقال منهيًا مكالمته بتهذيبٍ:
-شكرًا مرة تانية، وباعتذر عن إزعاجك.

صافرة مليئة بالغبطة والانتشاء دندن بها لبعض الوقت، كتعبيرٍ عن سعادته لنجاح خطته التي رسمها على عجالة، حيث اتفق مع "محرز" سرًا، بعد أن أخبره بالمشكلة التي وقعت، على تحفيز "بثينة" وتوجيهها للإبلاغ عن حادثة ابنتها، وبما يخدم مصالحه وأهوائه الشخصية، ليتم اتهام "فيروزة" بشكلٍ صريح بالتسبب في إيذائها، ليتدخل لاحقًا أيضًا ويساعد في تقوية موقف "خلود"، باللجوء للوساطات الرسمية من ذوي الكلمة النافذة..

فيضيق الخناق على "فيروزة"، وتشعر بجدية الموقف وخطورته، وتدرك أنها لن تجد المناص أبدًا من مشكلتها المهلكة، سوى بطلب مساعدته؛ باعتباره المحامي البارع، وإن لم تفعل هذا، لن يمانع أبدًا في فرض حضوره عليها، ليظهر كالبطل المغوار الذي أنقذها من مغبة عظيمة .. عاد ليمسك بكوبه، وحدث نفسه بتفاخرٍ:
-نستنى بقى لحد ما "علا" تكلمني، وتعرفني باللي حصل .. وساعتها يجي دوري.

وحدث ما توقعه، دقائق، وصدح رنين هاتفه، ألقى نظرة مستمتعة على شاشته التي امتلأت باسم "علا"، نشوة غريبة انتشرت في جسده، مستشعرًا مدى قوته وقدرته على التحكم في مجريات الأمور، اكتسبت نبرته هدوئًا مصطنعًا حين أجابها:
-أيوه يا "علا".
ردت عليه بتعجلٍ:
-"آسر" .. الحق في مصيبة كبيرة حصلت لـ "فيروزة".
تصنع القلق المتلهف وهو يرد:
-بتقولي إيه؟

وضع ولاعته التي تحمل شعار سيارة الجاغوار الشهيرة على علبة سجائره، بعد أن أخرج واحدةً، وأشعلها، ليحرر دخانها في الهواء الطلق، التفت "محمود" إلى "وجدي" الجالس إلى جواره في المطعم الحديث يسأله مستفسرًا، والفضول الحائر مسيطر عليه:
-بصراحة أول مرة أقابل حاجة بالشكل ده، يعني ساعات نلاقي حد موصي على حد تاني، ونروق عليه، وحد عايزنا ناخد بالنا من حد عزيز عليه، لكن البنت دي ألاقي منها الاتنين، غريبة أوي؟ مش كده؟!

سحب نفسًا آخرًا عميقًا من سيجارته، وتطلع إلى "وجدي" الذي شاركه حيرته قائلاً:
-والله ما عارف أقولك إيه، يعني على حسب ما أعرفه عنها، مالهاش في أي حاجة، وخناقتها كانت عادية مقارنة باللي بنشوفه عندنا في القسم...
ثم التقط فنجانه بيده الأخرى، وأوضح له:
-ملفها نضيف، مالهاش سوابق..

سأله "محمود" بنظرته الذكية المتشككة:
-تفتكر مين ورا إصراره على حبسها ...؟!
سكت للحظة وتابع موضحًا:
-مع العلم إن المحضر لسه قيد التحقيق والتحري.
رد وهو يرتشف قهوته التي أوشكت على الانتهاء:
-مش عارف، بس شكله حد تقيل.

أراح "محمود" ظهره للخلف، ورد بتنهيدة متمهلة:
-عمومًا .. كل حاجة هتبان في وقتها.
وافقه الرأي معقبًا عليه:
-بالظبط..
ثم أضــاف "وجدي" بهدوءٍ:
-الغريبة يا سيدي إن خناقتها مع الواد البلطجي ده خلصت بمحضر صلح، يعني المفروض مافيش مشاكل بينهم.

