قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني للكاتبة منال سالم الفصل الثالث

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني بقلم منال سالم

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني للكاتبة منال سالم الفصل الثالث

لم تنخفض نظراته عنها طــوال الطريق المؤدي إلى منزلها، كان يراقبها بإمعانٍ، ابتسامته اللبقة احتلت قسمات وجهه وهو يدعي متابعته لحديث "علا" الأجوف، لكن عقله وكامل حواسه كانت تركز معها فقط، وكأنه يحفظ ما يخصها ليحفره في ذاكرته. شعر "آسر" بالانزعاج لكون مهمته قد انتهت بإيصالها، بدا ذلك مرئيًا على خلجاته، انتفض مترجلاً من سيارته حين ترجلت "فيروزة" منها، لحقها قبل أن تتجه للرصيف متسائلاً، ودون أن ينتبه لمن يقسو عليه من الخلف بنظراته المحتقنة:
-هاشوفك تاني؟

التفتت "فيروزة" نحوه متعجبة من سؤاله الغريب، غطى وجهها الوجوم وهي ترد باستنكارٍ:
-أفندم؟! مش فاهمة معنى كلامك؟
صحح مقصده ليقول مبتسمًا وقد دار حول مؤخرة السيارة ليصبح مواجهًا لها:
-يعني إنتي موجودة مع "علا" دايمًا، صح.
مطت شفتيها في امتعاضٍ، وزفرت ترد باقتضابٍ غامض:
-ربنا يسهل.
مــد يده ليصافحها قائلاً:
-عمومًا هيبقى من حظي إن أقابلك.

نظرت ليده مطولاً ونظراتها المنزعجة لم تفارق عينيها، وقبل أن تفكر في تبادل المصافحة معه منعًا لإحراجه، امتدت يد "تميم" لتقبض على كفه، اعتصره بأصابعه القوية مرحبًا به:
-منور حتتنا يا أستاذ.
اختفت مظاهر السرور من تعبيراته، وتطلع إليه في استغرابٍ مزعوج، ثم رد متسائلاً وهو يحاول سحب يده من قبضته الشديدة:
-إنت مين؟
دقق "آسر" النظر فيه متفرسًا في وجهه المألوف قبل أن يتابع:
-أنا تقريبًا شوفتك قبل كده! بس مش فاكر فين.

تعمد التحقير من شأنه كي لا يعطيه قيمة بالرغم من تذكره لملامحه المتجهمة، بينما حلت الدهشة على "فيروزة" التي تفاجأت هي الأخرى بوجود "تميم"، تلقائيًا انخفضت عيناها لتتأمل يده القابضة على كف "آسر"، والأخير يحاول جاهدًا جذبها منه في يأسٍ، تقوست شفتاها قليلاً بابتسامة ساخرة من إحراجه أخفتها سريعًا قبل أن يلاحظها أحدهما، فالاثنان يليقان ببعضهما البعض، تصنعت الجمود وتركزت عيناها مع "تميم" عندما استطرد قائلاً بصوته الأجش:
-افتكرني كويس، أنا المعلم "تميم سلطان".

هز "آسر" رأسه بإيماءة بدت مستهزأة به، وقال بنصف ابتسامة:
-تشرفنا.
ثم التفت نحو "فيروزة" ليخاطبها:
-لو عوزتي أي حاجة يا آنسة فأنا تحت أمرك.
نظرت له بحدة وهي ترد:
-شكرًا، مش محتاجة لحد.
تنحنح معقبًا:
-طيب عن إذنك.
تحركت عينا "فيروزة" نحو زجاج السيارة حين سمعت رفيقتها تودعها:
-باي يا "فيرو"، أشوفك بكرة.
ابتسمت مجاملة وهي ترد:
-إن شاءالله.

لوح "آسر" بيده لها قبل أن يستدير متجهًا إلى سيارته ليستقلها، بينما تحركت "فيروزة" مبتعدة عن "تميم" لتصعد على الرصيف، انتفضت كليًا في ضيقٍ عندما اعترض الأخير طريقها بجسده، رفعت عينيها إليه وهتفت فيه، وكأنها تأمره:
-في حاجة يا معلم؟ يا ريت وسع من طريقي
-يصح اللي عملتيه ده يا أبلة؟
كتفت ساعديها متسائلة بأسلوب هجومي، ونظراتها النارية تنفذ إليه:
-عملت إيه؟

أجابها بضيقٍ غير مفهومٍ بالنسبة له:
-ماينفعش تنزلي من عربية واحد غريب، احنا في حتة شعبية، ومليانة رجالة ولاد بلد.
انقلبت تعبيراتها لعبوس أكبر، وعلقت بتهكمٍ:
-لا والله!
تابع مبررًا بعبارات منتقاة بعناية حتى لا تسيء فهمه:
-مش عاوزين حد ياخد فكرة عنك وحشة لو شافك معاه..

