قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية احتيال و غرام للكاتبة رحمة سيد الفصل الخامس عشر

رواية احتيال و غرام للكاتبة رحمة سيد الفصل الخامس عشر

رواية احتيال و غرام للكاتبة رحمة سيد الفصل الخامس عشر

لحظات شعر فيهم يونس أن الزمن توقف عند تلك النقطة، وكأن اللاوعي محى ما قبلها وما بعدها من حروف...!
وكلما كاد يصدق، يستوعب، يشعر أن داخله يتلوى ليبصق ما رأى خارج حدود العقل رافضًا إياه...

عاد ينظر لتلك الصورة والرسالة وكأنه يرجوها أن تحكي له حقيقة ستتحكم بمكاييل حياته حرفيًا، وهي لم تبخل عليه، بمجرد أن نظر لها لدقائق اخرى اُنعش عقله بذكرى ليال، لياله هو، وهي تتوسل حبه حرفيًا، وإن كان لسانها يكذب فعيناها مستحيل، يُذكر جيدًا تلك النظرات التي اقتاتت على السور الحاد الذي بناه داخله ليحجز بينه وبين مشاعره فدمرته رويدًا رويدًا...!

حينها نهض كمن لسعته أفعى يهز رأسه نافيًا وهو يُعلن ما توصل له عقله:
-مستحيل، مستحيل ليال تعمل فيا كده، مستحيل تكون خاينة لأ مش ليال..
وتلك الكلمات كانت المفتاح لعودة عقله لرشده، لردع هالة اللاوعي عن اطراف عقله ذاك...
فما إن نظر للهاتف بيده مرة اخرى حتى ألقاه بعنف على الفراش وهو يصرخ بغضب أهوج:
-كدابين، مستحيل أصدق
ثم بدأ يمسد جبهته وكأنه يحاول إنعاش عقله، ويردد متسائلاً بتوتر وقلة حيلة:.

-هعمل إيه، هعمل إيه ياربي هوصلها ازاي
إرتفعت نبضته الفزعة حد السماء وهو يدرك أن ليال قد تكون غادرت مُجبرة، او مخطتفة!

ماذا عساه يفعل، لأول مرة يشعر أنه مُكبل حرفيًا، مُكبل من كل جانب حتى بات النفس الذي يسحبه لرئتيه يسقط داخله كالمطرقة فيؤلمه، يؤلمه جدًا...

واول شيء قفز لعقله هو معرفة مَن صاحب ذلك الرقم لربما يكون هو نفس الشخص الذي إختطفها، فاتصل به مسرعًا ولكن كما توقع لم يرد على مكالمته ثم أغلق الهاتف بكل بساطة..!

دار يونس في الغرفة حول نفسه كالليث الحبيس وافكاره تزأر لا لسانه، ثم همس بصوت مكتوم مختنق مفكرًا:
-طب لو مفيش قطر مسافر للقاهرة لا النهارده ولا بكره، وكمان الاتوبيسات لسه مفيش النهارده، يبقى أكيد هي لسه هنا في البلد في أي بيت!
خرج من غرفته كالسهم الذي إنطلق من قوسه مشتعلاً بينران الفراق الضارية...
ليقف بدر وقاسم مسرعان ما إن رأوه، فهتف يونس على عجلة:.

-بقولك إيه يا حاج انا عايز رجاله يدوروا على ليال هديهم مواصفاتها في البلد كلها، يسألوا كل الناس
فجذب قاسم عصاه ليتحرك ورياح افكاره تهب نحو اول هاوية بعقله، ليتابع بصوت أجش متردد:
-بس الناس يا يونس تقول إيه لما يعرفوا إننا بندور على مراتك وإنك مش لاقييها ومش هنخلص من القيل والقال
ليهدر يونس بعنف ولكن نبرته مكتومة احترامًا لوالده:.

-ملعونة الناس، انا مراتي ممكن تكون مخطوفة يا حاج انا مش هستنى لما تبعد عن البلد خالص، واقعد ادور عليها في مصر كلها بدل ما ادور في البلد بس ويبقى فكرة إني هلاقيها إبرة في كومة قش!
حينها تدخل بدر مؤيدًا يونس وقد أدرك النار التي تحرق داخله شيئًا فشيء وتزداد سعيرًا كلما زاد وقت الفراق:
-يونس معاه حق يا عمي
فتنهد قاسم وهو يومئ برأسه في هدوء:.

