قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل التاسع عشر

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل التاسع عشر

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل التاسع عشر

كان يراهن –بقوةٍ- على سجيتها الساذجة، فأمثالها من النساء محدودات التفكير، لن يستطعن -بما اعتبره عقولهن الناقصة- مضاهاة ذكائه الخارق، سيطرت عليه فكرة بغيضة، كان واثقًا بشدة أن آمنة لن ترتاب في أمره، إن أفسد هاتفها المحمول عن قصدٍ. وبكل ما فيه من خسةٍ ونذالة قام فضل بالعبث فيه، ليصبح قطعة من الخردة، لا تصلح لشيء. ابتسم في انتشاءٍ، وقال بزهوٍ مريض:
-زي الفل! الله على دماغك يا أبو الأفضال!

استمر في التفاخر الزائف بنفسه قائلاً؛ وكأنه يصنع المعجزات:
-آه لو كان البلد دي فيها اتنين منك، كنت عملت العجب.
وقبل أن تستريب زوجة عمه فيه، ترك الهاتف موصولاً بشاحنه، وعاد إليها متسائلاً بلهجةٍ جادة:
-أومال مافيش أخبار عن بنتك فيروزة؟
تنهدت قائلة بتعاسةٍ معكوسة على قسماتها:
-لا والله يا فضل، ربنا يرد الغايب.
تحدث من زاوية فمه قائلاً:
-تلاقيها مصدقت يا مرات عمي...
وزاد الطين بلةٍ باتهامها كذبًا:.

-ما هو في ناس بطرانة، أول ما القرش يجري في إيديها تنسى أصلها، وفصلها.
استاءت من إساءته لابنتها، ودافعت عنها بضيقٍ:
-بس فيروزة مش كده.
استفزها بأسلوبه الوقح، فقال ليوغر صدرها ناحيتها:
-وتسمي تطنيشها ليكي إيه؟ ده حتى المثل بيقول اللي مالوش خير في أهله مالوش آ...
لم يكن ينقصه سوى صراحته الفجة ليثير أعصابه، والظروف لا تحتمل مضايقاته المستمرة، لذا قاطعه اسماعيل محذرًا، بتعابيرٍ غير راضية:
-ملكش دعوة يا فضل.

رد بتذمرٍ:
-هو أنا قولت حاجة غلط؟
نهض والده من جلسته، وصاح بلهجةٍ اكتسبت الجدية، منهيًا سخافاته اللا محدودة:
-لا غلط ولا صح، بينا من هنا، لسه مشوارنا طويل.
بامتعاضٍ كبير غمغم؛ وكأنه طوع بنانه:
-ماشي يا حاج، اللي تشوفه.

أوصلتهما آمنة إلى باب المنزل، وأغلقته بعد ذهابهما، لتستدير عائدة إلى غرفة ابنتيها، حيث تغفل رقية على الفراش الذي احتضنهما سابقًا، راقبتها بشرودٍ وتفكيرها المهموم ازداد قلقًا وحزنًا على ابنتها، عاتبتها بصوتٍ لم يتحرر من حلقها:
-بقى كده يا فيروزة أهون عليكي؟ كل المدة دي ومافيش مكالمة منك؟
أطرقت رأسها بأسى، وتابعت في خيبةِ أمل:
-ربنا يهدي الحال.

بقامته الطويلة، وكتفيه العريضين، وقف أمام مدخل الدكان، على مسافة مترين، يحملق بنظراتٍ كلها تركيز، على العاملين الواقفين على السلالم الخشبية، فالاثنان يحاولان بجهدٍ تعليق اليافطة الخشبية الجديدة. لم يتوقف سراج عن إرشادهما لضبطها في المنتصف، خاصة أنه من أصر على إهدائها لعائلة سلطان، كنوعٍ من تجديد روابط الود والمحبة بينهما، ارتفعت نبرته عاليًا وهو يملي بأوامره:
-هاتها يمين شوية، اوعى تفلت منك.

وضع يده أعلى خاصرته اليسرى، وأشار بذراعه الآخر متابعًا أمره:
-كده زي الفل.