علق عليه "محمود" بابتسامة ساخرة:
-استنى أما أقولك، الواد البلطجي ده بقى حكايته حكاية.
انتبه له الأخير، وسأله في اهتمامٍ:
-ماله؟
رد بمزيدٍ من التشويق:
-عارف يطلع مين بقى؟ طليق الست اللي أمها مقدمة في البت دي البلاغ، واللي هي برضوه خالته.

أخرج "وجدي" سيجارة أخرى من علبة سجائره، وأشعلها بولاعته معقبًا في ذهولٍ:
-أوبا.. دي جديدة.
رد عليه بنفس الأسلوب المتهكم:
-يعني ملخص الليلة دي خناقة جوز حريم في بعض.
ضحك "وجدي" وهو يختم الحديث عن ذلك الموضوع:
-أيوه، والرجالة اللي بتحاسب على المشاريب في الآخر.

عاد "محمود" ليسأله:
-وإنت أخبار شغلك إيه؟
أجابه، وهو يطلق الدخان من رئتيه في الهواء:
-في حاجة جديدة شغالين عليها، بلاغ غريب من واحدة ضد طليقها، من المهربين.
ضحك مجددًا قبل أن يرد بطرفةٍ:
-دايمًا كده تلاقي الستات ورا مصايب الرجالة..
-مظبوط، بيجيبوا أجلهم بدري بدري.

اقترب من السطح الرخامي الجالس خلفه عدة ممرضـات، كان مترددًا في الإقدام على ذلك، لكن قلبه المتلهف حثه على سماع ما يطمئنه عنها، ولهذا تشجع للتقدم منهن، أشار لإحداهن بعينيه لتنهض من مكانها، وتتبعه. وقف "تميم" معها بعيدًا عن الأعين المراقبة لهما، ثم أخرج من محفظته ورقة نقدية كبيرة، طواها في راحته، ومد بها يده إليها يطلب منها:
-عاوزك في خدمة.

تناولت الممرضة النقود منه، ودستها في جيب زيها الوردي، وسألته بحذرٍ، وعيناها تتلفتان حولها:
-خير يا أستاذ؟
أجابها "تميم" بصوته الخفيض:
-تخشي تطمني على الأبلة اللي في الأوضة دي.
اتجهت نظراتها نحو باب الغرفة، المرابط أمامه القوة الأمنية، عادت لتنظر إليه باسترابة، وعلقت:
-بس هي نايمة، وآ...

قاطعها قائلاً بجدية غير مازحة:
-ما أنا عارف، بس بصي شوفيها عاملة إيه، وتطلعي تطمنيني، ومن غير ما تقفلي الباب.
رغم غرابة طلبه، إلا أنها هزت كتفيها قائلة بإذعانٍ تام له:
-حاضر يا أستاذ.

راقبها بعينيه وهي تتحرك في اتجاه غرفتها، تبعها بخطواتٍ بطيئة، حتى توقف عند زاوية جيدة الرؤية، فإن فتحت الباب، سرق من الفرجة المواربة لحظاتٍ يتأمل فيها ملامحها الساكنة، ويروي ظمأه إليها، لمعت عيناه مع رؤيتها، وأحس بارتفاع دبيب قلبه، لم يهدأ لرؤيتها، بل ازداد شوقًا للتواجد بقربها، وفي محيطها، كان من الصعب عليه التحكم في انفعالاته المتأثرة به، بلع ريقه، وسحب الهواء دفعًا متعاقبة ليضبط مشاعره، واستدار للناحية الأخرى بمجرد خروج الممرضة من الداخل، تعمد السير بخطى متمهلة إلى أن اقتربت منه، ابتسمت وقالت بلطفٍ:
-هي بخير يا أستاذ.

شكرها بنصف ابتسامة:
-متشكر ..
سحب نفسًا آخرًا يخنق به تلك الغصة التي آلمت صدره؛ فقُربه منها مؤلم، وبُعده عنها مُهلك!
استعاد "تميم" إيقاع تنفسه غير المنتظم، واتجه للمصعد بثباتٍ، ليهبط للطابق المتواجد به غرفة طليقته؛ حيث المواجهة التي تنتظره مع والدتها هناك؛ وربما أمه أيضًا، لم يستبعد حدوث ذلك.

