قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل الأربعون

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل الأربعون

رواية 1622 للكاتبة فاطمة عبد ربه الفصل الأربعون

في يوم الجمعة كان يمسك بسيفه ويقف أمام يوسف الممسك بسيفه أيضًا والعرق يقطر منهما، يتدربا منذ الساعة والنصف، هناك جرحٌ على ذراع محمد في حين لم يكن هناك أي خدشٍ على الآخر
مسح محمد بعض العرق المتكون على جبهته ووقف مستعدًا لإكمال التدريب في حين أن يوسف بدى وكأنه قد تعب ويريد إنهاء هذا القتال؛ فمحمد باشا بالفعل لا يركز على القتال ويبدو تائهًا وفي نفس الوقت مصممًا على الإستمرار بدون أي هدف.

جلالتك أنا تعبت، يمكننا الإكمال غدًا لو تريد، صاح يوسف وهو يغلق عينيه من الشمس التي تضرب وجهه مباشرةً وكان الآخر على وشك الإعتراض حتى رآها تخرج من باب القصر متوجهة نحو الحديقة ولا يوجد غطاء على رأسها فجعد وجهه وأشار ليوسف بالرحيل ثم توجه برأسه نحوها.

راقبها تتحرك إلى البحيرة وفي يدها كتاب، اليوم يكون قد مر إسبوعان على محادثتهما الأخيرة، وعائشة الآن في الحرملك وبالكاد قابلا بعضيهما لبضع المرات، كان يظنها ستحن قريبًا لكنها لم تفعل بل آثرت الإبتعاد تمامًا وهو أيضًا قد فعل المثل لأنه يظن أن هذا أفضل لكلاهما، ورغم ذلك هو قد اشتاقها كثيرًا.

لكنه وجد خروجها بدون حجاب على رأسها فرصة سانحة لأن يتحدث معها فصاح عليها من بعيد ألم أقل أن الخروج للحديقة اللعينة بشروط أهمها أن تضعي وشاح على رأسكِ وثانيها ألا يكون هناك رجلٌ في الحديقة؟
توقفت عن السير واستدارت له وعلى عكس المتوقع، عائشة لم تبادله الصياح والمجادلة بل أومأت بهدوء وأعتذرت له دون أن تنظر إلى وجهه آسفة جلالتك، نسيت، هروح دلوقتي أغطي شعري.

وبعدها وجدها تتحرك بصمت لتعود من حيث أتت فوقف ينظر إلى اللا مكان بضيق ثم التقط سترته عن الأرض وارتداها بسرعة وتوجه نحو جناحه لكنه اصطدم بها في طريقه من جديد وكادت تقع لكنه أمسك بها وحمحم انظري أمامكِ وأنتِ تسيرين!

حاضر، أجابت بهدوء من جديد رغم كونه هو الذي كان مسرعًا في طريقه وبعدها ابتعدت ورحلت إلى مكانها المفضل مؤخرًا أمام البحيرة في حين توجه هو إلى المرحاض فورًا ليغتسل ثم ارتدى ثيابه ووقف ينظر إليها من خلال الشرفة، تقضي وقتها بالمذاكرة، جيد.

في اليوم التالي مساءً كان متوجهًا نحو جناحه بعد يومٍ شاق من العمل وهو فقط كان يحلم بأن يرتمي بجسده على السرير وينام ولا يفكر في أي شيء لكنه وجدها تقف أمام الحرملك وفور رؤيته قفزت أمامه معترضة طريقه فلانت ملامحه العابسة قليلًا ونظر لها بصمت علها تتحدث.

أنا كنت عايزة أكلمك في موضوع، قالت بتوتر وهي تحك كفيها معًا فأومأ وأشار لها بالتحرك خلفه حتى دخلا إلى جناحه وأغلق الباب ثم وقف برسمية وشبك يديه أمام صدره
حسنًا، يمكنكِ الكلام الآن.
أخذت نفسًا عميقًا مستعدة لما ستقوله وحمحمت أنا عايزة أستعمل حقي الشرعي في تحرير نفسي واللي بيوفرهولي حق المكاتبة، وعايزة أنا وأنت نتفق على مبلغ هدفعه ليك نظير حريتي.

