قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية الحرب لأجلك سلام للكاتبة نهال مصطفى الفصل الخامس والعشرون

رواية الحرب لأجلك سلام للكاتبة نهال مصطفى 2020

رواية الحرب لأجلك سلام للكاتبة نهال مصطفى الفصل الخامس والعشرون

الحبّ يحرق المباديء.. يحولها لرمادٍ.. فالحب الذي تنتصر عليه المبادئ والاعراف ليس حُبا.. حين تتجاوز كل خطوطك الحمراء بدون ما تلتف.. حين يَهزم القلب العقل.. حين يحطم المسافات فكرة الاتصال.. ويهدم جدار الشوق فكرة كتابة رسالة.. الحبّ الحقيقي لا يهتم بقواعد ولا تعوقه قوانين.. هى نيران تشتعل وتأكل كل ما يقابلها لتصل لبحور انطفائها.

نهال مصطفى

- هشام والنبى ألبس الواقى بتاعك!!
انتهى هشام من ارتداء جواربه ثم رفع رأسه متستغربا على أمرها.. فقال
- أنت مالك من الصبح شغالة لوكلك وتعليمات ولا كأنك مسكتى القسم عندنا.. مرة بلاش تكون أنت اللى فى الاول وبعدين البس واقى!! وخلى بالك من الطريق الناس دى اسمع انهم بيعملو فخ للظباط.. فى إيه أنت مش واثقة فى قدراتى ولا إيه..!!

لازالت واقفه فى مكانها فهبت معارضة
- ممكن تسمع الكلام انت وساكت!!
نصب طوله وشرع فى إدخال قميصه فى البنطال الجينز الاسود وهو يعقد الحزام قائلا
- ودرع اى اللى ألبسه!! دانا معملتهاش من يوم ما اتخرجت!!
اقتربت خطوة باقدامها الحافية وجمر القلق اشتعل فوق ملامحها
- عشان يوم ما اتخرجت مكنتش فى حياتك، لكن دلوقتى أنا موجوده ومستنياك ترجع.. هو ده مش سبب كافى إنك تخلى بالك من نفسك!!

اتسعت ابتسامته شيئا فشيئا واُصيب بشهوة إطالة النظر بها مما أثار جيوش ارتباكها وحركة عيونها العشوائيه فأطرقت بخجل
- أنت بتبص لى كده ليه!
اصعب ما يواجه شخص محب ان يُسأل عن افعاله التى ليس لديه سببا لفعلها او انه يعلم ولكنه يأبى الاعتراف عن شيء لم يتجرأ ويقترب من حصونه من قبل.. ثم اردف بهدوء
- لابد!! افتحى الدولاب وراكى، وهاتى الدرع.

اتسعت ابتسامتها وعلى الفور استدارت لتحضره بطاعة ولكن لازال هناك سرا دفينا يندس بجوفها لذلك تعمدت ان تتحاشي النظر إليه دائما حتى لا تقتنصه عيونه الصقريه..

جلست بعيدا تترقبه وشرع هو فى إعاده ارتداء ملابسه، وصوت قلبه يهمس لعقله عن شعوره.
- لأول مرة أكون رايح مهمة وحاسس إنى مُجبر، عمرى ما كنت بحب قعدة البيت، لكن من ساعة ما شق فجرها يومى وانا بقيت بعشق نسيم وجودها، مكنتش اتخيل أنى في يوم هقابل واحده تشكل تفاصيلى بصمتها وتشدنى ليها بعصيانها.. عمرى ما فضلت راحتى على الشغل، بس مستعد انى اوقف حياتى كلها عشان ساعة واحده جمبها حتى ولو بنتخانق، هى سكنت تفكيري من غير أي مجهود منها في حين إنى كنت مفكر أن جيش من النساء لو اتفق على قلبى مش هيقدروا يخلوه يدق دقة واحده من اللى حسيتهم معاها..

ثم اتسعت ابتسامته عندما تذكر جُملة اخبرته بها عرافه بدوية اتخذها على سبيل السخريه فقالت
- ( هناك فخ منصوب بعيون إمراه اختبىء قرص الشمس بين جفونها، نفسك ستحبها وكبريائك سيطويها.. ان يتصارع قلبك مع عقلك لاجلها حتى تصبح صريع هواها ووتتجاهل جيش الهيام الذي يُغزيها.. تجوب طرقك باحثا عنها ولكن ما يعقب النيران الا رماد..بالحق والحب الدنيا اتخلقت.. فانتبه يا ولدى ).
ثم استدار نحوها بهيئته الانيقه مرددا بهمس شفتيه.

