قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية احتيال و غرام للكاتبة رحمة سيد الفصل السادس عشر

رواية احتيال و غرام للكاتبة رحمة سيد الفصل السادس عشر

رواية احتيال و غرام للكاتبة رحمة سيد الفصل السادس عشر

كانت أيسل مستكينة مكانها أمام جثمان والدتها، تحدق بها بعينان خاويتان، وجهها شاحب وكأن الروح غادرت جسد والدتها والأنفاس سُرقت منها هي، لا تستوعب، لا تستوعب ابدًا، كيف هكذا فجأة ماتت، دون أن تعتذر منها، دون أن تعوضها عما مضى، دون أن تخبرها بمبررات تُسكت أنين روحها المذبوحة مرارًا وتكرارًا..!

ابتلعت ريقها وهي تمد يدها المرتعشة لتتلمس جثمان والدتها وتهزها ببطء وهي تهمس بحروف وجدت المخرج من بين تصنم شفتاها بصعوبة:
-لأ، انتي أكيد ماموتيش
ثم أصبحت تهزها بقوة أكبر متابعة تمتمتها التي قاربت على الغدو هيستيرية:
-قومي انتي ماموتيش انا متأكدة، قومي يلا!
فحاوط بدر كتفاها مسرعًا وهو يربت عليها برفق، ثم أغمض عيناه محاولاً ايجاد الكلمات المناسبة في ظل صدمته وجموده هو الآخر...

لتكمل أيسل بصوت اكثر هيستيرية وإنفجار ما بعد هدوء العاصفة:
-لأ، مينفعش تموتي دلوقتي، انتوا اكيد بتمثلوا صح؟
ثم نظرت لبدر وسألته بهذيان ترجوه التأكيد على ما يهذي به عقلها لتسكين ذلك الألم الذي إنفجر داخلها كوباء ضاري:
-هي عايشة يا بدر، هما بيضحكوا عليا وبيخططوا لحاجة صح؟ انا كنت حاسه اصلاً
حينها أمسك بدر وجهها بين يداه يهزها برفق وهو يردف بصوت حاني حازم:
-أيسل، أيسل حبيبتي فوقي، ده قدرها..

ثم ضيق عيناه مفكرًا وقد عاد عقله للتفكير الذي توقف لدقائق:
-أيسل ركزي معايا، مريم إتصلت بالبوليس؟
رمقته أيسل بنبرة عابرة ثم عادت تحملق بالجثمان امامها بتوهان وكأنما عقلها شُل تمامًا فلم يعد بمقدورها إعطاء اي استجابة لأي اشارات تخترق حدود العقل..!
فعاد بدر سؤاله بصوت أكثر حزمًا يحاول سرقة الاجابة التي تأخرت في خروجها للنور:
-أيسل ركزي وجاوبيني عشان في كارثة احتمال تحصلنا.

حينها عطفت عليه أيسل فنظرت له وحاولت إجبار صوتها على الخروج، فردت بصوت مبحوح وهي تهز رأسها:
-ايوه، ايوه اتصلت بلغت عن شقة دعارة!
فانتفض بدر من مكانه وهو يسحب يدها معه مغمغمًا بجزع:
-طب قومي بسرعة احنا لازم نمشي حالاً
فهزت أيسل رأسها نافية بسرعة وكأنها مصدومة من تفكيره بالرحيل وهي تشير لجسد والدتها المسجي ارضًا:
-لأ لأ استنى، وهي هنسيبها هنا!؟
فحاول بدر مراعاة حالتها ليجيب محاولاً استجماع تركيزه:.

-البوليس زمانه على وصول يا أيسل، ولو حلفنا لهم على المايه تجمد إننا مش احنا اللي قتلناها محدش هيصدقنا، ومتقلقيش البوليس هيجي وهياخدوها واكيد هيبلغوا طه إنهم لاقوها، صدقيني كل حاجة هتتحل إلا احنا حياتنا هتتدمر ظلم لو مامشيناش دلوقتي حالاً كل ثانية بتفرق يا أيسل.

لم تجيبه بل ظلت تنظر لجسد والدتها، فسحبها بدر من يدها متجهًا نحو الخارج، فإنكمشت ملامح أيسل بالألم وكأنها عادت تلك الطفلة ذات الاربع سنوات والتي تُفرق عن والدتها من جديد ولكن، للأبد دون خيط أمل للعودة..!
حينها هزت أيسل رأسها ولم تشعر بشهقة البكاء التي غادرت شفتاها وكأن روحها الطفولية تغادرها لتتشبث بوالدتها الميتة:.