ابتسم ابتسامة جانبية وهو ينظر بعيدًا، الآن لقد فهم لماذا كانت هادئة ومؤدبة طوال تلك الفترة المنقضية!
في حين شعرت بالقلق وظنت بأنه لن يوافق لكنه فاجئها بتمتمته حسنًا، بالطبع.
ابتلعت لعابها وأردفت ماشي، عايز كام؟
رفع يده ليلمس لحيته مفكرًا بهدوء وسرعان ما نظر لها وأجاب خمسون.
شعرت بأساريرها تتهلل ولم تصدق أذنيها، سيحررها مقابل خمسون عملة! لقد اشتراها بسبعون!

لكن كل أحلامها تحطمت فور إكماله خمسون ألف عملة.
جحظت عينيها وبدأت تلقي عليه بنظراتٍ قاتلة وهي تقضم على شفتيها بغيظ محاولةً عدم الصياح في وجهه أو التفوه بأي شيءٍ خاطئ لكنها فشلت بعد ثلاثون ثانية بالضبط وصرخت في وجهه بكل غضب
خمسين ألف إيه يا عينيا! ليه؟ ده أنت شاريني بسبعين! بعدين مافيش جارية في الدنيا سعرها خمسين ألف يا نصاب يا حرامي!

رفع إحدى حاجبيه ونظر لها بهدوء ليجيب بنبرة طبيعية ليست منفعلة رغم صياحها عليه
ليس ذنبي أن من باعكِ لي كان مغفلًا لا يعرف قيمة ما يملكه، أما أنا فأستطيع تقدير ما معي، وسعركِ بالنسبة لي يا عائشة أكثر من خمسون ألف عملة لكنني خفضت المبلغ قليلًا لأجلكِ.
أنت عارف كويس إني مش هقدر يبقى معايا مبلغ زي ده! صرخت من جديد فرفع كتفيه وأجاب ببساطة ليست مشكلتي، جِدي شخصًا واستلفي منه!

أنت بتعمل كل ده عشان مش عايز تحررني! طب أنت هتستفيد إيه لما ماتحررنيش! ما كده كده مامتك رافضة ومش طايقاني! هتستفيد إيه لما تخليني في الزفت الحريم بتوعك بدون أي هدف! زمجرت وهي تضغط على فكيها بضيق
وما صدمها أكثر هو إجابته بلا مبالاة لا أحب أن يأخذ مني أحدهم أي شيءٍ أحبه، يمكنكِ تسميتها أنانية وتملك أو ظلم واضطهاد.

نظرت له بغيظ ودبدت بقدمها في الأرض ثم همست من تحت أسنانها ماشي. وسرعان ما تحركت لتخرج من جناحه وصفعت الباب خلفها.
بعد خروجها تلاشت ملامح وجهه الهادئة لتظهر أخرى عابسة مرة أخرى وهم ليفتح أزرار ثوبه بضيق لكنه سمع طرقًا على الباب فتحرك ليفتح الباب ووجدها أمامه من جديد تنظر إلى قدميها وتشبك يديها معًا ثم همست
ممكن تسلفني خمسين ألف قطعة ذهبية وهقسطهوملك على خمسين سنة؟

حاول السيطرة على ملامح وجهه وعدم الضحك لكنه فشل بالأخير ونمت ابتسامة على وجهه فقضم شفتيه معا محاولا إخفائها لكن هو يكاد يكون متأكدا بأن هناك حفرتان عميقتان على خديه الآن،
شبك يديه أمام صدره وهو ينظر لها بقلبٍ ينبض بقوة وقال بهدوء اذهبي إلى الحرملك يا عائشة.
استدارت بخيبة وهي مازالت لم ترفع عينيها نحوه وكانت ستتحرك لكنه أوقفها عائشة.