صمتت "فيروزة" لتتأمله في دهشة مستنكرة، فالتقت النظرات المتوترة بالعينين العميقتين، اهتز كيانه بشكلٍ عاصف مما زاد من تخبطه، استجمع "تميم" أفكاره التي تطايرت من رأسه أمام نظراتها المباشرة والنافذة إليه، وقال بصوتٍ بدا مذبذبًا لكنه عبر عن صدق نواياه، وربما مشاعره:
-الناس مابترحمش، وأنا خايف عـ.. عليكي .. قصدي كلامهم ما آ...

ارتخى ساعداها، وقاطعته قبل أن يتمادى في سرد أعذار ترفضها كليًا مشيرة بيدها:
-ولو إني مش المفروض أرد عليك ولا حتى أبررلك إنت أو غيرك تصرفاتي، بس أنا مكونتش لوحدي معاه ولا أعدة جمبه، صاحبتي كانت موجودة.. واضطريت أركب، ارتحت كده:
تنحنح مرددًا بنبرة موجزة سبقتها تنهيدة سريعة:
-كويس يا أبلة.

غمغمت في تبرمٍ:
-يادي كلمة أبلة اللي طالعلي بيها.
سألها والدهشة تعتريه:
-هي بتضايقك؟
عقدت حاجبيها في استغرابٍ وهي توجه الحديث لنفسها بنفاذ صبر وبصوتٍ مسموع:
-أنا وافقة معاك ليه، عن إذنك؟
تجاوزته لتعبر الرصيف وتتجه إلى مدخل بيتها، تابعها "تميم" حتى اختفت عن أنظاره ليتساءل مع نفسه بما يشبه السخرية:
-يعني أقولك إيه؟ "فيروزة" حــاف؟!

التقى بها "هيثم" أثناء خروجه، رمقها بنظرة حذرة وهو يســرع الخطى ليتجنبها، تنهد في ارتياح وهو يقول:
-الحمدلله خلصت مهمتي قبل ما تيجي، كان زمانها قفلت كل السكك في وشي، ده إن مكانش طردتني.
رد عليه "تميم" معترضًا بأسلوب مازح:
-دي قلبها طيب.
هتف في استنكارٍ تام:
-دي؟ يا عم قول كلام تاني...

ضاقت عينا "هيثم" متسائلاً في اهتمامٍ فضولي:
-هو إنت اتكلمت معاها؟
أجابه نافيًا وقد ظهرت ربكة طفيفة عليه:
-كلام إيه يا ابني، هي بتدي فرصة لحد يبلع ريقه حتى!
وافقه الرأي معلقًا عليه:
-على رأيك.
وكزه "تميم" بخفة في جانب ذراعه ليحثه على التحرك قائلاً:
-بينا من هنا، وخلينا نشوف شغلنا.

-طيب.
قالها "هيثم" وهو يفتح باب السيارة ليستقر في مقعده قبل أن يجلس ابن خالته إلى جواره ونظراته لا تطاوعه، ما زالت تبحث عن طيفها لتشبع تلك الرغبة المتأصلة في إدراكه، تلك التي يسعى لكبتها قبل أن تتفاقم وتخرج عن السيطرة.

نظرة متأنية ألقتها على المكان بمجرد أن وطأته مع خطيبها الذي أصر على دعوتها لتناول الطعام معه بالخــارج بعد استئذان والدتها، ثم القيام بنزهة سيرًا على الأقدام في منطقة الكورنيش، أشــار "هيثم" بيده نحو مائدة منزوية في نهاية المطعم وبالقرب من شاشة التلفاز، اتجهت "همسة" إلى حيث أرشدها وجلست قبالته، أمسك الأول بقائمة الطعام وتصفحها بنظرات سريعة وهو يسألها:
-نفسك تاكلي إيه؟

أجابته بحيرة ظاهرة عليها:
-أي حاجة؟ كله كويس.
نحى القائمة جانبًا، وقال ببساطة:
-بصي أنا ماليش في الأسماء المكلكعة اللي مكتوبة هنا، إيه رأيك ناكل مشكل مشاوي؟
ابتسمت وهي تومئ برأسها موافقة:
-ماشي.

