قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل الرابع والأربعون

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل الرابع والأربعون

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل الرابع والأربعون

كانا يقفان سويًا على السطح وينظران أمامهما نحو الحديقة الواسعة والغيوم التي تغطي السماء رغم أنها كانت فقط الظهيرة، هزيز الرياح يضرب جسديهما محركًا خصلات شعره البنية المائلة للشقراء وجاعلًا من وشاحها الأبيض يتزحزح قليلًا عن رأسها لكنها كانت تتمسك به لكي لا يحمله الهواء بعيدًا
لسه مصممة على جوازك من بنت الكيلاني؟ سألته دون أن تنظر له فنفى برأسه لا، يبدو أن أمي يهمها فقط أنني لن أتزوج بكِ.

للمفاجئة وجدها تضحك وهي تهز رأسها يمينًا ويسارًا بدون تصديق فحرك رأسه ليطالعها باستغراب لكن بابتسامة؛ فلقد بدت له جميلة جدًا وهي تضحك
وهنعمل إيه؟

حك ذقنه وأجاب لا شيء لقد اتفقنا أن أحاول كسب ودها مجددًا لتلين لي وتوافق، إنها مسألة وقت وأنا أبتزها عاطفيًا بكل الطرق، كان معكِ حق، زواجنا في السر ليس حلًا وغير صحيح لأن الزواج أساسه الإشهار، ولو عرفت هي كانت لتنفذ تهديدها لي وبالتأكيد كانت ستعرف؛ فترددكِ على جناحي كان ليكون موضع شك.
لكنني أفقد عقلي فعليًا، أكمل وهو يسحب شعره إلى الخلف فأومأت له أنا آسفة.

نظر لها بطرف عينيه وأردف بنبرة لعوبة يستحسن أن تكوني آسفة لأنكِ ستعوضين لي كل هذا مستقبلًا.
تجاهلت تعليقه ذلك وأعطته ابتسامة مشجعة أنا مبسوطة إنك اتغيرت وبقيت شخص أفضل عشاني.
استدار لها من جديد وصمت لوهلة حتى تكلم.

خذيها مني معلومة يا عائشة، أنا رجل وأعرف الرجال، لا زير نساء ينصلح حاله لأجل فتاة، إما أن ينصلح حاله لأجل نفسه أو أنه يوهمكِ بكلامٍ معسول، أما أنا فلم ألمس أية فتاة قبل أن أقابلكِ بثلاثة أشهر، كنت أجلبهن إلى جناحي وأنام على الأريكة فقط لأجل مظهري أمام جميع من في القصر، وكنت أهدد كل الجواري بأن من ستفتح فمها سيتم قتلها، ولم أكن بحاجة للتهديد من الأساس، لقد كانوا يتحينون الفرصة لإثارة غيرة بعضهن، لستِ أنتِ من قمتِ بتغييري وإصلاحي، لكنكِ الوحيدة التي أحببتها بعد أن توقفت عن أفعالي السيئة وكنتِ دافعًا لي لكي لا أعود منكبًا على وجهي.

أومأت من جديد وتوسعت ابتسامتها أكثر وهي تتأمله بنظرات حانية فابتسم باستغراب من جديد
ما بالكِ تنظرين إلي كما تنظرين للدجاج المشوي؟!
قلبت عينيها وضحكت وهي تنكزه في كتفه شوفت! مكانتك وصلت عندي لمكانة الدجاج المشوي!
قهقه عاليًا وسخر أوه هذا فخرٌ لي، أنا والدجاج المشوي في نفس المستوى! رائع!
لم يكد يصمت حتى وجد وليد يصيح من خلفه الله الله! على أساس أنكما أنفصلتما أيها الكاذب! سأخبر خالتي.

استدار له محمد وعائشة بكامل جسديهما وهم وليد ليتحرك لكن تم إيقافه بواسطة محمد الذي في ظرف دقيقة كان أمام وجهه ممسكًا به من كتفيه ثم أشار لعائشة بالرحيل فتمسكت بوشاحها وتحركت بسرعة حتى أختفت عن أنظارهما.