-ماشي يا يونس اللي تشوفه، هناديلك الرجالة كلهم دلوقتي يبقوا تحت طوعك
وبالفعل تعالى صوته وهو ينادي رجله الخاص والذي بدوره جلب باقي الرجال، لتعود عجلة البحث عن ليال تنطلق من جديد...

بينما وفي مكان آخر في نفس البلدة...
في شقة قديمة ضيقة نوعًا ما وشبه مهجورة، تحديدًا في غرفة داخل تلك الشقة...
جلست ليال على الفراش داخل الغرفة تضم قدمها لبطنها وتحاوطها بيدها...

واللون الأصفر الذي يصاحب الإنهاك قد بهت على كافة خطوط وجهها الأبيض، تجلس وحيدة، شريدة، معطوبة القلب، مُنهكة القوى، مكتومة الصوت ولكن صاخبة الفكر، قلبها ينوح صارخًا بلوعة الشووق لصاحبه، وعقلها متأجج بالغضب الذي يكاد يودي به لحافة الجنون حرفيًا...

لتتذكر اليوم السابق يوم اختفائها...

صباح يوم جلوسها مع أيسل، خرجت من غرفتها قبل استيقاظ يونس، فلم يكن النوم صاحبها تلك الليلة، كانت كلها عزم على إعادة تنظيم الحجارة التي ترسخت عليها حياتها هي ويونس، ولكنها لم تفكر ابدًا في الابتعاد عنه، كانت ستشد من قوامها اللين بعاطفتها الفياضة ولكن جواره، ستخبره أنها تود الابتعاد عنه وتأتي ليلاً لترتمي بين أحضانه لتُكذب لسانها، كانت ستقابله بوجه عابس وتنفي اهتمامها به بينما جسدها كله ينبض بالشوق لمجرد محادثة عابرة فحواها صباح الخير...!

كانت وكانت وكانت، حزمت تلك المخططات وبلحظة أتت تلك العاصفة المقيتة المُسماه بوالدها لتبعثرها، وبكل بساطة، ليفرض خططًا جديدًا إنتشلها من بين بقاع حقده الذي لا يزول...

فحينما توجهت لحظيرة الخيل وجلبته لتخرج به متوجهة لنفس المكان الذي اخذها له يونس سابقًا، توقفت شاهقة بعنف حينما ظهر والدها من العدم يجذبها من ذراعها هاتفًا من بين أسنانه:
-يلا اتحركي معايا
فردت ليال مصدومة مذعورة:
-بابا! انت بتعمل إيه، أنت كنت مراقب البيت؟
فشد حامد من قبضته على ذراعها قاصدًا إيلامها وكأنه يذكرها ثم زمجر بصوت خفيض حتى لا يسمعه اي شخص:.

-امال كنتي مفكراني هسيبك يا فاجرة تعيشي في بيت ال ده هو وابنه؟!
لتهز ليال رأسها نافية بسرعة تحاول نفض يده عن ذراعها:
-لا انا مش هروح معاك في حتة، انا مراته مش خطيبته عشان تبعدني عنه وينتهي الموضوع
-هطلقك منه غصب عنه وعن اهله.

رددها حامد بنبرة مقيتة كرهتها ليال فوق كرهها كرهًا، فسحبها حامد وبسرعة تجاه سيارة، لتنتفض كل خلية بـ ليال بالفزع وهي تحاول تحرير ذراعها بينما تحذره بتهديد مُصطنع حاولت رسمه رغم توتر ملامحها:
-لو ماسبتنيش دلوقتي هصوت والمرادي مش هيسكتولك
فهزها حامد بعنف وهو يزمجر فيها بغيظ شابه الجنون والشر الدفين:.

-صوتي، انا نفسي تصوتي، صوتي عشان يجي المحروس اللي انتي متجوزاه وابوه وساعتها مش هديهم فرصة وهاخد روحهم هما الاتنين حتى لو هموت فيها!
وقد كان صادقًا، لم يكن يُهدد ولم يكن يزعم ما يقول بل رأت ليال الحقد داخل حدقتاه كشهاب ملتهب وسط عنان السماء وقد اوشك على الانفجار ليدمر كل شيء...
فهزت رأسها بصوت مبحوح شبه متوسل:
-لأ انت مش هتعمل كده
ليخبرها حامد بلامبالاة وببساطة اجزعت عقل ليال:.