استدارت له من جديد ورفعت عينيها لتنظر إلى عينيه فأقترب منها ثم أمال عليها ليصل إلى أذنها وهمس تصبحين على خير.
ثم دخل وأغلق الباب بهدوء وهي مازالت تلقي بنظراتٍ حارقة على بابه، عقلها يشتعل غيظًا منه ومن أفعاله والآن لقد وصل به الأمر لإخبارها بطريقة مباشرة أنها ستفني عمرها كجارية هنا في قصره وستبقى جارية إلى الأبد!
ولماذا سيبقيها؟ لأنه أناني متملك وغد!

أعماها غضبها تمامًا وطرقت على الباب بكل قوتها مستعدةً لتوبيخه لكنه فتح لها عاري الصدر وشبك يديه أمام صدره فظهرت عضلات يديه في حين علق زرقاوتيه عليها بتساؤل وهناك خصلة من شعره قد وقعت على جبهته فابتلعت لعابها وحاولت تجميع شتات نفسها وهربت الكلمات من عقلها تمامًا فبدأت بالتأتأة بصوتٍ ضعيف مبحوح.

أنا، أنا، كنت، كنت عايزة أقولك، وأنت من أهله. ألقت بجملتها ثم هرولت هاربة من ذلك المنظر وهي تحاول إخراجه بشتى الطرق من عقلها حتى وصلت إلى سريرها في الحرملك وجلست عليه
أغمضت عينيها وبدأت بهز رأسها يمينًا ويسارًا لتمحي صورته تلك عن عقلها لكنها لم تستطع لأنها وللأسف تحبه، لكن ماذا سيفيد هذا الحب على كل حال؟ هما لن يكونا معًا أبدًا لأن محمد لن يختارها على أمه وجورنال تحولت تمامًا وأصبحت تكرهها.

لقد سمعت أن الباشا سيتزوج.
التقطت أذنيها تلك الجملة والتي أتت من فم جارية تحادث جارية أخرى فانقبض قلبها وركزت معهما دون أن تنظر
الهانم تبحث له عن عروس، لكن السيدة دولت تقول أنه يرفض الزواج في الوقت الحالي بسبب الانقلاب المحتمل في القسطنطينية، قال أنه ليس متفرغًا، أجابتها الجارية الأخرى.

لكنه سيفعل بعد انتهاء تلك الأزمة على كل حال، قالت الفتاة الأولى بوجهٍ حزين فتنهدت الأخرى ونظرت بعيدًا بضيق ثم تمتمت
سيتزوج ويتركنا هنا كحيواناته الأليفة! إنه لم يقترب لواحدة منا منذ الثماني أشهر ونصف حتى الآن.
عقدت عائشة حاجبيها وتذكرت ماذا كان يقصد بالثمانية أشهر، ونعم تظنه سيتزوج وفقًا لرغبة أمه فعلًا؛ فهو أخبرها بأنه لا يستطيع التحمل أكثر.

على الأقل نحن نعيش جيدًا في قصره، أنا لم أكن أحصل على تلك الحياة عندما كنت في منزل عائلتي، لقد كان منزلًا حقيرًا وكنا فقراء لم أمتلك إلا ثوبًا واحدًا وكنت حتى أنظف فضلات البهائم. دافعت الأولى فأومأت الأخرى
معكِ حق لكن نحن أبدًا لن نمتلك عائلة ككل الفتيات، ولا حق لنا في الإنجاب حتى! هناك تنازلات عظيمة لكي نعيش تلك الحياة المرفهة.
لقد سمح لنا الباشا بالخروج للحديقة لا تنسي هذا، إنه طيب القلب!