استدعى "هيثم" النادل بإشارة من يده فأتى إليه الأخير وسجل في ورقة صغيرة طلبهما لينصرف بعدها، تنهدت "همسة" مضيفة بحماسٍ:
-على فكرة "فيروزة" رجعت تكلم تاني معايا.
لم يظهر على وجهه علامات الرضا وهو يستمع إلى جملتها الأخيرة، فرك طرف ذقنه متسائلاً بقليلٍ من التجهم:
-خير، وعلى كده هتحضر معاكي السبوع؟
هزت كتفيها تجيبه:
-مش عارفة، ماما هتقولها، وإن شاء الله توافق.

دمدم مع نفسه بصوتٍ خفيض:
-يكون أحسن إنها ماتجيش، مش ناقصة نكد.
أحضر النادل أصناف الطعام المطلوبة، وشرع كلاهما في تناوله مع تبادل الأحاديث الودية اللطيفة .. طرأ في بال "همسة" شيء ما، لذا تركت شوكتها واستندت بمرفقيها على الطاولة، ركزت أنظارها مع خطيبها، وقالت:
-أما جت في دماغي حتة فكرة، لو ظبطت معانا هتحسن علاقتك بأختي.

رمقها بنظرة حائرة قبل أن يسألها:
-فكرة إيه دي؟
أوضحت له بابتسامتها المتحمسة:
-دلوقتي "فيروزة" شغالة في محل بيعمل هدايا وبيجهز حاجات السبوع، إيه رأيك لو تخلوها هي اللي تعمل حاجة المولود قريبكم؟
بدا غير مستوعبٍ لما تقصده من إشراكها في الأمر، واستفهم منها:
-مش فاهم، يعني عاوزاها تعمل إيه؟

لوحت بكف يدها متابعة عن ثقة اكتسبتها وقد تخمرت الفكرة أكثر في رأسها:
-هاوضحلك أكتر، وصدقني ده هيفيدك جدًا، بس تعمل اللي هاقولك عليه بالظبط.
هز رأسه موافقًا وهو يرد:
-ماشي.

كان اقتراحها بسيطًا للغاية؛ الذهاب لمحل الهدايا الذي تعمل به توأمتها والإصرار على شراء ما يلزم المولود الجديد من أشياء تُستخدم خلال حفل (السبوع) منه، مع الإشادة بمجهود "فيروزة"، تفانيها، ودقتها في العمل لتشعر بالحرج من الإطراء الذي تتلقاه منه تحديدًا، وفي نفس الوقت تُمحى أي ضغائن سابقة ليبدأ كلاهما صفحة جديدة .. لم يكن من اليسير عليه أن ينفذ فكرتها بحذافيرها دون اللجوء لمساعدته، وبرجاءٍ أقرب للتوسل طلب "هيثم" مساعدة ابن خالته في تلك المسألة التي اعتبرها مصيرية، قَبَل "تميم" على مضضٍ الذهاب معه، ليس محبة فيه، لكن إشباعًا لتلك الرغبة المُلحة التي تستحثه على رؤيتها تحت أي ظرف..،

استنكر انسياقه وراء نزوة عابرة احتلت لا وعيه وباتت تنغص عليه وعيه، نزوةٌ خيالية هو طرفها الوحيد، يعيش تفاصيلها بمفرده وبين جوارحه خلسة وفي أحلامه المحظورة .. قاوم تلك المشاعر غير المألوفة عليه مُجبرًا نفسه على مواجهتها ليثبت أنها من محض خيالاته المحرمة. قبيل العصر اتجه الاثنان إلى المحل .. تطلعا إلى الواجهات المختلفة للمحــال التي تتجاور فيما بينها في ذلك الشارع الحيوي، تساءل "تميم" بجدية وإرهاق:
-هو ده المكان؟ متأكد منه يعني؟

حك مؤخرة عنقه قائلاً بترددٍ:
-مش عارف، بس مافيش إلا هو في الحتة...
ثم أشــار بيده نحو اللافتة، وواصل القول:
-مكتوب عليه هدايا أهوو.
كان يعلم أنها ضيقة الصدر، تميل للتشاجر، وربما رؤيته ستجدد تلك النزعات الكارهة نحوه، نفخ "تميم" بزفيرٍ طويل قبل أن يرد عليه متسائلاً:
-أنا مش عارف إنت ليه حاشرني معاك؟!
أجابه بمنطقية بحتة:
-المرادي لازم تبقى موجود، إنت خال المولود، يعني الكلام جاي منك على طول، مش من حد تاني ...