-انتي اللي في ايدك تحددي، لو لميتي نفسك ومشيتي معايا مش هيحصل انما لو نشفتي دماغك وحبيتي تعمليها فضيحة يبقى زي ما تحبي!
ابتلعت ليال ريقها وهي ترمي نظرات ضائعة تجاه المنزل، مشطورة هي نصفان احدهما مرتعد قلقًا على ما قد يحدث لمالك القلب والروح ووالده ايضًا، والاخر متوسل مفزوع يأبى العودة لحياه سوداء يُنذرها بها حامد وربما لن ترى يونس ثانيةً...!

سحبها حامد بعنف حتى زجها داخل السيارة وهي تقدم قدم وتؤخر الاخرى، تشعر بقبضة مُميتة تعتصر قلبها ولكن ماذا عساها تفعل...
عادت ليال لواقعها على صوت الباب يُفتح، وما إن رأته حتى تذكرت ذلك السؤال الذي ألح على عقلها كثيرًا، مَن ساعد والدها ولمَ؟!..

للحظات توقعت أن تكون فيروز، ومَن غيرها، ولكن التردد لم يتركها...
تقدم منها والدها يحمل بيده صينية طعام لا تحتوي سوى على فول و خبز ليضعه أمامها وكأنه يرميه رميًا، ثم قال بنبرة مزدردة:
-امسكي اطفحي ولو إن خسارة فيكي الطفح حتى
فخرج صوت ليال متهدجًا مُرهقًا وهي تتوسله بمرارة:
-أنت ليه بتعمل فيا كده ارحمني سيبني في حالي!
فارتسمت تلك الابتسامة الشامتة على ثغر حامد وهو يخبرها:.

-اسيبك فين، عايزه ترجعي للبيت ال ده تاني، بس على العموم اصلاً المحروس هو اللي زمانه بيلعنك ومش عايز يشوف خلقتك تاني بعد ما ملاقاش هدومك وفكر إنك هربتي مع عشيقك
لتتقهقر نبرة ليال للاختناق المصاحب للبكاء:
-حرام عليك بقا والله حرام اتقي الله شوية
فشدها حامد بعنف من حجابها المتهالك وهو يصرخ فيها بغيظ:.

-حرام عليا انا؟! انا كده مش برحمك يا بنت ال والزبالة اللي دمر شرفي وشرفك هو اللي بيرحمك! انتي إيه مبتحسيش حيوانة زي امك!؟
فهدرت ليال بصوت عالٍ حاد رغم بحة صوتها:
-ملكش دعوة بماما وماتجبش سيرتها
فدفعها حامد بعيدًا عنه بقوة هازًا رأسه بسخرية قاسية:
-قال يعني جبنا في سيرة قديسة، دي ملعونة وزمانها في جهنم إن شاء الله.

ففرت تلك الدمعة الحارقة التي طال حبسها في عيناها، لتتدحرج على وجنتاها وهتفت فيه بنبرة مُعذبة مختنقة:
-حرام عليك أنت إيه، دي لو يهودية ماكنتش هتحقد عليها كده، طب ده حتى الرسول قال اذكروا محاسن مواتكم!
ليصفعها حامد دون مقدمات بعنف وهو يغمغم مستهزئًا والحقد يفوح من نبرته:.

-لا وانتي تقية أوي يا حيلة امك، انتي زبالة زي امك بالظبط، اللي تقبل تعيش مع واحد اغتصبها تبقى مبتحسش ومينفعش تعيش، اللي تروح تعيش في بيت عشيق امها اللي كان سبب في دمار حياة امها وابوها تبقى بنت جاحدة
فجن جنون ليال وهي تزمجر فيه بهيستيرية:
-اسكت، عمو قاسم مش عشيقها، ويونس معمليش حاجة حقدك هو اللي اوهمك بكده والتعبانه اللي بخت سمها في ودنك
فدفعها حامد بعنف على الفراش وهو ينهض مرددًا بنبرة غليظة آمرة:.

-اخرسي يا بت واطفحي يلا عشان هنسافر الفجر ونرجع لحياتنا وساعتها هربيكي من اول وجديد
ثم أشاح لها بيده مكملاً:
-ولا عنك ما طفحتي ياكش تغوري من حياتي واخلص منك ومن قرفك.

ثم غادر بعنجهيه كما أتى، وذلك الأنين الذي كان مكتوم بين ثنايا قلبها تصاعد وتصاعد حتى أصبح طنين حاد في تلك اللحظات لا يجعلها تفقه شيء من تلك الدنيا سوى تلك النغزة القاسية بمنتصف قلبها وكأن احدهم يثقبه بمِفك حاد الأطراف..!

