قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل الرابع

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل الرابع

أحد أكبر المستشفيات الخاصة
أسطول سيارات كامل تبع سيارة الإسعاف بحرص، لما لا وهي تحمل بين طياتها الشقيق الأصغر لـ "ثائر السيوفي ".
حالة من الفوضى إجتاحت الساحة الخارجية للمشفى، عشرات الصحفيين والمراسلين بكاميراتهم ينتظرون بترقب وصول" آل السيوفي ".

إستقرت سيارة الإسعاف أمام الباب الرئيسي للمشفى، وحاوطتها تلك السيارات الجيب السوداء التي تقل جيوش "ثائر السيوفي "
ليترجل عنها هؤلاء الضخام الأجساد، مرتدون حلاتهم السوداء ليصطفوا كسياج ضخم حاجبين الرؤية عن هؤلاء المتطفلين وعدساتهم.

فُتحت سيارة الإسعاف على مصرعيها، ليترجل عنها "ثائر" وبعض من الفريق الطبي بالمشفى، ليحملوا "خالد" الفاقد لكل معالم الحياة على ذلك الفراش المتحرك، مهروليين،و مقتحمين ذلك المشفى، ليصرخ بهم "ثائر" بجنون:
دكتووور... دكتور بسرعة.
ليقابله طاقم طبي على أعلى مستوى، يقودهم مدير المشفى، فقد أعلنت حالة الطوارئ بها، وجُمعت كل الأطباء بمجرد إتصال من "حمزة السيوفي".

إستعدت غرفة العمليات لإجراء تلك الجراحة الدقيقة، فالإصابات بالغة نتيجة سقوط سيارته من أعلى الجبل بالطريق من العين السخنة إلى الزعفرانة، بعد مطاردة تلك السيارة له، وتم نقله بطائرة "ثائر" الخاصة.

دلف "خالد" إلى غرفة العمليات، وتبعه الفريق الطبي كاملًا، ليجذب "ثائر" مدير المشفى من ياقه بكلتا يداه، فأصبح مواجههًا له، ليرمقة بتلك العيون شديدة الإحمرار ونيران الغضب تتطاير منها، و حمم أنفاسه الحارقة تلفح وجهه، لصك ع أسنانه، ضاغطًا كل حرف تشدق به، محذرًا:
لو حصل له حاجة هولع في المستشفى على اللي فيها... فاهم.

لترتعد أوصال الطبيب برعبٍ حقيقي، و يبتلع لعابه بهلع، مشيرًا برأسه كعلامة موافقة، دون التفوه ببنت شفة .
تركه "ثائر" بغضب، ونيران ثورته تأكل ذرات روحه وكيانه، كلما تذكر صرخات "خالد" وإستغاثته .
لينسكب الوقود بغزازة فيلهب نيران حقده ويأججها، كلما تذكر مشهد سيارة أخيه الهاوية من أعلى الجبل، لتستقر بوادٍ عميق مهشمة، طابقةً على عظام أخيه بلا هوادة.

تذكر رفض الجميع الإقتراب من السيارة خشية إنفجارها بين لحظة وأخرى.
الجميع إستسلم وتراجع بهزيمة مبكرة، فلم يكلف أحدهما نفسه شرف المحاولة، فأي محاولة ولا توجد صلة أو قرابة بين المصاب وبين أحدهم، ليقفوا مشاهدين فقط، منتظرين الإنفجار ليقسموا أن توقعاتهم صائبة.

دوى صوت مروحية بالأنحاء، ليجدوا ذلك "الثائر" معلقًا بحبلًا معدنيًا
(Wire) متدليًا من مروحيته الخاصة بثبات وإصرار على إنقاذ أخيه، لتطأ قداماه أرض ذلك الوادي، فينزع عنه ذلك الحبل، ويركض مهرولًا نحو أخيه وبيده منشار كهربائي، ليبدأ بتشغيله بحرص قاطعًا كل ما يحاوط جسد "خالد" من معدن.

تلاطمت دقات قلبه، وعلى أنينه، كلما هتف بإسم "خالد" ليكون جوابه الصمت القاتل.
لهثت أنفاسه، وكست ذرات العرق جبينه، لتتساقط بعيناه فتشوش الرؤية قليلًا.