يا رجل لا أصدق واللعنة ما الذي تفعله بنفسك! أنت ما زلت مصممًا على الزواج بتلك الشيطانة! اسمعني، هذه ستتعبك وستجعلك تلف حول نفسك، إنها ماكرة وخبيثة بشكلٍ لا يصدق وهي قد لفت حبالها حولك لكي تتزوجها، هذه هي خطتها وأنت ستنفذها لها! تكلم وليد باندفاع فعقد محمد حاجبيه.

وليد، أنت لا تعرف أي شيء، لا تتدخل فيما لا يعنيك وابقي فمك مغلق، زمجر في وجهه فتجعدت ملامح الآخر بدون رضا لكنه لان قليلًا وهم ليتحدث بطريقة هادئة.

فقط اخبرني لماذا هي؟ أنت أمامك فعليا مليون فتاة فقط لو أشرت بيدك سيكن تحت قدميك، أجمل منها ومطيعات ومؤدبات، إذا لماذا عائشة؟ إنها لا تعاملك بإسلوب لائق حتى، ترد عليك الكلمة بكلمة ولا تصمت دون نقاش! ما خصك بوجع الرأس هذا؟ أنا لا أفهم! افهمني وأعدك بأنني لن أتدخل في هذا الموضوع مرة أخرى.
تركه محمد وتحرك ليستند بظهره على سور السطح ثم رفع كتفيه وأجاب ببساطة.

أحب الأهداف الصعبة العالية، التي لم يصل لها أي شخصٍ غيري، لا أحب الأهداف السهلة، لأنها لن تشعرني بلذة الانتصار حين أحصل عليها، كلما كان الأمر أصعب أصبح ممتع أكثر بالنسبة لي، وهذا الأمر يرتفع عندما تكون الهدف أنثى، لأنني حينها أعلم بأنني نجحت بما فشل به الجميع من الرجال، عندما تحبك أنثى صعبة المراس مثل عائشة، وتجدها تخفض أمامك كل حصونها، ودفاعاتها وتهتم بك وتقدرك وتتصرف بطريقة لطيفة وكل ذلك عكس طبيعتها الفظة، صدقني الأمر يستحق.

حك ذقنه وأكمل.

أما بخصوص لماذا عائشة تحديدًا وكونك تظن بأنها لا تعاملني بإسلوبٍ لائق، فلأنني أشعر معها بأنني حر، لا أهتم لصورتي وسمعتي ولا حتى بكوني سخيف، أستطيع التصرف كيفما أشاء ويمكنني أن أتصرف كطفل بمنتهى الأريحية، لم أشعر بهذا إلا معها هي، كما أنك مخطئ بشأن أن عائشة لا تعاملني بإسلوب لائق، نعم هي تتصرف بتهور دائمًا لكنها سرعان ما تعترف بخطأها وتأتي وتعتذر وهي حقًا تلح في الإعتذار، وحتى أنها كتبت لي رسالة يومًا وقدمت لي الورود، ولعل أكثر موقف لن أنساه لها هو عندما سهرت بجانبي حتى الصباح تعتني بي عندما كنت مريض، عائشة رائعة بطريقتها الخاصة وبرومانسيتها الغبية.

أخذ وليد شهيقًا عميقًا ثم أخرجه متنهدًا وتمتم بضيق حسنًا..
في مكانٍ آخر كان عمر يجلس على سريرٍ في غرفة ضيقة مُضاءة ببعض الشموع وهناك إمرأة في منتصف الثلاثون تقبل ظهره لكنها لم تستطع رغم ذلك إخراجه من مستنقع أفكاره وبعد دقيقتين هو قد أوقفها بجملته
دلال لم أسألكِ قط، لماذا تعملين في البغاء؟ ألم تحلمي قط ببيتٍ وعائلة؟

ابتلعت الأخرى الغصة في حلقها وأجابت بخفوت وهي تلملم شعرها الأسود خلف أذنيها لأجل المال، ونعم كنت أحلم لكنني توقفت عن الحلم منذ مدة طويلة، الأحلام ليست من حقي.
استدار لها بكامل جسده وأردف ماذا لو توفر لكِ المال الكافي لمستقبلكِ، هل ستكملين؟

نفت برأسها فورًا واقتربت منه لتضع يدها على يده وهمست بطريقة حنونة أنا بالفعل لا أقابل أي رجل منذ قابلتك، أكتفي بما أحصل عليه منك، أحببت معاملتك الحسنة معي وأصبحت لا أطيق أي رجلٍ غيرك، ولو أنني أملك النقود لم أكن لأختار العيش في هذا المستنقع.
سأوفر لكِ كل شيء، لديكِ فقط مهمة واحدة، الزواج بي ومقابلة أمي، أنا سأعلمها كيف تقسم بحرماني من الميراث وتترك ابنها المدلل، لنرى من سيرضخ في النهاية..