وبعد قليل استثار إنتباهها صوت طفل يأتي من خارج الغرفة خلف تلك الشرفة، فركضت بجنون كمن يبحث عن بصيص نور وسط كهف من الظلمة، فتحت تلك الشرفة بسرعة لتجده مُغلق بحديد خارجي ولكن ذلك لم يمنعها رؤية ذلك الطفل الذي كان يقف أمام الشباك يعبث بهاتفه وهو يحدث احدهم دون أن ينتبه لليال...

فهمست ليال بسرعة وبصوت راجي:
-بقولك إيه يا كابتن يا صغير انت
فنظر لها الطفل وهو يرفع رأسه بشموخ صلب:
-انا مش صغير!
لتسارع ليال بابتسامة باهتة متهالكة رسمتها بمهارة:
-طبعًا مش صغير انت احلى راجل شوفته، ممكن اطلب منك طلب؟
فاتسعت ابتسامة الاخر بزهو وسألها:
-عايزه إيه؟
فردت ليال بلهفة:
-عايزه اتصل بحد من تليفونك دقيقة واحدة بس.

فزاغت عينـا الطفل بتردد ولكنه مد يده لها بالهاتف وهو يخبرها بصوت منخفض وكأنه اخطر سر بالعالم:
-خدي بس بسرعة عشان ماما لو عرفت هتزعقلي!
اومأت ليال مؤكدة برأسها، لتلتقط الهاتف وتكتب رقم يونس الذي تحفظه عن ظهر قلب ثم إتصلت به تدعو الله ألا يتأخر في الاجابة، وبالفعل استجاب الله دعائها فسمعت صوته الذي اشتاقته حد الهلاك وقد بدا مُرهق وهو يقول:
-الووو
فخرج صوتها مكتومًا مبحوحًا وهي تخبره بسرعة:.

-انا ليال يا يونس، يونس انا مهربتش بابا اخدني غصب عني بالله عليك إلحقني يا يونس
وصلتها بوضوح تلك التنهيدة الملتوية بألم والتي خرجت من أعمق نقطة داخله وهو يهمس بابتسامة لم يدري أنها تسللت لثغره:
-ليال؟ انتي كويسة يا ليال؟ انتي فين؟
لترد ليال بسرعة:
-اخدني على جمب مسجد اسمه في البلد لسه مخرجناش منها، تعالى بسرعة والنبي يا يونس.

-طيب طيب متقلقيش هجيلك حالاً يا نور عيون يونس انتي اهدي بس ربع ساعة وهبقى عندك
اومأت برأسها بسرعة مؤكدة وكأنه يسمعها، وكلماته تخترق صميم قلبها لتهدئ من لوعته، ثم أغلقت الهاتف لتعطيه لذلك الطفل بابتسامة ممتنة:
-شكرا، شكرا اوي اوي يا حبيبي
فانتشل الطفل الهاتف من يدها وهو يركض مجيبًا:
-العفوا.

وخلال وقت قصير بالفعل كان يونس قد وصل ومعه بدر وبعض رجاله وعناصر من الشرطة الذي لم يتركه والده قاسم ليذهب سوى مع الشرطة...

طرقات عنيفة ترددت على باب ذلك المنزل ليتأفف حامد بضجر وهو يتجه للباب ليفتحه:
-ايوه جاي في إيه هي القيامة قامت!؟
وما إن فتح الباب إرتد للخلف بقوة مأخوذًا برؤية عناصر المركز برفقة يونس وبدر وبعض الرجال، ليهتف بنبرة متلجلجة:
-في إيه انتوا عايزين إيه؟
فانقض يونس عليه يمسكه من تلابيبه صارخًا فيه بأعصاب مُستهلكة:
-عايز مراتي اللي خطفتها، فين ليال؟
فدفعه حامد بعنف بعيدًا عنه وهو يقول بصوت حاول جعله ثابت:.

-معرفش، هي مش المحروسة كانت في بيتك
حينها سمعوا صوت ليال تستنجد بلهفة:
-انا هنا يا يونس
فركض يونس دون أن ينتظر لحظة أخرى نحو الغرفة، بينما اقترب الضابط من حامد ليكبل يده وهو يستطرد بلهجة رسمية:
-حضرتك مُتهم في محضر رسمي بخطف مدام ليال زوجة الاستاذ يونس البنداري
بهتت ملامح حامد بالصدمة وهو يحاول إيجاد ثغرة لتنجده من بين براثن سجن يلوح له مقتربًا منه، ولكنه عجز...!