سخرت الأخرى وهي تنظر لعائشة أكاد أقسم بأنه فعلها لأجل جاريته المدللة!
لم تصبح مدللة بعد الآن وحتى لو لأجلها، مازلنا نستطيع الخروج، لا يهم لأجلها أم لا.
ابتلعت عائشة الغصة في حلقها وحاولت إلهاء نفسها بأي شيء فامتدت يدها نحو حقيبتها لتخرج جواز السفر المخبئ بعناية في جيب صغير في حقيبتها لكن يدها اصطدمت بزجاجة صغيرة فتوسعت عينيها ولمعت مقلتيها ثم تركت الجواز وانتشلت الزجاجة.

كانت يدها مازالت في الحقيبة تمسك بالزجاجة وعينيها تنظر لها بتفكيرٍ وبابتسامة جانبية ماكرة على وجهها، هذه الزجاجة تحوي العمل الذي أشترته من الساحرة لأجل أن تتزوج برجلٍ يشبه كريس هيمسورث!
وبالتفكير في الأمر، من هنا يشبه كريس هيمسورث غير محمد باشا البستانجي؟
لا يوجد رجلٌ أشقر ذو أعين زرقاء غيره في ذلك المكان سواء من العاملين أو الخدم أو الحراس!

أخذت بعض الوقت بالتفكير من جديد، لكن، هي شعرت بأن فعل ذلك خاطئ، ستجبر محمد بالزواج بها باستخدام السحر؟ ستكون مشعوذة حقًا كما قالت كريستين!
كما أن الأمر يجرح كرامتها وكبريائها؛ فكيف ستتزوج به وهي تعرف تمامًا بأن الأمر ليس بإرادته بل هو مغلوبٌ على أمره!

رمت الفكرة خارج عقلها تمامًا وأمسكت بالزجاجة ثم نهضت عن السرير وتوجهت نحو المرحاض لتتخذ قرارها النهائي بسكبها في البالوعة؛ فهي لن تلجأ للسحر من جديد للوصول إلى أهدافها بطريقة سهلة
الأمر لا يتم فعله هكذا، إذا أردت شيئًا فاعمل بجدٍ لأجله لأن بحثك عن الطرق السهلة دون بذل أي مجهود لن يجلب لك أي خير ولو أوصلك حقًا لما تريد فلن تشعر حينها بلذة الانتصار، تمامًا كالغش في الإمتحانات.

في اليوم التالي كان محمد في طريقه إلى الخارج صباحًا لكنه فوجئ بها في وجهه من جديد
جلالتك قولتلي إنك هتشغلني هنا طبيبة لما أتعلم، ممكن أعرف هتديني مرتب كام؟
ابتسم بخفة ورفع يده ليحك ذقنه وأجاب سبعون عملة كل شهر كأي طبيب، ولو تريدين حسابها، ستحتاجين حوالي ستون سنة من العمل هنا حتى تستطيعي تجميع خمسون ألف عملة، أعدكِ لو كنا أحياءً حينها فسأعطيكِ حريتكِ.

راقب وجهها يشتعل باللون الأحمر وفكيها يضغطان على بعضهما بصورة سيئة وهي تلقي عليه بنظراتٍ تصحبها لعناتٍ مخفية في عقلها فاتسعت ابتسامته وأردف وهو يكمل طريقه السلام عليكم.
لكنه سمعها تتمتم من تحت صرير أسنانها الهلاك عليك!
ورغم ذلك انحفرت غمازتيه عميقًا في وجهه؛ لأنه اصطبح بوجهها كما كان يفعل قبل الإسبوعان.
أوقفه زيدان قبل أن يخرج من الباب بقوله جلالتك هناك مبعوثٌ من السلطان ينتظرك في قاعة الضيوف.

عقد حاجبيه واستدار متخذًا طريقه نحو قاعة الضيوف وفور دخوله انحنى له الرسول مرحبًا به باشا..
أشار له محمد بالكلام بينما عينيه معلقتان على الشخص الذي يقف خلف الرسول والتي كانت فتاة نظرًا لملابسها غير أنه لا يستطيع رؤية وجهها المُغطى بشالٍ أسود لكن عينيه رجعت للرسول عندما تكلم.