وضع يده على كتفه وأكمل بوجه بائس:
-وبعدين اقف جمبي في الخدمة دي، خلي الجوازة تكمل.
ضغط "تميم" على شفتيه قائلاً بضيقٍ:
-إنت بتورطني، وأنا مش عاوز كده.
رد عليه "هيثم" ونظراته مسلطة عليه:
-اعتبرها بجميلة معايا، ومردودالك.
تنفس بعمقٍ ليعلق بعدها بنبرة موجزة:
-يا مسهل.

شحذ "تميم" كامل قواه ليتقدم بعدها في اتجاه باب المحل، دفعه بيده، وولج للداخل ملقيًا التحية:
-سلامو عليكم.
بحثت عيناه سريعًا عنها، لكن كان المكان خاليًا من حضورها مما أصابه بالإحباط، التفت برأسه للجانب حين ردت عليه "علا":
-وعليكم السلام، أي خدمة؟
يبدو أنها لم تتعرف إلى شخصه بالرغم من تذكره لوجهها، تنحنح متسائلاً بوجهه الجاد:
-أومال فين الأبلة؟
زوت ما بين حاجبيها متسائلة في حيرة:
-أبلة مين؟

تدخل "هيثم" في الحوار ليوضح أكثر:
-بصي .. أنا خطيبتي "همسة" أختها شغالة هنا.
ابتسمت "علا" قائلة لكليهما ونظراتها تتجول عليهما:
-قصدكم "فيروزة"؟ هي في مشوار وجاية، تحبوا تستنوها؟ أنا ممكن أساعدكم لو في حاجة ضروري.
وقبل أن يكمل "هيثم" حديثه فُتح الباب مجددًا لتطل "فيروزة" بوجهها المشدود شاكية بتذمرٍ:
-يا ربي على الزحمة، مش ممكن، الواحد مش عارف الناس دي كلها جاية منين.
رفعت عيناها نحو الاثنين المحدقين بها، حلت بها الصدمة، ونطقت في دهشة عجيبة:
-إنتو؟

لا يدري لماذا تصيبه تلك الربكة في حضورها، كانت قادرة على إفساد ترتيباته، وكلما أعد نفسه للمواجهة فشل قبل أن يحاول، حتى أن تأثيرها قد امتد ليؤثر على جسده، شعر بتقلصات في معدته، بعدم انتظام أنفاسه .. تركزت أنظار "فيروزة" معه، حدقت فيه مطولاً، وكأنها تريد النفاذ لداخله، انتظرت أن يبادر بتفسير سبب تواجده، لكنه استطرد يقول ببلاهة:
-صباحك فل.

ضغطت على شفتيها تسأله بنبرة عملية بحتة:
-خير، في حاجة؟
رد عليها "هيثم"، وتعابيره توحي بانزعاجه:
-احنا جايين في شغل؟
رفعت حاجبها للأعلى مرددة في استغرابٍ وهي تتجه إلى الطاولة المستطيلة لتسند عليها الحقائب التي تحملها في يديها:
-شغل؟!
هز برأسه مؤكدًا وهو يرد:
-أيوه، طبعًا..
ثم دفع بيده ابن خالته حين أضاف:
-ماتقولها يا "تميم".

خشي الأخير أن تتبين مدى الارتباك الواضح عليه، غالب حالة التخبط المتمكنة منه باحثًا عن خيط يبدأ به حديثه، وكأن الكلمات قد فرت من على طرف لسانه كفرار الطريدة من الأسد المتربص بها.. ساعده انشغالها بترتيب الحقائب على تصفية ذهنه، استنشق الهواء بعمقٍ، ثم قال بلجلجة محسوسة:
-بصي.. احنا عندنا سبوع و.. كنا عاوزين نشوف إيه المطلوب واللي المفروض يتعمل فيه.
هزت رأسها في تفهم لترد دون أن تنظر إليه:
-تمام.

أضـاف "هيثم" موضحًا أكثر ليظهر جديته في الأمر مثلما أخبرته "همسة":
-السبوع ده بتاع ابن أخته حبيبنا كلنا..
وتابع موجهًا سؤاله لـ "تميم":
-صح ولا إيه يا خال؟
لعق شفتيه وحرك رأسه قائلاً:
-مظبوط.
ردت باقتضاب تهنئه وقد استدارت كليًا لتنظر إليه:
-مبروك.