رفع يده مزيلًا حبيبات العرق عن مُقلتاه بظهر يده، فتتعالي أنفاسه. حاول كثيرًا لإنقاذه، حتى أزال كل ماحوله، ليجده غارقًا بدمائه، جذبه نحو بذعر جامح، حاملًا إياه بين ذراعيه بألم ينخر ذرات جسده وروحه، ليركض مبتعدًا عن السيارة، فيدوي إنفجارًا شديدًا، وتتطاير ألسنة اللهب بالسماء، ويحجب الدخان الرؤية عن الجميع.

هوى "حمزة" أرضًا، لتتعالي صرخاته المدمية للقلوب، فقد خسر أخويه في ذلك الإنفجار اللعين، ليصرخ بأسمائهما بلوعة تعتصر ذرات روحه، فيدوي صدى نداءاته بالأنحاء، ليردد ذلك الجبل صراخاته المؤلمة، كمن يتشفي به، مكررا ما يحرق روحه بإستنكار.

تعالت أصوات المروحية بالأنحاء. ليرفع "حمزة" عيناه الباكية، فيلمح ذلك المشهد الذي بث إكسير الحياة إلى روحه...
"ثائر" معلقًا من خصره وممسكًا بالحبل بإحدي يداه، وباليد الأخرى يحتضن "خالد" بقوة، للتحرك المروحية بهما بحرص شديد حتى إستقرا بالقرب من "حمزة" .

ركض "حمزة" نحوهما مهرولًا ليطمئن على "خالد " بحنان الأخ الأكبر ولهفته وقلقه.

لحظات وتهبط المروحية، لتحمل بين جنباتها شباب عائلة" السيوفي" بقلوبٍ ممزقة ومحترقة، ليقسما بالإنتقام والثأر لأخيهم، وأن يذيقا من تجرأ على تلك الفعلية الشنيعة العذاب أضعافًا مضاعفة.

أفاق "ثائر" من شروده على صراخ الممرضة، وطلبها لفصيلة دم (-O) ليجذب يدها بقوة صرخًا:
أنا فصيلة دمى(-O)، خدوا كل الدم اللي تحتاجوه.

ويلتفت نحو "حمزة" صارخًا:
إتصل بالشركة، وشوف كل اللي فصيلة دمه(-O) و إستأذنه أنه يتبرع بكيس دم، وأصرف له مكافأة كمان.
أومأ له" حمزة" برأسه عدة مرات بلاوعي، فهو بعالم آخر لا يستمع لحرفٍ واحد مما تفوه به شقيقه.
تبع "ثائر" خطوات الممرضة بخطى مهزومة، لكي يبث إكسير الحياة لأخيه بدمائه، فلو أراد روحه لتخلي عنها بطيب خاطر في سبيل إستعادتة "خالد" لوعيه، وحياته.

قصر السيوفي
دلفت "هيا" إلى القصر صارخة بجنون وصدمة، بعدما شاهدت الأنباء عن حادث شقيقها، لتسيل دمعاتها الحارقة، وتعتصر تلك القبضة الوحشية قلبها الصغير بلا رحمة، لتصرخ بوجعٍ أدمي القلوب:
ياماماااااااا... "خالد"... "خالد".

إنتفض جسد "نجلاء"، ليهوي من يدها ذلك الكوب الزجاجي، فيتفتت ويتناثر كذرات أرواح أولادها المحترقة، لتلتفت نحو "هيا" صائحة بفزع، وذعر:
مالو "خالد"؟! ... إنطقي.
تعالت شهقاتها بقوة، وإختلطت أحرفها بنيران دمعاتها، لتهتف بإرتباك وهذيان:
ع... عمل حادثة... وفي المستشفى... بتصل بأبيه "ثائر " أو "حمزة" تليفوناتهم مقفولة.

إنهمرت دمعات "نجلاء" بأسي، فإن لم يكن "خالد" إبنها بالدماء، فهو قطعة من روحها وقلبها، لم تفرق يومًا بينه وبين أخوته في الحب أو المعاملة، فجميعهم لديها سواء، لتحرك رأسها رافضةً لتلك الكلمات القاتلة، صارخةً بلا وعى:
إنتي بتقولي إية؟!
أكيد ده كذب... "خالد" كويس، وشوية وهيدخل علينا من باب القصر، أكيد دي إشاعات، "خالد" كويس.