جلالة السلطان يبلغ حضرتكم السلام ويرسل لكم بهذه الهدية متمنيًا أن تعجب سيادتكم، قال وهو يخفض رأسه ويتراجع قليلًا ليجعل الفتاة في المقدمة
حرك محمد رأسه ليصوب عينيه نحوها من جديد لدقيقة بصمت ثم تقدم منها ومد يديه ليرفع الغطاء الشفاف حتى يستطيع رؤية ملامح وجهها فاصطدم بأعين خضراء تنظران له بابتسامة خافتة زينت شفتيها الرفيعان.

بلل شفتيه بلسانه بحركة خاطفة وطالعها من أعلى إلى أسفل ثم ابتسم ابتسامة جانبية تعبر عن مدى رضاه
ما هو اسمكِ؟ سأل بنبرة هادئة فتوترت وخجلت كثيرًا من زرقاوتيه المصوبتان نحوها وصوته الجميل فأجابت بتلعثم إيز، إيزابيلا مولاي.
أشار بيده إلى زيدان وقال جهزوا سرير لإيزابيلا في الحرملك.

وقبل أن تتحرك خلف زيدان كان محمد قد تفحصها من رأسها إلى أحد إخمص قدميها من جديد وابتسم مردفًا ستسعدين بإقامتكِ في قصري يا هدية السلطان.
نظرت له الفتاة بخجل من جديد وانحنت له وهي تهمس سأتشرف بوجودي في حريمكم مولاي.
أعطى الإذن لها بالرحيل ثم عاد بنظره إلى الرسول وعادت نبرته لتكون صارمة من جديد.

ابلغ السلطان أن محمد باشا يشكره كثيرًا على كرمه وسخائه وينتظر بفارغ الصبر اللحظة التي سيعبر فيها عن مدى إمتنانه.
أحنى الرسول رأسه ثم أستأذن هو الآخر بالرحيل وحينها استدار محمد وتحرك نحو الخارج.

كانت عائشة تقرأ في الكتاب الذي في يدها حينما سمعت جلبة عالية ورأت الخادمات يُدخلون فتاةً ما بدت في الخامسة والعشرون من عمرها، جميلة كثيرًا، بل رائعة الجمال، عينيها الخضراء صافية ووجهها أبيض كالقمر يوم تمامه مع شعرٍ أسود ناعم متوسط الطول.

عقدت حاجبيها بدون فهم لكن بعد وهلة أدركت بأنها جارية جديدة، وهذا جعل الصدمة تصيبها ورعشة سيئة مرت على يديها لكنها قبضت على الكتاب بقوة ورجعت بعينيها إليه لتحاول المذاكرة لكنها لم تستطع، عقلها يشتعل نارًا ولا تستطيع التركيز على أي شيء
ثبتت عينيها على الصفحة لكنها شعرت ببعض النظرات تخترقها فرفعت رأسها لتجد الكثير من النظرات الشامتة موجهةً نحوها من الجميع وحتى من دولت!

صكت على فكيها في محاولة لكبت غضبها وأنفاسها المتسارعة، ستكذب لو قالت أن الغيرة لا تأكلها حية، ولو كان هذا هدف محمد فهو قد نجح تمامًا
يبدو أنهم وضعوها في السرير المقابل لها بالضبط، رائع! ستكون في وجهها ليلًا ونهارًا!

تلاقت عينيها بتلك الخضراوتين لتبتسم لها الفتاة والتي عرفت بأن اسمها إيزابيلا لأن دولت نادتها بذلك لكن عائشة لم تبادلها بل نظرت لها بصمت، كانت ممتلئة القوام قليلًا، ليست بالسمينة لكنها ليست بالممشوقة أيضًا،
لا تعرف النوع الذي يفضله محمد لكن وهل سيفرق معه زير النساء هذا؟ لا لن يفرق معه!

