قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل العشرون

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل العشرون

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل العشرون

ترجلت من العربة وخلفها محمد وهي تبتلع لعابها، نظرت يمينًا ويسارًا، كان المسجد في مكانٍ مزدحم بالفعل ولو هربت فلن يجدها محمد بسهولة لكنه دخل معها نحو المسجد حتى وصلا للمكان المخصص للسيدات لكنه لم يدخل وقال بالداخل يوجد مرحاض للنساء سأنتظركِ أمام العربة.
وراقبته يتحرك خارجًا بالفعل ليستند على العربة بظهره ومعلقًا عينيه على الباب.

فور دخولها مصلى السيدات مثلت الدخول للحمام وبعدها خرجت لتسأل إحدى النساء هو فين الباب؟ فأشارت السيدة نحو الباب الذي دخلت منه بالفعل وبعدها أشارت نحو جهة أخرى لتكمل وهذا باب خلفي.

ابتلعت لعابها مرة أخرى ووقفت لدقيقة وكأنها تفكر ثم تحركت نحو الباب الخلفي بسرعة وبدأت بالهرولة إلى حيث لا تعلم وكلما ابتعدت أكثر شعرت بقلبها يؤلمها، لا تصدق أنها ستضعه في ذلك الموقف حيث سيقول العامة أن جارية الوالي هربت منه، وحيث سيندم على ثقته بها ومعاملته الجيدة معها، لكن صورة أبويها لا تُمحى من عقلها ولو للحظة.

كان محمد قد بدأ يشعر بأنها تأخرت لكنه شعر بالحرج من الدخول إلى مصلى السيدات فانتظر لنصف ساعة وبعدها قد بدأ صبره ينفد فتحرك للداخل بتردد ووقف على الباب ليصيح عائشة؟ هل أنتهيتِ؟
لم يأتهِ ردًا وحينها عقد حاجبيه وطرق على باب المصلى بتردد ففتحت له سيدة عجوز ماذا تريد يا بني؟
لو سمحتِ يا أمي هناك فتاة بالمرحاض، هلا تستعجلينها لأنني لا أريد الدخول إلى مصلى السيدات...

أومأت له العجوز ودخلت لتتفقد الحمام الذي وجدته فارغ فرجعت نحوه لتجيب لا يوجد أي فتاة بالداخل يا بني. وحينها شعر بضربات قلبه تعلو ولم يستطع السيطرة على نفسه فاقتحم المكان كالمجنون يبحث عنها في كل ركن ولم يجدها
خرج ينظر يمينًا ويسارًا حتى وقعت عينيه على الباب الخلفي فلعن نفسه وتحرك نحو سائق العربة ليصيح جابر، اذهب وأخبر زيدان أن يحاصر المدينة ويأتيني بمئتين من الحراس.

وبعدها هرول نحو الباب الخلفى ليبدأ بالبحث عنها وهو يسب نفسه كثيرًا على ثقته فيها، وأقسم بأنه فور أن يجدها فإنه لن يرحمها، فتاة كتلك تجعله مغفل؟! يبدو أن قلبها قد مات لتفعل هذه الفعلة!
في نفس الوقت كانت عائشة تهرول حتى دخلت إلى السوق وبدأت بالنظر يمينًا ويسارًا لتجد أن هناك بعض الحراس بدأوا يظهروا، بالتأكيد محمد علم بهربها..

وجدت بيتًا أمامها فدخلت به ثم صعدت على السطح بخوف ووقفت على الحافة بحذر لتراقب الوضع حتى وجدت الحراس يرحلون فتحركت للأسفل مرة أخرى وهي تخبئ وجهها بالشال وكان السوق المزدحم بالفعل يوفر لها فرصة جيدة للإختباء،
اتخذت قرارها أخيرًا بالذهاب إلى المكان الذي ظهرت فيه أو محاولة السؤال عن أي ساحرة فتوقفت أمام أحد الباعة وأخرجت عملة لترفعها أمام وجهها وهي تسأل سأعطيك هذه لو أجبتني على سؤالٍ واحدٍ فقط.

لمعت أعين البائع وأومأ لتكمل باللغة العربية الفصحى لكي لا تلفت الأنظار هل هناك أي ساحرة في الأنحاء؟
انتشل البائع العملة من يدها وأجاب سليمانة المغربية، أشهر ساحرة في المحروسة.
وأين هي؟ سألت فحك الرجل ذقنه وابتسم بمكر عملة أخرى وسأخبركِ أين. فألقت له بعملة أخرى
في درب البرابرة، يكفي الذهاب والسؤال عنها؛ فهذه المنطقة يسكنها الكثير من سكان المغرب العربي والسودان.

