قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل السادس والأربعون

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل السادس والأربعون

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل السادس والأربعون

أنا زهقانة، هو أنتم بتعملوا إيه هنا ترفهوا بيه عن نفسكم؟ قالت نورة وهي تضع ملعقة من الأرز في فمها فابتسم عمر ابتسامة جانبية وترك الخبز من يده ثم أجاب
يمكننا الخروج والتحدث سويًا لو تشعرين بالملل لكنكِ تتفادين الكلام معي تمامًا، ولا أعلم لماذا! هل فعلت شيئًا قد ضايقكِ؟
نفت برأسها وعدلت من نظارتها الطبية باحراج وتمتمت عشان بس قاعدين لوحدنا وكده!

أنا لست بحيوان يا نورة، نعم أعرف الرجال يتصرفون بصورة سيئة عندما يكونون مع فتاة بمفردهما، لكن، أنا لست كذلك.
ارتسمت ملامح نادمة على وجهها وأومأت بصمت فرمقها لدقيقة قبل أن يشير إلى نظارتها وسأل بطريقة مرحة ما هذا الشيء فوق عيناكِ بالمناسبة؟ لديكِ عادة بلمسها عندما تتوترين على ما أظن.
نظارة طبية، نظري ضعيف شوية بس بشوف من غيرها.

هل يمكنني تجربتها؟ طلب بحماس فضحكت بخفة وأزالتها بحذر ثم أعطتها له ليضعها هو سريعًا ورفع حاجبيه باندهاش عندما تشوشت رؤيته
تأملته بابتسامة خافتة، وسيم بدرجة غير معقولة، لقد آثرت حبس نفسها بعيدًا عنه لكي لا تنظر له طويلًا؛ فهي في مهمة ستنهيها وسترحل من حيث جائت
أزالها عمر عن عينيه وحك عينيه قليلًا بطريقة لطيفة وهو يضحك اللعنة أوجعت عيناي.

لكنه فتح عينيه بعد وهلة وحدق إلى نورة التي عقدت حاجبيها وكأنها تسأله ماذا؟
فأجاب بنبرة صوت منخفضة أجشة عينكِ جميلة بدون ذلك الشيء، تبدين مختلفة، أجمل.
احمرت خجلًا وتوترت كثيرًا ثم مدت يدها تحاول أخذ النظارة لكنه وضعها بعيدًا وأردف بصوتٍ دافئ ابقي هكذا قليلًا.
خجلت من جديد وصمتت تمامًا لكن قاطع صمتهما هذا صوت المؤذن ليعلن عن صلاة الظهر فنهض عمر ونفض يديه عن الطعام ليقول.

سأذهب إلى المسجد لأصلي، فكري بعرضي في الخروج من المنزل، لا تقلقي على صاحبتكِ، لقد كلفت الحراس بالبحث عنها وأعطيتهم جميع أوصافها، يبحثون منذ اليومان.
هغير هدومي على بال ما تيجي.

أومأ لها ووضع قبعته فوق رأسه ثم ألقى عليها بالسلام بطريقة مهذبة وخرج، ابتسم بداخله وهو متوجهًا للمسجد، هو يصلي في مسجد؟، لا يحدث كثيرًا، لكنه عرف منذ الوهلة الأولى أن نورة تلك تبدو مهتمة بالدين؛ فهي ترتدي الحجاب ولا تخلعه أبدًا في حضوره، تصلي الفرض في وقته وتبدو بريئة،.

ولن يكذب، هو كان يريد فتاة مثل عائشة والقدر بعث له بتلك في الوقت الذي كان هو يبحث فيه عن زوجة بالأساس، ولم يكن ليفوت فرصة كتلك ويظهر أمامها كداعر وفاسق، إن لكل مقامٍ مقال، وهو يدرك جيدًا المقال الذي سيناسب تلك الفتاة،
ماذا سيكلفه الأمر؟ التوبة من الزنا؟ الإقلاع عن الخمر؟ الصلاة وقراءة القرآن الكريم؟

الأمر يبدو صعب لن ينكر هذا، لكنه يستحق، فهو متوقف عن الخمر منذ يومان وأحيانًا يرغب بكأس أو رشفة لكنه قد قرر وضع حد لذلك الأمر خصوصًا في وجود الفتاة في منزله،
الإيقاع بفتاة لتحبه ليس بشيءٍ صعب عليه، يكفيه فقط التصرف على طبيعته، أن يكون مرحًا ولطيفًا ومغازلًا ولا تنسوا أنه وسيم وغني، وسيتظاهر بأنه محترم، الفتى المثالي لأية فتاة!