استمر على تلك الحالة المهتمة لدقائق أخرى، حتى انتهى العاملان من تثبيتها، فأثنى على مجهوداتهما، وأعطاهما من المال ما جعل نواجذهما تظهر. تأملها لبرهةٍ بإعجابٍ قبل أن تنخفض نظراته لتحدق في بقعة مجاورة لمدخل الدكان، حيث اعتاد الحاج بدير الجلوس على مقعده الخشبي، وأمامه طاوله صغيرة مستديرة يضع عليها فنجان قهوته. ابتسم من تلقاء نفسه وقد انتعشت ذاكرته بذكرى رؤيته ل هاجر للمرة الأولى، وبدا وكأن الأمر قد حدث بالأمس القريب.

آنذاك كان متواجدًا مصادفة بالدكان، منتظرًا إفراغ إحدى شاحناته لحمولتها الثقيلة، خفق قلبه بتوترٍ، حين أبصرت عيناه وجهًا نضرًا، يعكس لطافةٍ محببة للنفس مقبلاً عليه، تلبك في جلسته، وأخفض نظراته سريعًا مستشعرًا بحرجٍ غير مبرر، خاصة مع صوتها الناعم المتساءل:
-فين تميم يابا؟ المفروض يوصلني المدرسة دلوقتي، عاوزة ألحق الدرس.
أجاب بدير بلهجته الجادة:
-أخوكي خد العربية يخلص مشوار، شوية وهتلاقيه جاي.

زمت شفتيها للحظة قبل أن تنطق بتبرمٍ:
-بس أنا كده هتأخر عليه، ومش هالحق الشرح من أوله.
وجد سراج لسانه ينزلق من تلقاء نفسه مقترحًا:
-أنا معايا العربية، تعالوا أوصلكم يا حاج مطرح ما تحبوا.
اعترض بدير بتعابيره الجادة:
-لأ يا ابني مايصحش.
أصر عليه سراج ببسمة صغيرة، وعيناه تتقاتلان لعدم النظر ناحيتها:
-ما احنا أعدين مابنعملش حاجة، وعقبال ما الرجالة ينزلوا البضاعة نكون روحنا وجينا.
أخبره بحرجٍ لم يخفه:.

-أنا كده هتعبك.
رد متمسكًا برغبته:
-تعب إيه بس، العربية موجودة، ومافيش حاجة ورايا...
نظرة سريعة اختطفها نحوها قبل أن يضيف بلجلجة خفيفة:
-بينا يا حاج عشان، ست البنات، تشوف مصلحتها.
شكره بدير مبديًا عرفانه بجميله:
-تعيش يا ابني...
ثم وضع يده على كتف ابنته ليدفعها نحو سيارته وهو يأمرها بهدوءٍ:
-تعالي يا هاجر.

وكأنه بلغ قمة سعادته في لحظة مميزة، حينما استضافها في سيارته، وجلست بالمقعد الخلفي، أحس بدقات قلبه تتصاعد في فرحة غير مسبوقة، رغم أن الأمر لا يستحق؛ لكن وجودها معه بأدبها الواضح، وحياءها الخجل أعطاه لمحة من السرور. ظل سراج جالسًا في سيارته عندما ترجلت مع والدها بالقرب من مدرستها، راقبها بعينين تلمعان بشدة، لم يعرف أنه كان يبتسم، اختفت بسمته وتجهم وقد أرهف السمع لتعليقًا سخيفًا يأتي من جواره:.

-شايف الراجل الشايب ده ماسك مُزة طلقة.
اتجهت أنظاره المحتدة إلى حيث مصدر الصوت، فرأى شابين يتسكعان على بُعد متر من جانب سيارته، وعلى ما يبدو لم ينتبها لوجوده بها. أضاف الآخر بلهاثٍ طفيف:
-احنا نستناها أما تخلص، ونجرب حظنا معاها.

لم يستطع سراج ضبط أعصابه، تصاعد غضبه المحموم إلى رأسه، وشعر بحتمية إخراسهما بعد أن يلقنهما الدرس الذي يستحقانه. هبط عن سيارته، صافقًا الباب بعنفٍ لينتفض الاثنان على إثر قوة الصوت، وقبل أن يتفوه الشاب الأول بكلمة، سبقته لكمة في فكه جعلت الحروف تتحول لصراخ متألم، ثم ناول الآخر ركلة قاسية في ركبته، أجبرته على الانحناء والتأوه، قبل أن يوجه قبضته المتكورة إلى أسفل معدته، وكل ذلك مصحوبًا بلعناتٍ مهينة لكليهما. واصل سراج تعنيفهما بشراسةٍ مفرغًا كامل شحنته الغاضبة فيهما، إلى أن خرج بدير من المدرسة، أسرع ناحيته متسائلاً:.