أومأت وكانت سترحل لكنها رجعت له لتسأل هل المنطقة هناك خطرة؟
لفتاةٍ مثلكِ تبدو من الطبقة النبيلة، نعم إنها خطرة لأن السكان هناك فقراء بشدة ومعظمهم يعملون خدام في درب الأغوات الذي يسكنه الأتراك ورجال البلاط العثماني.
قلبت عينيها وهرولت من أمامه وهي تخبئ وجهها من الحراس الذين بدأوا يكثرون بشدة وكأنهم يتكاثرون، ألهذه الدرجة فقد محمد عقله؟! بالتأكيد لو أمسك بها الآن فلن يتهاون في قطع رقبتها.

بينما في مكانٍ آخر كان محمد يتحرك وخلفه عشرون حارس يفتشون عنها في كل مكان ويقلبون البضائع ويقتحمون البيوت والمتاجر، هذا غير محاصرته للمدينة بأكملها والمئتين حارس الذين يبحثون في كل مكان،
كانت ملامح وجهه مخيفة بشدة والغضب يكاد يخنقه لكن ذلك ليس بشيء أمام الألم الذي يشعر به في قلبه، لا يعلم حتى لما يشعر بذلك الشعور، يحبها؟ لا، لا يفعل، فهو لم يحب أي جارية من قبل، لكنه لا يعلم لماذا ذلك الألم؟

ولا يعلم لماذا قد تهرب منه؟ شعر بأنه ليس جيدٍ كفاية، كانت تكذب عليه بكل شيء حتى تستطيع الهرب ولأنه كان مغفل وقلبه يميل لها صدقها،
لكنه أقسم بداخله بأنها لن تفلت بها، ولن تهرب وسيجدها حتى لو اضطر لهدم المدينة فوق رأسها، هي هنا وسيجدها.
كانت تمشي بحذر محاولةً عدم لفت الأنظار إليها حينما اصطدمت بأحد الحراس فسقط قلبها تمامًا لكنها قررت عدم إبداء أي خوف وصرخت في وجهه ألا تمتلك أعين لترى بها يا مغفل!

فحمحم الحارس ليجيب أعتذر. وكانت ستتحرك لكنه أوقفها معذرة، ألم تقابلي فتاة في العشرينات قمحاوية البشرة وتمتلك رموشًا طويلة بشدة وتتكلم بلهجة غريبة؟!
لم أفعل، أجابت بسرعة وتحركت والحارس لم يشك بها بل أكمل بحثه في الأنحاء
تحركت مرة أخرى حتى وقفت في وجهها بائعة للورد مترجيةً إياها بعد أن تفحصت ملابسها الغالية أرجوكِ، اشتري مني، لم أذق الطعام منذ الصباح.

شعرت بالحزن وأخرجت ثلاثة عملات لتعطيهم لها فتوسعت أعين البائعة واحتضنتها وهي تبكي شكرًا لكِ يا ابنتي، هذا ليس حق سلة من الورود بل حق خمسة سلال.
لا عليكِ، أجابت وكانت ستتحرك لكن البائعة أوقفتها السلة؟ فمدت يدها لتلتقط وردة حمراء وهي تبتسم تكفي هذه. وسرعان ما هرولت من جديد،.

كانت تكافح لتخرج من المدينة لكنها وجدت الحراس منتشرون في كل مكان وكلما ابتعدت عن الإزدحام كان إيجادها أسهل، فعادت مرة أخرى نحو السوق، ربما يجب أن تنتظر هنا الليلة حتى ييأس محمد وبعدها تخرج، لكن أين ستبيت؟ في الشارع!
هرولت بسرعة لتدخل في باب إحدى البيوت المهجورة، بدى متخلخل كثيرًا ولا يسكنه أحد، أغلقت الباب وأسندت ظهرها عليه تلتقط أنفاسها بخوف وهي تتمسك بالوردة،.

تقدمت للداخل لتجد أنه بالفعل كما حسبته، مهجور تمامًا ولا تعرف لماذا؟
جلست على الأرض وهي تسند ظهرها على الحائط، كانت تستمع لأصوات الحراس بالخارج يصيحون هنا وهناك وبعضهم صرخ هلا تسرعوا! محمد باشا سيقتلع رؤوسنا واللعنة! إن جاريته قد ضلت طريقها وهو يبحث عنها منذ الأربعة ساعات!
بحثتم في ذلك المنزل؟ صرخ الآخر فسقط قلبها فورًا لكن أجاب عليه صوتٌ مختلف نعم، إنه مهجور.

