قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل الثامن عشر

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل الثامن عشر

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل الثامن عشر

دخلت إلى جناحه هذه المرة مع علمها تمامًا بأنه من أخبر أمه بأن ترسلها له لكنها وجدته يمثل المفاجأة مرة أخرى
أنتِ ثانيةً!
رفعت حاجبها الأيمن بمكر وأجابت بطريقة لعوبة تخيل!
رمقها بأعين ضيقة ثم حمحم وهو يعدل من ياقة ثوبه القرمزي المطرز بالنقوشات الذهبية جيد، كنت أريدكِ بخصوص برستيجي.
أصفر وجهها وراقبته يتحرك ليجلس على الأريكة ويطالعها بأعين غاضبة كيف سولت لكِ نفسكِ الهرب من منزلكِ لأجل رجل؟!

أخفضت رأسها ولم تجيب فأكمل لم أتصوركِ هكذا! خيبتِ ظني بكِ كثيرًا!
كانت قد بدأت تشعر بالغضب لكونها تعرف أن كلامه صحيح لكنها لم تمتلك أي فرصة للدفاع عن نفسها وإلا ستكون كاذبة ولن يثق بأي كلمة ستقولها له مستقبلًا،
نهض ليقف أمامها ليكمل بانفعال هل فكرتِ حتى فيما كان سيحدث لكِ؟ أيتها الغبية الحمقاء، كنتِ لتصبحي كقطعة اللحم المكشوفة التي سينهش فيها كلاب الشوارع!

ولأجل رجل! صرخ فجأة فانتفضت بخوف وتراجعت خطوتين للخلف
وليس أي رجل، رجل وغد ولعين، ما اللعنة التي كانت في رأسكِ؟ أكمل صراخه ثم رمقها بغضب وزفر بضيق وهو يسحب خصلات شعره للخلف،
ثم أكمل لكن بنبرة هادئة هل فكرتِ حتى في والديكِ؟ أم أنكِ كنتِ أنانية كفاية لكي تفكري في نفسكِ فقط وتهربي دون إعطاء أي إعتبارٍ لهم؟

بدأ كلامه يؤثر بها؛ فإن لم تكن قد هربت مع برستيجي فهي قد هربت فعلًا وتركت والديها، كانت أنانية تمامًا مثلما قال محمد،.

الله أعلم ما الذي يحدث لهما الآن، ألا تفكرين في كيف أن أمكِ وأبيكِ يبحثان كالمجنونين عنكِ الآن؟! ولو ظننتِ بأن ذلك سيجعلني أترككِ فلا لن يحدث! لأنكِ من تسببتِ بهذا لنفسكِ كما أنكِ لستِ حرة بعد الآن، كنتِ حرة سابقًا لكنكِ من مشيتِ إلى حياة العبودية بقدميكِ عندما هربتِ من منزلكِ وهذا أقل عقاب لكِ.
رفعت يدها لتمسح عن عينيها بعض الدموع دون أن تفتح فمها بحرف، بل أخفضت رأسها لتتجنب النظر له.

لقد هربتِ من ملاذك الآمن في وسط والديكِ، غبية! ألا تعلمين أنهما سندكِ الوحيد بتلك الحياة؟ انظري إلى نفسكِ الآن بدونهما، جارية لدي! هل كان سيصبح الوضع هكذا لو لم تهربي؟
وأين برستيجكِ الآن؟ أين هو حقًا؟ ليس له وجود! أتعلمين لماذا؟ لأن من تتخلى عن أبويها لأجل رجل سيتخلى عنها الجميع حتى هو نفسه.

بدأت تبكي أكثر ووجنتيها توردتان لكنه رمقها بضيق وهمهم يمكنك النوم على السرير بمفردكِ، أنا سأنام على الأريكة، وحتى تشرق الشمس ونجد برستيجي اللعين هذا لا تحادثينني يا هاربة.
ثم تحرك نحو الأريكة ليلقي بجسده عليها وأغمض عينيه، لكن صوت بكائها الذي يعلو شيئًا فشيئًا منعه من النوم، كان بالكاد يمنع نفسه من النهوض لها لأنها يجب أن تندم على ما فعلته وتعرف عواقبه،.