- هناك فخ منصوب بعيون أمراه!!
نهشت انياب الفضول رأسها وهى تترقبه بصمت حتى قررت قطع حبال صمتها
- هشام.. أنت بتكلم نفسك؟!
ضاقت عيونه قليلا : هو أنا مفضوح أوى كده!!
نهضت بهدوء وهى ترمقه بنظرات مرتعشه
- ااه.. فى حاجه مضايقك!!
هز رأسه نافيا : بالعكس، أنة عمرى ما كنت مبسوط أد النهار ده..

امتدت اناملها لتقفل له زرارا من قميصه الذي تعمد فتح اوله، فقالت
- ما تفرحنى معاك..!!
- لما ارجع هنفرح كلنا.. وده وعد منى أنا شخصيا..
فرت دمعه من عيونها وبنبره مفعمة بالبكاء
- ما بلاش.. بلاش تروح المهمه دى.. والنبى ياهشام قلبى مش مطمن..
- فجر.. أنت مالك قلبتى فيها أمى كده، دى عايده عمرها ماعملت كده!!

ضربته بقبضه يدها باغتياظ : ده جزاتى إنى بقولك باللى حساه!
دث رأسها فى صدره وطبع قُبله خفيفه فوق جبهتها ثم ربتت على شعرها بحنانٍ
- متقلقيش هرجع عشان واريحك من زيدان واللى زيه، عشان لما اطلقك وكده مكنش خايف عليك من أى خطر تانى!!

العاقل هو الذي يُشعل النار ليدفء بها.. والاحمق هو من يشعلها لتحرقه... ابتعدت عنه كالملدوغ إثر كلمات رهف التى تذكرتها فعاد هو ليؤكدها.. زاحت دمعه من عينها فرت منها على سهوة وهى تبلل حلقها الذي جف قائله
- تمام..

تفحص معالم وجهها ليجد رد على رصاصته التى القاها من فمه فاستقرت بقلبها.. فلم يجد إلا امراة قويه لا تُهزها العواصف ولا تفضحها المشاعر.. ترك نيرانه فى قلبها كأنه ابى أن يشتعل بنارها لوحده.. فلابد ان تشاركه ولههُ
- احم.. همشى انا بقي.. خلى بالك على نفسك..
تناول اسلحته، وحقيبته الصغيره وضعها وراء كتفه ثم خطى خطوة وتوقف بعدها قائلا
- مش هتوصلينى ولا إيه!!

اومات باستسلام وهى تصراع حزنها الذي فجرها.. فسارت بخطوات سُلحفيه حتى وصلت إليه فتلحفها بذراعه وخرجا سويا من الغرفة...
وصلا الاثنين الى الطابق السُفلى ولازال كل منهما كتسلحا بالصمت.. حتى ثارت ثرثرة رهف التى تشاهد التلفاز قائله
- هشاام.. انت ماشي!!
ترك فجر ودنا من اخته قبل رأسها ثم قال
- ااه وعاوز ارجع القاكى فكيتى الجبس ده ياهانم!!
- دانت شكلك مطول يا اتش ولا ايه!

- على حسب التساهيل.. المهم بقي
رفع انظاره اللامعه نحو فجر فواصل قائلا
- عاوزك تخلى بالك منها... مش عاوز اسمع أن فى حد زعلها.. فاهمه يارهف وإلا هنشوفى منى وش تانى..
علقت حباية الفشار بحلقها ثم قالت باستغراب
- ايه يابيه فى ايه!! حد قالك اننا هنعذبها، وبعدين ماتخافش رجالة مجدى بره هيحمونا من اى غزو خارجى.. وانا هنا هحميها من اى غزو داخلى.. بص هبهرك بالنتيجه يابنى أنت اصلا مع الشخص الصح.

كان هشام يقف على الاريكه التى تجلس عليها فضربها على كتفها برفق
- انا كده خوفت اكتر!! انت عارفة تحمى نفسك.. اتنيلى..
- لا بس عندك بُعد نظر يا إتش
ضحكت بصوت عال ازهر المكان فكان له تاثير على شفاة فجر ان تبتسم فأتت عايده لتحول ضحكهم لصمت..
- فى ايه هنا.. وبعدين انت مسافر يا هشام؟

نصب هشام عوده متنهدا بارتياح.. مردفا بثبات
- عندى مهمه ومش عارف ممكن ارجع أمتى..
نزلت عايده من فوق آخر درجه على السلم وهى ترمق فجر بتوعد
- ااااه، مهمه.. طيب ياهشام ربنا معاك..
انحنى ليحمل حقيبته مرة ثانية متاهبًا للرحيل
- طيب... دعواتكم بقي..

