قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل التاسع والأربعون والأخير

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل التاسع والأربعون والأخير

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل التاسع والأربعون والأخير

استيقظت في اليوم التالي بابتسامة مشرقة ماكرة على محياها، اليوم، اليوم هي ستسود حياة محمد باشا البستانجي إلى الأبد!
من فرط الحماس تكاد لا تنتظر لكي يتم الزفاف بل ترغب بالذهاب إليه وجر قدمه نحو شجار آخر الآن لكن الوصيفات اللاتي اقتحمن غرفتها ليبدأن بتجهيزها لم يعطينها فرصة فاستسلمت لكونها ستتشاجر معه لكن بالمساء.

لم تتصور أنها لن تشعر بالوقت هكذا وبأن خمسة ساعات قد مروا لتجد نفسها متجهزة تمامًا وبجانبها نورة وإيزابيلا وجورنال وبكيزة جميعهن في أبهى حلة أيضًا
أمالت عليها نورة وهمست بخبث ابتسامتك هتشق وشك ياختي، متأكدة إنك هتنكدي عليه؟!
أنا فرحانة عشان هنكد عليه، همست الأخرى لها فسخرت منها نورة والله! لتؤكد لها الأخرى وهي تنهض لتمسك بفستانها مستعدة للخروج هتشوفي على فكرة..

ترجلت إلى الخارج، حيث سيقبع كل شيء، لم يكن الأمر مبهرج كثيرًا بل فقط الكثير من الطاولات والزينة والورود منتشرة في كل مكان، موسيقى؟ لا، لا يوجد موسيقى
كان حفل الزفاف عبارة عن عقد الشيخ لقرانهما أمام الجميع ثم إضافة المعازيم بأفخر أنواع الطعام، كما أن الطعام يُوزع على الفقراء والمساكين في أرجاء المحروسة منذ فجر اليوم.

هل يرى أي شخصٍ وجهها؟ الإجابة لا، محمد أمر بإدلاء شال شفاف على وجهها لكي لا يرها أحدهم متزينة، لكن ملامحها كانت ظاهرة بوضوح إن اقتربت منها
كان يقف هو بحزم مرتديًا أفخم الثياب الملكية التي تكونت من ثوب أسود منقوش باللون الذهبي وعلى رأسه قبع تاجه الذهبي أيضًا، محمد هذب شعره ولحيته ولم يحتج أكثر من هذا ليبدو فاتنًا تمامًا.

كان يقف خلفه المأذون الشرعي وعلى الجهة الأخرى وقف عمر يربت على كتفه من الخلف بابتسامة واسعة حتى ظهرت، بفستانها الأبيض الذي جعلتهم يحيكونه لها مخصوص، ولا يعلم من أين استخرجت تصميمًا كذلك، لكن، هي عائشة! ليس من الصعب عليها اختراع شيء.

كان يحاول البقاء ثابتًا بقدر الإمكان لكن عينيه مرت على كل إنشٍ بها، كم بدت فائقة الجمال في نظره في تلك اللحظة! وكأن لا أنثى جميلة غيرها، بينما هي قد تناست كل شيء بشأن توعدها له
نمت ابتسامة جانبية على وجهه عندما تلاحمت أعينهما حتى وصلت أخيرًا لتقف أمامه، حدقت إلى زرقاوتيه بسعادة فتوسعت ابتسامته أكثر، فوجئت به يميل عليها ليهمس في أذنها سأنام على الأرض بجانبكِ.

ضحكت بخفة وأخفضت رأسها بخجل دون أن تجيبه فقاطع لحظتهما تلك صوت المأذون إذًا، نبدأ ببركة الله تعالى؟
أومأ كلاهما بسرعة فهربت ضحكة خافتة من محمد بينما ينظر لها وهو يقضم شفتيه في حين قهقهت باحراج وتحركا ليجلسا أمام بعضهما على الطاولة والمأذون في المنتصف.

امسكا بأيدي بعضكما، سأجهز الأوراق، قال المأذون فمد محمد يده لها ووضعها على الطاولة ناظرًا لعينيها فرفعت يدها بخجل وامتدت أناملها لتلمس يده فسارع بالقبض على يديها مما جعلها ترفع يدها الأخرى لتخبئ بها وجهها بابتسامة خجولة
وقفت نورة خلف عائشة لكنها نظرت لعمر الذي يبدو وسيمًا بشدة في ذلك الثوب الرصاصي ثم تحركت نحوه.