يريدها فقط أن تطمئن له وتحادثه، وهو سيحصل على تلك الفرصة اليوم ومازال أمامه أسبوع وخمسة أيام ليجعلها تُعجب به على الأقل، لكنه لن يؤذيها بأي شيء، سيتزوجها فقط،
ربما سيعتبر البعض أن ما يفعله خداع وتدليس لكن، الغاية في نظره تبرر الوسيلة.
في مكانٍ آخر وتحديدًا في قصر الوالي كانت عائشة تجلس بجانب جورنال هانم وتمسك بورقة وريشة وهي تحاول رسم بعض التصاميم من الملابس لكي يتم تفصيلهم.

جورنال هانم، على فكرة التصميم ده هيليق على حضرتك كمان، خلي الخياطة تعملك زيه، قالت وهي تشير لإحدى الرسومات ورأت الإحراج يكتسي وجه جورنال لكن بكيزة كانت قد شدت الورقة من يدها ونظرت للتصميم بإعجاب
أنا أريد واحدًا مثله، أردفت فنهرتها جورنال هذا خاصة عرائس يا بكيزة! لقد كبرنا في السن!

لكن عائشة تدخلت محاولةً إقناعها وكما المتوقع، لقد نجحت بل واختاروا بعض التصاميم الأخرى من رسوماتها ثم أكملا الحديث بشأن ترتيبات الزواج،.

كانت ابتسامتها تشق وجهها حرفيًا؛ فكل شيء أخيرًا يجري بسلاسة وبدون أي مشاكل، لا يوجد أي شجار بينها وبين محمد منذ مدة طويلة، لقد أصبحا متفاهمان ويحاولان حل مشاكلهما بالنقاش، جورنال تخلت عن تعنتها وعادت لتعاملها بطريقة جيدة من جديد، وأكتشفت أن بكيزة ليست كما تبدو، لديها جانب مرح رغم تسلطها الشديد.

حتى أنها نهرت وليد الذي أراد التخلي عن إيزابيلا وإكمال الزواج ببنت مسعود باشا لكي يرضيها وأخبرته بأنها حامل وهذا لا يجوز، ولكن، تمسكها بالقوانين أتى على إيزابيلا بالنفع.
كل شيء يبدو رائعًا عدا شيءٌ واحدٌ فقط ينغص عليها حياتها في ذلك القصر،
الحرملك..

لكنها ستضع نهاية له اليوم؛ فهي لن تبقى في قصرٍ فيه أكثر من عشرون جارية قد ضاجعهم الرجل الذي ستتزوج به، كلما تراهن أمامها تتذكر ماضيه القذر، رغم كونها واثقة تمامًا بأنه تغير لكنها فقط لا تستطيع إخراج أمرهن من عقلها.

بعد أن أنهت اختيار الملابس مع بكيزة وجورنال خرجت متوجهة نحو جناح محمد، إنه المساء وبالتأكيد هو في جناحه الآن، وقد صدق حدسها فبمجرد طرقها على بابه جاءها صوته الصارم الذي تعشقه سامحًا لأيٍ كان بالدخول
كان يجلس أمام مكتبه يطالع بعض الأوراق بتركيز لكنه رفع رأسه وعندما رآها ارتسمت ابتسامة بسيطة على وجهه وترك الورق جانبًا
اشتقتِ لي؟ غمز بطريقة لعوبة فقلبت عينيها بابتسامة وسخرت لا..

كاذبة، رأيتكِ تراقبينني اليوم من شرفتكِ وأنا أتحدث مع زيدان عندما كنت على وشك الرحيل، أردف بثقة وهو يحك ذقنه وراقبها تتوتر وتحمر خجلًا مما جعله يضحك بخفة
بالمناسبة، جيد أنكِ أتيتِ، كنت أريد سؤالكِ كم تريدين كمهر؟ وكيف تريدينهم؟ عملات ذهبية أم حٌلي أم ربما تركة؟
وجدتها فرصة سانحة وتحركت ثم سحبت كرسي ووضعته بجانبه.