انخرطت دمعه من قنواتها الدمعية وهى ثابته فى مكانها وكل ما بها يرتعش، بات شوقها نيران تحرق للحد الذي لا تستطيع كتمانه.. لم تشعر بنفسها إلا عندما مسك كفها وسحبها خلفه صوب الباب، فتوقفت للحظه ورفعت انظارها التى هلكت من كسرة البكاء.. فرمقها باستغراب
- فجر.. الموضوع مش مستاهل!!

لم تكبح مشاعرها.. فهبت زعابيب شوقها لتعصف بجسدها المرتعشه بين ذراعيه.. معلقه بعنقه.. باتت انتفاضة قلبها بقلبه، وانتقل خوفها لنفسه.. ضمها إليه بحب ليردف مواسيا
- يابت أنت فى إيه؟! أنت اتجننتى..
صمتت للحظات وكأنها قررت تمتلأ منه دفعة واحده، ولكن ما حدث أن كل قواها خرت بين يديه فهمست ببكاء وحنين انتصر على تمردها
- أنا مش عاوزه حد غيرك يحمينى من الدنيا كلها مش من زيدان وبس.. هشام..

نادت عليه هامسه ثم انقطع صوتها فى حضنه لبرهه.. ختى واصلت
- هشام ارجعلى.. أنا.. أنا بحبك...
لا يعرف الإنسان قدر الحب إلا عند وداعه.. أحيانا يكون الرحيل هو الطريقه الوحيدة التى ينتصر فيها لسان الحب ليبوح القلب بخباياه.. حتى يجعلك تتمنى لو أنك أعلنت الرحيل فى وقت الممكن حينها لم ترحل أبدا..

بمجرد ما دبت خنجر كلمتها فى صدره وفاق من غيبوبته كانت مبتعدة عنه واختفلت كالبرق سرعان ما ات وسرعان ما ذاب فى حضن السما.. فاق على صوت قفل باب غرفته.. تقهقرت خطوته ليعود إليها ثم هبت رياح عايده معارضة
- مهمتك ياحضرة الظابط... اى هنسيب شُغلنا وحال البلد عشان ست كوخه!!
وقف مسلوب الاراده.. هل يتبع قلبه أم عقله فكل منهما يحاول اقناعه بطريقة مغريه، وضع فى المنتصف بين الهوى والواجب، فحتى وان بدت اساليب اقناع الهوى أقوى فالواجب أولى باتباعه..

تحمحم بخفوتٍ متمردا على هواه ففتح الباب وغادر وترك قلبه على اعتاب بيتهم وهو يجر ذيول العزيمه التى شتتها كلمة إمراة..
استندت عايده على مسند السلم وعقدت ذراعيه متوعدة
- طيب.. ياويلك منى يا ست فجر...
قطع حبل شرها نداء رهف
- ماما موبايلك بيرن..
تحركت عايده متأففه لترد على تليفونها
- ايوة ياهاجر...

- مادام عايده سورى على الازعاج.. بس فى حاجه ممهمه لازم تعرفيها..
- خير ياهاجر..
- المؤتمر الدولى لصيحات الازياء فى فرنسا المفروض هينعقد بكرة الصبح..
تفرغ فاه عايده : نعم.. انت مش قولتى اتأجل! اى لعب العيال ده!!

بد الارتباك فى صوت هاجر
- حصل يافندم.. بس دول بعتوا ايميل من يومين وللاسف كان فى مشكله عندى على الجهاز ولسه شايفه الرساله من ساعه.. المهم أنا اتصرفت لحضرتك ولقيت تذكرة فاضيه فى طياره مسافره لهناك بعد كام ساعه.. وحضرتك عارفه مؤتمر زي ده مستحيل يتساب.. انا حاولت اصلح...

جهرت عايده متأففه
-انت تخرسي خالص وحسابك معايا لما ارجع
انهت عايده المكالمه بدون سابق إنذار وهى تسب ف نفسها سرا.. ثم وضح همس شفتها
- فلتى منى المرة دي ياست فجر.. بس وراكى وراكي والزمن طويل..

وعندما هرب اللفظ من بين شفتيها بدون رقابه او علي الاغلب حدفه قلبها قهرا وقالت "اُحبك" مثلها لا تقاوم سيوف الحب..
شعرت وكأنها عادت لمسكنها بعد أيام طويلة من الغربه، أو أنها علي الفور انتهت من رسم لوحة عظيمة استغرقت سنوات تأكل من عمرها، كإنها للتو انتهت من اللعب تحت المطر ذاهبة لبيتها لارتشاف مشروب ساخن، او جالسه امام البحر تشاهد شروق الشمس بقلب طفله..