فوجئ بها عمر تتقدم لتقف بجانبه، الجميع قد انتبهوا لهذا من ضمنهم محمد الذي حرك رأسه ورمق عمر بابتسامة ذات مغزى لكن أعين الآخر قد تعلقت على أمه التي تنظر له ولنورة بابتسامة أيضًا فغمز نحوها خلسة ليجعلها تضحك وتشير له أن يأتي إليها فتحرك لأول مرة منصاعًا لها وحين وصل هو قد أمال عليها ليقبل رأسها وهمس في أذنها بخفوت
خطتكِ قد نجحت، يبدو أن التجاهل قد أتى بنتيجة سريعة!

أومأت له وهي تربت على رأسه وطبعت قبلة على وجنته في حين تقدم منهما وليد بابتسامة ماكرة الله الله! ما هذا؟ لقد أجتمع أهل الشمال وأهل الجنوب أخيرًا؟
نظر له عمر بطرف عينيه وسخر مازحًا اخرس يا عاق.
أنا! سخر وليد هو الآخر فأومأ له عمر وتحدث بطريقة جيدة مع أخيك الكبير، ستحترمني من الآن فصاعدًا.
قهقه وليد عاليًا ودفعه في كتفه وهو يسخر في أحلامك.

كان عمر سيتكلم لكن حمحمة من محمد الذي صاح عليهما بطريقة أخافتهما هلا تصمتان؟
تحركا بسرعة ليعودا لأماكنهما ثم أمال وليد على عمر ليهمس أقسم بأن لا أحد يخيفني أكثر من أخيك هذا.
انظر له حتى في زفافه يعقد حاجبيه ويحاول إخافة المعازيم، همس له عمر هو الآخر.

لكن نظرته تتبدل عندما ينظر لشيطانته تلك، أحاول عدم الضحك بصعوبة، أكمل وليد همسه ليضع عمر يده على فمه مخبئًا ضحكته ليجدا محمد يرمقهما بأعين ضيقة متوعدة، هل سمع؟
وضع عمر يده جانبًا وحاول السيطرة على نفسه فهدأ قليلًا
عقبالك، همست له نورة فأومأ وحمحم ممثلًا الصرامة وعقبالكِ أيضًا..
تفتكر؟
لا تيأسي من رحمة الله، ربما ستجدين من يهتم لكِ هنا، الرجال كثيرون ومعظمهم من الباشاوات..

بس انا بحب الباكاوات، همست فحمحم ورفع يده ليعدل من ياقة ثوبه وأشار لها على أحد الرجال وهمس هذا الرجل هناك بيك، وهذا أيضًا، والذي يرتدي ثوب قرمزي هناك..
انت بتستعبط؟ زمجرت فجأة وكان صوتها عاليًا فتوجهت الانظار نحوهما مما جعله ينظر لها باعين متوسعة ثم أمال عليها وهمس بنبرة ماكرة هل تريدين بيك معين؟!

نظرت له بضيق وصكت على فكيها فرمقها بابتسامة واسعة وأمال عليها ليهمس من جديد لكن بطريقة جدية اسمعي، لن أكرر عرضي لثلاثة مرات، لذا أمامكِ فرصة ثانية وأخيرة لتفكري في عرضي القديم.
تهللت أسارير وجهها وارتفعت شفتيها بابتسامة ثم أخفضت رأسها بخجل فعلق هو عينيه عليها وضحك بخفة ثم وقف بصرامة من جديد.
نظر المأذون لعائشة وقال بصوتٍ جهوري.

قولي خلفي يا هانم، أنا عائشة جمال، البكر الرشيد زوجتك -محمد البستانجي- نفسي على كتاب الله وعلى سنة رسول الله وعلى الصداق المسمى بيننا.
شعرت بأن النار تشتعل في وجهها من الخجل وحمحمت لتنظف حلقها ثم نظرت إلى أعين محمد من جديد لتردد بنبرة منخفضة بدت خجولة وجميلة له
أنا عائشة جمال، البكر الرشيد..