أنا عايزة حاجة تانية، قالت بترقب وهي تنظر إلى عينيه ورأت ابتسامته تخفت وضيق عينيه ثم رجع بظهره ليستند على الكرسي إذًا؟!
مهري هو، إلغاء الحرملك كله وتحرير كل الجواري اللي فيه، و، ابتلعت لعابها فرفع حاجبه وتمتم و؟ اكملي اكملي..
وهنكتب في قسيمة الزواج إن ممنوع تتزوج أي واحدة بدون علمي وموافقتي وإلا فزاوجنا هيكون ملغي وأنا هكون مُطلقة منك، ألقت بكلامها دفعة واحدة وراقبت تنفسه يزداد وهو يصك على فكيه.

قبض على يديه بشدة وبدى وكأنه يحاول تمالك أعصابه بشتى الطرق ويبدو أنه يفشل؛ فلطالما كان عصبي لكنه كان يستطيع السيطرة لكنها هي الفرد الوحيد الذي يقوده للجنون ويخرج أسوأ الصفات بداخله
تريدين سجني إذًا وتحديد حريتي، وكأنه عقد احتكار صحيح؟

كانت ستجيب لكنه قاطعها بنبرة هادئة مخيفة هل نسيتِ مع من أنتِ تتحدثين؟ فقط انظري لي وقولي أنكِ ربما ناسية أو تجرعتِ بعض الخمر الذي أعطاكِ بعض الشجاعة لتتجرأي علي هكذا وتطلبي مني تلك الأشياء!
لا مش مخمورة، وواعية، أردفت وراقبته يشيح بوجهه بعيدًا وصدره يعلو ويهبط ثم تمتم ارحلي، فقط انهضي وارحلي الآن فلا أريد أن أصب نوبة غضبي عليكِ.

نهضت وتحركت خطوتين ثم سمعت صوته وبالمناسبة حددي مبلغ من المال للمهر لأنني لست موافقًا على ما قلتِ.
استدارت له من جديد ونظرت له بغضب لتزمجر وأنا بقى مش عايزة فلوس! أنا عايزة اللي أنا قولتلك عليه!
نهض لها بعد أن فقد أعصابه ليصرخ هل تظنينني سلعة تريدين التحكم بها كيفما تشائين؟!

لكنه فوجئ بها تقترب منه بملامح حزينة حتى أصبحت تقف أمامه تمامًا ورفعت عينيها له ليلمح بعض القطرات من الدموع تترقرق في عينيها وسرعان ما رفعت يدها لتلمس وجنته وتهمس
لا، شايفاك حبيبي ومش عايزة حبيبي يبقى عنده أي واحدة غيري!
لانت ملامحه إلى حدٍ كبير وهدأت نبرة صوته بشدة حتى بدت جملته معاتبة وهل أنا خائنٌ في نظركِ يا عائشة حتى تطلبين هذا؟

لا، بس أنا مابحبش الحرملك، ومابقاش له لازمة، مخليهم ليه؟ مش شايف إن ده ظلم ليهم؟ أنت هتتجوز وتعيش حياتك وهما مرميين لا حول لهم ولا قوة! على الأقل حررهم يمكن يتجوزوا ويكونوا أسرة!
أم قولي أنكِ تشعرين بالغيرة وهذا كل ما في الأمر!
نظرت إلى عينيه من جديد لتهمس وفيها إيه لما أغير عليك؟ مش بحبك؟!

ظهرت ابتسامة جانبية على وجهه فانحفرت غمازة واحدة على وجنته ورفع يده ليلمس أنفه وهو ينظر بعيدًا ثم عاد بنظره لها
حسنًا، أنا موافق على إلغاء الحرملك، لكن بخصوص عقد الزواج فلا؛ لأن هذا يعتبر عدم ثقة، ولو لم تكوني تثقي بي فكيف سينجح زواجنا؟ أنا لا أخلف كلمتي أبدًا حتى ولو على رقبتي، لأن الرجل يُعرف بكلمته.
ابتسمت وأومأت لتهمس لا خلاص، واثقة فيك...