‏الحبّ يحرق المباديء.. يحولها لرمادٍ.. فالحب الذي تنتصر عليه المبادئ والاعراف ليس حُبا.. حين تتجاوز كل خطوطك الحمراء بدون ما تلتف.. حين يَهزم القلب العقل.. حين يحطم المسافات فكرة الاتصال.. ويهدم جدار الشوق فكرة كتابة رسالة.. الحبّ الحقيقي لا يهتم بقواعد ولا تعوق قوانين.. هى نيران تشتعل وتأكل كل ما يقابلها لتصل لبحور انطفائها...

تجلس كالقرفصاء سابحه فى بحيرة دموعها، تارة تلوم نفسها عن اندفاعها وتارة آخرى تناجى ربها بأن يحميه.. أن يحاوطه بأمنه وحصنه.. ان يردها لقلبها سالما حتى وإن لم تستحق..
نهضت لتروى خوفها وندمها بالوضوء وتسكبهم منها فى سجدة لعلها تتخلص من نيران الندم التى تأكلها..

أما عنها تجاوز الطريق بمعجزه من حوادث الطريق او على الاغلب بسبب دعوات قلب إمرأةٍ لا يرجو غيره، اصبح لا يري غير صورتها زلا يسمع إلا بحة كلمتها التى اصابته معلنة عليه الحب، فكم كان صعبا عليه أنها كانت أمامه وبين يديه ولم يملكها!! ‏"
فهو الذى أخفى شطر الشوق المرسوم بعينيه وتعمد غروره قتل ما بقلبه من دواوين.. حينها عرف معنى أن الحب للمحب صدفة شفاء.. وها هو الان يُشفى بإمراة ولدت من رحم الصدفة..

وصل هشام للمكان المُتفق عليه وهبط من سيارته فوجد الجنود فى انتظاره جاهرا
- جاهزين يا ابطال!
صوت جمهورى هتف وراه : جاهزين ياقائد
ثم مال صديقه على أذنه فارحا
- اخيرا ياسيوفى رقبة سلطان هتبقي تحت رجلنا..
بثبات تام اجاب : قول إن شاء الله...

امر هشام العساكر بالتأهب للهجوم على أكبر خلية ممولة للعناصر الارهابيه فكل منهما عاد ليحتل مكانه الخاص..
تحركت السيارتين وراء بعضهم، يجلس هشام بجوار السائق ولازال فكره خاضع لسطو إمراة هزمته بدون اسلحة فما ألذها هزيمه... تتقلب ملامحها الطفوليه امام عينيه حتى فاق من غيبوبته على كلمة ( أحبك ) صارخا فى السائق
- وقف.. بقولك وقفففففف...

( صباحا )
لملمت عايدة اغراضها منذ ليلة أمس ففرغ البيت على رهف وفجر فقط، التى قضت الاخيره ليلتها على سجادة الصلاة تُناجى ربها وامضت ليلتها على جمرات القلق الذي طير النوم من فوق اهدابها.. فأيقظها شعاع الشمس الذي انعكس على وجهها فقامت بتثاقل حتى مر طيفه علي ذاكرتها ففزعت صارخه
- هشاااااام..!!

وثبت كالملدوغه وهى تبحث عنه متأمله بأن تجده عاد من مهمته سالما... هبطت الى أسفل وجدت رهف لازالت فى مكانها أمام التلفاز تشاهد مسرحية ( العيال كبرت ) وتعبث بالهاتف فى نفس الوقت..
فجر بخفوت : صباح الخير.. رهف مفيش اخبار عن هشام!
هزت رأسها نفيا ثم قفلت الهاتف ورفعت انظارها قائله
- بابنتى هشام ممكن يختفى بال٤٥ يوم مانعرفش عنه حاجه!!

انخلع قلبها من مكانه : يالهوى!! دانا اموت فيها.. هو قالى يوم او يومين بالكتير..
تجاهلت رهف خوف فجر الذي يتدلى من عيونها
- تعالى تعالى.. اتفرجى معايا المسرحيه دى هتموتنى من الضحك..
فجر بيأس : والنبى انت رايقه وفايقه.

لم تكد ان تنتهى فجر من جملتها ألا أن ظهر خبرا بالخط الاحمر اسفل التلفاز تحت لعنة كلمة ( عاجل )
{ انفجار أحد سيارات لعربيات الشرطه إثر كمين من أحد العناصر الارهابيه، وجارٍ البحث عن السيارة الاخرى }
كلمات ترد الروح وآخرى تسلبها، قرأت فجر العنوان بعناء وهى تكذب عينيها تحت انظار رهف المتسعه.. فهبت فجر صارخه وهى تضع كفوفها على ثغرها
- هشاااااااااااام!!!!