بعد إسبوع وصل عمر برفقتها إلى الباب الرئيسي لقصر أخيه ومقر الحكم في مصر، كانت دلال مختلفة كثيرًا عما كانت عليه من قبل، فستانها الأبيض الباهظ ووشاح بنفس اللون غطى شعرها وكثيرًا من وجهها الخمري، كانت تشعر بالرهبة مما سيحدث
إنها في قصر الوالي! الوالي الذي يكلف معاونيه بالبحث عن بيوت البغاء وحبس جميع من بداخلها!

لقد كانت مرعوبة من القدوم لكن عمر طمئنها بقوله أن محمد باشا لن يفعل لها أي شيء لأنه لو فعل فستكون فضيحة له لأنه أخيه وابن خالته، وبهذا هو قد أقنعها بالمجيء.
كان الخدم قد أبلغوا الجميع بأن عمر بيك في قاعة الاستقبال برفقة فتاة وعلى الفور وجد محمد وجورنال وبكيزة ووليد فوق رأسه
نهض عن الكرسي وابتسم باتساع ثم أشار لدلال قائلًا جئت لأعرفكم بخطيبتي وزوجتي المستقبلية.

تجهمت ملامح جورنال ووليد في حين عقد محمد حاجبيه وثبت مقلتيه بأعين ضيقة على دلال، وهذا جعل ساقيها ترتعشان، محمد باشا يخيفها أكثر من وحشٍ مفترس سينقض عليها، نظراته لها ترعبها، لم تره من قبل لكنها سمعت بأنه ذو أعين زرقاء ورجلٌ ذو هيبة وحضور ويقتل دون أن يرف له جفن، ترى هل سيقتلها الآن؟

ماكان عليها أن تقبل بعرض عمر بيك ولا كان عليها أن تقابل الوالي، لكنها رأت فيه الخلاص لحياتها البائسة، ورأت أخيرًا بريقًا من الأمل لكي لا تموت كعجوز وحيدة مهترئة
فوجئت بالمرأة السمينة قليلًا تتقدم من عمر وتصرخ في وجهه ألهذه الدرجة وصل بك الجحود! ومن تلك التي خطبتها يا وغد؟ إنها تبدو في الثلاثون، تكبرك سنًا!

نظر لها عمر بسخط ثم سخر بتشفي على الأقل ليست بطفلة، وهذا جزاء منعكِ لي من ورثي وحقي، وعلى العموم لا أنتظر مباركتكِ، أتيت لأخبركِ فقط وأنا سأرحل بدلال الآن، ربما سأبعث لكِ بدعوة زفاف قري، لم يكمل كلمته ووجد صفعة تلتحم بوجهه
اغرب عن وجهي، لا أريد رؤيتك أبدًا ولا حتى حين أموت، لن تحمل نعشي ولن تحضر عزاي، انقلع عن هنا ونعم لن ترى عُملة واحدة من الورث، صرخت في وجهه من جديد بوجهٍ أحمر وأعين جاحظة.

صك الآخر على فكيه وشعر ببركانٍ يغلي بداخله وهو يخترق أمه بنظراتٍ كارهة ولم يكتفي بهذا بل نطق من تحت أسنانه ليعلنها صريحة أنا أكرهكِ، لطالما فعلت.
شعرت بكيزة بالصدمة ورمشت بعينيها قليلًا وهي تكذب ما سمعته وبدأ خيط رفيع من الدموع يتكون في عينيها، شعرت بألمٍ قاتل في رأسها، وكأن عقلها يغلي بداخل جمجمتها.

وجدته يمسك بيد دلال ويتحرك مهرولًا إلى الخارج، تحرك محمد خلفه ليخبر أحد الحراس بتتبعه؛ فهو لا يشعر بالراحة لتلك السيدة المسماة بدلال منذ أول وهلة وقعت عينيه فيها عليها.
عاد إلى الداخل ليجد خالته قد سقطت أرضًا وهي تمسك برأسها وتصيحرأسي، سينفجر، هذا الصداع مجددًا وهو أقوى من ذي قبل.