لكنه فتح عينيه بتردد ليختلس النظر نحوها، جالسة على السرير تكوب وجهها بين يديها وتبدو مفطورة من البكاء،
حاول إغماض عينيه وتجاهلها لكنه سرعان ما فتح عينيه مرة أخرى واعتدل على الأريكة ليتنهد وينهض ليتوجه إليها ثم جلس بجانبها وتمتم توقفي عن البكاء!
لكنها لم تتوقف وهذا دفعه ليمد يديه ويحيط بها ليحتضنها وهو يربت على رأسها فدفنت رأسها في صدره أكثر وهي تكمل بكائها،.

لم يتكلم، تركها تبكي حتى هدأت ووجد رأسها تسقط على ذراعه، هذه الفتاة غريبة، تنام في أي وقت وفي أي مكان!
ابتسم رغمًا عنه وحركها ليجعلها تنام على السرير وكان سيتحرك نحو الأريكة لكنه وجد يديها متشبثةً به فضحك وهمس بصوتٍ منخفض رغم علمه تمامًا بأنها نائمة حسنًا! أنتِ التي تريدين هذا هذه المرة! وسرعان ما تمدد بجانبها ليغفو هو الآخر.

استيقظا في نفس الوقت صباح اليوم التالي لتجد نفسها في حضنه مرة أخرى، عينيها منتفخة من البكاء وشعرها فوضوي وتبدو في حالة يرثى لها عكسه! بدى جميلٌ جدًا وخصوصًا عندما ابتسم فظهرت غمازتيه
أبقت نظرها معلقًا عليه لوهلة لكنها وجدته يمزح تحرشتِ بي مرة أخرى! سأسميكِ عائشة المتحرشة!
انتبهت وسارعت بالإبتعاد عنه بإحراج فرمقها بطرف عينيه واعتدل في جلسته ليرجع شعره إلى الخلف وهمهم هل أنتِ بخير؟

أومأت بهدوء فضحك تبدين هادئة! لا أحبذكِ هكذا لأكون صريحًا، أفضلكِ وأنتِ مشاكسة!
نظرت نحوه باستغراب فأكمل أعلم، الوضع يبدو غريبًا! لكن لا أعلم، أحب عندما تهرتلين بكلامٍ جديد أول مرة أسمعه أو أعرفه بلهجتكِ المختلفة تلك، لذلك لا أحبكِ صامتة!
رأى ابتسامة خافتة تنمو على شفتيها فابتسم أيضًا ونهض ليتوجه نحو الخزانة،.

علقت عينيها عليه، تفحصته جيدًا، تتذكر كل ما حدث ليلة أمس، شعرت بضربات قلبها تعلو، ربما هو ليس بذلك السوء، إنه لطيف وبشدة لكنها متأكدة تمامًا بأن له وجهًا آخر لم تره حتى الآن.
التفت لها بعد أن أخرج ملابسه فأخفضت عينيها عنه إلى يديها لتلعب بأصابع يدها بتوتر.

يمكنكِ استعمال المرحاض الآن لغسل وجهكِ وترتيب شعركِ، تبدين كالقطة المتشردة! سخر فعقدت حاجبيها ورفعت رأسها نحوه بغضب، أهذا هو اللطيف الذي كانت تتحدث عنه منذ قليل!
هيا! اسرعي لأنني أريد الاستحمام! تذمر فنهضت بتكاسل لتتحرك نحو المرحاض ببطء وسمعت تذمره مرة أخرى ببطءٍ أكثر!

نفخت الهواء من فمها ثم دخلت وأغلقت الباب لتتفحص وجهها في المرآة، كانت ستبكي مرة أخرى لكنه غسلت وجهها بسرعة وهي تقسم بداخلها بأنها سترجع لوالديها مهما كلفها الأمر.
تناولا الإفطار سويًا كعادتهما منذ جائت إلى هنا، حتى أنه بدأ يألف تناول الطعام معها كل يوم قبل أن يرحل،
مد يده إليها بلقمة وهو يضحك كلي، وجنتيكِ شاحبتين من بكاء الأمس!