-في إيه يا سراج؟
صمت للحظاتٍ ريثما ركض الشابان هاربين من أمامه، فالتفت ناحيته ليرد وهو ينفض كفيه معًا:
-مافيش حاجة يا حاج، دول شوية عيال ناقصة رباية كنت بأعرفهم غلطهم.
مسح بدير براحته على ظهره ليحثه على التحرك قائلاً له:
-طب تعالى احنا نرجع الدكان، البت لسه قدامها ساعتين، وهايكون تميم رجع يبقى يروحلها.
رفع رأسه للأعلى ليلقي نظرة أخيرة على المبنى، وقال بتنمرٍ خفيف:
-ماشي يا حاج.

جلس عند قدمي والدته، على حشية من القطيفة، تفترش الأرضية، حيث اعتبرها جلسته المفضلة حينما يفضفض معها بأريحية تامة. استدار سراج برأسه مركزًا نظره مع حركة يديها وهي تقشر ثمرة البرتقالة، وأضاف بتنهيدة شبه حارة، وخياله يجسد له طيفًا لوجهها الناعم:
-أما يامه بنته دي حكاية! تقول للقمر قوم وأنا أقعد مطرحك.
ضحكت أمه ضحكاتٍ صغيرة عذبة، وقالت في استمتاعٍ:
-للدرجادي يا سراج؟

أكد عليها بعينين تشعان بوهجِ الحب:
-وأكتر يامه.
أزاحت والدته البقايا البيضاء عن الفصوص، وناولتها لابنها وهي تخبره:
-اللي أعرفه إن مرات الحاج بدير ست كُمل، وبنتها ستات الحتة بيتكلموا عن أدبها وأخلاقها، بس محالفنيش الحظ أشوفها.
علق عليها وقد ارتخت نظراته:
-تسلمي يامه، ما أنا يدوب لمحتها بالصدفة، ساعة ما وصلتها مع أبوها.
ضحكت مجددًا، ومازحته:
-ما إنت من ساعتها حالك متشقلب.
أطرق رأسه متسائلاً بحرجٍ:.

-هو أنا باين عليا؟
ردت مؤكدة بتسليةٍ وهي تعبث برأسه:
-ده أنا أمك وعرفاك أكتر من حالك، ربنا يجعلك نصيب معاها.
عاد ليتطلع إليها مرددًا برجاءٍ:
-يا رب ادعيلي يامه...
تناول فصًا مما معه، لتسيطر على نبرته مظاهر الجدية وهو يكمل:
-أنا عمال اسأل وأطأس من بعيد لبعيد كده، عشان أعرف إن كان في حد متكلم عليها ولا لأ...
توقف للحظة ليبتلع ما في جوفه، ثم تابع:.

-وماينفعش اكلم أخوها كده خبط لزق، دمه حامي، ومابيستحملش الهوا على أهل بيته، جايز يفهمني غلط.
اقترحت عليه باهتمامٍ:
-خلاص شوفلك حد من القريبين منهم اسأله، واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
بدا مترددًا وهو يخاطبها:
-في دماغي اتكلم مع محرز، أنا شايفه مناسب، باعتباره دراع الحاج اليمين، هاخد وأدي معاه بالمحسوس.
حذرته والدته بملامحٍ جادة:
-بس خد بالك في الكلام معاه.
اكتسى وجهه بالجد، وقال مؤمنًا عليها:.

-اه اطمني، أنا هافهمه إني طالب القُرب، مش حاجة تانية لا سمح الله.
أبدت ترحيبها بإقدامه على تلك الخطوة، وأضافت:
-خلاص يا ابني، وأنا هازور الست أمها وربنا يكتبلك كل خير يا ابني.
هلل بابتسامة اتسعت معها نظراته المتفائلة:
-ايوه يامه ادعيلي.

ليلتها انتظر بكل ما يعتريه من لهفةٍ وأشواق عودتها إلى المنزل، لتطلعه على نتائج زيارتها الودية لعائلة بدير، لم يستطع التركيز في عمله، ولم يبقَ لوقت متأخر في دكانه بالسوق، ولم يجرؤ على إيصالها، آثر البقاء بعيدًا متحملاً تبعات الانتظار المشوق. كالأطفال الصغار وقف سراج أمام الباب عندما عادت يستنطقها بصبرٍ نافذ:
-ها شوفتيها يامه؟ وإيه رأيك؟
قالت بزفيرٍ لاهث وهي تنزع دبوس طرحتها عنها:.