وتجذب "هيا" إلى أحضانها بذعر، لتشدد من إحتضانها باكية، فيتعالي دعائهما الممزوج بشهقاتهما.
لكن هناك من نزلت عليه تلك الصاعقة، فأحرقته، ليرتجف جسدها بقوة،
كادت أن تهوى أرضًا لولا تمسكها بذلك التمثال، لتتمرد دمعات تلك المتحجرة القلب، فتسيل على وجنتاها بلوعة، وحسرة، وندم، فحتي وإن كانت قاسية، فهؤلاء أحفادها وأمانة ولدها.

لتزيل تلك الدمعات بقوة وكبرياء، زافرة زفرة قوية، وتخطو بخطواتها المرتعشة صارخة بغضب:
بطلوا عياط...و يلا نروح لهم المستشفى.
لتتبعها "نجلاء"و "هيا"، وتستقلن السيارة، وينطلق السائق مسرعًا نحو المشفى التي يصارع بها "خالد" الحياة.

شقة عبد العزيز
دلفت "همس " إلى مسكنها تشدو بأنغام عذبة تُطرب لها النفوس. تقترب من زهورها التي مازالت تختضنها بعشق لتستنشق شذاها وعبيرها بلذة وإستمتاع، حتى إقتربت من الطاولة لتضعها أعلاها، صائحة بسعادة:
يا أهل المنزل... لقد أتيت... هل من ترحيب؟!

طلت عليها "حنان" من المطبخ، ممسكة بيدها مغرفة، واليد الأخرى قطعة قماش صغيرة، وعلامات السعادة تحتل ملامحها، لتهتف بحفاوة:
أهلًا بيكي يا حبيبتي، حمدالله على سلامتك، تعالي أنا في المطبخ بحضر الغدا.

لتستدير "حنان" بكامل جسدها دالفةً إلى المطبخ مرة أخرى، وتتبعها "همس" متمتمة:
أنا شامة ريحة بشاميل.
لتبلع لعابها محركةً لسانها أعلى شفتاها كمن يتلذذ بطعام شهي.

إقتربت من "حنان" بتسلل لتقف جانبها واضعةً يدها أعلى كتفها، لتتلذذ برائحة الطعام، وتلتقط بعض حبات المكرونة فتتناولها بسعادة، لتضربها "حنان" ضربة خفيفة على يدها، مردفة بتذمر:
إستني لما تدخل الفرن، ويكون بابا و"عمر" رجعوا بالسلامة ... وكلنا نتغدا سوا، والكفتة هشويها وهما موجودين، عشان تكون سخنة.

إلتقطت "همس " حبة خيار من الطبق، لتستدير مغادرة المطبخ وهي تردف:
أوك... أنا فوق هظبط شوية حاجات كده على ما يوصلوا... الموبايل معايا إبقى رني عليا وأنا هنزل على طول.
لتفتح "حنان" باب الفرن وتضع صينية المكرونة، رادفةً بإبتسامة:
ماشي يا حبيبتي.

المشفى - غرفة ما
إحتل "ثائر" أحد المقاعد الخشبية بغضب ينهش خلاياه، و ذلك الأنبوب الرفيع متصل بذراعه ليسحب بعض من دمائه فيمتلئ ذلك الكيس البلاستيكي، فتسحب الممرضة ذلك المحقن من ساعده، لتجد من يعتصر معصمها بقوة غاشمة، ويرمقها ببركان ثائر،صاكًا على أسنانه، مردفًا بإستنكار:
بتعملي إيه؟!

إرتجف جسد الفتاة بقوة، لتهمس متلعثمة:
خـ... خلاص أخدنا منك كيسين دم، وكده كفاية.
ليزداد من إعتصار معصمها، ضاعطًا على كل حرف تفوه به:
قولتلك خدي كل الدم اللي هيحتاجه... فاهمة.