أكلتها من يده بصمت فنظر لها وقهقه عاليًا حتى أُغلِقت عيناه لم أسمع صوتكِ منذ الأمس! هذه ظاهرة كونية لا تتكرر كثيرًا!
ابتسمت رغمًا عنها وتأملته قليلًا أثناء متابعته لقهقهاته الرجولية تلك وشعرت بالخجل يكتسيها فورًا عندما شعرت بضربات قلبها ترتفع،
ثم من يهرب لأجل رجل يسمى برستيجي؟ إنه اسمٌ سخيف! استفزها عله يسمع صوتها ونجح في ذلك عندما سخرت على أساس إن اسمك هيثم! مش أبوك اسمه البستانجي؟

قهقه مرة أخرى ومد يده ليبعثر شعرها لا دخل لكِ بالبستانجي باشا يا زنديقة.
أنا برضوا اللي زنديقة يا بتاع آ، قاطعها ضاحكًا لا تكملينها، لا تكملينها وإلا سأضطر لمعاقبتكِ!
صمتت وهي تبتسم لكنها سرحت مرة أخرى متذكرةً والديها ولم تشعر إلا ودمعة تسقط من عينيها مما دفعه للتوقف عن الضحك ونظر نحوها بأسف
حسنًا، ما رأيكِ بالخروج نحو الحديقة؟ الخروج من الحرملك أو القصر عمومًا غير مسموح للجواري لكننا سنتسلل..

مسحت على عينيها وسخرت هنتسلل ليه؟ هو مش أنت الوالي يا ابني؟
حك عنقه وأردف ضاحكًا لو سمحت لكِ بالخروج سيتعين علي السماح لباقي الجواري بالخروح! لذلك سنخرج خِلسة.
على فكرة كنت عايزة أكلمك في الموضوع ده، ليه حابسهم؟ من حقهم يطلعوا يشموا هوا جديد.

لكي لا يهربن! أردف بثقة فنظرت له بشفقة، هو يظن أنهن سيهربن في حين أن لا واحدة منهن ستفعل، لكنه سيخرج الآن الجارية الوحيدة التي تريد الهرب فعلًا! كم أن الرجال أغبياء!

ليس الأمر وكأنني أهتم إن هربت إحداهن، لكنني لن أحبذ أن تفعل جارية من جواريّ هذا ومن تفعل فإنها تستحق القتل لأنها بفعلتها ستسبب لي بلبلة كثيرة، فتخيلي أن يتداول العامة أن جارية الوالي هربت منه؟ لماذا؟ بالطبع لأنه ليس برجل! أكمل فابتلعت لعابها بقلق
ما فكرتش تحررهم؟ سألت بتردد وهي تحك ساعدها
لماذا سأفعل؟ إن القانون ينص على أن الوالي أو السلطان يجب أن يمتلك حرملك.

ده قانون غبي متخلف، ومش كل حاجة أتولدنا لقيناها تبقى صح، فيه حاجات كتير غلط ومحتاجة تتصلح، يعني أنت مثلًا..
عقد حاجبيه وذم شفتيه فأكملت عايز تقضي حياتك كده؟ بتتنقل من واحدة لواحدة؟ مش شايف إنه فِعل حيواني ينافي الفطرة البشرية؟
هذا هو الشرع، مثنى وثلاث ورباع وما ملكت أيمانكم! جادل فزمجرت سيدنا آدم ربنا خلقله أنثى واحدة، هي دي الفطرة اللي اتخلقنا عليها!

استنشق دفعة عميقة من الهواء ونظر لها بنظرة مريبة ثم سأل بنبرة مهددة إذًا أنتِ ترفضين فكرة الحرملك؟!
ابتلعت لعابها وبدت خائفة لوهلة لكنها استجمعت شجاعتها أخيرًا لتجيب بإصرار أيوة رافضة! وماحبش أكون بحب واحد وينام في حضني ويروح تاني يوم ينام في حضن واحدة تانية حتى لو زوجته!
شدد على فكه ولمرة أخرى اعترض أنتِ تخالفين الشرع، هل تعلمين هذا؟

محمد، لو بتحب واحدة والواحدة دي تبقى زوجتك، وراحت أتجوزت عليك راجل كمان وقالتلك ده الشرع، هتحس بالخيانة ولا لا؟
بالطبع سأفعل! وسأقتلها، لكن الأمر مختلف، أنا رجل! ويحق لي ما، قاطعته بنبرة منفعلة وغاضبة.