-طب قومي وانا هسامحك، لو سبتيني تاني مش هسامحك والله، قومي بقااا طب انا مسمحاكي خلاص بس قومي يلا نمشي
وحينما كانت على عتبة الباب صرخت صرخة متحشرجة كانت بمثابة صاعق لعقلها المتجمد المصدوم الرافض للتصديق، ولأول مرة تناديها:
-يا ماااامااا قومييي والنبي
كان قلب بدر يلتوي ألمًا على صغيرته التي اتضح أنها عكس ما تتظاهر تمامًا...

كانت تخبرهم أن يبتعدوا عنها تمامًا وأنها تكرههم، بينما تلك الطفلة داخلها لازالت تنتظر أن يعودوا ليتلقفوها بين أحضانهم معتذرين منها عما بدر منهم..!

بينما أيسل كانت تسير بصمت ودموعها تتسرب لتروي وجهها الشاحب، كم تمنت أن تناديها بـ أمي وهي على قيد الحياة، كم تمنت أن تحتضنها ولو لمرة، أن تسرح لها خصلاتها وتُدلكها لها قبل أن تنام، أن تعنفها حينما تخطئ وتجبرها على فعل اشياء لا تحبها فقط لمصلحتها هي وليس العكس، لم تتمنى الكثير هي فقط تمنت حياة طبيعية!..

على الطرف الآخر حيث القرية...
فتح يونس عينـاه ببطء يتململ في نومته، فمد يده بتلقائية للفراش جواره ليجده بارد وفارغ، فهب منتصبًا من الفراش بفزع وكأن كابوس رحيلها عاوده من جديد...
ونهض راكضًا نحو المرحاض ينادي بأسمها في هلع واضح:
-ليااااال، ليااال انتي فين؟
فخرجت ليال من المرحاض تجيب بسرعة:
-انا هنا يا يونس.

وما إن رآها جذبها لأحضانه متنهدًا بقوة يدفنها بين ذراعيه، رحيلها أصبح هاجسه، فكلما إختفت عن ناظريه سيشعر بشبح الفراق يلوح له من بعيد...!
فهمست ليال مشدوهه بعدم فهم:
-مالك يا يونس؟!
فابتعد يونس يمسك وجهها بين يداه متفحصًا كل إنش بوجهها وسوداوتاه تعكس لها بذور الخوف من الفقدان التي زُرعت داخله وأي تهور صغير منها سيسقي تلك البذور لتنمو اكثر فأكثر...!
ثم خرج صوته أجش وهو يخبرها آمرًا:.

-اوعي تفكري تبعدي عني ابدًا
فهزت الاخرى رأسها نافية وقد استدركت خوفه، لتحيط وجهه بيدها الناعمة متحسسة ذقنه النامية وهي تهمس له بكل جوارحها مؤكدة:
-مقدرش أعمل كده يا يونس، أنت روحي، هو في حد بيقدر يبعد عن روحه؟!
فأمسك هو بيدها التي تحيط وجهه ليلثم باطنها بعمق وقد بددت هي ذلك الشعور المقيت الذي تضخم داخله، ثم رفع عيناه لعيناها البُنية التي اكتشف أنه يُحب النظر لهما طويلاً، طويلاً جدًا...

ثم تحركت عيناه تلقائيًا لتلتقي بحبيبتاه، شفتاها، حيث ملاذه، بين شفتاها يجد يونس الجديد، يونس المغمور بعاطفة مشتعلة جديدة عليه نوعًا ما، بين شفتاها يشعر بالكمال، يشعر بكل خلية به تنبض هادرة بأسمها، متمنية أن يظل هكذا، يقبلها حتى يكتفي وإن لم يكن هناك اكتفاء منها ابدًا...

ودون أن يفكر اكثر كان يميل ملتقطًا شفتاها بلهفة، والشوق إن ظن أنه خفت بعدما امتلكها فقد اخطأ، لأنه وببساطة يشعر بسعير الشوق يزداد حرقة ولهبًا...
وهي، هي كانت كمن تلقى ترياق للعودة للحياة بعدما مات، فبعثها هو من جديد، بعشقه الذي أزهر زهور أنوثتها الذابلة، وبدأ يُدفئ البرودة الثلجية الفاقدة للحنان والحب داخلها...!