-إنت مين؟
بوجهه المتورم، وتلك الضمادة التي تنتصف خده الجريح، تساءل "فضل" بتلك العبارة المتجهمة، بعد أن وجد شخصًا غريبًا يفتح له باب منزل زوجة عمه، لم يتعرف إليه، ولم يره مسبقًا، في حين رمقه "هيثم" بنظرة سريعة شاملة، جابت عليه من رأسه لأخمص قدميه؛ كأنه يتفحص هويته، ويدرس معالمه. ظل واقفًا في مكانه يسد عليه المدخل، ودون أن يتحرك، سأله ببرود ممتزج بالتهكم:
-المفروض أنا اللي أسألك السؤال ده، إنت اللي جاي بتخبط عليا السعادي!

اشرأب "فضل" بعنقه، محاولاً اختلاس النظرات من وراء ظهره، فشعر بوخزة موجعة تضرب فقراته التي عانت من قساوة "تميم"، فركها برفقٍ بيده، وسأله وهو ينفخ في ضيق:
-مش ده بيت عمي "علي أبو المكارم"، ومراته، وبناتها؟
لم تكن الحالة المزاجية لـ "هيثم" رائقة، ليتحمل على المزيد من الثرثرة السمجة، ورد عليه بسؤال:
-أيوه.. إنت مين بقى؟

لكزه "فضل" في صدره بخشونة، ليحركه من مكانه، قائلاً بعصبية مهينة:
-إنت اللي مين يا بأف؟ وبتعمل إيه في بيته؟ وسع كده خليني أدخل.
اعترض "هيثم" طريقه، وأمسك به من ياقته هاتفًا به بحدةٍ:
--نعم يا خويا؟ بأف؟ استناني بقى!

لم يكن من المقبول في عُرفه أن يصمت عن إهانته، وإن كانت غير مقصودة، أو زلة لسان من غريب وقح، لذا دفعه "هيثم" من صدره للخلف بيده الأخرى، مصرًا على منعه من اقتحام المنزل هكذا بوقاحةٍ، ودون استئذان، بالكاد طرده منه، وهو يواصل قوله الغليظ:
-هي وكالة من غير بواب؟ أنا مش واقف قصادك شوال بطاطس! ولولا إني عامل احترام لأهل البيت ده كنت رميتك من فوق
وقبل أن يتطاول باليد على ذلك اللزج، لمح "اسماعيل" يصعد الدرجات من خلفه، صائحًا به:
-سيبه يا "هيثم"! ده ابني.

ركز عينيه عليه، وصاح مدهوشًا:
-حاج "اسماعيل"! بتعمل إيه هنا؟
ردد "فضل" بغيظٍ كبير، وهو يبعد يده المحكمة عليه:
-تعالى يابا، شوف مين ده كمان، ما هو أنا الكل واخدني ملطشة النهاردة!
علق "اسماعيل" معرفًا به:
-ده جوز بنت عمك؛ "هيثم".

مد الأخير يده لمصافحته، فرفض "فضل" وضع يده براحته لإحراجه عن عمدٍ، ومع هذا قام "هيثم" بدفعه للجانب، ليتمكن من رؤية ضيفه الآخر، ورحب به معتذرًا بابتسامة سخيفة متكلفة:
-لا مؤاخذة، يا أهلاً وسهلاً يا حاج، اتفضل.
استشاط "فضل" غضبًا من معاملته الوقحة، ووبخه بتشنجٍ:
-لولا أبويا كان ليا لي كلام تاني..

منحه نظرة استحقارٍ قبل أن يرد في سخرية:
-خلي الكلام بعدين، لما اللي على وشك يروح.
تلقائيًا تحسس "فضل" الكدمات البارزة في وجهه، وكتم أنينه، وتلك النظرة النارية مسلطة على وجه "هيثم"، الذي أولاه ظهره ليقول:
-اتفضلوا في الصالون لحد ما أنادي حماتي ومراتي.

همسات خافتة دارت بين الشقيقتين، وهما جالستان على الأريكة الثنائية الجلدية، الموجودة في حجرة "خلود"، فالأخيرة استعادت وعيها، وتحدثت مع والدتها قليلاً بخفوت، لتعرف منها تفاصيل ما جرى لها عقب سقطتها المروعة، وأطلعتها أمها على ما نفذته بهسيس، حين ولجت شقيقتها للحمام، وأكدت عليها التمسك بقولها، إن أرادت الانتقام حقًا ممن دفعتها لارتكاب تلك الجريمة، استراحت ابنتها لأفكارها الجهنمية، ثم استسلمت لغفوتها المؤقتة.