بينما في الداخل كسر يونس ذلك الباب اللعين المتهالك الذي كان مغلقًا على ليال، هرع نحوها بكل اللهفة التي في الكون ليحتضنها بكل قوته وكأنه يود زرعها بين ضلوعه حتى لا تختفي عن عيناه مرة اخرى...
بينما هي بدأت تبكي بهيستيرية وهي تتشبث بأحضانه اكثر، وكأن كل ما كانت تكتمه قد تفجر في ملاذها الوحيد من تلك الدنيا، ويونس قد شعر أن روحه قد عادت له بعد أن هجرت جسده لتتركه خاويًا...

مغمضًا عيناه يدفن وجهه عند رقبتها يتشمم رائحتها بجنون وهو يهمس بأسمها في لوعة واضحة للأعمى وببحة خاصة:
-لياال...
وصلتها بوضوح تلك الآهه المتحشرجة التي أطلقها من أعماقه وكأن أعتى الوحوش التي كانت تهلكه قد تحررت اخيرًا...
لم يشعر في فقدان احدهم كما شعر حينما تخيل أنه فقدها للأبد، ربااااه، اشتاقها حد الجنووون، اشتاقها كما لم يشتاق أي شخص..!

ابتعد عنها قليلاً لترفع هي رأسها وبنبرة باكية وهي تمسح دموعها بيدها بطرف التيشرت لتخبره كطفلة تشتكي لوالدها ما عانته:
-خوفت اوي يا يونس، ضربني وبهدلني وفضل مجوعني من امبارح، فضل يقولي كلام وحش اوي يا يونس ويشتم ماما ويدعي عليها
فضمها له يونس مرة اخرى ويداه تربت على رأسها بكل الحنان، بكل الحب:
-هشششش اهدي خلاص يا حبيبي هو زمان البوليس اخده ومش هيعرف يعملك حاجة تاني!

كان يهدهدها بنبرة حانية رقيقة ولكن داخله كان يغلي حرفيًا، يغلي ويغلي ولن يطفئ غليانه سوى قتل ذلك الرجل الحقييير المريض...!

عاد ينظر لـ ليال ليحيط كتفاها متمتمًا برفق ورقة:
-يلا يا حبيبي عشان نمشي
وبالفعل غادر مع ليال الشاردة الخاوية بعد أن اخذ الحقيبة التي تحوي ملابسها في طريقه...

بعد فترة...
وصلوا جميعهم المنزل وقد كانت ليال في حالة يُرثى لها، وكأنها لا تشعر بالدنيا من حولها...
ركضت نحوها أيسل تحتضنها بلهفة وهي تردد زافرة بعمق:
-اوووف واخيرا الحمدلله، انتي كويسة يا ليال؟
اومأت ليال دون شعور، ليقترب منها قاسم محتضنًا اياها بقوة يلتقط أنفاسه بارتياح، وكأنه كان يخشى فقدان زينب المتمثلة في صورتها مرة اخرى، ثم همس:
-حمدلله على سلامتك يا غالية.

فاقترب بعدها يونس منها متمتمًا بهدوء وهو يحاوط ليال:
-بعد اذنكم ياجماعه هاخدها اوضتها ترتاح شوية
فهتف الجميع مؤكدين:
-ايوه طبعا اتفضل اذنك معاك
سحبها يونس معه برفق نحو غرفتهما، فدلف هو اولاً ليفسح لها الطريق ثم أدخلها بينما هي تتحرك معه وكأنها عروس ماريونت...
وقفت بمنتصف الغرفة وهو امامها، لتبتلع ريقها وهي تهز يدها محاولة ايجاد حروفها، ثم نطقت بنبرة تائهه:
-انا، هدخل اخدش دش واغير هدومي.

قالتها وهي تشير لملابسها المهترئة فأومأ يونس مؤكدًا لها برأسه بابتسامة حانية:
-ادخلي يا حبيبي ولو احتاجتي حاجة ناديني انا هنزل تحت خمسة وطالع
اومأت ليال دون رد وهي تتجه للمرحاض بعد أن اخذت ملابس لها بعشوائية تامة...