لا تبدو شمطاء مثل كريستين عليها الإعتراف بهذا، بل تبدو بريئة جدًا لدرجة أخافتها وجعلتها تغلق الكتاب وتحمله لتنهض مغادرةً للحرملك بأكمله لتتوجه نحو الحديقة بعيدًا عن نظرات الحقد والكراهية التي تتلقاها هناك ثم انكبت على المذاكرة لتشتت نفسها عن كل شيء يجول حولها لكن وللمرة الثانية لا تستطيع، الهلاك على محمد حقًا! ذلك الوغد الحقير الأناني الوسيم، للأسف، فربما لو كان قبيحًا أو غبي لكانت قد كرهته لكنه ليس كذلك، بل تجتمع فيه معظم الصفات الجيدة للأسف مرة أخرى.

مر ثلاثة أيام كانت عائشة لا تجلس فيهم في الحرملك إلا قرب وقت النوم، أما باقي الوقت فتتخذ ركنًا في الحديقة وتنكب على ما في يدها من كتب، ومثل كل يوم هي قد نهضت تنفض ثيابها عندما حل الظلام وتوجهت نحو القصر لتتخذ طريقها نحو الحرملك وجلست على سريرها بهدوء فقفز القط نحوها وجلس على قدميها.

كانت إيزابيلا مازالت تنظر لها كعادتها منذ جائت إلى هنا؛ فهي تطالعها بتوتر من حينٍ إلى آخر باستمرار لتراقب كل تحركاتها لأنها بدت مختلفة تمامًا عن أية جارية هنا،
لكنها نهضت عن سريرها هذه المرة ووجدتها تجلس بجانبها وهي تبتسم وتمد يدها لها مرحبًا أنا إيزابيلا!
نظرت عائشة لها بنظرة باردة وسخرت عارفة. دون أن تصافحها
توترت إيزابيلا وحمحمت وهي تسحب يدها لتضمها مع يدها الأخرى وأنتِ؟

كانت الأخرى بالكاد تستطيع السيطرة على نفسها قبل أن تصرخ الآن بأن تغرب عن وجهها؛ فماذا تظنهما؟ سيصبحان أصدقاء كالضرائر الذين يمتلكون زوجًا واحدًا ومع ذلك تجدهم يتسامرون ويتعايشون مع الوضع؟ لا وألف لا ومليون لا!
عائشة، أجابت باختصار وهي تدير عينيها إلى القط لتداعب فروه الأبيض وحينها ظهر صوت إيزابيلا وهي تمد يدها محاولةً لمس القط قطتكِ لطيفة ما اسمها؟

لكن عائشة أمسكت بيدها قبل أن تصل له وزمجرت في وجهها بنبرة مهددة ده ذكر مش أنثى، وماتلمسيهوش عشان ده بتاعي أنا وبس، فخليكي بعيدة عنه عشان مابحبش حد يلمس حاجة بتاعتي.
قلقت الفتاة من قبضة عائشة على يدها وطريقتها تلك وشعرت بالخوف فورًا وهمست بصوتٍ متقطع أنا، أنا لم أقصد، وجدته لطيفًا فقط أنا، أنا..
إنتي إيه؟!
أنا فقط وجدت أن، أن لا أحد هنا يريد الكلام معنا، وفكرت ربما، ربما يمكننا أن نتحدث سويًا!

عقدت عائشة حاجبيها وتركت يدها ثم نظرت لها بصمت لبعض الوقت حتى نطقت ماظنش إن أنا وإنتي ممكن نتفق سوا.
لماذا؟
ضحكت الأخرى ضحكة غير مصدقة ونظرت لها بذهول، هل تلك الفتاة غبية أو شيئًا ما؟!
آه ماشي أنا هقولك لماذا، ببساطة شديدة جدًا لأني، لأني، ابتلعت لعابها وشعرت بالضيق في قلبها وهربت جميع الكلمات من عقلها.