وحينما شعرت بيداه تتسرب لأطراف ثوبها وشفتاه قد ازدادت تطلبًا، أمسكت بيده بسرعة ثم ابتعدت لتهمس من بين أنفاسها العالية:
-يونس لأ استنى
لم ينتبه كثيرًا لهمسها فتسربت شفتاه لرقبتها يلثمها بعمق، ولكنها ابتعدت وهي تقول بصوت أعلى وكأنها تنتشله من بين بقاع العاطفة التي غيبته عن واقعه:
-يووونس، مش هينفع، انا عايزه أروح لبابا
حينها ابتعد يونس وكلمتها جمدته مكانه، ليبتعد قليلا ثم سألها بعدم فهم مستنكرًا:.

-تروحي لبابا! تروحيله فين؟
فابتلعت ريقها وهي تزيح خصلاتها التي تشعثت بسبب يداه العابثة، ثم هتفت بهدوء تخبره بما شغل بالها منذ عودتهم:
-أنا قررت أتنازل عن القضية وأخرجه
-نعم! ومين قالك إني هخليكي تعملي كده، انا اللي رافع القضية ومش هتنازل
زمجر بها يونس بعصبية وقد عاد ذلك الغضب يتأجج داخله كلما تذكر اليوم العصيب الذي عاشه بسبب والدها المريض..!
لترد هي بجدية صلبة:.

-وأنا اللي إتخطفت وهعمل كده، ده ابويا، راح ولا جه أبويا ومقدرش أحبسه حتى شهر فما بالك بـ سنين!
ليمسك يونس بذراعها يضغط عليه دون أن يشعر، ثم استطرد وقد فاح الألم من نبرته وكأنه يعيش تلك الليلة من جديد، بكل هواجسها، و عجزها...!

-طب وانا؟ عادي اللي عمله وخلاني أعيشه؟ عادي يمر يوم كامل معرفش انتي فين، هجرتيني فعلا زي ما كان عايز يقنعني ولا لا، واسأل نفسي طب لو هجرتيني عملتي كده ليه، طب لو معملتيش كده يبقى اتخطفتي؟!، طب مين اللي خطفك وخطفك ليه، يا ترى حد بيكرهني وعايز يأذيني فيكي ولا حد عايز فلوس ولا حد اصلاً وقعتي تحت ايده صدفة وطمعان فيكي وهيأذيكي!
ثم تركها ليعطيها ظهره وهو يهز رأسه نافيًا، معلنًا عدم تخليه عن ثأره:.

-لأ، لأ يا ليال اللي عيشته ده مش هيعدي بسهولة، وبعدين يمكن لو طلع اصلاً يفكر ياخدك تاني او يأذيكي او حتى يأذي بابا!
فاقتربت منه ليال ببطء، تدرك جيدًا ما عاناه، وعقلها يؤيده بكل ذرة به، ولكن قلبها، ذلك القلب المتأصلة فيه الفطرة، يأبى أن يفعل ذلك بوالدها مهما فعل او سيفعل!
فاحتضنته وهي تلف يداها حول ظهره، ثم قالت بصوت هادئ ناعم تحاول أن تفك أمام عيناهطلسم الفطرة الذي يخضعها له رغمًا عنه:.

-افهمني يا يونس، انا عارفة وفاهمة كويس اوي اللي بتقوله لكن غصب عني حتى لو عقلي مقتنع باللي بتقوله بس ده ابويا، مش هرتاح ابدًا وانا عارفة إنه مسجون بسببي! ساعدني عشان أرتاح يا حبيبي
فتنهد يونس بعمق وقد نجحت في سبر اغواره، ليستدير لها ببطء، يسألها للمرة الاخيرة ولم ينكر تمنيه أن تنفي:
-انتي متأكدة إنك عايزه تعملي كده وهترتاحي لما تعملي كده يا ليال؟
فأومأت ليال مؤكدة بابتسامة خافتة:
-جدا جدا.

حينها بادلها يونس تلك الابتسامة الحانية، ثم جذبها له برفق يحيطها بين أحضانه مقبلاً قمة رأسها بعمق ليعلن موافقته على مضض:
-خلاص يا حبيبي وانا معاكي طالما ده اللي هيريحك.