بعد قليل، وقفت اسفل المياه الباردة التي اخذت تنهمر عليها بشدة، مغمضة العينان مستكينة تمامًا سامحة للمياه أن تغمرها كليًا علها تخفي ما بها من ندوب أصبحت تهلكها كلما مسها ثوب الثبات والهدوء الذي تحاول تغطيتها به...!
وكلمات والدها تجلدها مرة بعد مرة كلما تذكرت، لمَ الجميع يرونها بلا كرامة بلا كبرياء، لمَ؟!، هل نختار الشخص الذي يميل القلب نحوه، او هل نختار مقدار الحب الذي يغرق قلبنا تجاهه؟!..

بعد قليل...
في الغرفة الخاصة بـ أيسل وبدر، أنهت أيسل كلامها بعد أن حكت كل ما حدث من إتصال والدها لبدر الذي جلس يستمع لها بأذن صاغية وقلب يتلاعب التوتر بأوتاره...
وما إن إنتهت حتى سألها بدر مستنكرًا بعتاب:
-وانتي لسه جايه تقوليلي دلوقتي يا أيسل؟ بعد يومين؟ كنتي بتفكري تخبي عني ولا إيه؟
فعضت أيسل طرف شفتاها ثم ردت بصدق:.

-بصراحة اه، مكنتش عارفة اعمل إيه، كنت كل ما اقول هروح احس إن حاجة جوايا بتقولي لأ اكيد بيلعبوا بيكي، بس برضو مش عارفة أتجاهل اللي قاله
تنهد بدر وهو يفكر مليًا، فقطع حديثهم صوت الهاتف الذي تصاعد معلنًا وصول اتصال، فنظرت أيسل للهاتف لتهمس:
-ده هو!
فأشار لها بدر بسرعة:
-ردي شوفي هيقول إيه
فأجابت أيسل بالفعل ليأتيها صوت والدها الذي أجاد ضبط نبرته على لحن الحزن الغائر وهو يتشدق بـ:.

-ايسل، انتي ماجتيش ليه يا أيسل؟
فردت أيسل بنبرة فاترة:
-معلش مشغولة
فقال الاخر مستنكرًا:
-مشغولة على أمك يا أيسل؟! أمك حالتها اتدهورت عن الاول وخايفة تموت من غير ما تشوفك يا أيسل لاخر مرة
كزت أيسل على أسنانها بعنف، لمَ عليها أن تكون ابنتهم؟!، لمَ عليها أن تعيش صراع حاد داخلها ستنتصر به الفطرة بالتأكيد وستذهب لرؤية والدتها، والدتها التي رمتها في الشوارع طفلة لم تتخطى الخمس سنوات..!

فأغلقت أيسل الهاتف بقوة وهي تلقيه جوارها تزفر بحدة، ليسألها بدر مستفسرًا:
-قالك إيه؟
فردت أيسل ممسكة برأسها بين كفيها:
-قالي إن حالتها اتدهورت وإنها خايفة تموت قبل ما تشوفني لاخر مرة
حينها أحكم بدر قبضته حول يدها وهو يربت عليها برفق وحنان هامسًا بحزم:
-يلا يا أيسل، هتروحي وانا هروح معاكي وأتمنى من كل قلبي مايكونوش كدابين!

وبالفعل جهزوا حقائبهم سريعًا ليخبروا قاسم بمغادرتهم المؤقتة لمدة يوم فقط بسبب مرض والدتها ثم سيعودان مرة اخرى، وبالطبع ظهر لهم قلق قاسم الذي شعر بريبة من تلك المغادرة ولكن بدر حاول طمئنته مع وعده أن يلقي على مسامعه كل ما حدث ما إن يعودا...

بينما في الأعلى في غرفة يونس وليال...
اعتقدت ليال أن يونس قد غادر كما أخبرها فخرجت تحيط جسدها بـ البُرنس وقد تركت خصلاتها المُبللة على ظهرها بلامبالاة...

لتتجمد مكانها وهي ترى يونس جالس على الفراش يدخن سيجارته بشراهه، وما إن لاحظ وجودها حتى رفع رأسه لتصطدم عيناه بمظهرها الذي سلب لبه، فتلمع عيناه بشغف وهو يرمقها بنظرات متفحصة بدايةً من خصلاتها السوداء القصيرة المُبللة التي تسقط منها قطرات المياه حتى ركبتاها الظاهرتان أسفل ذلك البُرنس القصير الضيق...!

ابتلعت ليال ريقها بتوتر تشعر أن نظراته جمرات تتساقط عليها ببطء لذيذ ومُهلك..!