-طب سيبني أخد نفسي كده.
تبعها نحو أقرب مقعدٍ جلست عليه، ووقف فوق رأسها يلح عليها:
-طمنيني بالله عليكي.
رفعت عينيها إليه، وردت بعد ابتسامةٍ باعثة على الراحة:
-مش مخطوبة، ولا في حد متكلم عليها خالص.
هلل في سعادة غامرة:
-اللهم صلي على النبي، أيوه كده.
أكملت والدته حديثها بما يشبه المدح:
-والشهادة لله هما عيلة زي الفل، تشرف بصحيح، وأنا رأيي أول ما تطلع نتيجة مدرستها تكلم أبوها على طول.

دون تفكيرٍ حسم أمره قائلاً:
-اتفقنا يامه، هاكلم الحاج بدير، وأرتب معاه.
لكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، وتوترت الأجواء من لا شيء، ليصبح ما تمنى حدوثه يومًا في مهب الريح، بل وتحولت مشاعر الألفة لعداءٍ بغيض، بسبب الشائعات المغلوطة التي انتشرت على الألسن، دون أن يُعرف مصدرها، لتصل في نهاية المطاف لشجار دموي، تبعثرت فيه ما ظن أنها صداقة الرجال.

أفاق سراج من شروده الذي طال على صوتٍ مزعجٍ لأحد العمال، فتدارك نفسه، ونفض ما دهمه من ذكرياتٍ، ليتحرك في اتجاه سيارته، والحنين يحتل قلبه، بل ويستحثه على استعادة ما كان له يومًا.

سمح له الطبيب بالخروج من المشفى، والعودة إلى منزله، بشرطِ ألا يبذل مجهودًا يضر بجسده، خاصة ساقيه، لانعكاس الضرر الأكبر عليهما جراء حادثته الأخيرة، فأكد عليه تميم التزامه بهذا؛ وإن لم ينفذ كافة أوامره، فبعد مكوثه لما يقرب من أسبوع متنقلاً بين الغرف، عندما يشعر بالملل، لا يفعل شيئًا مهمًا، ضجر من حاله، وأحس بأن الإعياء لن يفارق بدنه ما لم يعود إلى عمله، لذا قرر الذهاب إلى الدكان، وقضاء نهاره هناك. اعترض عليه والده، فسأله بتجهمٍ غير راضٍ:.

-برضوه مصمم يا تميم؟
قال وهو يمشط شعره بيدٍ، ومستندًا باليد الأخرى على عكازه الطبي:
-أنا عايز أشوف الناس، تعبت من رقدة البيت.
لام عليه تسرعه في قراره بإظهار احتجاجه الواضح:
-ده إنت لسه خارج من المستشفى مابقالكش كام يوم؟ لحقت؟
التفت ناظرًا إليه، ورد معاندًا:
-يابا بأقولك زهقت، خليني أشغل بالي بالشغل.
أمام إصراره تنهد بدير مغمغمًا:
-أنا خايف عليك يا تميم.
أكد عليه بهدوءٍ:.

-ما أنا مش هاعمل حاجة تتعبني، هاظبط الدفاتر، وأشوف الفواتير اللي علينا.
استسلم في الأخير لرغبته، ورضخ له معقبًا:
-اللي يريحك.
اقترب تميم من والده، وانحنى مقبلاً كتفه وهو يدعو له:
-ربنا يخليك ليا يابا.

وقفت عند أعتاب الغرفة تتطلع إليه بنظراتها المشفقة، كانت متفهمة للظروف النفسية السيئة التي يمر بها، احترمت رغبته في الانفراد بنفسه، والابتعاد عن الآخرين، معتقدة أن ذلك لن يدوم إلا لفترةٍ مؤقتة؛ لكنه تمادى في عزلته كثيرًا، فأصبح وحيدًا، لا يخاطبها إلا قليلاً، ولا يشاركها في أي مظهر من مظاهر الحياة اليومية. فاض بها الكيل، وعقدت العزم على إخراجه من بوتقة أحزانه. بكل ما فيها من ضيقٍ اندفعت لغرفة نومهما المعتمة، متجهة نحو النافذة، أزاحت الستائر عنها، لتسمح لضوء النهار بالتسلل إليها، والتفتت نحو الفراش المستلقي عليه، تعاتبه بعطفٍ، يتخلله القليل من الجدية:.