جمعت "بثينة" بقايا الطعام في الكيس البلاستيكي، وألقته في السلة الموضوعة على يمينها، وتركت "ونيسة" معظم طعامها كما هو، لم تمسه، كانت فاقدة لشهيتها، طغى حزنها على ما آلم بابنة شقيقتها عليها، خاصة خسارة حفيدها المنتظر، ما تعجبت منه هو حالة "بثينة"، لم تكن بالمقهورة مثلها، وإن كانت لا تزال ناقمة على ما حدث .. وبمجرد أن وقف "تميم" على أعتاب الباب، ران السكون في المكان، تحولت نظرات اللوم والاتهام نحوه من كلتيهما، ســارت خالته ناحيته لتمنعه من الدخول وهي تصيح به:
-عايز إيه من بنتي يا "تميم"؟

نظر لها بوجومٍ، فتابعت هجومها المتحفز ضده:
-اللي بينكم انتهى خلاص، لا في عدة ولا في عيال!
قالت "ونيسة" من خلفها لتهدئها:
-اهدي يا "بثينة"، هو جاي يطمن عليها.. مش كده يا ابني؟
ونظرت إلى ابنها، بنظرة ذات مغزى، ليفهم رجائها الخفي في تأكيد قولها، بينما استدارت شقيقتها برأسها نحوها لتقول بأسلوبها الفظ:
-وأنا مش عايزاه هنا.

تنحنح قائلاً بوجهه العابس؛ وكأنه يلمح لها بمعرفته المسبقة عن ملابسات الحادث:
-هي اللي عملت كده في نفسها.
اتهمته "بثينة" بوقاحةٍ:
-بسبب معاملتك ليها، إنت مراعتيش ربنا فيها، خليتها توصل للحالة دي، وماتبقاش واخدة بالها من نفسها ولا اللي في بطنها...
ثم تعلقت في عنقه لتمسك به من ياقته، هزته بعنفٍ وهي تواصل صراخها به:
-دي الأمانة اللي موصياك عليها؟

نظر لها بعينين محتقنتين مستنكرًا كذبها البين، ورد بهديرٍ مشحون بغضبه:
-وأنا مخونتش الأمانة...
ثم أزاح قبضتيها عنه، وأكمل:
-الدور والباقي عليكم إنتم، ولا إنتو بتكدبوا الكدبة وتصدقوها؟
وبخته بلسانها اللاذع:
-صحيح، تقتل القتيل وتمشي في جنازته!

رمقها بنظرة نارية قبل أن يكشف كذبها الملفق:
-أنا برضوه؟ إيش حال ما كل اللي في البيت شافها وهي بتحدف نفسها، وأولهم ابنك "هيثم"..
ثم أشار بيده لها متابعًا صراحته الوقحة معها:
-وإنتي بقي عاوزاه يشهد زور بحاجة محصلتش أصلاً؟! مين الظالم والمفتري هنا؟
ردت ببرود:
-وهو أنا عملت حاجة لسه؟ كل حد زعل بنتي هاجيب أجله.

اشتعل غضبًا من قصدها المتواري، وتوعدها بنظراته قبل أن ينطق بلهجة قاسية:
-وأنا مش هاسمحلك تأذي حد بريء
ردت باستخفافٍ:
-مين إنت عشان تسمحلي؟
ثم غلف عيناها شر يليق بشخصها المتوحش، وتابعت مهددة إياه:
-ومش بعيد أرجعك مطرح ما خرجت يا معلم.

خرجت شهقة مصدومة من شفتي "ونيسة"، وعلقت عليها تلومها:
-مش للدرجادي يا "بثينة"؟ ابني مغلطش، وفوق ده كله احنا إخوات، وعمر الدم ما يبقى مياه!
حدجتها بنظرتها الشرسة وهي ترد:
-واللي ابنك عمله في بنتي عادي؟ دي كان ممكن تروح فيها لولا ستر ربنا.