نهض يونس متوجهًا نحوها ببطء مسلوب الارادة، لتغير هي اتجاهها بسرعة تود العودة للمرحاض، ولكن يد يونس كانت الاسرع ليجذبها من يدها بسرعة يُلصقها بالدولاب خلفها وقبل أن تعترض او تعي ما يحدث كانت شفتاه الاسرع لتكتم اعتراض شفتاها، شفتاه تتلاعب بأوتار شفتاها المكتنزة، يُقبلها بلهفة مجنونة محاولاً إطفاء الشووق الرهيييب الذي يغلي اسفل مسام جلده فيحرقه...

بينما هي كانت متخبطة، مختنقة ما بين العاطفة التي إندلعت بين ضلوعها، وما بين القول المتردد على أذنها أنها بلا كرامة ولا شخصية ولا كبرياء...

ابتعد يونس بعد لحظات حينما شعر بتململها واعتراضها، ليقرب أنفه من خصلاتها يتشممها وهو يهمس بأنفاس لاهثة لاهبة:
-مشتاقلك اووي، مشتاقلك وكنت هتجنن من غيرك لدرجة إني حاسس إن مكنش في عمر قبلك ولا في بعدك!
قلبها كان يقرع الطبول مع كل حرف يخرج منه، ولكن عقلها تزاحم بالأفكار التي تؤرقها، فهمست دون شعور بحروف متحشرجة:.

-ليه هما شايفيني ماعنديش كرامة ولا شخصية؟ هو بمزاجي إني احبك يا يونس، مش بمزاجي إن ربنا خلقني قوية في كل حاجة وضعيفة قدام مشاعري وعنيدة فيها...
ليضع يونس إصبعه على شفتاها يقطع سيل الكلمات وعاد ليهمس بصوت متثاقل بالعاطفة:
-هششش، ماتكمليش، انتي مش معندكيش كرامة، انتي اكتر واحدة بتحبي من غير تفكير من غير تدخل العقل، ووقعتيني، قدرتي توقعيني يا لياليّ.

رمقته ليال بنظرة غير مستوعبة ثم سألته بأنفاس متسارعة مبهورة:
-أنت حبتني يا يونس؟
فأغمض يونس عيناه يتلمس وجنتها الناعمة بذقنه النامية ببطء شديد مُهلك لكلاهما، ثم تابع همسه الخشن:
-يونس وقع في حبك بجنوووون، معرفش امتى وازاي بس مابقتش قادر انكر اكتر، انا بعشقك..
يا الهي تشعر أن قلبها سيتوقف عن النبض حتمًا، هل هكذا يكون الشعور حينما تغمرك الفرحة فجأة كالفيضان بعد جفاف وقحط دام طويلاً...؟!

أمسكت وجهه بين يداها وكأنها تتوسله ألا يكون حلمًا:
-بجد يا يونس؟ بتحبني بجد؟
فابتسم يونس ابتسامته الرجولية العابثة التي تزور ثغره لاول مرة في حضرتها، ثم أردف بمكر:
-هثبتلك بطريقتي حالاً
ولم يتردد في أخذ شفتاها في جولة اخرى يثبها فيها عاطفته ومشاعره التي أهلكت فؤاده بمحاولة نكرانها، واستجابت هي بكل وجدانها مستمتعة بحلاوة شعورها...

إرتجفت بعنف حينما هاجمها الهواء البارد حينما أزاح يونس البُرنس ببطء عن كتفها، وما إن وقعت عيناه على كتفها العاري حتى تذكر تلك الصور لتشتد قبضته على كتفها بعنف دون شعور حتى تأوهت بألم خفيف فهمس يونس لها بنبرة تملكية متقدة:
-انتي ليا، ملكي انا، انا وبس!
فأومأت ليال مؤكدة تلقائيًا وكأنها تحاول بلمسة تلك النيران التي اُضرمت داخله وتراها بين عيناه الان:
-انا ملكك انت بس.

بكل التوق، بكل الألم الذي عصف به في غيابها، بكل اللوعة في العاطفة التي هاجمته في غياهب عشقها، جذبها له نحو الفراش أخذًا إياها في وصال حار خاص جدا من نوعه، يصكها بملكيته ليثبت لنفسه المهتاجة فرائصه بالغيرة القاتلة من مجرد صور غير حقيقية أنها له، له فقط وستظل كذلك...