بعد فترة، في مركز الشرطة...
تنازلت ليال بالفعل عن المحضر ضد والدها، تنفست بعمق، هكذا تشعر أن مارد الفطرة قد استكان مغادرًا إياها بعدما نفذت ما أمرتها به فطرتها..!
خرج والدها من الحبس مع العسكري، وما إن رأى ليال ويونس حتى تجهمت ملامحه ليقول والغيظ ينضح من نبرته:
-جايين تشمتوا فيا
ثم نظر لـ ليال متابعًا بازدراد:
-وانتي، انتي إيه بنت حرام؟ بتسجني ابوكي، خسارة فيكي لقمة طفح اديتهالك وانتي صغيرة حتى.

كز يونس على أسنانه بغيظ وهو يرمق ليال بنظرات ذات مغزى مرددًا:
-شوفتي؟ رجعت ريما لعادتها القديمة، اللي فيه طبع مابيغيروش ابدًا يا ليال
قاطعهم صوت الضابط الذي خرج هادئًا جادًا بنبرة دبلوماسية وهو يخبر حامد:
-الاستاذ يونس ومدامته اتنازلوا عن المحضر يا حامد
لم يستطع حامد السيطرة على أصابع الدهشة التي امتدت لتعبث بملامحه التي كانت مزدردة قاسية لتصبح مدهوشة متصنمة...!

فأكمل الضابط مؤكدًا ما سمعه حامد منذ ثوانٍ:
-يلا يا حامد تعالى امضي عشان تخرج
-تحت امرك يا باشا
وبالفعل اقترب حامد بلهفة ينهي اجراءات خروجه تحت أنظار ليال الساكنة ويونس الغاضبة...
وما إن انتهى وخرجوا امام المركز، وقفت ليال امام والدها بهدوء وجمود تام تخبره:
-أتمنى إنك تخرج من حياتي نهائيا وتنسى إنك خلفت بنت في يوم من الأيام
وكالعادة لم يبخل حامد عليها فبخ سمه المدسوس بين حروفه في وجهها وهو يتشدق بـ:.

-انا اصلاً مش عايزك يا بنت زينب وفعلاً معنديش بنات!
ثم ألقى نظرة متهكمة تجاه يونس قبل أن يتابع:
-بس لما المحروس يندمك مترجعيش تعيطي
ثم استدار ليغادر دون أن ينتظر اكثر، لتتنهد ليال وهي تستجيب لدفئ احضان يونس الذي ضمها له وكأنه ينفي بصمت المغزى الذي ألقاه والدها بوجهها...

وبعد ساعات طويلة...
وصل كلاً من بدر وأيسل البلد من جديد، ولكن شتان ما بين حالهم وهم ذاهبون وحالهم وهم عائدون...!
ألقى بدر نظرة تجاه أيسل الميتة وهي على قيد الحياة، رباااه، وكأنها ذهبت بروحها لتتركها هناك ثم عادت مجرد صنم فقط لا يمت للانسانية بصلة..!

لم يفكر بالعودة للقصر حيث فاطمة، لأن أيسل وبحالتها تلك تحتاج أن تفرغ شظايا الألم التي غُرزت بين ثنايا قلبها واحدة واحدة، وهو متأكد أنها لن تفعل مع فاطمة، لن تُشعر فاطمة أنها لم تنجح في سد خانة الأم في حياتها، لن تُشعرها أنها فشلت في تعويضها...
هي نجحت، وجدًا، ولولاها لكانت حياة أيسل اصبحت اسوء واسوء، ولكن الأم، تلك الفطرة التي خُلقنا عليها لا ترضى سوى بالأم الحقيقية سدًا لجوعها...!

نزل من السيارة ليفتح الباب لأيسل ممسكًا بها وهو يهمس بحنان:
-يلا يا حبيبتي وصلنا
نزلت معه أيسل دون أن تنطق بحرف، ودلفوا للمنزل ليجدوا الجميع جالسين على السفرة يتناولون عشائهم، وبالطبع تعجب عيونهم من حالة أيسل الباهتة المُدمرة...
لتنهض ليال بسرعة تتوجه نحو أيسل وهي تسألها بقلق حقيقي:
-في إيه، مالك يا أيسل؟

لم ترد أيسل وإنما نظرت لها بتلك النظرة الخاوية الباردة المقتولة التي تحكي ألف قصة وقصة، ليجيب بدر بصوت آسف بدلاً منها:
-للاسف والدتها الحقيقية اتوفت النهارده وقدامنا
شهقت ليال تضع يدها على فاهها لتكتم شهقتها وقد أدركت الفجوة المؤلمة التي استوطنت روح أيسل ، ودون مقدمات كانت تحتضن أيسل بسرعة مرددة بخفوت حزين متأثر:
-البقاء لله يا أيسل ربنا يرحمها ويغفرلها يارب، ادعيلها كتيير هي دلوقتي محتاجة دعائك بس.