وأمه تمسك بها بملامح باكية ووليد يقف بهلع وهو ينظر لها غير قادرًا على التحرك، كل هذا بسببه، كان يجب عليه الزواج ببنت مسعود باشا، هو فقط كان أنانيًا ولم يفكر إلا في نفسه، هذه هي المرة الوحيدة التي يفعل فيها شيئًا لأجل نفسه وهذه هي النتيجة، الندم والذنب يأكلانه حيًا.
استفاق من صدمته على محمد يصيح عليه وليد، أذهب إلى غرفة الإجتماعات، هذا موعد درس عائشة مع الطبيب، احضره إلى هنا بسرعة..

بعد خمسة دقائق وصل الطبيب وخلفه عائشة لكن فور رؤيتها قامت جورنال بالتكلم من تحت أسنانها
هذه تحديدًا اخرجها عن هنا؛ فلا أستبعد أن تكون هي من حرضته؛ فلقد حرضت من هو أعقل منه.
ابتلعت عائشة الغصة في حلقها وتبادلت نظراتٍ حزينة مع محمد الذي حاول الإعتذار لها بعينيه فأخفضت رأسها وتحركت للخارج لكنها وقفت تستمع على الباب.

جس الطبيب حرارتها وتفحص وجهها ولسانها ثم أخرج زجاجة ما من حقيبته وهو يقول بعض الإرهاق.
تجرعي من هذا جلالتكِ، قال وهو يعطيها ذلك المسحوق لكن بكيزة دفعت بيده بعيدًا وصرخت في وجهه ليس بإرهاق، لقد تكرر من قبل وأعطيتني نفس السائل اللعين ولم يؤثر، رأسي سينفجر! جد لي حل، أرجوك..
كانت عائشة قد بدأت تشك بأن ضغط دمها مرتفع فدخلت من جديد ونظرت لمحمد وترجته ممكن أفحصها أنا؟

كانت جورنال ستعترض لكن محمد همس لها أمي، أرجوكِ، دعيها تتفحصها هي قد درست الطب.
صمتت جورنال على مضض فاقتربت عائشة من بكيزة وتمتمت لها جلالتك إن شاء الله بسيطة.
فأومأت لها بكيزة التي كانت ستدفع أي شيء لإيقاف ذلك الألم في رأسها في حين أشاحت جورنال وجهها بعيدًا بضيق لكي لا تنظر لوجهها
حركت عائشة يديها أمام أعين بكيزة وسألتها شايفة إيدي طبيعي ولا الرؤية مش واضحة؟
أجابتها بكيزة بألم هناك زغللة.

أومأت عائشة التي بدت للجميع وكأنها تعرف بالضبط ما تفعل ثم طلبت من وليد أن يسند أمه ويجعلها تحاول المشي لكن كما توقعت، لقد اختل توازنها
وحينها نظرت لمحمد وأردفت ارتفاع في ضغط الدم.
ما الذي تهزين به! لا يوجد شيء اسمه ضغط الدم وأنا لم أعلمكِ شيئًا كهذا! تدخل الطبيب معترضًا على ما تقول لكن محمد أشار له بسبابته فصمت فورًا.

نظرت عائشة إلى محمد وأكملت خلي حد من الخدامين يجيب بنجر ويطحنه مع ثوم وجرجير، ويجيبوا موز لو فيه.
أشار محمد بيده لأحد الخدم وصاح افعل ما قد سمعت.
وضعت عائشة يدها على رأس بكيزة وتمتمت جلالتك هتكوني بخير، بس لازم تبطلي تأكلي أملاح بعد كده وحاولي تقللي الدهون في الأكل وبلاش عصبية.
عائشة، هل أنتِ متأك، كان محمد سيكمل لكنها قاطعته ماما كان عندها الضغط زي بكيزة هانم، إن شاء الله هتكون كويسة.