-اللي إنت بتعمله يا هيثم ده ماينفعش!
تقلب على جانبه، ساحبًا الغطاء أعلى رأسه، وقال بخشونةٍ:
-سبيني لوحدي يا همسة.
هتفت فيه باستياءٍ:
-يعني عاجبك منظرك وإنت كده؟
صاح بتعصبٍ، وهو يبعد الغطاء عن وجهه ليرمقها بنظرة واجمة:
-يووه، ما تزهقنيش.
أطلقت زفرة طويلة من صدرها، قبل أن تسحب شهيقًا عميقًا تثبط به مشاعرها المنزعجة، ثم دنت من الفراش، وجلست على طرفه، طالعته بنظراتها الحنون قبل أن تستطرد بنبرة راجية:.

-يا هيثم أنا صعبان عليا اللي إنت عامله في نفسك، كل واحد بياخد في الآخر نصيبه، وربنا كاتبلهم كده.
بضيقٍ يشوبه الحدة صاح بها:
-وأنا مش عايز أشوف وش حد، أنا مبسوط كده.
نفذ صبرها من عناده العقيم، وردت في عصبيةٍ:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، بجد أنا تعبت، ومابقتش عارفة أعمل إيه معاك.
أدار جانبه للناحية الأخرى، وقال ببرود استفزها:
-تسبيني أنام.
قست عينا همسة، وانتفضت ناهضة لتنذره بدمدمة غاضبة:.

-ماشي يا هيثم، بس يكون في معلومك أنا مش هاسكت على كده!
غادرت الغرفة، والعصبية تملأ تعبيراتها، كتفت ساعديها معًا، وهتفت بعزمٍ:
-لازم حد يساعدني من عيلته، وأنا مش قادراله لوحدي.

عملت بنصيحته الخبيرة بعد تفكيرٍ ملي، ألا تسرد ما مرت به هاتفيًا، فبعض المسائل لا يستحب قولها من على بعد، إذًا لترجئ مشاعر الدعم والمؤازرة ريثما تقابل عائلتها وجهًا لوجه، عل وجودهم يخفف من وطأة ما قاسته في غربتها، ويمنحها دفء قربهم السلوى والسكينة. طوال الأيام المنصرمة، لازمها ماهر في كافة خطواتها القانونية، للانتهاء من كل ما يتعلق ب آسر، فتطوي صفحته للأبد. اعتقدت فيروزة خلال محادثتها الأخيرة أن ما يقوم به معها بدافع الشفقة، خاصة لتوهمها بأنه قد تفقه لمسألة عذريتها، ليس لكون زوجها من يعاني من علة خطيرة؛ ولكن لاعتقادها الراسخ بأن تشوهها الجسدي هو ما حال دون إتمام زيجتها. ولم تتطرق للحديث عن هذا الأمر منذ تلميحه المتواري في المشفى، أبقت سرها لنفسها.

بلغت أخيرًا نهاية السعي، وعادت إلى موطن أمانها، تاركة خلفها ماضيًا لا تفخر به، فقط لحظات الوداع من كاران، والطبيب هاني هي ما علقت في ذهنها، وجدت نفسها تبتسم ابتسامة باهتة، عندما تذكرت حديث الأول:
-إن جئت لمصر، سأزورك حتمًا مع عائلتي.
رحبت بهذا، وقالت بابتسامةٍ منمقة:
-سأسعد بذلك.

أعطاها تذكارًا –على هيئة بلورة- لتحتفظ به، فنظرت له مطولاً وبترددٍ، فتلك الهدية نشطت ذاكرتها بمثيلتها، عندما أهداها لها آسر قبل أشهر؛ لكنها تحطمت في لحظتها، بسبب حركة فجائية -لا تعلم إن كانت غير مقصودة أم متعمدة- من تميم، وقد كان بارعًا في إغاظته، واستثارة أعصابه من العدم. لاحت بسمة أكثر غبطة على شفتيها، وهي تستعيد المشهد في مخيلتها، برقت عيناها في دهشة غريبة مستنكرة تفكيرها فيه، غطت سريعًا على ابتسامتها بلمحة من الجدية، وردت في امتنانٍ وهي تشير بيدها:.

-شكرًا لك كاران، على الهدية، وعلى كل شيء.
أوصاها بلكنته التي مزجت بين العربية ولغته:
-انتبهي لنفسك ف، اروزا.