عقدت حاجبيها بحزن، لقد أخبرهم بأنها تاهت وليس أنها هربت، بالتأكيد لا يريد إخبار الجميع بأن جاريته قد هربت منه؛ لأنه شيءٌ مُخزي.
أغمضت عينيها بتعب ومسحت الدمعة عن عينيها بيدٍ مرتعشة، لو قابلته في ظروفٍ عكس هذه لكانت قد بقيت معه وحاولت تصحيح أفكاره الحمقاء التي توارثها أبًا عن جد.
لم تشعر بنفسها إلا وهي تسقط غارقة في النوم بعد فترة كبيرة من الإرهاق.

لكنها استيقظت والظلام قد حل على رجلٍ يقتحم الغرفة التي تجلس بها ولقد ظنته أحد الحراس وارتعبت لكن ما أرعبها أكثر كون ذلك الرجل لم يكن من الحراس، بل شخصٌ يتمايل في وقفته وأخرج شمعة ليشعلها وحينها وقعت عينيه عليها،
بدى مخيفٌ لها كثيرًا وأعينه حمراء وليس ثابت في مكانه، كان ثملًا بشدة وابتسم لتظهر أسنانه الصفراء من بين شفتيه وهو يتقدم منها مرحبًا يا جميلة!

قال بصوته القبيح ذلك فسقط قلبها وحاولت الهرب لكنه حجز الباب بجسده ليكمل أتعلمين؟ أنفقت كل أموالي على الشراب ولم يتبقى معي أي نقود لجلب عاهرة.
ابعد عني، حذرته وهي تتراجع للخلف حينما بدأ يتقدم منه لكنه لم يستمع ولم يهتم
أنا جارية الوالي محمد باشا البستانجي، لو قربت مني هيموتك! حاولت لمرة ثانية إرجاعه عما يريد لكنه قد وصل إليها بالفعل وابتسم بشر ساخرًا وماذا ستفعل جارية الوالي هنا!

وامتدت يده ليشد الشال عن رأسها حينما ركلته هي بين ساقيه فوقع متألمًا وحينها حاولت الهرب لكنه أمسك بقدميها ليوقعها أرضًا ويسحبها نحوه فبدأت بالصراخ لكنه كمم فمها بيده الغليظة،.

حاولت بكل طريقة دفعه عنها وعينيها تذرف الدموع وهي تحاول الصراخ وسرعان ما عضت يده فأبعدها بغيظ وهوى على وجهها بصفعة جعلت الدماء تنزل عن أنفها لكنها استغلت الأمر لتصرخ بعلو صوتها مستنجده باسم محمد وزيدان عل أحدًا يسمعها؛ فهي سمعت همهمات للحراس منذ قليل.

سمع أحد الحراس المتعبون من البحث صراخ فتاة باسم زيدان، ظن أنها لا تقصد زيدان أغا لكنها صرخت من جديد باسم محمد وحينها دفع بصديقه اذهب واحضر محمد باشا. وسرعان ما هرول تابعًا الصوت حتى اقتحم البيت ليجد رجلًا في منتصف الأربعينات يحاول الإعتداء على فتاة
سحبه بعيدًا حينما تحركت هي للخلف وهي تكاد تبدو مفطورة من البكاء وبعدها وجدت محمد يقتحم المكان لينظر نحو الحارس الذي يضرب الرجل ثم رجع ببصره نحوها.

نهضت فورًا لتحتضنه وهي تشهق، شعرها في حالة من الفوضى والدماء تلطخ شفتيها وكتف فستانها متقطع، أدرك فورًا ما كان يحدث وشعر بالغضب يتخلل في كل خلية من جسده ليصرخ نحو الحارس اعتقله، وارميه في السجن.
شدد على عناقها أكثر وربت على رأسها وهو يهمس شششش، أنتِ بخير، لقد رحل.

كانت ترتعش بين يديه فأدخلها في حضنه أكثر رغم كونه غاضبًا كاللعنة منها وتحرك ليجلس بها على الأرض وهو مازال يربت على رأسها، حمد الإله بأنهم وجودها في الوقت المناسب، لم يكن ليسامح نفسه أو يسامحها لو نجح ذلك الرجل بالإعتداء عليها،
لماذا فعلتِ هذا؟ ما الذي أخطأت به في حقكِ لتهربي مني! عاتبها بألم فزاد بكائها أكثر عندما أكمل بأعين مترقرقة لقد حطمتِ قلبي..