ذهب غضبه تمامًا وأومأ هو الآخر سأحررهن وسأعيدهن إلى بلادهن وسأعطيهن نقودًا ليبدأن حياة جديدة، هذا ما تريدينه كمهر يا طبيبة؟
توسعت ابتسامتها وسارعت بالموافقة فضحك وأكمل اعتبري مهركِ قد وصل.
أنا عايزة أحضنك دلوقتي بس مش هينفع لما نتجوز فكرني أحضنك، تمتمت بسعادة مبالغ فيها فقضم شفته وأردف بمكر فقط أحضان؟!
شعرت بالخجل من جديد وتوترت ثم تراجعت نحو الباب وهي تحمحم أنا ماشية بقى تصبح على خير.

قهقه وأجاب وهو يراقبها تكاد تتعرقل في مشيتها وأنتِ من أهل الخير.
لكنها استدارت من جديد وقالت ممكن نحول الحرملك لمكتبة؟
أومأ موافقًا دون ذرة اعتراض هذه المرة ليجدها تبتسم بتوسع، إنها سعيدة جدًا هو يشعر بهذا، وليكون صريحًا هو أيضًا سعيدٌ بشدة وينتظر أن يقترن اسمها باسمه بفارغ الصبر.

بعد أسبوع كان فقط يتبقى خمسة أيام على الزفاف وتقريبًا كل الترتيبات أوشكت على الانتهاء، عمر قد عرف بشأن هذا وقد وجد أنه من الأفضل أن يخبر نورة الحقيقة، ليس بكونه فاسق بالطبع بل بكونه يعرف مكان عائشة، ولقد وجد حجة مناسبة
سيخبرها بأنه كان يخاف من أن تتسبب بهجر عائشة لأخيه الذي يحبها، ولأن نورة أصبحت تثق فيه كثيرًا مؤخرًا هي قد صدقته بل وطلبت منه أن يأخذها لتقابل صديقتها بسرعة.

كانا جالسان في العربة وفي طريقهما نحو القصر حينما علق عمر عينيه عليها يراقبها تراقب الطريق من النافذة حتى حمحم نورة..
عادت بعينيها إليه لتلتحم عسليتاها بعسليتيه المتشابهتان وفوجئت به يبتلع لعابه ويستدير لها بكامل جسده وبدى وكأنه سيقول شيئًا مهمًا.

هناك شيء أود قوله، حاولت إيجاد طريقة مناسبة ولطيفة لكن وكأن الأفكار كلها تلاشت من عقلي، همس بطريقة دافئة كعادته وشعرت بضربات قلبها تتبعثر فقط من نبرة صوته.

لقد قضينا سويًا أسبوع ويومان، ربما ليس وقت كافٍ لأتعرف عليكِ جيدًا لكنه وقتٌ كافٍ لأشعر بقلبي ينبض بقربكِ، ستظنينني مجنونًا لكن كنت أحلم بفتاة تشبهكِ دومًا، وعندما رأيتكِ، شعرت بأنكِ نوري الذي سيضيء عتمة حياتي وظلام وحدتي، أنا كذبت عليكِ بأمر عائشة لأبقيكِ بجانبي حتى ولو لمدة قصيرة، أكمل وامتدت يده يلمس يدها لأول مرة
ولصدمتها وخجلها منه لم تنتبه حتى إلى قربه الشديد وأصابعه التي تخللت بين أصابعها.

أحبكِ، وأريدكِ بجانبي دائمًا حتى يفرق الموت بيننا، أعدكِ بأنني لن أفعل شيء قد يجرحكِ، همس من جديد وانحنى ليطبع قبلة رقيقة على يدها
كانت مشتتة تمامًا ولسانها ملجوم وضربات قلبها تكاد تُسمع من قوتها، علقت عينيها عليه وهي تبتلع لعابها لتبلل حلقها الذي جف فجأة
لم تسمع هذا الكلام من قبل، رجل يخبرها بأنه يحبها؟ وهو مثالي بكل ما تحمل الكلمة من معنى؟

لكن بالطبع لا يوجد شيء مثالي في تلك الحياة، وهي لا تستطيع قبول عرضه، لكنها أيضًا لم تستطع الرفض
نوري، قولي شيء، أخرجها من دوامة أفكارها المتخبطة وهو يطالعها بأعين حانية
فتحت فمها بتردد لتتحدث لكنها لم تجد أي شيء لتقوله وبدأت بالتأتأة والتلعثم فقاطعها عمر
حبيبتي، يمكنكِ أخذ وقتكِ بالتفكير، في حال وافقتِ أنا سأعاملكِ كملكتي، لن تجدي رجلًا سيحبكِ ويحترمكِ مثلي، ولو رفضتِ فهي حريتكِ.