وكأن طاقة عظيمة من المشاعر المستثارة قد نفذت إليه لتضاعف من الاضطراب الدائر بداخله، اكتفى بإشارة خفيفة من رأسه، بينما تساءلت "فيروزة" باهتمامٍ وهي تدون ما يقوله في مفكرة صغيرة:
-طيب إنتو عايزين إيه بالظبط؟
تبادل "تميم" مع "هيثم" نظرات حائرة وهمهمات خافتة لتعبر عن تخبطهما .. تدخلت "علا" في الحوار مقترحة:
-في أوبشنز كتير عندنا، ممكن أقولهالكم باختصار لو تحبوا.
التفت "هيثم" نحوها ليعلق:
-احنا عايزين أحسن حاجة.
أشارت "علا" بيدها متابعة:
-أوكي، في حاجات ممكن أوريهالك وإنت تقولي رأيك تنفع أو لأ.

قال في استحسانٍ:
-إن كان كده ماشي.
ثم مال على ابن خالته يسأله:
-هاتيجي معايا يا "تميم".
تنحنح قائلاً بصوت متحشرج:
-أيوه.

منحها نظرة أخيرة مهتمة قبل أن يسير بخطوات متكاسلة نحو الجانب الآخر من المحل حيث المعروضات التي تخص المواليد الذكور، ساعدتهما "علا" كثيرًا في مسعاهما، وبقيت تلك النظرات الخاطفة عليها من آن لآخر وسيلته المتاحة ليملي عينيه منها، وكأن القلب ينتعش بها. أفسد متعته السرية مجددًا حضور "آسر"، والذي على ما يبدو اعتاد المجيء إلى المحل، اِربد وجهه بالضيق الشديد حين هتف بسماجة ليمدح الشابتين:
-قمرات المكان.

تركت "علا" ما في يدها بعد أن رأته، اعتذرت مبتسمة بتلهفٍ ونظراتها تتجه إليه:
-آ..خدوا فكرة وأنا رجعالكم، عن إذنكم.
استدار "هيثم" لينظر إلى حيث تحدق، وتساءل بصوتٍ خفيض:
-هو مش ده الرخم إياه؟
رد عليه "هيثم" بعبوسٍ غلف كامل تعابيره:
-أه هو.
وقفت "علا" أمامه تتغنج في مرح قبل أن تقول:
-"آسر"، أنا كده هاتغر، إنت كل يوم عندي.

ابتسم موضحًا بأسلوبه اللبق في الحوار:
-أصلي حبيت المكان هنا، وكمان لما بألاقي نفسي فاضي بأعدي عليكم، يعني معرفش غيركم بصراحة.
هتفت بأنفاس منفعلة في سرور:
-أنا بصراحة مبسوطة أوي إنك بتعمل كده.
انخفضت عيناها نحو يده التي أخرجت بلَّورة بها ثنائي متحابين يجلسان على فرع شجرة تدور وتنير حين تضغط على زر صغير بأسفلها، قدمها لها قائلاً:
-اتفضلي.

عضت على شفتها السفلى في رقة، وسألته بوجه متورد:
-إيه دي؟
أخرج "آسر" واحدة أخرى من الحقيبة، وثبت عيناه على "فيروزة" متابعًا بهدوءٍ:
-دول هدايا كنت جيبهالكم من آخر سفرية بس ملحقتش أديهالكم.
ردت "علا" تشكره بامتنانٍ:
-ميرسي أوي يا "آسر"، مكانش ليه لزوم.
ابتسم مجاملاً لها، وسار نحو رفيقتها ليقدم لها هديتها قائلاً بتهذيبٍ:
-اتفضلي يا آنسة "فيروزة"، دي عشانك.

نظرت له بحدةٍ، ورفضت بجمودٍ:
-شكرًا مش عاوزة.
ألح عليها بلباقةٍ وقد أسبل عيناه:
-مش هاقبل تكسفيني، ده تذكار بسيط، والنبي قبل الهدية.
تابع "تميم" المشهد من الخلف وذلك الغليان يستعر بداخله، كان يتعاظم مع سماجة "آسر" المتزايدة، بدت كالحنط في الجوف، همس لنفسه بحنقٍ متوعد وهو يكور قبضته:
-خديها منه وإديهاله في نافوخه.
أسند "آسر" البلَّورة على الطاولة التي تخصها، لم تبتسم له، وحذرته بلهجة لا تمزح:
-كتر خيرك، بس يا ريت متكررهاش.
-حاضر.