لتهمس برعبٍ جليّ:
مش هينفع حضرتك، كده ممكن تفقد وعيك.
إزدادت ملامحه قسوة غاشمة؛ قسوة تبث الرعب في نفوس كل من يلمحه أو يمر حوله، ليصيح بفحيح:
مش إنتي اللي تقوللي إيه ينفع وإيه ماينفعش، هاتى كيس كمان وخدي الدم اللي يرجع أخويا للحياة.
حركت الفتاة رأسها بذعر، هامسةً بإرتباك: حاضر... حاضر.
لتضع كيس جديد على ذلك الحامل الحديدي، لتوصل به ذلك الأنبوب فيبدأ بسحب الدماء إليه .

غرفة العمليات
ملقي على ذلك الفراش، مُبهم الملامح، ملوث بدمائه، عاري الجسد، إلا من قطعة قماش صغيرة تستر ماوجب ستره، ممدد الذراعين جانبًا، يضخ بأحدهما دماء شقيقه الثائر على الدنيا حتى ينتقم لأخيه، والأخر معلق به ذلك المحلول المختلط ببعض العقاقير الطبية.
أما تلك الأسلاك التي تلتصق بصدره لتستشعر ضربات قلبه الخافتة، ومعدل ضغطه الذي قارب على السكون.

و تلك الذرات التي تُعيد محاولاتها البائسة في إنعاش رئتاه عابرة ذلك الأنبوب المعلق بفمه لإعطائه قبلة الحياة.
كل تلك الأشياء تتوسل بقوة لذلك الخامد، الذي تقل مقاومته تدريجيا، حتى بات يربطه بالحياة خيط ضعيف أوشك على التمزق.
ليرى والداه يطلا عليه بالأبيض فاتحين أذرعتهما ترحيبا بصغيرهما، وهما يبتسما بشوق للقاءٍ طال، فهل آن أوانه؟!
... يقتربا منه محاولين إحتضانه، وتعويض فترة فراقهما له.

فيبتسم إبتسامة خفيفة، راضية، مشتاقة، لتهطل دمعة هاربة من مُقلتاه.
الأطباء يجرون أدق الجراحات، فذلك الحادث مصيره الموت لا محالة، لكن فإن حدث هذا، فسيكون مصيرهم الهلاك المؤكد على يد ذلك الأسد الثائر.

أمام غرفة العمليات
إستند على ذلك الحائط الذي بات أقل قسوة وأكثر لينًا مما يحيط به من أحداث، طارحًا رأسه للخلف، ليستعيد إبتسامة ومشاغبة أخيه أمام عيناه، كم كان عفوي عاشق للحياة.

فلاش باك - غرفة "حمزة"
هاتف أحدهما بعصبية جامحة، ليتعالي صوته الغاضب:
مش "حمزة السيوفي" اللي واحدة زيك تاخده كوبري عشان توصل لحد تاني... ورحمة أبويا لأخليكي تندمني بقية عمرك.
ليلقي الهاتف بقوة غاضبة، يصطدم بذلك الحائط الصلد فيهوي حُطامًا، كحطام قلبه،
ويلتقط أحد المقاعد بغضب جامح، فيلقيه من شرفة غرفته، صرخات مكتومة، سبات ولعنات لتلك الحمقاء التي إستغلت حبه وثقته، للوصول إلى شاب آخر.

بتلك الردهة الأمامية لغرفة "حمزة"
يخطو بخطوات واسعة مطلقًا صفيرًا سعيدا،و يلقى مفتاح سيارته بالهواء ويعيد إلتقاطه، ليستوقفه أصوات ذلك الضجيج المنبعث من غرفة "حمزة". يتوقف عن الحركة، ويتمكن القلق من خلاياه، ليخطو مسرعًا نحو الغرفة ويفتح بابها بقوة، ليقتحمها ملهوفًا، مستنكرًا.

فتلك المرة الأولى التي يرى فيها "حمزة "
_الذي لطالما لقبه بالصوّان_، يشتغل نيرانًا، غاضب، حانق على كل شئ، يُلقي كل ما تصل إليه يداه، فقد أصبحت غرفته
كسوقٍ لقطع الغيار.

إقترب منه بلهفة، وتوتر، رافعًا يده في محاولة لجذب تلك الأشياء من يد "حمزة"، ليجد لكمة قوية موجهة نحو فكه.
حرك "خالد" فكه يمينًا ويسارًا بهدوء، ليرمق "حمزة" بنظرات غامضة، ومن ثم يرد له اللكمة بواحدة أقوى، فيستشيط "حمزة" غضبًا ويلكمه مرة أخرى.