اومأت أيسل برأسها ليتقدم منها يونس وقاسم ويهتفا:
-البقاء لله ربنا يرحمها يارب
فهزت رأسها بلامبالاة متمتمة بصوت شاحب خرج بصعوبة:
-ونعم بالله، يارب
ثم تحركت دون أن تنطق بالمزيد او تنتظر:
-بعد اذنكم.

صعدت لغرفتها هي وبدر، يتبعها بدر الذي لحق بها بسرعة ليجدها تدلف الغرفة لترمي الچاكيت الذي كانت ترتديه فوق ثوبها، ثم وقفت بهدوء خاوي تتنفس بصوت مسموع..
ليقف بدر خلفها، أحاط بها من الخلف يتلمس ذراعاها العاريان بحنان جم، يرسل لها رسالة صامتة أنه هنا، معها ولن يتركها، أنه سيكون لها الملاذ لو ضاقت بها الدنيا، سيكون لها الدفئ لو شعرت بالبرودة تجتاحها!..

فوضعت هي يدها على ذراعه، لتقول بابتسامة مهزوزة تخفي ادراجها الكثير والكثير:
-انا كويسة يا بدر متقلقش
لم ينطق بدر بل ظل يربت على كتفاها بصمت وعيناه على وصال بعيناها من خلال المرآة، وكأنه يهبها القوة لتفصح بما يعج بداخلها وتُخرج تلك الصرخات التي يشعر بها تهز ضلوعها بعنف لتطلق سراحها...!

فتابعت ايسل بينما تتمسك بتلك الابتسامة المهزوزة تحاول رسم الثبات وقد فضحتها نبرة صوتها المرتعشة:
-انا مش زعلانة، هزعل ليه اصلاً وهي عملت كل حاجة تخليني مزعلش عليها، هي ماعملتليش اي حاجة حلوة اتحسر عليها، فـ انا مش زعلانة بجد، انا اصلاً كنت عايزاهم يخرجوا من حياتي.

ثم بللت طرف شفتاها الشاحبة لتشير بيدها بعشوائية وتبعد عيناها عن عيناه التي كشفت كذبها بسهولة لتردف بصوت مبحوح، تلك البحة المتهدجة التي تسبق البكاء:
-انا اتصدمت شوية بس، لكن مش هزعل عليها لأ
فأدارها بدر له ليثبتها امامه محيطًا اياها وهو يخبرها بحزم:
-العيب مش إنك تزعلي عليها يا أيسل حتى لو هي كانت وحشة، العيب إنك تنكري زعلك عليها حتى لو هي وحشة، دي مامتك، محدش فينا بيختار أمه وأبوه يا أيسل.

كانت أيسل تهرب بعيناها منه، تعض على شفتاها محاولة منع البكاء الذي بدأ يهاجم شفتاها المرتعشة، ليرفع بدر وجهها متمتمًا بحنان كان المفتاح لكل ما تحاول إخفاؤوه وكتمانه:
-عيطي يا أيسل، عيطي ماتكتميش عياطك، عيطي عشان ترتاحي يا حبيبتي.

حينها تفجر ذلك الكتمان لتشهق باكية بانهيار كان متواري خلف قناع الهدوء واللامبالاة والصدمة، ليضمها بدر بين أحضانه، يتمنى لو استطاع أن يسحب منها ذرات الألم التي تختض داخلها فيرحمها قليلاً...

بينما أيسل تبكي بعنف كما لم يراها يومًا، تبكي أمًا حُرمت منها في الماضي والحاضر، تبكي حنان تمنت لو تناله منها، تبكي فقدان ينهش روحها بمخالبه الضارية فيُشعرها بألم رهيييب، مجرد فكرة أن والدتها لم تعد في تلك الدنيا، لن تظهر امامها مرة اخرى ولو عن طريق الصدقة، ذلك الشعور المقيت يقتلها ببطء كـ سم جبار المفعول...
لتضرب على صدر بدر بقبضتها وهي تردد بهذيان من بين شهقاتها:.