لأني مابحبش أتكلم مع حد، ونصيحة ماتآمنيش لأي واحدة هنا، لأنهم حاولوا يقتلوني قبل كده؛ فالأفضل تخليكي في حالك.
شعرت إيزابيلا بالخوف أكثر ونظرت لها بقلق فرفعت عائشة عينيها إليها وتأملتها بصمت، لماذا تبدو واللعنة بريئة وطيبة هكذا! هي تريد كرهها مثلما كرهت كريستين ومثلما تكره باقي الجواري لكن الأمر صعب حقًا!

لماذا حاولن قتلكِ؟ سألت إيزابيلا من جديد وكأنها مصرة على فتح حديث مع عائشة ويبدو أن الأخرى تخلت قليلًا عن تعنتها ضدها وأجابت كاذبة
عشان كنت حامل.
شعرت بإيزابيلا تصيبها الصدمة وهمست بخوف يا إلهي!، مهلًا، هل تمتلكين طفلًا من الوالي؟
ابتسمت عائشة بحزن لكنها آثرت تخبئة مشاعرها تلك تحت قناع السخرية فضحكت باستهزاء وأردفت لو كنت بمتلك طفل من الوالي ماكنتيش هتبقي هنا لا أنتي ولا أي جارية.

بداخلها كانت تعرف بأن هذا صحيح، لو كانت رضخت لمحمد لكانت ستصبح زوجته وكانت لتبقى نائمة في جناحه ولا فتاة كانت ستتجرأ على الاقتراب ولو خطوة منه
ولم تكن لتسهر ليلًا من الضيق والألم والتفكير في هل سيخونها حقًا؟
لكنها لم تكن لتحترم نفسها، كانت ستفقد كرامتها وشرفها وكل شيء، كانت ستفقد نفسها، وهذا كان أسوأ من خيانة محمد لها!

حزينة على خسارتكِ، أفاقتها إيزابيلا بصوتها المتعاطف فشعرت بالغضب يعتلي صدرها أكثر، بالطبع محمد سيحبها؛ فهي طيبة ومطيعة وتبدو مرهفة المشاعر وهادئة وكل الصفات الجيدة فيها والتي لا تمتلكها هي
تجاهلتها وأمسكت بالكتاب لتقرأ منه فنظرت لها إيزابيلا بفضول ماذا تقرأين؟ هل يمكنكِ القراءة؟ هل يمكنكِ تعليمي القراءة أيضًا؟

أغمضت عائشة عينيها بضيق وقبضت على الكتاب بقوة حتى هربت الدماء من أصابعها ولم تشعر بنفسها إلا وهي تصرخ عليها لا، وبعد إذنك مالكيش دعوة بيا!

تكون غلافًا رقيقًا من الدموع على أعين الأخرى ونهضت بسرعة لتبتعد عنها في حين شعرت هي بالندم فورًا على ما فعلت، لكنها لم تستطع فقط التماشي مع الأمر! إنها تحب محمد وتشعر بالتملك نحوه ولا يمكنها إقامة صداقة مع فتاة ربما ستذهب لخلوته يومًا! الوضع جنوني وكارثي بالنسبة لها! ولا تعلم كيف تتقبل جميع الجواري هذا؟
فهي إن أعجبها وشاحًا تلفه حول رقبتها فلن تشاركه مع أختها حتى! فما بالكم برجلٍ واقعة في غرامه؟

نظرت بطرف عينيها نحو سرير إيزابيلا لتجدها متكومة حول نفسها وتمسح بعض الدموع عن عينيها بوجهٍ أحمر وأثناء ذلك دارت برأسها على جميع من في الحرملك لتجدهن يبتسمن بخفوتٍ وينظرن لإيزابيلا بشماتة فشعرت بالضيق ورجعت برأسها إلى القط
لكن ما فاجئها هو صياح الحارس خارج الحرملك دستور، جلالة الوالي محمد باشا البستانجي.