تنهدت على مهلٍ وهي تستفيق من دوامة شرودها، على إثر الهزة العنيفة التي أعادتها لأرض الواقع، حملقت من نافذة الطائرة لوهلةٍ، عندما بدأت تستقر على مدرج الهبوط، باعدت أنظارها، وأغمضت عينيها بقوةٍ، ثم حبست أنفاسها في ترقبٍ. ومع زيادة الاهتزازات تشبثت بقبضتيها في مسندي مقعدها، أحست بأمعائها تتقلص، ربما لرهبتها من المجهول الغامض الذي ينتظرها بالأسفل، خف الشعور القابض لصدرها تدريجيًا، بإعلان المضيفة عن وصول لأرض الوطن. فتحت فيروزة عينيها، ورفرفت بهما لعدة مراتٍ، قبل أن تدور بعشوائية على الأوجه المتباينة في فرحتها، على عكسهم كانت واجلة القلب، متخبطة الفكر. تطلعت أمامها بنظراتٍ بدت تائهة وهي تسأل نفسها:.

-يا ترى مستنيني إيه هنا؟

في ميعاد الزيارة اليومي بالمشفى، جاءت إليه على الموعد بالضبط، ومعها طفلته، لتقضي الأخيرة وقتها بصحبته، فتنعم بأحضانه الأبوية، وإن لم يضمها فعليًا. جلست رقية على الفراش بجوار أبيها، وأمامها على المقعد استراحت عمتها، استطردت الأخيرة تُعلمه بما أقدمت عليه:.

-أنا دفعت يا خليل فلوس المستشفى من نصيبك في الإيراد، ونصيبي هاحطه في مصروف البيت، ومتقلقش على رقية كل اللي نفسها فيه هاجيبه، وربنا يقومك بالسلامة.
قال بصعوبةٍ، وفي عينيه استجداء عاجز:
-خ، رجيني، من، ه، نا.
قطبت جبينها مرددة في استنكارٍ:
-أخرجك؟ هو ده ينفع؟
كرر عليها بصوتٍ متقطع:
-ع، اي، ز أرجع، ب، يتي.
اعترضت على رغبته موضحة له:
-يا خليل الدكاترة هنا واخدين بالهم منك، وآ...
قاطعها بنبرةٍ بدت باكية متوسلة:.

-طل، عيني، يا، آمنة.
لم تتحمل رؤيته يستعطفها، فنهضت من مكانها، وانحنت نحوه لتربت على كتفه قائلة:
-حاضر يا خويا، اللي إنت عاوزه هاعمله، هدي نفسك بس.

ارتفعت وتيرة القلق في عروقها النابضة، عندما توقفت السيارة أمام مدخل منزلها، دفعت الأجرة للسائق، وترجلت منها تنتظر مساعدته لها في إخراج حقيبتها، شكرته على ذوقه، وبدأت في شحذ طاقتها المعنوية لتبدأ بالسير نحو الداخل. للغرابة شعرت بأن المنزل لم يعد كما كان سابقًا، السكون المريب من حولها عزز هذا الشعور بقوةٍ، في الأغلب كانت أصوات صراخ أبناء خالها ترن في جنبات المكان، وتوبيخات حمدية تكاد تسمعها من ناصية الطريق، بالإضافة لصوت المذياع أو التلفاز من شقة والدتها؛ لكن لا شيء، فقط حفيف الهواء يحيطها.

جذبت قميصها الأسود للأسفل، ولفظت زفيرًا ثقيلاً من صدرها، مستشعرة انقباضة قوية في قلبها، غالبت توترها، وكبحت هواجسها لتصعد إلى الأعلى. أمسكت بحقيبة يدها، وفتحتها لتفتش عن المفتاح فيها كلزمة تلقائية معتادة. توقفت عن البحث متذكرة أنها تركته قبل أن تسافر في رحلتها المشؤومة، التي ستظل روحها مدموغة بآثارها. بعد تفكيرٍ متأنٍ وطويل، توصلت إلى قرار بدا الأنسب لها، يقيها من الحقد والشماتة، لما لا تكون معاناتها مقيدة، حبيسة وجدانها؟ ربما في هذا السلامة لروحها قبل غيرها.