-هي سابتني تاني ليه يا بدر، ليييه، ليه سابتني تاني انا مش هسامحها ابدًا
فكان بدر يربت على ظهرها بحنان ولا يملك ما ينطق به، فقط ألمها يؤلمه، يؤلمه جدًا ليُذكره بألم مُشابه لفقدان والديه...

سمعها تغمغم بحروف متقطعة وشهقاتها تتعالى:
-انا مكنتش عايزه حاجة كبيرة يا بدر، انا كان نفسي بس تديني اي مبرر لأنها ترميني زمان حتى لو كذب وكنت هصدقها، كان نفسي تعمل أي حاجة عشان تحسسني إنها ندمانة وتعوضني، كان نفسي أحس إني بنتها فعلاً، إني مش منبوذة حتى من اهلي!

ثم بدأت تمرغ وجهها في ملابسه كقطة تتوسل حنان صاحبها، لتمسك موضع قلبها تضغط عليه وقد خرجت منها الآهه المتحشرجة العميقة التي إنطلقت من أعمق نقطة ألم داخلها لتستقر بين ثناياه فتهزه كله:
-آآه يا بدر، قلبي واجعني اوي اوي، حاسه إني هموت مش قادرة استحمل، والله ما قادرة
ثم ازداد أنينها لتزيده وجعًا وهي تتابع بقهر باكية:.

-بيوجع اوي، شعور بيوجع اوي يا بدر، إنك تحس إن أقرب حد في الدنيا ليك مبقاش معاك في الدنيا دي ومهما حصل مش هتشوفه تاني ابدا بيوجع اوووي
فدفعها بدر للخلف ببطء ورفق ليُجلسها على الفراش ثم هبط وببطء ورقة ليطبع قبلة طويلة حانية عميقة على موضع قلبها مباشرةً، وكأنه يحاول بلسمة ذلك الألم عله يرأف بقلب صغيرته قليلاً...

فأغمضت هي عيناها شاهقة بعنف، ثم دفنت رأسها بين أحضانه وهي تحيطه متمتمة بصوت مذبوح مكتوم بالبكاء:
-احضني يا بدر، احضني جامد اوي يمكن أنسى إني بقيت يتيمة
فوضع هو إصبعه على شفتاها يُسكتها، ثم هز رأسه نافيًا وبنبرة قاطعة صلبة تحمل بين قشورها حنان دفين قال:
-اوعي تقولي كده طول منا عايش، لما اموت ابقي قولي كده، انتي بنتي قبل ما تكوني مراتي يا جنيتي!

فارتسمت شبه ابتسامة شاحبة على أطراف ثغرها وهي تعود لتضم نفسها له بقوة، متوسلة النوم أن يفرض سيطرته على مقاليدها فيُغرقها في عالم اللاوعي ولو قليلا...

منزل فيروز...
وقفت فيروز أمام الشرفة تعض على أصابعها والغيظ يستوطن كل شبر بها فيجعلها مشتعلة بالغضب والكره والتوعد...
ليقطع الصمت جمال الذي قال بصوت أجش:
-خلاص يا فيروز اهدي، احنا كنا متوقعين إن يونس مش هيصدق اصلاً وإنه احتمال يلاقيها وياخدها من ابوها
فاستدارت فيروز له لتهتف بعينان محتقنتان بالغضب:.

-وابوها القذر ما صدق خرج من السجن وسافر على طول، بعد ما كشفت نفسي قدام الشغالة اللي في بيت يونس عشان أمشي كل حاجة زي منا عاوزه عشان نخلص من البلوه دي وفي الاخر كل حاجة تبوظ بالبساطة دي!
فتنهد جمال ليتابع قائلاً ما تتمناه وتهلل كل ذرة به ويكتم هو صوتها كالعادة:
-حاولي تنسي يونس يا فيروز، الطريق بينكم دلوقتي بقا شبه مستحيل
لتهتاج فرائص فيروز وهي تزمجر فيه بانفعال هيستيري:.