أومأ لها محمد في حين أن الطبيب قد عقد حاجبيه وهو غير مقتنع بما تقول من الأساس واستفهم وما الذي سيجعل تلك الخلطة علاجًا للصداع؟!
ضغط الدم معناه إن الشرايين اللي بتوصل الدم ضيقة وده بسبب حاجات زي الدهون والصوديوم اللي موجودين في الدم، البنجر هيوسع الشرايين والثوم والجرجير فيهم بوتاسيوم وهيخفضوا نسبة الصوديوم في الدم، اللي هو الملح.

كان محمد يراقبها تتكلم بابتسامة لم يعرف متى وأين ارتسمت على وجهه، وهو حقًا شعر بالإعجاب والفخر لأنه يحب تلك الفتاة واختارها هي دونًا عن سواها وكان إختياره صحيحًا، بينما جورنال كانت صامتة تمامًا ووليد ينظر لأمه بقلق وهو يدعو بداخله أن تكون تلك الشيطانة جيدة في الطب كإجادتها للجدال.

جاء الخدم بالمسحوق الذي قالت عليه عائشة فنظرت لبكيزة وتمتمت هو طعمه وحش بس المرة دي كليه كله عشان ضغط الدم ينخفض بسرعة..
بعد أربعة ساعات كان الصداع قد رحل تمامًا والجميع كان ما زال يحيط ببكيزة بعد نقلها لجناحها
نظرت جورنال لمحمد الذي مازال يجلس هو وعائشة وينظران لبعضهما بصمت، لماذا ساعدت اختها؟ فهي وبكيزة هما العائق الوحيد أمام زواجها من محمد!

وجدت ابنها يهمس للأخرى بشكرًا. لتجيبه هي بدي مامتك في الرضاعة وزي ماما، ماتشكرنيش.
هيا اخرجوا هي تحتاج إلى النوم، قالت جورنال فجأة ونهض الجميع تباعًا في حين بقيت هي معها.
فور خروجهما وقف وليد معترضًا طريقهما وحك يديه معًا محادثًا عائشة أنا آسف، شكرًا على ما فعلتِ لأمي. وبعدها نظر لمحمد وابتسم ثم أكمل
أظن أن حبيبتك نجحت بوضع خالتي في موقفٍ عصيب، أتوقع أن هناك زفافٌ قريب!

ليس قبل أن ننتهي من الوغد الآخر، لقد جاء زيدان منذ قليل وأخبرني بكل شيء، أخيك ينوي الزواج بعاهرة تعمل في بيتٍ للدعارة وأكبر منه بثماني سنوات لكن هذا سيحدث على جثتي..
بعد أسبوعين كان محمد يجلس في غرفةٍ ما في مبنى السجون، أمامه دلال تقف مرتعشة منذ الساعتين لدرجة أنها كادت تقع مغشًا عليها
ستنفذين ما قلت، حك محمد ذقنه ونطق بنبرة أرعبتها فهمت لتجيب بطريقة متلعثمة.

جلالتك، أنا، أنا، أنا سأفعل أي شيءٍ تريده لكن أرجوك لا أستطيع فعل هذا..
وأنا أريد هذا تحديدًا، هو لن يعدل عن قراره إلا بهذا، ستفعلينه يا دلال وإلا سألقي بكِ في الحجز وأتعلمين ماذا سأخبره؟ سأخبره بأنه قُبض عليكِ متلبسة بالزنا وحينها سيتدمر هذا الزواج أيضًا، لذا من الأفضل أن تفعلي ما قد قلت.

تكونت الدموع في عينيها من جديد واقتربت منه محاولةً تقبيل يديه أرجوك يا سيدي، أنا قد توقفت بالفعل عن كل شيء ولم أعد أعمل في ذلك العمل أقسم لك بالله بأنني تُبت إلى الله منذ أصبح لا حاجة لي بالعمل هكذا، وكل هذا حدث بسبب عمر بيك، كيف تريدني أن أخبره بأنني لا أريد تلك الزيجة لأنني أحب رجلًا آخر وهو بالنسبة لي ليس سوى طفل!

دفعها محمد بعيدًا وزمجر لماذا تريدين فعلها بالطريقة الصعبة يا دلال؟ أخبرتكِ بأن هذه الزيجة بالفعل لن تتم، هل تتخيلين بأن عمر سيتزوجكِ حقًا؟ إنه فقط يريد إغاظة أمه ولم يجد شيئًا سوى هذا.
لكنني لا أريد جرحه، لقد قدم لي الكثير، لا أريد جرحه أرجوك، بكت أكثر وهي تتكور على نفسها في زاوية الغرفة وحينها رمقها محمد بصمت وهو يحك ذقنه حتى نادى على أحد الحراس بعلو صوته
سليم، تعال وارمي بها إلى الحجز.