لتدور مباراة ملاكمة بين خصمين متكافئين، فتصبح سجالًا لمدة تتجاوز الخمسة عشر دقيقة، حتى خارت قواهما، وتقطعت
أنفاسهما، فهويا طريحي الأرض، يلهثون بقوة محاولين ضبط أنفاسهما، لتتسلل ضحكة ساخرة من بين شفاه "خالد"، فيرمقه الآخر بغضب جامح. تعالت ضحكات "خالد" على ما وصلا إليه من تعبٍ وإرهاق.

ليبدأ ذلك الفيروس في التسلل إلى شفتاه، فتتعالي ضحكاتهم المودوية _ فكما يقولون بأن الضحك عدوي_.
بعد دقائق من الضحك المتواصل هب "خالد" جالسًا، ليوجه نظراته صوب ذلك المستلقي أرضًا، مردفًا بصرامة:
مش رجالة "السيوفي"، اللي أي واحدة أيًا كانت مين! أو مدى تأثيرها توصلنا لكده، اللي باعك بيعه وإنت الكسبان، بس حقك، أوعى تسامح فيه يوم من الأيام.

ليستقيم واقفًا، فيعدل من هيئته، ويستدير مغادرًا الغرفة.
ليخرج "حمزة" من ذكرياته، شهقات "هيا" المؤلمة، تركض نحوه بإنهيار يتبعها "نجلاء" و "فريدة".
إقتربت منه ببكاء أدمي قلبه، فهي لا تتحمل فكرة فقدان شقيقها، تعتصر ذراعيه بيداها الرقيقة، صارخةً بلوعة:
"خالد" فين يا "حمزة"؟
أخويا فين؟!
قوللي إن الكلام ده كذب، قوللي إنها إشاعات.

لتسقط أرضًا، متمسكةً بطرف قميصه، وشلالاتها عاجزة عن تسكين ألامها المستوطنة لذلك النابض بوجعٍ كاسر.
إنحني نحوها بإنكسار، إقترب منها ليجذبها إلى أحضانه علّه يشعرها ببعض الأمان الذي أوشكت على فقدانه، تتشبث بأحضانه بقوة، تستمد طاقتها على التحمل من معشوقها الذي لطالما تمنت أن يستشعر عشقها، لكن اليوم فشاغلها الوحيد سلامة شقيقها.

شدد من إحتضانها بقوة غريبة فهو من إستشعر الأمان في ذلك الوطن، تسلل إلى قلبه إحساس عجز عن تفسيره، أو إدراك معانيه.
لتهتف "نجلاء" في محاولة منها لإعادتهما لأرض الواقع، فهي تؤمن بعشق إبنها الدفين:
"خالد" عامل إيه دلوقتي يا"حمزة"؟

رفع عيناه بتوسل نحو والدته، مردفًا: إدعيله ياماما، هو محتاج دعائنا كلنا.
أما تلك "الفريدة" فتراقب المشهد صامتة، عاجزة عن التعبير، تسبقها دمعاتها الحارقة، لتختلط بحروفها المتلعثمة:
هيبقى كويس... صح؟.
أومأ برأسه والأسي قد نهش ملامحه، قبل أن يردف:
إن شاء الله يا" فريدة" هانم.

"عالم همس"
دلفت إلى عالمها الخاص الذي مازالت تبتكر طرقًا عدة لتزينه وتهيئته بما يتلائم مع أحلامها التي لطالما سعت لتحقيقها.
إتجهت نحو ذلك الحوض الجانبي للأزهار، لتنحني نحوه، وتجلس على ركبتيها بسعادة، فتلتقط ذلك الجاروف وتبدأ بحفر بؤرة صغيرة لنقل شتلها الرقيقة.
ما إن إتمت نقلها، حتى جذبت رشاش المياه وبدأت بروي أزهارها بالترتيب، لتعلو نغمة هاتفها مُعلنة عن هوية المتصل، لتحادث نفسها بدهشة:
"عمر"!، المفروض يكون في الدرس وقافل الموبايل، خير يارب.