فور قولها للرشيد وجدت محمد يرفع يده لامسًا أنفه بخفة محاولًا عدم الضحك، وهي فهمت لماذا يضحك فشددت على يده وأعطته نظرة مهددة فأومأ بصمت ليدعها تكمل بضحكة مكتومة
زوجتك نفسي على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى الصداق المسمى بيننا،
نظر المأذون إلى محمد ليردف ردد خلفي جلالتك، قبلت زواج عائشة جمال البكر الرشيد، على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى الصداق المسمى بيننا.

رفع محمد عينيه لها وأردف دون أن يحيد بعينيه عنها وهو يقبض على يديها بقوةقبلت زواجك على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى الصداق المسمى بيننا. لتشعر بقلبها ينبض بشدة وكأنه سينخلع من صدرها.

جمع الله بينكما في الخير، مبارك لكما، قال المأذون فأفلتا أيدي بعضهما رغمًا عنهما ليبدأ كلاهما بمصافحة الناس الذين يباركون زواجهما، كان هناك حفل في قاعة الاستقبال حيث هناك فرقة موسيقية ومطرب لكن محمد قرر عدم حضوره؛ فهو كان دائمًا وأبدًا كارهًا للحفلات
لذا فهو آثر الدفع بعمر ليذهب بدلًا عنه هامسًا في أذنه اخبرهم بأنني توعكت فجأة ولا أستطيع الحضور، وأنني شاكرًا لهم على مجيئهم لتهنئتي.

مما جعل عمر ينظر له بنظرة ماكرة ويهمس بنبرة صوت أمكر ألا تستطيع الإنتظار لساعتين أو ثلاثة! هي لن تطير!
لكن محمد نكزه في كتفه ونطق من تحت أسنانه كن جيدًا لمرة واحدة في حياتك وافعل المطلوب منك.
سيكون منظرك ليس بجيدٍ لو علم الحضور أن العريس توعك في ليلة زفافه! أنا فقط أقول هذا لمصلحتك، لا تريد أن يتداول العامة أن العريس قضى ليلته محمومًا ومتوعك على سريره، صحيح؟

فكر محمد لوهلة، وسرعان ما دفع بعمر ومشى معه مزمجرًا لكنني سأنتظر لساعة فقط، وبعدها سأرحل وأنت ووليد ستقفان بدلًا عني.
أومأ عمر وغمز له ساعة واحدة! تبدو مستعجلًا على شيء، خير؟! فرمقه محمد بطرف عينيه وآثر تجاهله لكن ذلك لم يوقف عمر الذي أكمل بخبث
كنت لأود نصحك وهكذا لكنك خبير بالفعل، أظنني أنا من سأحتاج للنصائح في ليلة زفافي! لكنه فوجئ بمحمد يتوقف وينظر له بمكر ثم سخر.

ليس الذي في عقلك، أنا وهي قد تشاجرنا بالأمس وأنا أريد الرحيل لجعل ليلتها سوداء فوق رأسها، لأنها هددتني بأنها من ستجعلها سوداء لذا أنا أريد تكديرها أولًا.
عقد الآخر حاجبيه ونظر له بفكٍ ساقط ثم نهره لا لا! ما الذي تتفوه به أنت! إنها ليلة زفافكما! هل ستتشاجران حتى في ليلة الزفاف!
لا دخل لك أنت، هذه تحتاج للتربية وأنا سأربيها، قال بثقة تامة ووجد الآخر يضحك عاليًا بطريقة مجنونة.

منذ رأيتها وأنت تقول تلك الجملة وبعدها لا تفعل شيء، لا أعلم حقًا من الذي يربي الآخر!
لا، هذه غير كل مرة، أنا أصبحت زوجها..
نظر له عمر بدون تصديق لكنه ربت على ظهره كان الله في عونك يا أخي..

وقف على باب جناحه بعد ساعة بالضبط، أخذ شهيقًا عميقًا وأخرجه بهدوء ثم مد يده ليفتح الباب ودخل مغلقًا إياه خلفه ليجدها تقف أمام المرآة تعدل من هندام شعرها، لكنها نظرت له من خلال المرآة ويديها تعلقت في الهواء، راقبته يتقدم منها دون أن يحيد ببصره عنها وعند وصوله ليقف خلفها تمامًا كان قلبها قد بدأ ينبض بقوة بالفعل،
ألقى نظرة عليها، فستان أبيض شبه شفاف عاري الكتفين أفقده صوابه كليًا، هي فقط خلابة.

