قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل الخامس

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل الخامس

المشفى
دوت صافرات الإنذار في كل مكان، حالة من الهرج والمرج تجتاح غرفة العمليات، علامات الذعر والترقب تعتلي وجوههم.
هرولت إحدى فتيات التمريض مغادرة غرفة العمليات بذعر جلىّ، ليستوقفها "حاتم" بغضب جامخ، صارخًا، فقد فاض الكيل:
إيه اللي بيحصل جوه؟!
ممكن حد يفهمنا.

إبتلعت ريقها برعب، ليرتجف جسدها بقوة، هامسةً بتلعثم:
ال... الق... القلب وقف.
ليتحول إلى وحش كاسر، فيدفعها بقوته الغاشمة، ونيران الجحيم تتراقص بمقلتاه، صارخة بإستنكار:
قلب مين اللي وقف؟! ها.. قلب مين؟!
إنتوا أكيد إتجننتوا.

فيدفعها جانبًا، مقتحمًا غرفة العمليات بغضب مستعر، فأفقد الجميع القدرة على التنفس.
بينما هوت "هيا" فاقدة لوعيها، ليتلقاها "حمزة" بين ذراعيه بقلق، وتوتر، فيحملها كالمجنون باحثًا عن طبيب لإسعافها.
أما فريدة فإتكأت على المقعد المجاور لها، والعالم حولها ينهار رأسًا على عقب، ليحل الظلام على دنياها تدريجياً، فتفقد هي الأخرى وعيها الذي إستعادته قريبًا، فلطالما كانت تحيا بعالم نسجه خيالها المتكبر.

و تلك الأم البائسة، فبدأت تخطو خطواتها المترنحة بغير هُدي، ودمعاتها لم تجف بعد،
أما قلبها كان ينفي كل خيالاتها السوداوية، فمازال لديه يقين وثقة بالخالق الرحيم، الرؤوف بحالها وحال إخوته.
فتقودها خُطواتها إلى ذلك المسجد الصغير، لتدلف إليه بإنكسار مُوجع، وتسجد بين يدي اللطيف، متضرعة، متوسلة، راجية، أن ينجي ذلك الشاب الصغير، الذي لطالما كان أقرب من يهون عليها تحكم "فريدة" وظلمها الدائم لهم.

بينما ذلك "الثائر" فحالته الهادئة، الساكنة، أكثر مايثير الإندهاش،
هل إستسلمت رايته لرياح اليأس دون أدنى مقاومة؟!
أم إيمانه القوي بالله، ثم قوة أخيه ومدي تمسكه بالحياة؟!
حبس أنفاسه بقسوة، إعتصر قلبه ليسيل نزيف الروح بلا رحمة، يتحكم بنبضاته، يتألم بصمت، فما أصعب تألم الرجال حين يصمتون، ينعزل بروحه عن العالم.

أما الشقيق الأكبر "حاتم" يقترب بخطوات ثابتة، صلبة، متوعدة بالثأر من أخيه إذا خذله وفارق الحياة دون سابق إنذار، أو دون وداع، فوقت الرحيل لم يحن بعد.

حاول الأطباء إبعاده، إلا أنه يدفعهم بقوة غاشمة، فيهوي من يهوِي، ويرتطم بالحائط من يرتطم، حتى وصل إلى فراش أخيه المستسلم للموت بإبتسامته الخفيفة.
فينحني نحوه بثبات ظاهري، لكن هناك حرب ضارية تحتل كيانه. يرفع يده ليتلمس وجنتاه بأنامله المرتجفة، مردفًا بأنين:
"خالد"... "خالد" رد عليا، قوم يلا ياحبيبي "هيا " مستنياك... ده وعدك اللي وعدته ليا؟!... إنك تاخد بالك منها وتحافظ عليها.

كده تتخلى عن الأمانة اللي أمنتك عليها!، قوم يلا يا "خالد ".
قوم... وأنا والله ما هسيبك، ولا هبعد عنك... هقف في وش الدنيا كلها عشان خاطرك، لو عايزني أبعد عن "منة"، والله أبعد... بس قوم وقولها بنفسك.

لتتمرد دمعاته وتنهمر بمرارة، فيزيد خوفه وتنهار حصونه، ليبدأ في الصراخ، دون أدنى إهتمام بنظرات المحيطين به:
بقولك قوم بقا... دي مش عمايل رجالة... إنت عمرك ماهربت... يا "خالد".
ليبدأ بتسديد لكماته القوية نحو صدره بغضب حانق:
قوم يلا... يا"خاااااااااااالد"،قوم يا"خااااالد".
ليستلقي أعلى صدر شقيقه باكيًا بأنينٍ مكتوم.

تلامست القلوب، وتعالت نبضاتها متوسلة، لحظات قليلة وأرسلت نبضات قلب "خالد" إشارة الإنعاش والحياة لعائلة" السيوفى".
تفرقت صافرات الإنذار، لترسل أصوات دقات قلبه العائدة للحياة. تسللت دقات قلبه إلى مسامع "حاتم"، لينتفض جسده بفرحة عارمة، فيبتعد عن صدر أخيه، تاركًا المجال للأطباء لمتابعة عملهم، والإطمئنان عليه.