ضغطت زر الإجابة، لتضعه بالقرب من أذنها، مردفة بإستنكار:
خير ياسي "عمر" سايب الدرس ومتصل بيا دلوقتي ليه؟!
ليجاوبها صوت غير مألوف لها، فيساورها القلق ويهاجم خلاياها:
حضرتك أنا مش" عمر "، صاحب التليفون ده عمل حادثة، وهو دلوقتي في مستشفى...

إعتصرت تلك القبضة الفولاذية قلبها بلا هوادة، لتنهمر دمعاتها شلالات متدفقة، لتصرخ صرخة مكتومة، رادفة بتلعثم:
حا... حادثة؟! حادثة إية؟!
هو... هو كويس؟!

المتصل في محاولة لطمئنتها:
والله حضرتك هو كويس... كسر بسيط في رجله.
إزدادت في البكاء والنحيب، لتصيح بلا تصديق:
لأ... إنت بتكذب... أخويا ماله؟!
المتصل: أبدًا والله.
ليتسلل إلى مسامعها صوت شقيقها: هات التليفون... أنا هكلمها.

زفرت زفرة قوية تطرد بها ذلك الخوف والقلق اللذان تمكنا منها، وتحل محلهما الطمأنينة والراحة، فترفع عيناها شاكرة ربها على حفظه لشقيقها.
"عمر" بصوت يشوبه بعض الألم:
أيوه يا حبيبتي أنا كويس، ده كسر بسيط... ممكن تيجي المستشفى عشان تاخديني البيت، بس من غير ماتعرفي ماما وبابا عشان مايقلقوش على الفاضي.

"همس" بهدوء:
ماشي... هتصرف وأجيلك.
غادرت عالمها، للهبوط إلى مسكنها في محاولة إختلاق عذر وسبب لإقناع والدتها للخروج، دون الإفصاح عن حقيقة الأمر.
بعد محاولات مريرة إستطاعت إقناعها بالذهاب لشراء أحد الكتب الضرورية لها من أجل إتمام البحث الخاص بدراستها.

المشفى - أمام غرفة العمليات
حالة من الترقب الممتزجة بالقلق، والرجاء، والدعوات الصادقة من أم تكاد أن تفقد ابن روحها، وأخت تشعر بتمزق خلاياها وتفتتها،
وأخ لا يتذكر سوي لحظاتهما السعيدة، وقوة وصلابة أخيه حتى وإن بدي غير ذلك.
أما تلك الجدة فنيرانها متأججة، تتآكل داخليا حتى وإن لم تظهر هذا.

لينضم إليهم ذلك البركان الخامد حتى الآن، فهو بإنتظار الإطمئنان على أخيه، ليعطي إشارة بحرق الأخضر واليابس.
ليهب عليهم إعصار يقتلع كل مايقابله، حمم بركانية تُقذف من حدقتاه، لتحدث المواجهة الصامته بين الأخوة، نظرات قاتلة فرصاصات المدافع أهون منها بآلاف المرات.
نظرات لائمة، عاتبة، متهمة له بالتقصير وعدم قدرته على صون ذلك العهد والقسم بالمحافظة على أشقائه.

أما "ثائر" فنظراته أسفة، نادمة، معترفة بإهماله الغير مقصود، متوسله للعفو، راجية للمسامحة.
لتتحول إلى أعين متوعدة بالهلاك والإنتقام والثأر لأخيه مهما كلفه هذا.

جذب شقيقته بين ذراعيه، يحتويها بحنان مُشرب بألم الفراق والبعد، لتشدد من إحتضانها له بأسي، وتتعالي شهقاتها المدمرة لكيانه وخلايا روحه، لتهتف:
"خالد " يا أبيه "حاتم" ..." خالد" تعبان قوي، بالله عليك خليه يقوم ويرجع لينا... والله وحشني... مش قادرة أتخيل حياتي من غيره... مش كفاية إنت سيبتني ومشيت... مش هقدر أتحمل بعده عني، عشان خاطري خليه يرجع لينا يا أبيه .