نظر لعينيها في المرآة ورفع يده ليخلع التاج عن رأسه لتفاجئ به يضعه على رأسها وهو يبتسم بتوسع؛ فهو قرر إهداءه لها كمهر لأنها تنازلت عن المهر لكي تحرر باقي الجواري، لكن هذا جعله يشعر بالضيق وأراد إهدائها شيء قيم، ولم يجد أغلى من تاجه ليعطيه لها،
استدارت له ورفعت رأسها لتقابل زرقاوتيه من جديد.

يبدو جميلًا عليكِ، همس وهو ينظر لكل إنشٍ من وجهها الذي زينته مساحيق تجميل لطيفة وشعرها مسدولًا على جانبيه بنعومة فضحكت بطفولية ورفعت يدها لتعدله على رأسها وهمست بطفولية بجد؟ أليق كملكة؟
علت قهقهاته وتمتم بصوتٍ دافئ مُحبب لمسامعها تليقين كملكتي.

شعرت بالخجل يكتسيها تمامًا وأخفضت رأسها فوقع التاج عن رأسها إلى الأرض فأنحنى كلاهما في نفس الوقت ليلتقطاه لكن يدها سبقته فأمسك هو بيدها الممسكة بالتاج ثم جذبها ببطء لتقع على صدره وأحاط خصرها بيديه
محمد، همست وهي تحاول النهوض لكنه تشبث بها جيدًا هامسًا هو الآخر أنا أهيم بكِ يا قلب محمد النابض.
هدأت حركتها وابتسمت بخجل من جديد وأنا كمان، بحبك.

رفع يدًا ليبعد بها خصلات شعرها عن وجهها ليتأملها قليلًا ثم اقترب لاثمًا شفتيها في قبلة جعلت قلبها ينخلع من قوة ضرباته،
ابتعد عنها بعد فترة قاطعًا قبلتهما تلك ليعطها فرصة لتتنفس بينما أكمل هو تأملها بعينيه حتى رفعت عينيها لتحدق في زرقاوتيه، وهي لأول مرة شعرت بأنها لو امتلكت حرية الاختيار في تجرع السحر والسفر بالزمن وخوض كل تلك المصاعب والحصول على قبلة كتلك من رجلٍ كهذا، فهي حتمًا كانت لتتجرعه.

شعرت فجأة بدوارٍ في رأسها وبدأت الصورة أمامها تهتز وتتشوش بطريقة سيئة
حاولت تحريك جسدها أو مد يدها إلى محمد وحاولت الصراخ باسمه كي يفعل أي شيء لكنه بدى وكأنه لا يرى ولا يسمع، مازال ينظر لها بنفس الابتسامة ونفس نظرة عينيه!
ابتلعت لعابها بصعوبة وشعرت بالألم في رأسها، لا بل تغلغل في كل خلية من عقلها، ألم كبير لا تستطيع تحمله، أغمضت عينيها ووضعت يديها على رأسها لتصرخ عاليًا.

لكنها شعرت فجأة بأن كل شيء يعود إلى طبيعته وفتحت عينيها بتردد فاقشعر جسدها، نظرت حولها، كانت واقفة في غرفتها الصغيرة، نظرت إلى ملابسها لتجدها نفس السترة البيضاء والتنورة السوداء وفي يدها الزجاجة التي كانت تتجهز لتجرعها
ترقرقت عينيها بدون فهم، وشعرت بالألم يضربها مجددًا لكن هذه المرة في قلبها،.

كانت شبه منهارة، الدموع متحجرة في عينيها وتنظر حولها برهبة وألم، لم تكن تصدق ما قد حدث، كل شيء وكأنه رجع إلى طبيعته فجأة لكنها لم تكن على طبيعتها، هي لم تكن في حلم تقسم بأنها لم تكن في حلم، هي قد شعرت بكل شيء، كل لحظة ألم وفرح وحب واشتياق، كانت جميع تلك المشاعر مسيطرة على عقلها تمامًا، تكاد ترى صورته تتمثل أمام عينيها، ابتسامته، عينيه، كل شيء بدى واضحٌ جدًا لأن يكون مجرد حلمٌ عابر!

تحركت نحو إحدى زوايا الغرفة وتكورت على نفسها وبدأت بالبكاء بانهيار، كوبت وجهها بين ذراعيها وأغمضت عينيها وهي تدعو بداخلها أن يكون ما هي فيه الآن حلمًا مزعج وستصحو منه لتجد محمد بجانبها
لكن صوت بكائها كان يرتفع أكثر ولا شيء يتغير، فتحت عينيها من جديد لتعلق مقلتيها الدامعة على الزجاجة التي وضعتها بجانبها على الأرض.