غادر "حاتم" غرفة العمليات، ليجد رفيق دربه بتلك الحالة الغامضة، فيقترب منه ساكنًا أحضانه، متنهدًا براحة. ليشدد كلًا منهما من إحتضان الآخر، شادين من أزر بعضهما البعض، فتسري بعض الراحة والطمأنينة بشريانهما.
لحظات ويخرج الطبيب بملامح باشه، مردفًا:
الحمد لله... اللي حصل ده معجزة بكل المقاييس، ومش لاقي تفسير غير الإرتباط الشديد اللي بينكم، وحب "خالد" ليك وإرتباطه القوي بيك.

هتف "ثائر" بجدية:
"خالد" عامل إيه دلوقتي؟
أجابه الطبيب برفق:
لو ٢٤ساعة الجايين عدوا على خير إن شاء الله الحالة هتستقر... فمفيش قدامنا غير الدعاء.

غادر الطبيب بإرهاق، بعد إعطاء إشارة الإنطلاق لهذان الوحشان الكاسران، فيشتعل
جحيم منذر بحدقاتهما. تبادلا نظراتهما الغامضة، رافعين رايات الحرب والثأر.
خطوا خطوات ثابتة منذرة بالهلاك، لترتجف الأرض تحتهما ذعرًا مما تحمل فوقها من غضبٍ.

غرفة "هيا" بالمشفي
ملقاه على الفراش فاقدة لوعيها، لكن دمعاتها لم تجف بعد مازالت تسيل بفيضان ألمها وفقدانها لشقيقها.
ملامح الأسى تكسو وجنتاها ببذخ، تتغير معالمها من آن لآخر، تزداد شهقاتها أحيانًا، وأنينها أحيانًا آخرى، وبعض الوقت ترتخي جميع ملامحها ليطل ذلك الملاك النائم.

لأول مرة يجمعهما هذا القرب، فتلك المرة الأولى التي يجذبه إليها رقتها ونعومتها،
ألهذا الحد كنت معمي القلب؟!
ألم يتحرك هذا الصوّان يومًا؟!
لما إنتابني هذا الشعور الغامض وهي تحتل أحضاني؟!
لما إنهارت جميع حصوني لحظة بكائها وإنكسارها؟!
لما تملكني هذا الألم؟!، لما صرخ قلبي لائمًا؟!

زينت تلك الإبتسامة العاشقة ثغره، فزادته حسنا. ليتقرب نحوها ببطئ، وينحني نحو جبينها، دامغا قبلته الدافئة للحظات، لثوان، ذاب جليده، وتفتت صوانه وإنفجرت منه ينابيع العشق المتيم.
تململت في نومها، لترتسم إبتسامة حالمة مزينة ملامحها المنهكة.

إبتعد عنها فزعًا، ليستقيم في وقفته، تلاطمت صرخات ذلك الفؤاد!، كاد أن يقفز من مرقده!، ليذوب في ثنايا روحها الأليم. فيلهث بشدة، يعلو صدره ويهبط من فرط المشاعر المهلكة. يرفع يده ليفرك وجهه، يغادر الغرفة مهرولاً، ليستند على ذلك الحائط البارد علّه يطفئ نيران قلبه.

غادرت "همس" غرفة الأشعة، لتلمح تلك العجوز المحتلة ذلك المقعد المقابل لغرفة العمليات،و علامات التعب والإعياء تنهش ملامحها، إقتربت منها بهدوء وحذر، للإطمئنان على وضعها ومساعدتها إن توجب عليها هذا.

دنت منها بحرص يشوبه بعض التوتر والإرتباك، وتسارعت دقات قلبها، مردفةً.:
حضرتك كويسة؟
رفعت عيناها نحوها بدموع راجية، متوسلة، لينقبض قلب "همس " بقوة، وتدب تلك الرجفة الشديدة بأوصالها، فتفتح حقيبتها مسرعة، لتلتقط زجاجة مياه باردة، تروي بها ظمأ تلك "الفريدة" التي إنفض الجميع من حولها.
لكن؛ منذ متى وهي تهتم لتجمعهم حولها أو تفرقهم عنها؟!

إرتشفت المياه بنهم المحروم، أو الصائم في نهارٍ شديد الحرارة، لتفرغ الزجاجة تمامًا.
فتبحث "همس" بحقيبتها عن بعض الحلوى لمساعدتها في إستعادة نشاطها، فلم تجد سوي قطعة واحدة من الشيكولاتة، فقدمتها لها بأسف، مردفةً:
معلش والله مش معايا غير الشيكولا دي بس... بس ممكن أروح أشتري ليكي أي حاجة محتاجاها... تحبي أشتريلك إيه؟ .