مر اسبوع على اختفاء هشام وباقى العساكر.. لم يبق لهم أثرا فى العريش حتى ذاعت اخبار وفاتهم او سقوطهم فى أى ممر تحت الارض او تم اسرهم من قِبل عدوهم عندما فقدوا الامل فى العثور عليهم..

عادت عايده من فرنسا فى اليوم التالى من سفرها عندما سمعت الخبر فلم تتحمل البقاء اكثر.. وطوال السبعة ايام لازالت تجرى المهاتفات التليفونيه للمسئولين.. واصحاب المناصب العليا للعثور عليه.. امتنعت عن تناول الطعام.. وقفت شغلها.. فلم تحس بحبها نحوه إلا عند احتمالية رحيله..
لازال زياد بصحبة مجدى وسامر يتنقولون هنا وهناك للبحث عنهم فلا يوجد اى وسيلة اتصال واحده بهم، انعدمت الاخبار عنهم..

ذاعت الاخبار بموت طاقم المهمه حتى سقط الخبر على قلب زيدان فى الصعيد.. وقلب سلطان الكامن فى أحد المنازل المجهول فى المدينه بفرحه... وسرعان هاتفه زيدان
- شوفت كان زمانك دلوق فى يد الحكومه.. ادعيلى!!
- والله ما عارفين نحط جمايلك فين يا زيدان بيه..
- عيب عليك دانا وعدتك ولازم انفذ!!

قهقهه سلطان : وانا وعدتك أن ابن السيوفى يكون وجبه دسمة للديابة ونفذت..!!
- تعيش وتوعد وتنفذ يا سلطان بيه..
كانت تلك آخر جُملة أردفها زيدان قبل ما يستمع لجُملة صعقته من مكانه تابعها استغاثه من صوت سلطان
- والله ووقعت ومحدش سمى عليك يا هزااااع!!

اردف هشام المتلسم فى زي بدوى جملته الاخيره وهو يصوب السلاح فوق رأس سلطان بعد ما نجحت خطتته التى دبروا لفشلها.. فكاد الجنون يطيح برأسه إثر الصدمه فاردف سلطان
- هشام السيوفى!! انت ما متت؟؟؟؟؟
- للاسف متعاهد مع مصر انى مسبهاش لامثالكم...
انتشرت عساكر طاقم الشرطه فى جميع ارجاء المكان وتم القبض على جميع رجاله...

فلاش باااااك
- انت وقفت ليه يا سيوفى!
نزل النقيب سمير من السيارة التى خلف سيارة هشام مندهشا مردفا جملته الاخيره، فأمر هشام السائق باشعال انوار السيارة فاشار بعيدا..
- ولاد الكلب عاملين كمين ومسطرين الطريق..
تناول سمير الكشاف من داخله العربه واناره واقترب خطوات قليل بحرص فوجد خيط ملتف حول اربع اعمدة فى هيئة مربع.. فقال
- دول رابطينه بقنابل.. صح!!

هتف هشام : اكيد عشان حاجه تنبهم لو فى فخ او حاجه..
- يا ولاد ال****.. اكيد حد بلغهم!!
- مش وقته.. مسير اللى بلغ هيقع.. المهم، المهمه دى لازم تنتهى براس سلطان!! لم العساكر كده واقطع أي وسيلة اتصال، أحنا عاوزينهم يحسوا بالانتصار ووقعنا فى فخهم وموتنا كلنا...
بااااااك.

يهبط هشام بصحبة سمير لاسفل على سلم سرداب تحت الارض بعد ما كبل سلطان.. فهتف مندهشا عندما رأي مكانا ضخما يضم اكبر الذخائر والاسلحة والمتفجرات
- يا ولادددددد ال *****
انحنى سمير قليلا ليمسك بأحد المدافع قائلا بمزاح
- الاكس. أم 307.. العمليه اللى فوتها مجدى..

اتسعت ابتسامة النصر على ثغر هشام
- مجدى يفوت واحنا نصطاد...
غمز له سمير بفخر : عااااش يا شبح والله، نصول نصول يعنى ياولاد السيوفى...

سقى الحبر بالدمع فجرت الفرشاة سابحا بآهاته على جدار القلب لينقش انكساراته.. تركت بسمة فرشاة الرسم بيدها وبعد حيرة وتفكير نهشت عقلها حسم قرارها اخيرا ان تفتح حقيبتها وتخرج منها شيئا يهدم ظنونها..
كل جزء بها ينهار راجيه ربها بأن يخيب ظنها.. اتكزت على عكاز مخاوفها لتحطمه.. وقررت أن تحسم امر حيرتها ووجعها..