مسحت عينيها وامتدت يدها المرتعشة لتمسك بها، حدقت إليها بدون هدف وكم رغبت بسكبها أرضًا وتهشيمها تمامًا، لأنها متأكدة بأن ذلك السحر هو ما تسبب لها بتلك القهرة وبذلك الوجع.

رفعت يدها وكانت سترميه نحو الحائط ليتهشم في إعتقادٍ منها بأن كل شيء سيعود طبيعي لو تخلصت منه لكنها شعرت بالشلل يصيب جسدها مجددًا ونفس الدوار بدأ يلف رأسها فأغمضت عينيها مجددًا وهي تشعر بالتعب يتملك من جسدها لكن ولمرة أخرى أختفى كل ذلك فجأة فشعرت برغبة في فتح عينيها.

صُدمت عندما وجدت نفسها في نفس الجناح الذي رأته من قبل لكن ما أصابها بالقشعريرة وجعلها تنكمش على نفسها مجددًا هو رؤيتها لنسخة أخرى منها ترقد على السرير.

بدت تلك النسخة نائمة من كثرة التعب، في حين كان محمد يجلس بجانبها يحمل طفلة صغيرة بملامح متهللة وأعين لامعة، بدت الطفلة وكأنها لم تفتح عينيها حتى الآن لكنها تستطيع تمييز شعرها البني ورموشها الطويلة وكل ذلك يعود إليها، لون بشرتها بدى وكأنه ينتمي إليها أيضًا رغم صعوبة تمييز هذا الآن لكنها بدت قمحاوية البشرة، لكن أنفها الصغير الدقيق ينتمي إليه...

بدى وكأنه يحاول تفحص الطفلة بعينيه ولم يستطع السيطرة على فضوله أكثر فامتدت يده بحذر محاولًا فتح عينيها ليفاجئ بصوت البكاء يملئ الغرفة، توتر بشدة ونظر إلى نسختها النائمة على السرير بخوف، وكأنه لا يريد إيقاظها
لكنها استيقظت بالفعل تنظر لها بقلق مالها فيه إيه؟
ابتلع لعابه وكذب لا أعرف! فجأة بدأت بالبكاء هكذا!

أخذتها من يده لتربت عليها محاولة تهدأتها لكنها لم تهدأ، والبكاء قد على أكثر، مما دفعه لأخذها وهو يتمتم ارتاحي حسنًا؟
ثم بدأ بهزها قليلًا حتى هدأت وتوقفت عن البكاء وفتحت عينيها على وسعهما لتنظر إليه، وحينها اصطدم بزرقاوتين مثل خاصته تحدقان إليه ببراءة
عائشة، عائشة! عينيها زرقاء مثلي! نكز عائشة من جديد بحماس ففتحت عينيها واعتدلت بسرعة رغم تعبها لتنظر إليها.

كانت ما زالت هي واقفة في زاوية الغرفة تشاهد بقلبٍ مكسور وشعرت بعينيها تترقرق بالدموع لتفاجئ برؤية نسختها ترفع يدها لتمسح عن عينيها بعض الدموع بابتسامة خافتة
رفع محمد الطفلة قليلًا ليضع قبلة على وجنتها ليفاجئ بصوت البكاء يعلو من جديد، وتلك المرة هو قد انتبه إلى الغمازتين اللتان أنحفرتان على وجنتيها فضحك عاليًا
لديها غمازاتي!
ضحكت نسختها هي الأخرى ونظرت لطفلتها ثم إليه، نعم تشبهه إلى حدٍ كبير.

لكنها تبدو مزعجة مثلكِ، تمتم فوجدتها تقرصه ثم حاولت أخذها من يده طب هات بقى معلش كده، مادام مزعجة مثلي يبقى مالكش دعوة بيها.
لكنه تشبث بها ضاحكًا ابعدي يديكِ وإلا رجعتِ بدونهما.
دي بنتي يابابا! هات البنت، اوعى إيدك كده بس، حاولت أخذها من جديد فنهض عن السرير بها بإصرار هي ابنتي أيضًا!
على أساس إنك أنت اللي كنت حامل فيها! زمجرت فسخر ومن جعلكِ حاملًا من الأساس! هل حملتِ بمفردكِ؟ قدري مجهوداتي!