-اسكت، اسكت خالص أنت السبب، أنت اللي ساعدت الحيوانة الخدامة دي عشان تاخده مني، خونت صاحبك وخونتني وخونت نفسك
فتمتم هو بصوت خفيض متنهدًا:
-عشان كده لما كلمتيني وطلبتي مني موضوع الصور مرفضتش
فارتسمت ابتسامة متهكمة على ثغر فيروز وهي تهز رأسها رافعة احدى حاجبيها باستنكار:
-لا يا راجل! أنت مرفضتش عشان أنت متقدرش ترفض فلوس، زي ما خدت تمن اللي عملته من مامي برضه!

كز جمال على أسنانه بعنف حتى اصدرت صكيكًا، لو تعلم، فقط لو تعلم، لو تعلم أن عشقها هو مَن جعله يفعل، أن عشقها أصبح شمعة مُشتعلة بين ضلوعه يحرقه وهجها في كل يوم يمر وهو يتيقن أنها لن تكون له، بل لصديقه...!
وحينما فعل ما فعل مع ليال كان بحاجة الاموال فعلاً وإلا كان سيكون في مأزق، ولم يفكر كثيرًا بل تصرف بتهور كما أملى عليه شيطانه ليهددها...

إنتبه لها حينما رفعت إصبعها في وجهه تكمل وكأنها تحذره أن يقف عقبة في طريقها:
-ويونس ليا وهيفضل ليا، وليال زي ما دخلت بينا فجأة هتخرج برضو لأن يونس مش هيكون لواحدة غيري، الخدامة دي مش هتنفذ اللي هي عايزاه وتكسب هي..!
فراح جمال يردف بجدية حادة يضع نصب عيناها ما ترفض أن تفتح عيناها تجاهه لتراه:.

-يونس قدره مع ليال، روحتي ولا جيتي هو ليها وهي ليه ده نصيبهم، بغض النظر عن إن ليال اخدت نصيبها بطريقة غلط بس هو نصيبها، يعني لو كانت هي حفظت كرامتها وماعملتش اي حاجة من اللي حصلت كان برضو يونس هيبقى من نصيبها لكن هي اللي غلطت واتسرعت، زي الطفل لما والدته تجيبله حاجات وتشيلها عشان تديهاله بعد شوية فيروح هو ياخدها بالعافيه من وراها، هو كده كده كانت ليه وكان هياخدها بس خدها بطريقة غلط وصغر وقلل من نفسه.

فصرخت فيه فيروز تنفث براكين غضبها التي تغلي في وجهه:
-اخرررس، اللي يشوفك وانت بتقولي احكام مايقولش إنك ساعدتها في كده عشان الفلوس
حينها لم يحتمل جمال، فدفعها بقوة بحركة مباغتة نحو الحائط لتشهق هي بعنف ملتصقة بالحائط وقبل أن تعي أي شيء كان هو يحيطها من الجانبين ليدب على الحيط وهو يزمجر كليث جريح مقربًا وجهه من وجهها حتى شعرت بأنفاسه اللاهبة تحرقها:.

-مش عشان الفلوس، اقسم بالله ما عشان الفلوس، عشان ابقى قريب منك، منكرش إن حلمي كان السفر برا مصر، بس لما لقيت والدتك ناوية تبعدك عن يونس بأي طريقة وعرضت عليا، قولت ليه لأ، منها يكون في امل تبقي ليا ومنها احقق حلمي واكون نفسي برا وارجع تكوني انتي نسيتي يونس ونتجوز!
كانت فيروز تحدق به مذهولة، لم يخطر على بالها قط أن جمال قد يكون وقع بين أغوار عشقها لتلك الدرجة حتى هلك..!

فاقترب جمال بوجهه من وجهها اكثر وخرج صوته الخشن ملتاع بتلك المشاعر التي أرقته:
-انا بعشقك، مش عارف اشوف واحدة غيرك، بعدت قد ما بعدت عشان أطلعك من دماغي وبرضو معرفتش! أنا معترف إني غلطت زي ليال واكتر وإني خاين ولصحبي قبل ما اكون ليكي، بس ضعفت! ضعفت قدام حبي ليكي وحلمي اللي بحلم بيه بقالي سنين، الحاجتين اللي اتعرضوا عليا واحد بقصد والتاني من غير قصد من والدتك ماكنوش سهلين وانا شيطاني قوي يا فيروز!

ابتلعت فيروز ريقها بتوتر، وتلك المشاعر العنيفة التي تأججت منه لأول مرة أفقدتها حروفها لتلقيها في هوة الصدمة، التعجب!