لم تعرف ماذا تخبره؟ لكنها فضلت الصمت وأومأت وكأنها ستفكر بشأن عرضه بالرغم من أن عرضه مرفوض بالنسبة لها
نعم هو رائع، فيه كل المميزات التي تريدها أية فتاة وهو محترم جدًا ومتدين، لكنها بكل بساطة لا تستطيع قبول عرضه.

وصلا إلى القصر الذي جعل فك نورة يسقط أرضًا عجبًا به، كان ضخمًا وتحده حديقة واسعة خضراء جميلة بشدة والحراس في كل مكان، عائشة تسكن هنا؟ وليست تسكن فقط بل أنها ستتزوج الرجل الذي يملك هذا القصر!
إن عائشة مادية قليلًا هي تعرف، لكنها لم تتصور أن تبيع مبادئها وتتزوج بكهلٍ عجوز لمجرد أنه غني وحاكم مصر!

إذًا، سآخذكِ لتقابلي محمد باشا أولًا فهو قد أمر بهذا، أيقظها صوت عمر من جديد فأومأت وتحركت بجانبه، كان عمر قد اشترى لها ملابس تليق بهذا العصر فلم يكن هناك أي شيء غريب بها سوى نظارتها الطبية التي جعلت كل من يمر بجانبها أو تمر بجانبه ينظر لها باستغراب،
وصلا إلى باب مكتب محمد الذي يكون فيه عادةً وطرق عمر عليه فجاء صوته سامحًا لهما بالدخول، صوته بدى جميلٌ جدًا بالنسبة لعجوز!

فتح عمر الباب ودخلت هي خلفه لتصطدم به جالسًا بهيبة على كرسيٍ ذهبي اللون،
هذا ليس بكهلٍ كما توقعت بل رجل في ريعان شبابه وهو وسيمٌ جدًا والأهم من هذا، يبدو وكأنه سيء في تصرفاته، منذ الوهلة الأولى هي شعرت بأنه ليس شخص ستكون سعيد لو أغضبته!
هذه نورة، قدمها عمر له فأومأ الآخر بصمت وهو يتفحصها جيدًا بزرقاوتيه المخيفتان، لماذا تبدو نظراته كنظرات قاتلٍ متسلسل؟

عمر، اخرج قليلًا، أريدها بمفردها، جاءت لهجته صارمة رسمية ومخيفة! لماذا تشعر بالخوف منه؟ هي لا تسطيع إجابة هذا السؤال لأنها لا تعلم..
حول عمر عينيه لها ثم نظر لمحمد الذي بدى وكأنه لن يكرر جملته لمرتين، كانت تريد التشبث بثياب عمر لتترجاه بألا يتركها لكنه رحل قبل أن تحرك ساكنًا ووجدت نفسها مُحاصرة من عينان تنظران لها بجمود
أنتِ صديقة عائشة من المستقبل؟ قال وهو يرجع بظهره إلى الكرسي ليتكئ عليه.

أومأت بصمت فوجدته يحك ذقنه دون أن يضيف حرفًا آخر ثم نهض وتقدم منها، شعرت بضربات قلبها ترتفع بشدة، اللعنة على هذا إنه طويل وضخم بشدة!
فوجئت بخنجرٍ يُثبَت على عنقها فور أن وقف أمامها، الهلع تملك منها وهي تنظر له بأعين متسعة خائفة، سيقتلها؟ بالطبع سيفعل فهو يبدو كقاتل متسلسل وسيم ومريض نفسيًا مثل الذين كانت تشاهدهم على قناة ناشيونال جيوغرافيك أبو ظبي..

زفافي على صديقتكِ بعد خمسة أيام بالضبط، أقسم برب محمد لو حدث شيء لا يروق لي فسأعتبركِ أنتِ المسئولة، أنا أعرف أحاديث النساء والفتيات ودعيني أخبركِ بشيء، منذ عرفت بوجودكِ وأنا لا أشعر بالراحة تجاهكِ ولمعلوماتكِ كنت أستطيع قتلكِ وإنهاء أية مشكلة قبل أن تبدأ لكن، لم أرِد أن أقتل صديقتها المفضلة، لذا كوني صديقة جيدة وضيفة لطيفة في حفل الزفاف هذا، سمعتِ؟