وبعد عدة دقائق انعصر قلبها وانعصرت عيونها بدموع الخزي عندما حطم اليقين الشك وهى تترقب وضوح العلامة الحمراء الثانيه فوق مختبر الحمل...
قعدت ببطء على طرف حوض السباحه بعيون اقام امامه غمامة الوجع فباتت تقطر امطارا غير متناهيه.. فتزوم الافكار حول راسها كذبابه لزجه تأبى ان تفارقها.

- ليه ياربي كده! دانا ماصدقت نسيته!! ماصدقت إنى هخلص منه.. ليه عاوز تربطنى بيه!!
سحبت نفسا قويا صاحت بصوت مجلجل صارخه
- انا بكرهه مش عاوزاه ولا عاوزه حاجه تربطنى بيه!! لازم انساك واموتك من جوايا.

كل ما فى الامر ان هناك بقلبى وجع يؤلم وفى ذات الوقت يضع شريطا لاصقا على فمى كى لا اتخلص منه عويلا.. والامسيه التى اتخذت فيها قرار نسيانك.. استيقظت لأجدك قابع فوق ساقى ككره زرقاء ورحمى يحتضن كرة حمراء.. تبدو ان الروح تعاقبنى على قرار تخلصها منك.. فهى تخشي ان تفقدك فلم يتبق منها لى شيئا.. وذات الليله اكرر خطأى، فماذا سيكون العقاب ياترى.. اظن انها ستفر هاربه من ذلك الجسد الذي يؤلمها كثيرًا.

امرح اليوم بطيف وجودك الذي يحاصرنى.. واخشي ساعه الفراق وفقدان الامل.. واحتلال اليأس لطيفك وقطع الشك بسيوف اليقين.. أخشي انتظار الفقد الذي اعتاد ان يُهاجمتى بغتة... كلمة سريه لقلبك لازال قلبى يسد مسامه بالامل كى لا تعكر صفوى وجودك واحتمالية عودتك واتعمد تجاهل الحقيقه التى لا مفر منها " كلنا على موعد مع الغياب ".

اصبح صدري كهف غياهب الظلمه منذ ان رحل ضياء قربك عن سمائه.. هى من اتخذت من ظلال قلمها ونيسا لوجوده، لم تعط فرصة لليأس أن يسكنها سرعان ما كانت تنفض غبار الحزن والتشاؤم عنه.. باتت ايامها كر وفر.. مع كل غروب يغرب املها فى العوده وسرعان ما تأتى شمس اليوم التالى وتجدده، تهمس لقلبها سرا.

- هو قال لى راجع، وانا قولتله مستنياك، أنا لسه عند وعدى فهو كمان لازم ينفذ وعده...
ظلت تراقب غروب الشمس فى الجنينه الا أن هتفت رهف التى تحررت من الجبس اخيرا وهى تركض بجنون
- هشااااام... هشااااااام رجع يا ماااامااا..
نهضت عايدة من مكانها ملهوفة فلم تعط فرصة لرهف أن تعانقه.. فهمت هى بعناقه بلهفة ام وهى تربت على كتفه
- اخس عليك ياهشام.. كده تخضنى عليك!!

لاول مرة يشعر بدفء حضنها واول مرة يحتويها ليقربها منه قائلا
- انا بخير متقلقيش..
ابتعدت عنه لتتامل ملامحه بشغف
- فيك حاجه طيب، حاجه بتوجعك.. طمنى عليك ياحبيبي..
لاول مرة يشق قلبه حنانها فابتسم بهدوء : والله زى القرد قدامك اهو..
قبل هشام جبهتها بحنان : أنا زى الفل..
ثم طافت عينيه باحثا عنها : فجر فين..

هتفت رهف بشغف طفولى : يااافجر هشااام جييييه...
سقطت الكلمه على قلبها كسقوط الاذان على قلب شخص معلقه روحه بالمساجد... القت ما بيدها أرضا وركضت بكل ما اوتيت من انتظار... فاليوم اختل اتزان الطبيعيه غربت شمس العالم واشرقت شمسها...

وقفت للحظه محاولة تصديق ما تراه واخته بعلقه بحضنه، تبلع حلقها عدة مرات وهى تراه فى زيه البدوى الذي لم يقلل من جماله في شيء بل ضاعفه.. همت نحوه بلهفة ظمأن وجد بحيرة فى قلب الصحراء إلى ان وصل لقربه فتعرقلت قدمها بفستانها القطنى الطويل الاسود.. فسقطت تحت رجله مستنده بكوعها على كفه هاتفه.