قبّل "حاتم" رأسها بدمعاته المتمردة، ليزفر بقوة، صارخًا بغضب جحيمي:
مين اللي عمل كده يا "ثائر"؟!
تحولت عينا "ثائر" لجحيم مستعر، ضاغطا أسنانه بتوعد:
نص ساعة ويكونوا تحت رجلينا، رجالتنا راجعت تسجيلات الكاميرات، ووصلت لأرقام العربية.
قبّل جبين "هيا" بحنو، ليبعدها عنه متوجهها نحو "ثائر" ليهمس بالقرب من أذنه بفحيح:
يتفرموا... يتمنوا الموت ومايطلهوش، وبإيدينا، مش بإيد الرجالة.

ترجلت عن سيارة الأجرة مهرولة، في محاولة منها للولوج إلى المشفي لتجد حائط بشري يمنع جسدها الضئيل من المرور.
فترفع سبابتها في وجه أحدهما محذرة إياه ( أي تحذير هذا يافتاة، ألم تلتفتي إلى ضآلة جسدك بالمقارنة بتلك القاطرات البشرية):
لو مبعدتش عن وشي مش هيحصل طيب.

لم تتلقى أي جواب لتهديداتها الحمقاء، ليتعالي صراخها الحانقة:
يا أغبيا أخويا جوا وعامل حادثة، لازم أطمن عليه.
(إصمتي يا فتاة فالأحجار لا ترى لا تسمع، لا تتكلم، وهذه أحجاز "ثائر السيوفي" .).
يتجه نحوها أحد الأطباء في محاولة لإستكشاف الأمر:
فيه إيه يا أنسة؟!

نهش الغضب ملامحها الرقيقة، لتردف بضيق:
قولنا أخويا جوا... جاي في حادثة عربية،ولازم أدخل.
أزاح الطبيب أحدهما، قبل أن يردف:
دخلها يا إبني... فيه حالة تخصها جوا.
لتدفعه "همس " بقوتها البائس، مردفةً:
وسع كده... إيه! الرئيس في المستشفى ولا إيه؟!

إتجهت مُهرولة نحو الإستعلامات، لتستعلم عن غرفة شقيقتها:
لو سمحتي "عمر عبد العزيز " جه في حادثة عربية، غرفته فين؟
أردفت فتاة الإستعلامات بجدية:
غرفة رقم 1276 الدور الخامس، والأسانسير على إيدك الشمال.
غادرت "همس" مُسرعة نحو المصعد، لتستقله قاصدة غرفة شقيقها.

لحظات و يتوقف المصعد بالطابق المنشود، لتنفتح أبوابه على مصرعيها، فتغادره باحثة عن الغرفة حتى وجدتها، فإقتحمتها بقوة، ودقات قلبها متلاطمة، فقلقها على شقيقتها لم ينضب بعد، لتجده مُلقي بالفراش، وساقه اليمني مجبرة بتلك الجبيرة الزرقاء، لتسبقها دمعاتها، وتركض نحوه فتجذبه نحوها، لتحتضنه بقوة، هاتفةً:
سلامتك يا "موري". إزاي حصل كده؟!

:حضرتك أنا اللي خبطه، وبكرر إعتذاري.

لتستدير نحو صاحب هذا الصوت، فتجده (شاب في منتصف عقده الثاني، وسيم حد الخيال، زرقة عيناه تنافس محيطات العالم، خيوط ذهبية تنسج ببراعة لتضفي جمالًا على ذلك الرأس ذو البشرة الحنطية، وجسده الذي يدل على أنه لاعبًا أولمبيا)

لتلوح بيدها في وجهه صارخةً بغضب جليّ:
وأنا أعمل إيه بأسفك ده؟!
أسفك هيرجع لأخويا رجله سليمة زي ماكانت، ولا الخضة اللي كانت هتموتني، ومليون فكرة جت في راسي لحد ماوصلت هنا وشوفته بعنيا...

لكن ذلك الهائم بحركة شفاهها الكرزية، وأنغام صوتها الدافئ الذي تلهو على أوتار قلبه، و تلك الإبتسامة البلهاء التي تزين ثغره فتزيده جمالًا...

لتتوقف عن حديثها بخجل من تلك النظرات المتفحصة، وتشيح بوجهها عنه، لترمق أخيها مستنكرةً، فيهتف:
خلاص يا" همس" "أحمد" ماكنش يقصد، أنا اللي ظهرت قدامه فجأة.