وقعت عينـاه على شفتاها التي بللتها بتلقائية حينما شعرت بريقها يجف والتوتر يصل اقصاه، لتزداد حدة أنفاسه وهو يتوسل الرحمة داخله والترأف بشوقه وحرمانه منها، حرمانه الذي يود أن يرويه من شهد شفتاها في تلك اللحظة!

دفعته فيروز قائلة بصوت مُحرج مبحوح:
-ابعد يا جمال
فتنهد جمال بقوة ليبتعد وهو يقول زافرًا أنفاسه الثائرة:
-انا وانتي متأكدين دلوقتي إن يونس حب ليال خلاص وإلا كان ما صدق فكر إنها هربت من بيته وماكنش دور عليها، فـ ليه ماتديناش انا وانتي فرصة؟
ثم اخشوشنت نبرته ببحة خاصة متمنية وهو يخبرها:
-يمكن انتي نصيبي انا؟!

فوقفت فيروز تعطيه ظهرها لدقائق مفكرة، هي وبكل أسف ادركت أن عشق تلك اللعينة ليال تسرب لقلب يونس ليحرره من أغلالها، وطالما هو يرغب بذلك حسنًا، ستحاول أن تتقبله، ولكن ما لا تستطع تقبله أن تنتصر ليال عليها وتغير حياتها هكذا فجأة وتنجح فيما فعلت دون جزاء او رد لاعتبارها، لاعتبار فيروز الذي لا يُستهان به!..

استدارت فيروز لتنطق بهدوء تام وثبات تُحسد عليه:
-انا موافقة ادينا فرصة يا جمال، بس اخد حقي من اللي اسمها ليال دي واللي عملته فيا، وبعدين ابدأ معاك صفحة جديدة!
فسألها جمال بحذر مستفسرًا:
-هتاخدي حقك ازاي؟
فقالت برأس شامخة متكبرة:
-ابعدها عن يونس، مش هرجعله طالما هو نسيني لان كرامتي متسمحليش! بس هي هتبعد عنه برضو!
حينها زفر جمال بعمق قبل أن يسألها:
-عايزاني اعمل إيه يا فيروز؟

فابتسمت ابتسامتها الهادئة الماكرة وهي تخبره على مهل...

دلف يونس للغرفة باهتياج دون أن يطرق الباب والشياطين تتراقص أمام عيناه، لتقف ليال متعجبة تسأله عاقدة ما بين حاجبيها:
-في إيه يا يونس
فقبض يونس على ذراعها بعنف دون أن يقصد من فرط غضبه وقد خرج صوته غليظ حاد وهو يسألها:
-انتي خدتي فلوس من والدة فيروز عشان تعملي اللي عملتيه؟ يعني معملتيش كده عشان بتحبيني زي ما قولتي؟!

في القاهرة...
كان طه يقف أمام مريم وذلك الرجل في احد الاركان متخفيين امام العمارة التي صار بها الحادث، فقالت مريم بلهجة سريعة آمرة تخبره:
-فهمت هتعمل إيه؟ هتطلع كأنك طالع عادي، هتقول للظابط إن دي شقة صاحبك ده المعرفة وإنك كنت جاي انت ومراتك زيارة ليه ومراتك تعبت فـ إتصلتوا بأيسل عشان تيجي تشوفها لاخر مرة وأيسل جت هي وجوزها وانتوا سبتوهم مع بعض ونزلتوا تشتروا حاجة ولسه راجعين دلوقتي! تمام؟

فأومأ طه مؤكدًا برأسه، لو لم يفعل اصلاً لسُجن هو بتهمة قتلها...
ابتلع ريقه وهو يتقدم من العمارة بأقدام مرتجفة وخلفه ذلك الشاب...
ليسمع حارس العمارة يضرب كفًا على كف وهو يتابع قص ما حدث على مسامع ساكني العمارة:
-وعقبال ما جيت لقيت واحدة كده شعرها احمر نازله مع واحد بيجروا وهي عماله تقوله ماتت ماتت وطبعا ما حطتش في بالي، معرفش إن الموضوع فيه جريمة قتل!

فتسرب الأمل لقلب طه المُظلم وهو يدرك أنه لن يتعب كثيرًا حتى تلتصق الجريمة بـ أيسل وبدر...

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W