إذا كنت أنت هتحس بالخيانة ليه بتفترض إن الأنثى مش هتحس بيها؟ النساء بيحسوا زيهم زيك، عندهم مشاعر وعندهم كرامة وعندهم قلب كمان، بس مشكلتك أنت وباقي الرجال إنكم شايفينا كائن أقل منزلة منكم، حتى أقل منكم في المشاعر، وكأن مش من حقنا حتى نحس ونشعر! مع إننا مش أقل منكم ولا حاجة، إحنا زينا زيكم ولينا مشاعر وبنتقهر من الخيانة اللي هي بالنسبالكم شرع مش خيانة!

كانت عينيه متوسعة بشدة ويطالعها بملامح مشدوهة مصدومة ولم يستطع التفوه بحرف وكأن لسانه قد قُطع وجف حلقه تمامًا فكان من الصعب عليه ابتلاع لعابه حتى.

لو بتحب واحدة، هتبقى مبسوط وأنت بتخونها وتقضي ليلة مع واحدة غيرها وأنت عارف ومتأكد إنها مش هتعرف تنام حتى من كتر الخنقة والقهرة؟ لو إجابتك نعم فأنت مابتحبهاش ولا هتعرف تحب أي واحدة وهتعيش وتموت بتتنقل من حضن دي لحضن دي بس مش هتلاقي واحدة تحضنك وأنت مكسور وضعيف.
أشاح بوجهه عنها وأخفض رأسه نحو الأرض وهو يغمض عينيه ويزفر بضيق محاولًا تمالك أعصابه بقدر المستطاع حتى هدأ قليلًا ورفع رأسه نحوها.

أفكاركِ ومعتقداتكِ غريبة وشاذة والأهم من كل هذا خطرة!
طبعًا خطرة، عشان بتهدد مصالحكم الذكورية! بس لو قولت كلام يدعم موقفكم الذكوري أكيد مش هيكون كلامي غريب وشاذ بالعكس هتصقفلي وهتعتبرني عبقرية وعظيمة!

أخذ نفسًا عميقًا ورفع سبابته في وجهها إياكِ أن تتفوهي بهذا الكلام أمام أي أحد ولا حتى أمي، هل سمعتني؟ ولا أي أحد حتى أمي! لو فعلتِ فستكون عواقبه وخيمة على كِلانا لذا ابقي فمكِ مغلق يا عائشة وهذا ليس بطلب بل هو أمر وستنفذينه رغمًا عن لسانكِ.
ثم نهض لينفض يده ويزمجر لا حديقة.
نهضت هي الأخرى لتسخر مش فارق معايا، الي فارق معايا أنت عارفه كويس.

كانت سترحل لكنه أمسك بذراعها ليديرها له بعنف ويصرخ في وجهها لماذا تصعبين كل شيء واللعنة؟
عشان كل حاجة بالفعل صعبة! بس بالنسبالك سهلة جدًا فمش حاسس! ليه هتحس بالوجع مادام مش أنت الي بتتخان؟ وليه هتحس بالضيق مادام مش أنت الي محبوس؟ ليه هتحس بالذل مادام أنت حر؟
صك على أسنانه وزمجر هل رأيتينني برفقة أي جارية لعينة منذ جئتِ إلى هنا حتى!

لا، بس أكيد هشوفك، لو مش في الحاضر فهيبقى في المستقبل! هتخونني زي ما خونت باقي الجواري، صرخت هي الأخرى فرمقها بغيظ وترك يدها
ارحلي، لا أريد التحدث معكِ أكثر لأنني لن أكون سعيدًا إذا رأيتينني غاضبًا وأنا بالكاد أتمالك أعصابي.
أومأت له وتحركت نحو الباب لتفتحه لكنها همست ساخرة قبل أن تخرج كما تريد جلالتك، أوامرك واجبة النفاذ.

فور إغلاقها الباب سمعت صوت شيئًا يتكسر في غرفته فتصنمت في مكانها لتستمع لصوت أشياء أخرى تتكسر لكنها هرولت بسرعة عندما وجدت باب جناحه يُفتح ويخرج منه بوجهٍ مشتعل عاصفًا نحو الدرج، كانت تعرف أنه عصبي وهي قد استفزته كثيرًا، لكنها لم تشعر بأي ذرة ندم على ما فعلت؛ فهذا الرجل يجب أن يتعلم إحترام الإناث، ويجب أن ينظر لها كإنسان.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W