قال بنبرة تهديد وشعرت الأخرى بأن ساقيها لن يستطعن حملها وستخر أرضًا في أي لحظة لكن صرخة من الآخر وهو يكرر سمعتِ؟ جعلتها ترتعب أكتر وتومئ وهي ترتعش تحت خنجره
وحينها أزال الخنجر عن رقبتها وابتعد قليلًا لتصطدم به يبتسم ويقول بنبرة أخرى لطيفة جيد إذًا، مرحبًا بصديقة زوجتي..
عقدت حاجبيها وظهرت ملامح مزبهلة على وجهها، هل هو منفصم في الشخصية؟

عاد ليجلس على كرسيه ووضع الخنجر جانبًا وأكمل بنفس الطريقة اللطيفة عائشة ستسعد بكِ كثيرًا، لم أخبرها بشأنكِ لذا يمكنكِ أن تفاجئيها، الخدم قد جهزوا لكِ غرفة بجانب غرفتها.
إنه بالتأكيد مريض نفسي ومنفصم في الشخصية! كيف ستتزوج عائشة بالقاتل المتسلسل هذا!

وهو أثبت لها هذا عندما تغيرت نبرة صوته لأخرى مهددة مجددًا مع إبقاء ابتسامته على وجهه وقال وبالتأكيد لا يجب أن تزعجي عروسي وتخبرينها بشأن نقاشنا الصغير، صحيح؟
أومأت ببطء فتمتم جيد..
كانت عائشة تجلس على سريرها والقط بجانبها ولم تكن تفعل أي شيء سوى تمسيد فراءه الأبيض الكثيف والناعم والآخر يموء باستمتاع وهو ينظر لها بزرقاوتيه، أحيانًا تشعر بأنه يشبه محمد كثيرًا خاصةً عينيه.

سمعت طرقًا على الباب فصاحت ادخل.
لتجد الباب يُفتح وتظهر نورة من خلفه، جحظت عينيها وانحبست أنفاسها وشعرت بالشلل يصيب عقلها لدرجة أنها ظنت بأنه حلم حتى هرعت الأخرى نحوها لتحتضنها
نورة، تمتمت بصدمة فأومأت الأخرى الحمد لله لقيتك!
وفور أن سمعت صوتها حقًا بدأت تدرك أن هذا حقيقي فصرخت بسعادة نورة! واحتضنتها
ضحكت الأخرى عاليًا وابتعدا بعد فترة لتقول عائشة شوفتي حصلي إيه؟ جيت أيام العثمانيين!

آه ما أنا بعد ما إختفيتي روحت للساحرة وعرفت إنه كان سفر للماضي..
ماما وبابا وشهد عاملين إيه؟ إنتي مش متخيلة وحشوني قد إيه أنا حاولت ألاقي طريقة عشان أرجع بيها بس ماعرفتش واتحبست هنا.
سقطت ابتسامة نورة وتوترت بشدة ولم تجيبها لكن الأخرى نظرت لها برجاءبابا وماما عاملين إيه يا نورة؟
بصي فيه حاجات كتير حصلت بعد ما إنتي مشيتي، حاولت الأخرى تجميع الكلام لكن لسانها معقود بشدة؛ فماذا تخبرها؟

بصي بصراحة كده ابوكي وأمك كويسين بس مش طايقينك، هما الأول افتكروكي مخطوفة بس لما قولتلهم موضوع الساحرة والسفر...
كانت تظن أن عائشة ستنهار وتتأثر لكن كل ما حصل هو تقطيبة أعلى جبينها وسخرت ده العادي بتاعهم، من ساعة ثانوية عامة لما ما دخلتش كلية الطب وهما أساسًا عايزين يخلصوا مني.
أبوكي كان قرأ فاتحتك مع الواد ذكي ابن عمتك كمان، أكملت نورة فقلبت الأخرى عينيها وسخرت ماكتبش كتابي بالمرة؟

لا ذكي فركش الخطوبة لما الموضوع طول وإنتي ماظهرتيش، واتجوز أساسًا.
يلا في داهية هو وأمه، إنتي مش متخيلة أنا بكره عمتي فاطمة دي قد إيه، ولية حرباية، ضحكت عاليًا فرافقتها نورة مقهقهة
بقولك إيه تعالي نخرج للحديقة بقى وتحكيلي كل حاجة بالتفصيل ماشي؟ بالتفصيل، عشان أنا كمان هحكيلك كل حاجة، قالت وهي تنهض لتسحب نورة خلفها.
بعد ساعة كانا في الحديقة ونورة تسخر منها شوفتي! دي آخرة السرقة!