أما ذلك الهائم، فيردد إسمها بتلذذ، وإستمتاع:
"همس"... "همس" .
لترمقه وقد تملك الغضب من ذراتها، فتهتف بحنق:
في إية يا كابتن؟!
حمحم "أحمد" بخجلٍ:
أنا أسف يا أنسة "همس".

ليلتفت نحو "عمر" بإبتسامته العذبة، مكملًا:
أنا أسف يا" عمور"، وزي ما إتفقنا خلاص بقينا أصحاب، ورقمي معاك كلمني في أي وقت،
ويلتفت نحو "همس " مردفًا:
ورقمك معايا وأنا أكيد هكلمك قريب.

دقات خفيفة على الباب، يتبعها دلوف الطبيب للإطمئنان على "عمر" والسماح له بالخروج، و تلك الإبتسامة العملية تعتلي معالم وجهه، ليردف بثبات:
تمام يا أستاذ "عمر" تقدر تخرج ونشوفك بعد ست أسابيع، وتمشي على الأدوية اللي كتبتها لك.

أردفت "همس" بجدية:
بعد إذنك يا دكتور، الحالة إيه بالظبط؟... وقبل ما تتكلم أنا شايفة إن رجله مكسورة.
سؤالي... هل الكسر ده هيأثر عليه بعد كده في الحركة ؟

إزدادت إبتسامة الطبيب، ليبث الإطمئنان إلى قلبها، مردفًا:
ما تقلقيش حضرتك ده كسر بسيط، وإن شاء الله مش هيأثر عليه... يعني هيجري ويتنطط ويلعب كرة قدم كمان.
ليكمل بجدية:
ممكن تعرضي الأشعة على أي دكتور تاني هيأكد لك كلامي.

ضيقت عيناها بتفكير، لتتنهد براحة، مردفةً:
أوك... فين الأشعة دي؟!
أردف الطبيب بجدية أكثر مما قبل:
ممكن تنزلي الدور الثاني، الغرفة اللي جنب غرفة العمليات، إستلميها من هناك.

ليغادر الطبيب الغرفة، لإستكمال باقي عمله.
فتستدير بجذعها نحو شقيقها، هاتفةً بصرامة:
هنزل أجيب الأشعة، وآجي عشان نروح على طول.
كاد أن يتحدث "أحمد"، لتنظر له بغضب، فيبتلع كلماته بشرود، وتغادر هى متجهه نحو الغرفة المجاورة لغرفة العمليات.

غرفة العمليات.
أكثر من سبع ساعات، والأطباء يحاولون السيطرة على جراجه ونزيفه المتواصل، إرهاق جلّي يكسو ملامحهم، لكن الجدية والصرامة، تجتاح أوصالهم.

مازالت نبضاته تتباطأ تدريجياً، "محاولات مستمية من والداه لجذبه نحوهما، فأي أنانية يتمتعون بها؟!، ليحرموا إخوته من أنفاسه الدافئة"، ينخفض الضغط، يقل النبض. تتقارب الذبذبات من الإستقامة.
بل إنها إستقامت، وإتصلت صافرات الإنذار.

إجتمع الجميع أمام غرفة العمليات ودمعاتهم تحجب الرؤية، فاقدين الإحساس بالمكان، لكن إحساسهم بالوقت قاتل، فيمر عليهم كأعوام عجاف.

غادرت "همس " المصعد، لتتبع إشارات التوجهه نحو غرفة الأشعة، يتوقف الوقت بالجميع، تخطو خطواتها الهادئة، لتقترب من تلك الغرفة ببطئ معاكس لتسارع دقات قلبها، تقترب أكثر وأكثر لتصل إلى تلك المسافة الفاصلة بين "آل السيوفي" المغيبون، وذلك الذي إستقامت دقات قلبه.
تتلاطم ضربات قلبها بقوة، صارخة، مستجدية، ليحيطها ذلك المجال المغناطيسي الغريب، فتدب رجفة شديدة بجسدها الضئيل، ينتابها شعور بإختلال توازنها، بل فقدانها لوعيها.

لتجر قدماها بثقل غامض، يزداد من تلاطم دقاتها، فترفع يدها نحو موضع مضختها في محاولة لإخماد تلك الدقات الثائرة، حتى خرجت من هذا المجال، لتنتظم دقاتها بشعور غامض ومبهم .

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W