أطرقت رأسها في أسفٍ، بينما صاح بها "تميم" بحدةٍ، وقد فاض به الكيل من كذبها الملاوع:
-هاقولك من تاني هي اللي اختارت تعمل كده، وتموت نفسها بإيدها، بلاش تعيشوا دور مش راكب عليكم!
قاطعته والدته لتسكته جبرًا:
-"تميم"! متكلمش مع خالتك بالشكل ده!

رمقها بنظرة قاتمة تعبر عن غضبه المحتدم، لم يرغب في إحراجها، أو تحويل مجرى الجدال معها، وقال بزفيرٍ ثقيل:
-صح.. معاكي حق يامه، الكلام مش هيرجع اللي حصل!
أبعد نظراته عن خالته التي تكاد تقتله بنظراتها، وأردف بوجهه المتقلص:
-لو خلصتي أعدتك، فأنا جاهز أوصلك للبيت، أعدتك هنا لا هتقدم ولا هتأخر.
همس ضعيف، بصوتٍ متقطع، ظهر وسط الأجواء المشحونة بالاتهامات يناديه:
-"تـ.. تميم"!

استدار برأسه في اتجاه فراشها، وجد ابنة خالتها تفتح عينيها بثقلٍ، وتجاهد لرفع ذراعها والإشارة إليه، لم يشعر بالشفقة نحوها، حتى إحساسه بالتعاطف معها تناقص كليًا مع لسان والدتها السليط، تلك التي انتفضت متحركة نحوها قائلة بابتسامة متلهفة، وهي تحني رأسها على جبينها لتقبلها منه:
-"خلود"! بنتي حبيبتي.. الحمدلله يا رب إنك بخير.

همَّ "تميم" بالتحرك، وترك الغرفة، فجاءه توسلها بصوتها الضعيف، وعيناها ترتكزان عليه:
-"تميم".. ماتمشيش.
أبعد نظراته عنها، وقال بنبرة جافة:
-حمدلله على سلامتك يا بنت خالتي.
راوغته برجاءٍ، وبكلمات موحية، استشف المقصود منها على الفور:
-خليك.. لو يهمك مصلحتها.

حملق فيها مجددًا بنظرة نافذة، وبادلته نظراتٍ لها معنى محدد، ثم لعقت شفتيها الجافتين، قبل أن تأمر والدتها:
-معلش يامه سيبنا لوحدنا شوية.
وحاولت النظر في اتجاه خالتها لتطلب منها:
-روحي معاها يا خالتي.
اعترضت عليها "بثينة" بشدة:
-لأ يا "خلود"، أسيبك معاه يحرقلك دمك وإنتي في الحالة دي؟
قالت وهي تحاول الابتسام:
-اطمني عليا.

وضعت "ونيسة" يدها على كتف شقيقتها تشجعها على الذهاب معها:
-تعالي معايا يا "بثينة"، وربنا يهدي الحال بينهم.
لحظات وخلت الحجرة إلا من الاثنين، تبادلا بينهما نظراتٍ مطولة، مليئة بالكثير من المشاعر المعبأة بالكراهية والسخط، استطردت "خلود" قائلة بتعابيرٍ مرهقة، وهي تريح جسدها على الوسادة التي سحبت خلف ظهرها:
-إيه؟ مافيش كلمة تعزية ليا؟ اللي راح مني ده ابني اللي كنت مستنياه منك.

رد بجفاءٍ، وعيناه تتطلعان إليها بكرهٍ:
-ربنا يعوض عليكي.
ضمت شفتيها بغيظٍ من رده الخالي من التعاطف، وسألته بعدها مباشرة، دون تمهيد:
-خايف عليها؟
منحها رده الصريح:
-أيوه.

احترق قلبها كمدًا وقهرًا، من اعترافه القاسي، وغير المزين بكلماتٍ حتى مشفقة عليها، نظراته الثابتة عليها أكدت له صدق قوله، مما أغضبها بشدة، اهتمامه بها أشعل جذوة حنقها، فبدلاً من أن يكون حبه، ورعايته، وكامل جوارحه معها، غيرها يحظى بذلك، من لا تربطه بها أي صلة. ابتلعت غصة كالعلقم في جوفها المشبع بمرارته، وعلقت بابتسامة باردة؛ كأنها تقطع وعدًا على نفسها:
-وأنا هضيعهالك.