يابنتي ده تلاقي العمل ده كان تمنه مية جنيه ولا حاجة!
عيشة، السحر اللي إنتي سرقتيه ده بعشرة آلاف جنيه يا عيشة!
نظرت لها عائشة بدون تصديق وسخرت عشرة آلاف إيه يا أختي! لا طبعًا تلاقيها بتضحك عليكي! اوعي تكوني دفعتي!
ابتلعت نورة لعابها وقالت ببطء بصراحة دفعت...
اتوكسي، ضحكت عليكي، جيبتي الفلوس منين؟
نظرت نورة بعيدًا وارتسمت ملامح خائفة على وجهها فوجدت عائشة تطالعها بشك وسرعان ما صرخت فجأة.

أقسم بالله لو اللي في دماغي صح ما هخلي الدكتور يعرف يخيط فيكي غرزة!
يعني كنتي عايزاني أعمل إيه يعني ما إنتي عارفة إن ابويا بخيل! اضطريت أبيعه يا عيشة، بعدين مانا جيت عشان أنقذك! قالت ففوجئت بعائشة تهرول نحوها وهي تصرخ بعلو صوتها
بعتي الماك بوك بتاعي اللي سيبته معاكي يابنت ال**** الله يخربيتك على بيت معرفتك السودة! والله لأضربك!

هرولت هي الأخرى وهي تتمسك بفستانها وتصيح دي جازاتي عشان جيت أخرجك من المصيبة دي يا وش الفقر!
تقومي تبيعي الماك بوك وتدي فلوسه لساحرة نصابة! صرخت من جديد وتوقفت تلتقط نفسها
يعني إنتي تبيعيلي الماك بوك، وابن الجنايني يكسرلي الأيفون، أنتم حد مسلطكم عليا ولا إييييه!
ابقي اشتري غيره لما نرجع، أنا اشتريت من الساحرة عمل يرجعنا! صاحت نورة من بعيد فعقدت عائشة حاجبيها ورددت بتشوش نرجع..!

أيوة معايا سحر يرجعنا تاني!
ابتلعت الأخرى لعابها ونظرت حولها بضياع، تعود؟ تترك كل ما فعلته هنا وتترك محمد؟
اقشعر جسدها على الفكرة وشعرت بالضيق يعتلي صدرها فتقدمت نورة منها وأخرجت من حقيبتها زجاجة زجاجية صغيرة تحتوي على سائل أزرق اللون
أنا اشتريت تلاتة إحتياطي بفلوس الماك بوك، هنشربها ونرجع...

وإحنا هنعرف نرجع عادي نفس المستقبل بتاعنا؟ أصل نظرية الفراشة بتقول إن لو حد سافر للماضي وعمل أي تغيير حتى ولو بسيط فده هينتج عنه مستقبل جديد ومختلف تمامًا ولما هيسافر للمستقبل تاني هيلاقيه مستقبل مختلف! قالت عائشة فعقدت نورة حاجبيها وتذمرت.

بغض النظر إني مافهمتش حاجة بس الساحرة مأكدالي إن كل حاجة هترجع لطبيعتها، الزمن ده مش بتاعنا! إحنا لازم نغير كل ده ونرجع لحياتنا الطبيعية، إنتي تطلعي دلوقتي تغيري لبسك ونمشي بسرعة!
الموضوع مش بالسهولة دي يا نورة! تمتمت عائشة وهي تبتلع الغصة في حلقها فنظرت لها نورة بدون تصديق وسخرت ماتقوليليش إن عشان محمد! ده مستقبلك! هتضحي بمستقبلك عشانه!

أنا محتاجة وقت أفكر يا نورة، قولتلك الموضوع مش سهل كده! زمجرت الأخرى فاشتعلت نورة غضبًا واقتربت منها لتنطق من تحت أسنانها
أنتي أكيد اتجننتي! وقت إيه اللي محتاجاه وإنتي فرحك كمان خمسة أيام!
وعشان فرحي بعد خمسة أيام بقولك إن الموضوع مش سهل ومحتاجة وقت أفكر..

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W