لتجد بعدها رجلًا يشدها من يدها ويسحبها بعيدًا فصرخت مستنجدة بمحمد مولاي أرجوك، لكن الآخر قال بلا مبالاة عندما تعرفين مصلحتكِ وتسمعين كلامي ستخرجين، لا أحد يقول لي لا..
كانت عائشة تجلس مع إيزابيلا في الحديقة كالعادة، علامات الحمل ليست بادية عليها إطلاقًا؛ فهي في الشهر الثاني تقريبًا لكنها من حينٍ إلى آخر تحتضن بطنها بابتسامة واسعة.

هو إنتي ما فكرتيش ترجعي لأهلك؟ سألت عائشة فجأة فنفت إيزابيلا برأسها
أمي ميتة وأبي قد تزوج وجلب لي زوجة أب كانت تعاملني أسوأ معاملة وكانت تشعر بالغيرة مني لأنني جميلة، وفي يومٍ حاولت تزويجي بكهلٍ عجوز غصبًا فهربت وحينها وجدني جنود السلطان وها أنا ذا، كما أنني أحب وليد كثيرًا.
أومأت عائشة بتفهم وعادت لتمسح على فراء قطها الجالس على قدميها المتربعتين على العشب الأخضر.

رأت جورنال وبكيزة يتمشيان في الحديقة أيضًا فوجدتها فرصة سانحة ونهضت تحمل قطها متوجهةً لهما وفور اقترابها رسمت ابتسامة على وجهها وقالت بأدب على غير عادتها
بكيزة هانم، صحتك عاملة إيه دلوقتي؟
ابتسمت بكيزة وأجابت أنا بخير، لقد قللت الملح والدهون في الطعام وأنا أتناول الموز باستمرار، وصفتكِ جيدة، أصبحت لا أشعر بالصداع.

في حين نظرت جورنال بعيدًا ورغم كون عائشة فعليًا لا تطيقها لكنها ذكرت نفسها بأنها والدة الرجل الذي تحبه وهي فعليًا قد غصبت على نفسها وتوجهت لها بالكلام
وحضرتك يا جورنال هانم؟
أجابت جورنال على مضض بخير.
هو جلالتك متضايقة مني؟ لأنك مابقيتيش تتكلمي معايا خالص؟
عادت جورنال برأسها لها وسخرت وكأنكِ لا تعرفين!

لا مش عارفة، ممكن تقوليلي أنا عملت إيه عشان أعتذرلك؟ يمكن ضايقتك بطريقة غير مقصودة أو حصل سوء فهم؟
تركت جورنال يد بكيزة وسخرت من جديد أنتِ تمردتِ على ابني وبسببكِ حالته تسوء، إنه يأتي ليشتكي لي كل ليلة بسببكِ! أنتِ تؤلمين ابني وتجرحينه وتريدين مني التصرف كما لو لم يحدث أي شيء إطلاقًا! يال بجاحتكِ!
بس مش أنا اللي انفصلت عن محمد باشا هو اللي انفصل عني.
انفصل عنكِ لأنكِ تصممين على الزواج!

لأني بقيت حرة وأي حاجة هتحصل بينا من غير زواج هتبقى زنا!
لقد رفضتهِ وأنتِ جاريته لا تمثلي دور الضحية الآن! تعرفين أنني كنت أحبكِ أتعلمين لماذا؟ لأن ابني كان يحبكِ وكنت أرى أنه سعيد، لكن حين تجرحين وترفضين ابني ماذا تتوقعين مني أن أفعل؟ هذا ابني الوحيد وأنا أفضله حتى على نفسي، لقد ضحيت بعمري لأجله، يغضبني ما يغضبه ويحزنني ما يحزنه وأحب ما يحب.