قالها وقد تقوست شفتاه عن بسمة صغيرة، ثم استدار ليتحدث مع "علا" التي كانت تستعلم منه عن مسألة ما، في حين ارتكزت أنظار "تميم" على البلَّورة، استحوذ على تفكيره المزيد من الأفكار السوداوية تجاهه، تنتهي كلها بتحطيمها فوق رأس ذاك السخيف، أحس بشيء مزعج يجثم على صدره ويستحثه على تنفيذ ما يدور في رأسه ليفرغ تلك الشحنة العدائية المتعاظمة بداخله، خرج من تحديقه الغاضب بالبلَّورة على صوت "فيروزة" المتسائل:
-عاوز كام كارت كبير؟

نظر بترددٍ لابن خالته، مال الأخير عليه يهمس له:
-إنت عاوز كام تقريبًا.
حاول "تميم" بحسبة سريعة إجرائها في عقله احتساب العدد المطلوب تقريبًا، ثم تقدم نحوها وتلك الابتسامة العبثية ترتسم على شفتيه، ففكرة أخرى ماكرة راودته للتو، ونفذها ببساطة، وقف قبالتها ولوح بظهر كفه قائلاً:
-تقريبًا خمسين كارت..

حينها دفع –وعن قصدٍ- البلَّورة لتسقط عن الطاولة ويتهشم زجاجها ليبدو وكأنه لم يفعل ذلك عمدًا، أحدث صوت تحطيمها ضجة كبيرة، ناهيك عن الفوضى التي عاثت في المكان، وبابتسامة منتصرة هتف معتذرًا:
-لا مؤاخذة، مقصدش.
انتفض "هيثم" مرددًا في صدمة:
-يا ساتر، في إيه؟
ردت فيروزة عليه بوجهٍ غير غاضب، وكأنها استراحت لتخلصها منها:
-حصل خير.

أضــاف "تميم" بعفويةٍ:
-يالا أهي خدت الشر وراحت.
تحرك "آســر" في اتجاهه ليتفاجئ بتهشيم بلَّورته، تشنجت عروقه، واختلج وجهه بغضبٍ مبرر، ثم صـــاح يسأله في حدة حانقة:
-إنت عملت إيه؟
رد "تميم" ببرود استفزه:
-ولا حاجة
هدر به في غيظٍ تضاعف بعد نظراته الشامتة الظاهرة عليه:
-إنت أصلاً بتعمل إيه هنا؟
أجابه "تميم" بسخطٍ، وعيناه تحذراه من غضبته الوشيكة إن استمر في مناطحته الند بالند:
-هو ممنوع ولا نيجي هنا ولا حاجة يا كابتن؟

رد عليه بوقاحةٍ متعمدًا ازدرائه بنظراته الاحتقارية:
-لأ.. بس واضح إن في ناس مابتفهمش في الذوق
لكزه "تميم" في كتفه بقساوة وهو يرد:
-نعم ياخويا؟ الكلام ده ليا؟
تدخلت "علا" في الحوار قبل أن يتطور لمشادة كلامية:
-دول زباين يا "آسر"، أنا هاشوف طلباتهم، متضايقش نفسك..

والتفتت تنظر إلى "فيروزة" لتتعامل مع الموقف، خاصة أنهما على صلة بها، ادعت الأخيرة الابتسام، واعتذرت بلطفٍ بدا مصطنعًا:
-خلاص يا أستاذ "آسر"، حصل خير، أكيد مايقصدش.
تنفس بعمقٍ ليكبح غضبه، وقال وعيناه تقدحان بالشر لـ "تميم":
-مافيش مشكلة، هاجيبلك مكانها.
أشــارت بكفها رافضة:
-متكلفش نفسك.

تنحنحت "علا" بصوتٍ مرتفع، وقالت وهي تشير بيده:
-اتفضل معايا يا أستاذ عشان نعمل الفاتورة.
-طيب.
قالها دون أن يبعد نظراته المتشفية عن وجه ذاك السمج، وقبل أن يتبعها مال عليه برأسه ليخبره بصوتٍ خفيض، وبما يشبه النصيحة:
-خدها مني كلمة، الحاجات اللي زي كده آخرها الزبالة.

اشتعلت عينا "آسر" على الأخير عقب جملته تلك، بينما بدا "تميم" مستمتعًا بتخريب هديته وتعكير مزاجه، راقبه بصدرٍ مغلول إلى أن ابتعد عنه ليغمغم بين أسنانه يسبه في حقدٍ ظاهر عليه:
-بني آدم مستفز ...!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W