- هشام!!
جثى. على ركبتيه ضاحكا
- طيب على مهلك بس..
مررت أناملها على ملامحه بشوق اشعل اصابعها كعيدان الديناميت.. فلمعت عيناها بغتة وهى تعانقه منفجرة فى بكاؤها
- كنت متأكده انك راجع..
همس بصوت خفيض لا يسمعه سواها
- بعد ( بحبك ) اللى ضربتينى بيها فى قلبى دى كان لازم ارجع...

لصقت جسدها بصدره اكثر وهى تنتفض مش شدة الفرح بين يديه.. فلم تشعر بنفسها إلا وهو يحملها بين يديه ويقف بها.. فلازالت معلقه بعنقه مستنيده برأسها على كتفه.. فتجاهل وجود عايده ورهف وصعد بها لاعلى..

حاوطت نيران الغيره أعين عايدة وهى تضرب الارض بمشط قدمها
- شايفه!! شايفه اخوكى.. دا لو قاصد يشلنى ما هيعمل فيا كده.. ده شالها ومشي قدامى حتى من غير ما يتكلم.. وانا اللى كنت هموت من قلقي عليه.. تيجى البت الصفرة دى تترمى فى حضنه كده وتاخده مننا..

ابتسمت رهف بهدوء ثم قالت بحزن خفيف
- شكل هشام حبها بجد..
اتسعت انظار عايدة بغل : اسكتى أنت كمان!!
استندت رهف بكوعها على كتف أمها.

- روح أسامة منير اللى جوايا بتقول أن راجل زى هشام مكنش فى واحده تملا عينه يتصرف كده.. يبقي طب ومحدش سمى عليه.. بس ريلى يعنى زعلانه اوى على ميادة..
زاحت عايدة ذراع ابنتها باغتياظ
- ابعدى عن وشي أنت كمان...
ثم ظلت تتمتم مع نفسها بصوت مسموع
- اكون هتجنن على الواد اسبوع وفى الاخر مايقعدش معايا حتى 5 دقايق!! نهارك اسود معايا ياهشام!!

رمقتها رهف بنظرة فاحصه : كوين عايدة بدأت فى شغل الحموات وربنا يستر...
وصل هشام لغرفته وجلس بها على طرف مخدعه ولازالت متشبثة به كمن يخشي الفقد.. فهتف مسايسا
- طيب اخد دش وارجعلك طيب...

لازالت دافنه رأسها فى صدره فهزت راسها نفيا.. فرجع بظهره للخلف ليستند على الوسادة.. فقال
- طيب ورينى وشك اللى وحشنى..
ضمها إليه وأخذ يمرر كفه فوق شعرها بحنان ولازال الصمت سيد الموقف...

نزلت بسمه من سيارتها فوجدت زياد هو الاخر ينزل من سيارته فهتفت جاهرة
- كويس إنى شوفتك!!
ركل باب سيارته وهو يقترب منها
- انت راجعه منين!!
عقدت ساعديها امام صدرها بحسرة
- الواضح أنك ملاحظتش غيابي اصلا.. والله كنت متأكده!!
زفر باختناق : بسمة أنا مش فايقلك.. هنتجنن على هشام!!

استدارت بسمه برأسها للخلف.. مدرفه بثقه
- عربية هشام مركونه هناك لو مش واخد بالك...!
اتسعت انظاره فهم راكضا للداخل مناديا على أمه.. فلحقت فتابعت بسمة خُطاه سريعا...
زياد متلهفا : رهف هشام رجع..
اصدرت رهف صوتا فارحا وهى تداعب أصابعها
- حصل.. اتش جيه ونور بيتنا تانى..
تنهد زياد بارتياح ثم قال
- هو فينه.. راح فين..

قهقهه رهف ساخرة : خد فجر وطلع اوضته وقفل الباب، تفتكر ليه.. ها ها!!
ضربها زياد على رأسها باغتياظ ثم قال
- بطلى فضول يا حشريه...
ثم صمت للحظه وقال بتسائل
- صح.. تفتكري ليه!!
هتف رهف بفرح : بسمممة انت هنا؟!
- هاى يا رهف..

كانت محافظه على هدوئها الذى اوشك ان يتحول لضجر... فمسكت كف زياد وسحبته عنوة
- عاوزاك...
وقفت رهف مشدوهة وهى تترقبهم ثم قالة بحسرة
- وهو أنا محدش عاوزنى ليه!!
وصلت بسمة لغرفة زياد ثم قفلت الباب خلفها ولازالت نظرات الدهشه تملا ملامحه.. فقال
- فى ايه يا بسمة.. مالك!!
اعطته ما يثبت كلامها قبل ما تنطق.. فنظر فى المختبر وقال بدهشه
- اى ده!!