يا جورنال هانم أنا ما رفضتش محمد باشا، أنا عايزاه زي ما هو عايزني بالظبط وبحبه، بس أنا ماكانش ينفع أتنازل عن مبادئي، جلالتك في أول مرة شوفتيني فيها قولتيلي إني الوحيدة اللي تصلح لتربية أمير، إزاي عايزاني أربي أمير وأخليه عنده مبادئ وشخصية وحضرتك بتلوميني إني تمسكت بمبادئي؟ هل في نظرك هكون قدوة صالحة لولادي مستقبلًا؟
رفعت بكيزة حاجبيها باستمتاع لهذا الحوار في حين أن جورنال لم تجد شيئًا لتقوله.

حضرتك كنتي موافقة على الزواج بالفعل، كل اللي فرق معاكي موعد الزواج لأن وفقًا للعادات والتقاليد الزواج بيكون بعد الولادة، مين اللي قال إن القوانين دي ما ينفعش تتغير؟ مين خلاها ثابتة؟ ليه مابتتجددش!، حضرتك عشتي طول حياتك وحيدة، ضيعتي شبابك وأنتي ما شاء الله جميلة، كل ده عشان العادات والتقاليد، حضرتك قولتيلي بنفسك إن القانون ده ظالم، حضرتك بالفعل اتظلمتي من العادات والتقاليد، ليه متمسكة بيهم للحد ده وهما غلط؟

كانت جورنال قد ذمت شفتيها والحزن أعتلى وجهها مع أنفاسها التي تباطئت، هي قد جائت نحو الوتر الحساس لديها وهذا الموضوع يقهرها فعليًا، لطالما بكت وحيدة متحسرة على نفسها لكنها بمرور الوقت صبت كامل اهتمامها على محمد متناسية نفسها تماما.

أنا مابكلمكيش عشان أطلب منك توافقي على زواجنا، أنا بس كنت عايزة أعرف أنا ضايقتك في إيه عشان أعتذرلك، وعمومًا أنا آسفة لو اتسببت لجلالتك في أي حزن، أنا حقيقي آسفة، أنا بعتبرك زي ماما وياريت ما تزعليش مني، أنا طلبت من محمد باشا إني أمشي من هنا بس من بعد مرض بكيزة هانم وهو قرر إني أكون طبيبة القصر ونقلني لغرفة تانية بعيدًا عن الحرملك،.

قالت ثم أحنت رأسها وتراجعت للخلف وأكملت بعد إذنكم. وبعدها رحلت نحو إيزابيلا من جديد التي استقبلتها بحماسة وبابتسامة واسعة وهمست لها ماذا حدث؟
لتجد الأخرى تبتسم ابتسامة ماكرة وهمست لها السؤال ده ما يتسألش لسفيرة إبليس، بس فكك، أنا مش عارفة جبت كمية الأدب دي منين! ده محمد لو كان سمع الحوار ده كان أغمى عليه أقسم بالله..

بينما بكيزة كانت تتمشى بجانب أختها بصمت حتى نطقت أخيرًا الفتاة جيدة، نعم هي ليست من عائلة لكن ابننا واقعٌ لها، وهي أصبحت طبيبة وسيكون لها مكانة جيدة! من رأيي وافقي على تلك الزيجة فلا نريد مصيبة أخرى، يكفي المصيبتان اللاتي لدينا!
توسعت أعين جورنال ونظرت لها بصدمة أنتِ من تقولين هذا!

رفعت بكيزة كتفيها وأجابت نعم، لقد رأيتِ ما حدث لي بسبب تصميمي على رأيي، وليد قد طعنني فجأة والآخر قال لي أنه يكرهني، ولندرس المعطيات التي لدينا، محمد لا يطلب أية جارية للخلوة منذ مدة طويلة، هل تظنينه سيصمد طويلًا؟ ماذا لو تزوج بها في السر؟ أظن من الأفضل ألا نعطيه تلك الفرصة، اجعلي الأمر أمركِ بدلًا من أن تكوني مغصوبة عليه.
ابتسمت جورنال ومزحت تغيرتِ كثيرًا يا أختي!

نعم، وصدقيني أتمنى أن يعود بي الزمن كي لا أغصب عمر على الزواج وكي لا أهدده، هذا الوغد الأحمق لقد اشتقت له كثيرًا، هو يظنني لا أحبه لكنني أحبه حقًا وكنت أغصبه لأجل مصلحته، لكن عندما كنت على مشارف الموت أدركت أن لا شيء يستحق في تلك الحياة.
هو سيعود لا تقلقي، محمد قال بأنه سيتكفل بالأمر، تنهدت جورنال وهي تربت بيديها على ظهر أختها وأكملا المشي.