شعرت فيروزة بالخجل من نفسها، ليس لأنها كانت ضحية لمخادع حقير، وإنما لتحميل أسرتها عبئها من جديد. عبست ملامحها من واقعية أفكارها، وبدأ الحزن يطفو على نظراتها، حاولت أن تخفي آلامها، لترسم ابتسامة مفتعلة على ثغرها وهي تطرق على الباب، وكيف تُنير وجهها بسمة كهذه ومن المفترض أنها تحتدُ على زوجها؟ تراجعت عن هذا، وفضلت أن تكون تعبيراتها عادية.

دقت الباب مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، ظل السكوت هو سيد الموقف، مما أخافها كثيرًا. ألصقت حقيبة سفرها بباب المنزل، واتجهت للدرج لتصعد إلى شقة خالها، بالنسبة لها، لم يكن وجه زوجته حمدية من الأوجه المستحب رؤيتها بعد رحلة شقائها، فتطفلها السمج لن تطيقه حاليًا. تحاملت على نفسها، وواصلت صعودها، طرقت على بابه، ثم قرعت الجرس، ولدهشتها لم تجد أدنى استجابة، وكأن المنزل هجره قاطنيه! دب الخوف في قلبها، وتساءلت بملامح باهتة:.

-هما راحوا فين كلهم؟
لعقت شفتيها ورددت بتوجسٍ:
-ربنا يستر ومايكونش حصلهم حاجة.
عاتبت نفسها بقسوةٍ لتقاعصها عن إعادة الاتصال بوالدتها:
-مكانش لازم اتأخر كل ده عنها.

بحثت في حقيبتها عن هاتفها المحمول، ولسوء حظها نفذت بطاريته، فانزعجت أكثر. طرأ ببالها أن تتوجه لبيت توأمتها، فمن المحتمل أن تكون والدتها في زيارة لها، أراحها ذلك التفكير، ودون ترددٍ استدارت مغادرة المكان، وآمالها معقودة على اللقاء بكلتيهما هناك.

تصارعت بداخلها الكثير من المشاعر المتضاربة، وهي تخطو خطواتها المتمهلة إلى داخل بناية عائلة سلطان، فبين جدرانه شهدت على وقائع مؤسفة، أجبرتها على اختيار طريق مملوء بالشوك، لتتأذى وحدها بوحشيةٍ على طول دربه. حاربت فيروزة أوجاعها المغموسة بنزيف قلبها، لتتقدم في خطاها. أمسكت بالدرابزين، ودفعت جسدها للتحرك للأعلى، مضت سريعًا في صعودها، مانعة عقلها من التفكير في شيء.

توقفت أمام باب منزل توأمتها، طرقت عليه بقبضتها المضمومة، بعد أن قرعت الجرس، ثم تراجعت خطوة للخلف وهي تسحب أنفاسًا عميقة تهدئ به من توترها. انتظرت مطولاً قبل أن تكرر المحاولة، وذاك الهاجس المزعج والمتساءل يلح في رأسها، أين ذهب الجميع؟ لم تجد استجابة بسيطة تشير لوجود أحدهم بالداخل، ازداد قلقها، وانعكس على وجهها الشاحب. تجمدت قدماها عند الدرج وهي تفكر في حلٍ أخير، لم يعد غيره لتلجأ إليه.

هبطت للطابق السفلي، وصوت دقات قلبها المتوتر يرتفع بين ضلوعها، نازعت شيئًا بداخلها، أربكها على نحو غريب، قبل أن تجد نفسها واقفة في مواجهة الباب الخشبي. تنفست فيروزة بعمقٍ، واستجمعت جأشها لتدق عليه، وتلك الرعشة الخفيفة تتسرب إلى جلدها. في خطوةٍ متخاذلة منها، فكرت في التراجع قبل أن تلامسه؛ لكن فسدت أمنيتها بفتح الباب بغتةً، ليجد الهائم في أحزانه، طاووسه المهاجر، بشحمه ولحمه، قد عاد إلى وطنه العزيز، يناظره عن قربٍ خطير، بدا –لعمره- مستحيل التحقيق. خفق الفؤاد بخفقةٍ، بعثت بقوتها نبض الحياة فيه من جديد، وانفرجت الشفاه تنادي بهمسٍ يملأه الحنين:.

- فيروزة!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الإعجاب، المشاركة والتعليقات على الرواية
W
لتصلك الفصول الجديدة أو الروايات الجديدة
اعمل متابعة للصفحة (اضغط لايك للصفحة)