ثم فُتح الباب فورًا ليظهر هو من خلفه فوجدت جميعهن بما فيهن إيزابيلا يسارعن بالوقوف في صفين متقابلين ورأسهن للأسفل
ترجل محمد إلى الداخل وألقى عليها بنظرة ضيقة فقلبت عينيها ونهضت ببطء وتكاسل عن السرير لتقف بجانب إيزابيلا دون أن تحني رأسها؛ فلو لم تعجبه تصرفاتها فليحررها ويطردها عن قصره!
اختار تجاهل تصرفها ذلك لأن آخر ما يريده هو شجارًا مع عائشة في العلن!

مر على الجميع فأنحنين ليقبلن يديه وهو يسأل عن أحوالهن حتى وصل إلى إيزابيلا فابتسم ونظر إلى وجهها ما أخبار إقامتكِ معنا يا هدية السلطان؟
أنا سعيدة بكوني في حريمكم مولاي، أجابت إيزابيلا بهدوء وهي تمسح على عينيها فتنبه محمد لكون عينيها دامعة ووجهها أحمر وعقد حاجبيه ثم سأل من جديد
هل كنتِ تبكين؟ ماذا حدث؟

نظرت لهما عائشة وتكاد تكون متأكدة بأن إيزابيلا ستستغل الوضع لتخبره بأنها السبب في بكائها لكنها وجدت إيزابيلا تنفي برأسها وتجيب
لا شيء جلالتك لقد دخلت بعض الشوائب إلى عيناي.

حول محمد عينيه إلى عائشة التي كانت تنظر له بنظرة غير مبالية فتحرك نحوها وكانت آخر جارية وهو شبه يعرف بأن لو كانت إيزابيلا تبكي حقًا فهي السبب بنسبة تسعون بالمئة! لكن الحمد لله أن إيزابيلا قد كذبت، لأنها لو كانت قالت بأنها عائشة لم يكن ليتخذ أي موقفٍ ضدها وكان ذلك سيجعل شكله سيئًا بشدة أمام الجميع!

مد يده لها وكان من المفترض أن تقبلها لكنها صافحته بهدوء وسحبت يدها لتنظر بعيدًا فوجدت دولت تسرع نحوها لتنكزها وتزمجر من تحت أسنانها قبليه!
بينما محمد كان يراقب وجه عائشة يشتعل غضبًا ثم نظرت له ولدولت ولباقي الجواري والحراس لتجد الجميع يعلقون عينيهم عليها منتظرين منها الإنحناء وتقبيل يده..

ابتسمت بمكر واقتربت منه لتضع قبلة على وجنته وهمست وهي تنظر إلى عينيه ممثلةً نبرة بريئة آسفة جلالتك ماكنتش أعرف إني لازم أقبلك!
رأت وجهه يتحول للون الأحمر من الإحراج وتوسعت أعين الجميع لكن حمحمة من محمد جعلتهم يخفضون أعينهم فأمال عليها وهمس في أذنها لو شجاعة هكذا ضعيها في مكانٍ آخر في المرة القادمة.

وجدها تقف على أنامل قدمها لتصبح في طول قامته لتهمس في أذنه من تحت أسنانها في أحلامك يا باشا ولو مش عاجبك حررني واطردني برا القصر ولا أقولك! عاقبني ووديني السجن على الأقل مش هقعد في وسط جواريك لأن كوني من حريمك إهانة ليا.
همس في أذنها أيضًا لذلك سأبقيكِ هنا، وبالمناسبة لم أقصد يدي، قصدت مكانًا آخر.
ثم استدار واتخذ طريقه نحو الخارج تاركًا إياها تحاول فهم ما الذي يقصده هذا اللعين؟

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W