رفعت حاجبها باستغراب وبنبرة ساخره
- يعني مش عارف اي ده!!
- اكيد طبعا عارف.. بس بتاع مين! وانا مالى بيه..
عقدت ذراعيها امام صدرها بثبات قبل ما تفجر قنبلتها
- أنا حامل يازياد...

- تعرفى أنك دايما على بالى.. ولو مكنتش قولتيلى خلى بالك من الطريق الجماعه دول بيعملو فخ للظباط أنا كان زمانى متفجر..
قطع حبال صمتهم بجملته الاخيره.. فابتعدت عنه بلهفة
- بعد الشر عليك.. تعرف انك من وقت ما خرجت وانا بدعيلك.. لحد ما حسيت صوتى ضاع..
داعب وجنتها بمرح ثم قال: اول مرة حد يخاف عليا اكتر من رهف...
انكمشت ملامحها بامتعاض
- رهف تانى بردو!!

صمت للحظة ولمعت انوار عينه بحبه الدفين
- بلاش رهف ياستى طالما بتضايقك.. بس تعالى هنا.. عشان انت اتعودتى تضربي وتهربي..
طافت عينيها بحيرة ثم قالت : فى ايه.
- هى الكلمة اللى اتقالت تحت دى قبل ما اسافر كده بجد ولا كده وكده عشان عايدة..

طافت انظارها فى جميع ارجاء الغرفة ثم شهقت عندما لم تجد سواها فاصبحت له فريسة سهله.. فابتعدت عنه كالملذوعه هى تولى ظهرها
- لا طبعا... دى كانت عشان امك واقفه... هو مش ده اتفاق!!
اقتنص بانظاره ظهرها من اعلى لاسفل ثم نهض بغتة وطوق خصرها ليحملها فجاة ويبسط جسدها على مخدعه لتقع بين مخالبه قائلا
- طيب افرض صدقتك أن ده مجرد اتفاق.. واللى حسيته!

باتت انفاسهم متقابله فاردفت بتوتر
- حسيت إيه...
- متشغليش بالك..
- هشام!!
توقفت انامله عن العبث بشعرها ثم انتقلت لوجنتها قائلا
- عيون هشام..
لازالت اعينها متسعه السمك.. اخذ من انفاسه اكسجينا ثم قالت
- هو فى ايه..!!
- فى مفاجأتين!!
- اى هما..!!

لم يكف عن مداعبة ملامحها فتمتم بهيامٍ
- بكرة هنروح نزور ابوكى..!!
شهقت ملهوفة من الفرحه حتى همت بالنهوض فمنعها : بجدددددد ياهشام.. انا مش مصدقة.. دانا افتكرتك نسيت اصلا..
- لا منا مقدرش انسي..
- طيب واى المفاجاة التانيه..
زم ما بين حاجبيه وهو يتفحصها أصيب بشهوة الارتواء من كل إنش بملامحها التى اسرته بداخلهم.. ارتطمت نظراتها بابتسامه شوق مرتسمه على ثغره...

- تمام افهم من كده إنك مش موافق... وهتخلينى اقتل ابنى للمرة التانية..
شق الحزن قلب بسمه لنصفين حتى تأكدت من ظنونها.. فهتف زياد
- بسمه.. انا مش عاوز اتحمل مسئولية عيال دلوقت.. انا نفسي تايه.. مش عاوز اربي عيال ويعيشوا اللى يعشوه..

اصدرت ايماءة خفيفة : تمام.. كنت عارفه.. بس حبيت اديك فرصة اخيرة تنضف وتبقي فيها بنى آدم.. عموما انا هتصرف..
القت بسمه جمر كلماتها ثم غادرت غرفته سريعا وتركت بابها مفتوحٍ وتسارعت خُطاها نحو غرفة هشام لتطرق على الباب بقوة.. فزع هشام من سُكر حبه الذي لم يعترف به بعد ونهض ليفتح الباب وعلامات الذهول سكنت وجهه قائلا
- بسمة!!

توقف زياد على باب غرفته عاجزا عن ايقاف بسمه التى اعلنت حربها عليها.. فردت على هشام
- عاوزه اتكلم معاك..
افسح لها هشام المكان لتدخل
- اتفضلى تعالى فجر بس اللى جوه..
اغمضت عينيها متأففة : معلش يا هشام.. عاوزه اتكلم معاك لوحدنا..

تدخلت فجر سريعا
- انا هطلع.. تعالى..
لم تخل نظرات الجميع من الذهول والدهشه.. خرجت فجر وقفلت الباب خلفها.. فوقف هشام مستغربا
- خير يابسمه..
اعلنت رايات التحدي وقالت
- هشام أنا حامل.. واخوك عاوزنى اقتل ابنه لتانى مرة...

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W