كانت هي تراقب كل شيء بابتسامة باكية،
مش عايزة أتخانق معاك وأنا تعبانة، هات البنت، تمتمت نسختها فتشبث بها أكثر وطبع قبلة على وجنتها ليردف نامي نامي، أنا سأعتني بها.
أنت بتخليها تعيط وبتصحيني من النوم! صرخت فتوسعت عينيه ليصيح هو الآخر
لم أفعل أي شيء، هي التي تصرخ بدون أي سبب مثلكِ، كنت أعرف أنها سترث طباعكِ وها قد حدث ما كنت خائفًا منه!

لا يا حبيبي بقى معلش، لو فيه حد هنا عصبي وبيتعصب بسرعة فهو أنت، ولا ناسي الجناح اللي كسرت نصه لما قولتلك إني رافضة الحرملك!
ابتلع لعابه وزمجر لقد كنتِ مستفزة، حتى في إبداء وجهة نظركِ.
انتبها على كون الطفلة قد توقفت عن الصراخ وهما اللذان أصبحا يصرخان
أحتضنها محمد أكثر ووضع قبلة على وجنتها ليهمس لها بلطف نمتِ في حضن أبيكِ؟ تحبينه مثلما تحبه أمكِ؟

توردت وجنتيها وفوجئت بالمثل يحدث مع نسختها التي ابتسمت رغمًا عنها، رفع عينيه نحوها وابتسم بتوسع هو الآخر ثم اقترب ليطبع قبلة على شفتيها
نامي، حسنًا؟ لا تقلقي أنا حقًا سأعتني بها وهناك الخادمات، تمتم وهو يمسح على شعرها بيده الأخرى فأومأت وتمددت لتغلق عينيها بتعب
ابتلع لعابه وامتدت يده ليتفحص أذن الطفلة وسرعان ما بدأت بالصراخ من جديد ليجدها تنهض له هات ياض أنت البت دي عشان أنا زهقت منك ومنها.

انتشلتها من يده عنوة ووضعتها في حضنها وهي تربت على رأسها وتهزها بخفة فهدأت، وهذا جعلها تزفر براحة وأسندت ظهرها على السرير لتتأمل ملامح وجهها، عينيها جميلة بشدة، مثل عينيه
كان محمد يتأملهما معًا بابتسامة واسعة، وكأنهما كل شيء أراده يومًا، وكأنهما كنزه الثمين
امتدت يد عائشة لتلمس شعرها لتجد الطفلة تتشنج وتصرخ من جديد وحينها نظر لها محمد بتشفي أرأيتِ! إنها تبكي بدون أي سبب.

عادت الرؤية لتتشوش من جديد وهي تلك المرة بكت بانهيار وبدأ جسدها يتشنج بدون حول ولا قوة، لم تكن تريد الرحيل مجددًا، هي أحبت هذا المشهد وتريد البقاء هنا معه ومع الطفلة حتى ولو كانت بهيئة شفافة ولا أحد يراها،
لكن كل شيء أختفى فجأة لتجد نفسها ما زالت متكورة في زاوية غرفتها ويدها تمسك بالزجاجة التي كانت ستلقي بها
نظرت للزجاجة بجسدٍ مقشعر بعد أن فهمت كل شيء.

مسحت الدموع عن عينيها وقبضت على الزجاجة بشدة ثم وبدون أدنى ذرة تردد هي قد فتحتها لتبتلعها دفعة واحدة.
نظرت حولها فلم يحدث شيء، بدأت تتململ في مكانها وهي تنتظر لأي شيء أن يحدث لكن شيئًا لم يحدث
نادت عليها والدتها فتذمرت وهي تصيح بنبرة متحشرجة حاولت جعلها طبيعية.

حاضر جاية، بايني مش هخلص من البيت ده أبد، لم تكد تكمل جملتها حتى شعرت بضوء شديد يضيء في وجهها جاعلًا منها تغمض عينيها بفرح بعدما أدركت أن العمل قد بدأ مفعوله
بدأت تسمع أصوات غريبة حولها فتوسعت ابتسامتها بمكر ثم صاحت هلا لندن..

تمت
نهاية الرواية
أرجوا أن تكون نالت إعجابكم
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W