في اليوم التالي كان محمد يجلس في غرفة مكتبه لكنه وجد عمر يقتحم المكان كالثور الهائج بعد أن ضرب الباب بقدمه ودخل يصرخ أين هي؟ لا أحد غيرك سيفعلها لا تحاول الإنكار حتى!
في السجن، أجاب محمد ببرود وهو يرجع بظهره ليستند على الكرسي الذهبي
لماذا يا لعين! ما الذي فعلته هي لتضعها بالسجن؟ صرخ مهرولًا نحوه وضرب بيده على المكتب بكل قوته.

كانت تمارس الزنا، قبضت عليها في السرير مع رجلٍ آخر، زوجة مشرفة، هنيئًا لك!
تصنم الآخر في مكانه واخترق محمد بأعين ضيقة وسرعان ما سخر أنت كاذب، لم يحدث أي شيء من هذا، لأنني قبل أن آتي إليك ذهبت إلى المنزل الذي كانت تعمل فيه من قبل وقد قالوا بأنهم لم يروها منذ الإسبوعين!
رفع محمد إحدى حاجبيه بمكر وتمتم بطريقة مستفزة إذًا تعترف بأنها عاهرة فعلًا؟

كانت عاهرة. ثم ما الفرق بيني وبينها بالأساس؟ أنا أفعل نفس الذي تفعله هي، أم لأنها أنثى فلا يحق لها التوبة وعيش حياة نظيفة وستظل ملعونة إلى الأبد! دلال قد توقفت وأنا وعدتها بحياة جديدة، وعدتها بمساعدتها إذا ساعدتني! صرخ في وجهه من جديد
هذه الزيجة لن تتم، حتى لو صرخت للسنة القادمة، لن تتم، قال محمد بلا مبالاة وكأن صرخات الآخر وملامحه المجنونة لا تحرك في نفسه أي شيء.

لكنه فوجئ بأعين الآخر تترقرق وتمتم بصوتٍ مبحوح أرجوك يا أخي اخرجها، هي لم تفعل أي شيء، لقد كانت لا تريد لكنها وافقت لأجلي، أرجوك...
صك محمد على فكيه بضيق ونفخ الهواء من أنفه وهو ينظر إلى السقف وسرعان ما أنزل رأسه ونظر للجانب الآخر وهو يتمتم اذهب إلى زيدان، خذها وأرحلا..

كانت دلال متكورة على نفسها في الأرض في زنزانة مغمورة بالمياه وفارغة تمامًا، كان محمد باشا قد أمر الحارس بإغراق الزنزانة لجعلها لا تستطيع الجلوس أو النوم، هي لم تتصوره بهذه القسوة، ولوهلة شعرت بأن اتفاقها مع عمر كان خاطئًا، هي لم يكن عليها فعل تلك التمثيلية، لكن عمر أغراها بالنقود وبجعلها تسافر إلى بلدٍ آخر حيث لن يعرفها أحد وحينها تستطيع الزواج وبناء الأسرة التي لطالما حلمت بها.

رفعت يدها المرتعشة لتمسح على عينيها حتى فوجئت بباب الزنزانة يُفتح ويظهر عمر من خلفه فنهضت بدون تصديق وهرولت نحوه بسرعة وكأنه طوق النجاة
احتضنها الآخر وربت على ظهرها اهدئي، ستخرجين الآن، لم أكن لأسمح له بحبسكِ، هيا..
فور خروجهما نظر لها عمر بقلق وهمس هل قلتِ شيء؟ فسارعت بالنفي برأسها لا، لقد صممت على أنني أحبك وسنتزوج.
ضحك بخفة وتمتم رائع، سأزيد لكِ النقود.
لكن إلى متى سنستمر بتلك المسرحية؟

حتى أجد فتاة أتزوج بها؛ فلو رجعت إليهم وأنا ما زلت أعزب لن تتركني أمي وشأني وستحادثني عن بنت ملعون باشا، لكن حين أتزوج بالفعل فلن يكون أمامها إلا الإستسلام إلى الأمر الواقع..

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W