حدق فيها بنظرات قاسية، فأكملت بنفس الابتسامة:
-مش هسيبها تتهنى بلحظة معاك، هاخرب حياتها، وأسود عيشتها.
هدر بها متسائلاً بأنفاس منفعلة، وهو يشير بيده لها:
-إنتي بتعملي كده ليها فيها؟ إيه الشر والغل اللي جواكي ده؟
ردت على الفور:
-عشان بأحبك.

احتج على تبريرها هاتفًا بصوته المحتد:
-إنتي ما بتحبيش إلا نفسك! اللي بيحب عمره ما يأذي حد بالشكل ده..
دنا من فراشها، ووقف قبالتها يرمقها بتلك النظرة النافرة، قبل أن يسألها بوضوحٍ:
-بتكرهي "فيروزة" للدرجادي ليه؟
تلفظه باسمها، بكل ذلك الاهتمام، زاد من احتراق أحشائها، فصرخت به باهتياجٍ:
-ماتنطقش اسمها قصادي
منحها نظرة أخرى مشمئزة وهو يضيف:
-فعلاً، اسمها ماينفعش يتقال قصاد واحدة فيها كل الشر ده.

ضحكت بهيسترية رغم الألم الشديد الذي ضرب بجسدها، امتزجت عبرات وجعها مع صوتها المتقطع وهي تقول بصعوبةٍ، وكأنها تحاول السيطرة على نوبة ضحكها الغريبة:
-هي مشافتش لسه حاجة مني...
وضعت يدها على بطنها، واستأنفت بضحكٍ مجلجل:
-عارف يا حبيبي، أنا هعلق رقبتها على حبل المشنقة.

تقدم خطوة أخرى من فراشها حتى التصق به، رفعه ذراعه على الحائط فوقها، وأسنده، ليميل عليها بجسده، أصبح صوته قريبًا، مهددًا، وأنفاسه تلفح بشرتها حين تعهد لها:
-مش هايحصل طول ما أنا موجود يا بنت خالتي!
مدت يدها لتداعب ذراعه العضلي بأناملها، رغم الوهن المسيطر عليها، وقالت في تحدٍ:
-يبقى إنت متعرفنيش كويس.
كالملسوع أبعد ذراعه عن لمساتها غير المقبولة، وقال بهجومٍ:
-إنتي مش طبيعية.

صاحت بحشرجة الألم:
-أيوه، أنا مجنونة، وبأحبك، وبنت الـ (...) دي وقفت في طريق حبي ليك، وخطفتك مني.
رد عليها بنفس النبرة الهجومية، ومدافعًا عن "فيروزة" باستماتةِ:
-إنتي سامعة نفسك؟ احنا الاتنين مش في حساباتها أصلاً، أفعالك وقراراتك الغلط هي اللي خربت عليكي حياتك، مش هي...
ثم اشتد صوته قساوة وهو ينهي حديثه العقيم معها:
-وأنا هاطلعها من المصيبة دي بطريقتي.

وضعت "خلود" قبضتها على ذراعه تشده منه ناحيتها، تفاجأ من حركتها المباغتة، التي لا تتناسب مع وضعها الصحي، غالبت آلام جسدها، واعتدلت في رقدتها لتصير أقرب منه، غرزت أظافرها في لحم ساعده، بكل ما فيها من غلٍ وحقد، ثم هدرت بأنفاسها في وجهه:
-شوف يا "تميم" اللي تقتل ابنها بمزاجها، اعرف إنها مستعدية تقتل أي حد يبعد عنها حبيبها...

اقشعر بدنه لاعترافها المثير، فأكملت بصوتٍ لا يبدو مازحًا على الإطلاق، ودون أن يرف لها جفن:
-يعني حتى لو طلعت منها براءة، فأنا هاقتلها، اقسم بالله هدبحها قصادك...!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الإعجاب، المشاركة والتعليقات على الرواية
W
لتصلك الفصول الجديدة أو الروايات الجديدة
اعمل متابعة للصفحة (اضغط لايك للصفحة)