ابتلعت لعابها وابتعدت عنه لتمتد يدها لتمسك بالوردة المُلقاة بجانب الحائط لتهمس له ما هربتش، كنت بشتريلك دي.
وضعت الوردة على صدره وهي تنظر إلى عينيه وتبكي، كانت نادمة كثيرًا على هربها منه في تلك اللحظة ولم ترد أن تجعله يشعر بالسوء أكثر فآثرت الكذب كعادتها منذ جائت إلى هنا، لكن تلك المرة لم تكذب فقط لكي تخرج نفسها من ذلك الموقف بل كذبت لكي لا تجعله يفقد الثقة في نفسه ويشعر بالألم،.

أمسك بالوردة بتردد ونظر نحوها بأعين ذابلة ولماذا لم ترجعي إلي؟ لقد كان الحراس في كل مكان!
خطفني، وحبسني، كذبت من جديد وهي تضع رأسها على صدره لتكمل بكائها وكان عايز، كانت ستكمل لكنه قاطعها وهو يمسح على عينيها لا أريد أن أعرف، فقط توقفي.
وسرعان ما نهض ليحملها عندما سمع صوت العربة تصل أمام المنزل، خلع ثوبه ليغطيها به وتحرك بسرعة إلى داخل العربة أثناء إكمالها لبكائها.

بقى طوال الطريق يربت على ظهرها ويحتضنها حتى نامت، وصلا إلى القصر فصعد بها نحو جناحه ليضعها على السرير وقام بتغطيتها ثم رمى بجسده على الأريكة وهو يرفع الوردة الحمراء أمام عينيه ثم رجع ببصره إليها،
لا يعرف أيجب عليه أن يصدقها أم لا، عقله قد تشوش بشدة ولا يستطيع اتخاذ قرار، كل شيء كان يدل على صدقها، الوردة، الرجل الذي حاول الإعتداء عليها، ربما هي حقًا لم تهرب؟!

وضع الوردة جانبًا وكوب وجهه بين يديه وهو يشدد على فكه بضيق، لكن لو كان ما تقول صدقًا فلماذا انتظر ذلك الرجل لستة ساعات حتى يبدأ الإعتداء عليها؟
هو سيقرر ماذا سيفعل فقط بعد استجواب ذلك الحيوان الذي حاول الإعتداء عليها، ليطابق كلامها بكلامه،.

لكن ماذا سيفعل بها لو كانت تكذب! هو حقًا لا يعلم، الضرب؟ لم يمد يده على أنثى قط، حبسها؟ قلبه لن يطاوعه على رميها بالسجن، هو فقط يدعو أن تكون صادقة لأنه فعليًا لا يدري ماذا سيفعل لو كانت العكس.
فتحت عينيها صارخةً فجأة عندما بدأ عقلها بإعطائها كابوسًا ترى فيه ذلك الرجل من جديد فتحرك نحوها ليربت على رأسها اهدأي، أنتِ بأمان، إنه حلم.

تشبثت بسترته لتحتضنه وتبكي مجددًا فشعر بالألم يتخلل قلبه من جديد وسرعان ما جلس بجانبها ليشدد على عناقها وهو يهمس عائشة، كل شيء بخير عزيزتي، لا تخافي، أنا هنا.
هدأت قليلًا فتركها وحاول التحرك لكنها تشبثت بسترته وسألت بنبرة متحشرجة رايح فين؟
سأنام على الأريكة.

نام جنبي، أنا خايفة، ترجته بأعين دامعة فأومأ وتمدد بجانبها ليجدها تتزحزح وتقترب منه ووضعت رأسها على صدره وهي تحيط خصره بيدها فابتسم ليهمس قلت أنكِ متحرشة، لكنكِ لم تعترفي.
ابتسمت رغمًا عنها ومسحت بقايا الدموع عن وجهها ثم أغمضت عينيها فسمعت همسه تصبحين على خير.
عادت لتفتح عينيها من جديد لتتأمل ملامحه تحت ضوء الشموع الخافت في الغرفة، عينيه بدت حزينة وينظر نحو اللا مكان،.

أنا آسفة، همست وبدأت بالبكاء أكثر، إن الندم يأكلها حية، الندم على كل شيء، كذبها عليه وخداعه وهربها منه، هو لا يستحق كل هذا، لكن هل سيصدقها لو أخبرته بكل الحقيقة؟ والأهم من هذا هل سيسامحها؟ أم ستخسره إلى الأبد؟
تزحزح قليلًا وطبع قبلة على وجنتها هامسًا لا بأس.
غرقت في النوم بعد قليل بينما بقي هو يحدق إلى السقف وهو يعد الساعات حتى يأتي الشروق ويذهب ليستجوب ذلك الرجل بنفسه لأنه ليس بمغفل.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W