وبعد ساعات طويلة، ليلاً...
وصل كلا من أيسل وبدر العنوان المعني، دلفا العمارة التي من المفترض أن العيادة تقطن بها ولكن مع سوء الحظ لم يكن هناك حارس للعمارة ليسألونه فصعدوا مباشرةً...
طرقت أيسل الباب وجوارها بدر المتأهب نسبيًا، فُتح الباب ليُصدم كلاهما برؤية مريم التي لازالت نظرة الحدق معلقة بأهدابها...
فهمست أيسل بعدم فهم مشدوهه:
-انتي! انتي جيباني هنا ليه وعايزه إيه؟

وبلحظة حدث كل شيء، شخص ظهر من العدم ليدفع بدر نحو الخارج بحركة مباغتة فكاد بدر يسقط والاخرى سحبت أيسل للداخل في نفس اللحظة لتغلق الباب بسرعة، فبدأ بدر يضرب على الباب بجنون وهو يصرخ بعروق بارزة:
-افتحي يا مريم، يا مرييييم، أيسسسسل
ثم بدأ ينظر في الاسفل عله يجد اي حارس او ما شابه ولكن لم يجد فجن جنونه اكثر وبدأ يدفع الباب محاولاً كسره...

بينما في الداخل أعطت مريم قطعة قماش بها مخدر لذلك الرجل وهي تقول بلهجة سريعة:
-يلا خلص بسرعة
ثم امسكت الهاتف لتتصل بالشرطة وهي تخبرهم بوجود شقة للدعارة ثم اخبرتهم بالعنوان وأغلقت وكسرت الخط...
بينما أيسل تصرخ وهي تحاول الإفلات من قبضة ذلك الرجل، وصراخها كان كالبنزين الذي سُكب على نيران بدر ليلتاع قلبه بالفزع وهو يدفع الباب بقوة اكبر...

بينما وداخل تلك الشقة، كان يقف كلا من طه وزوبه يستمعان لما يحدث، طه بأعين شامتة وفرحة وهو يتذكر وعد مريم بابتزاز والدة أيسل وأخذ الاموال منها لاعادة ترميم الملهى، بينما زوبه، تلك الصرخة المستنجدة من أيسل هزت شيء داخلها، فهزت رأسها نافية وهي تسير بسرعة للخارج هامسة:
-لأ بنتي
فركض طه نحوها بسرعة يُكبلها كاتمًا فاهها وهو يصيح بها بنبرة منخفضة:
-انتي اتجننتي! جايه تبوظي كل حاجة دلوقتي.

بينما الاخرى تهز رأسها نافية محاولة التملص من بين قبضته، لتزداد قبضته شراسة وهو يضغط على فاهها وأنفها دون أن يقصد...
فكُتمت أنفاس زوبه وهي تحاول دفعه، ولكن ليس للهرب وإنما حتى تستطع التقاط انفاسها التي بدأت تُكتم تمامًا...

لم يتركها طه إلا حينما شعر بحركتها تستكين تمامًا، حينها ابعد يده عنها هامسا لها في غل:
-اهدي بقا
ليجدها تسقط ارضًا فجأة مقطوعة الانفاس، معلنة مغادرتها تلك الدنيا دون مقدمات، دون أن تعيد ترميم الملهى الذي رمت بأبنتها من اجله، دون ان تفعل شيء جيد في حياتها!..

إتسعت عينا الاخر بذهول وهو يتحسس نبضها ليدرك أنه وبلا وعي قتلها...!
اخذ ثواني حتى استوعب فركض نحو الخارج بسرعة وبهلع لتسأله مريم بقلق:
-في ايه؟!
فهمس الاخر بشفتان مهتزتان وبلا وعي يهذي:
-زوبه ماتت، قتلتها، قتلتها من غير ما احس!
فشهقت مريم بفزع ودون أن تفكر مرتان كانت تفتح الباب لتنطلق راكضة بسرعة يتبعها طه وذلك الرجل، ليدلف بدر بسرعة نحو أيسل التي كانت ساقطة ارضا متجمدة بما سمعت تهمس بوجه شاحب:.

-ماما!
فسألها بدر بلهفة:
-مالك يا حبيبتي عملوا إيه مالها مامتك؟
لتصرخ أيسل بجنون وكأنها استوعبت للتو:
-قتل امي
وركضت نحو والدتها الراكدة ارضا لا حول ولا قوة، غافلين كلاهما عن الشرطة التي ستأتي بعد قليل لتجد قضية قتل بدلا من قضية الاداب...!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W