رمقتها "فريدة" بتعجب ودهشة للهفتها، وصدق مشاعرها، أهي حقًا تستحق هذا العطف والقلق؟!،
لتنهمر دمعاتها النادمة، فتحرك رأسها بهدوء، مردفةً:
شكرًا يا بنتي.
ربتت "همس " على كتفها بحنان، لتتمرد دمعة هاربة من مقلتاها، فتهمس بأسى:
إنتي تعبانة؟
تحبي أخدك للدكتور؟... أو إستني هجيب دكتور وآجي.

لتلتفت مغادرة، فتجد من يتشبث بكفها الرقيق بضعف. تلتفت نحوها بألم مجهول، غامض، لتهبط أرضًا جالسة على ركبتيها، وترفع أنظارها لتلتقي تلك النظرات المبهمة، فلم تستطع فك طلاسمها، فتنهمر دمعاتها بقوة، مردفة:
فيه إيه؟! مالك؟!
حد زعلك؟!، حاجة وجعاكي؟! أساعدك إزاي؟

رفعت "فريدة" عيناها نحو غرفة الرعاية المركزية الملحقة بغرفة العمليات، وإنهمرت دمعاتها بلا توقف.
أدارت "همس " رأسها نحو تلك الغرفة، متنهدة بحزن، لتستدير نحو "فريدة"، مردفةً بتساؤل:
إبنك بيعمل عملية؟
زفرت زفرة قوية، ليزداد ألمها أضعافًا، هامسةً بلوعة وأنين:
حفيدي... بيصارع الموت جوه.

لتنظر نحو" همس" بتوسل منكسر، مردفةً: إدعيله يا بنتي.
إلتقطت "همس" كفها بألم لتنحني نحوه، وتقبله بحنان، وترفع عيناها نحوها، هامسةً:
إن شاء الله هيبقى كويس، وهينتصر بإذن الله، ويرجع لك بالسلامة.
ليقطع حديثها نداءات "أحمد":
"همس".

إلتفتا سويا نحو صاحب الصوت... "همس " وقد تملك الغضب منها، كيف يتلفظ هذا الأحمق بإسمها هكذا مجردًا من الألقاب؟!
أما "فريد" فتنفرج إبتسامة خفيفة من شفتاها، لتهمس بحنو:
قومي روحي لخطيبك يا بنتي، شكله قلق عليكي.

كادت أن تتحدث، رافضة حديثها هذا، فعن أي خطيب تتحدث؟!
ليتجه نحوها الطبيب، ويطمئنها عن حالة "خالد"، فتذهب نحوه بكامل جوارحها، ويقترب "أحمد" من "همس" مرددًا: إتأخرتي كل ده ليه يا أنسة "همس "؟!
"عمر " قلق عليكي وكان هييجي بنفسه يدور عليكي، بس أنا منعنته وأقنعته إن هاجي أدور عليكي بنفسي.

إزدادت ملامح الغضب أكثر، غلت الدماء بأوردتها، لتهمس بحنق:
ليه؟! طفلة صغيرة وهتتخطف يعني.
لتغادر مهرولة، تاركة خلفها من أصابه سهم عشقها فهوي صريعًا في محراب عيناها.

مكان ما في صحراء بلدنا
سيارات جيب سوداء تلتف بشكل دائرة مغلقة، تضم داخلها جحيم محقق لرجل وفتاة، في مواجهة أسدّي "السيوفي" المكشريين عن أنيابهما، نافثين نيرانا من جحيم.

إقترب "ثائر" من ذلك السائق معدوم الرحمة والضمير، ليجذبه بقوة ويصب عليه جم غضبة بتلك اللكمات المتتالية، حتي تناثرت أسنانه بالفضاء، فيقترب من أذنه بفحيح أفعى سامة:
إزاي تتجرأ وتعمل كده في "خالد السيوفي"؟!...
هخليك تتمنى الموت، ولا تطوله.

ليكمل لكماته، وركلاته، ليستمتع بأصوات تحطم وتفتت عظامه بين قبضتاه.
صرخ السائق بألم، متوسلًا:
أبوس إيدك سامحني، هي اللي قالت لي،
ليلتفت نحو الأخرى التي ترتجف بقوة وعلامات الرعب تحتل أوصالها، كمن رأت شيطان متجسد أمامها.

فإذا كان من يثأر لظلمه شيطان؟!
فما يسمى القاتل، المستبيح لحرمة الدم وقدسية الحياة؟!
صرخ صرخة قوية دوت أصدئها بتلك الصحراء الحارقة، لتنفر عروق وجهه بغضب وحشي، صائحًا:
هدفنكوا هنا ياكلاب... ومحدش هيحس بيكوا.

ليهوي على وجهها بصفعة قوية، فترتمي أرضًا، وتحترق وجنتها من حرارة الرمال.
جذبها من خصلات شعرها بقوة، صارخا: هتتكلمي، ولا أدفنك مكانك.
حركت رأسها بقوة، لتتساقط قطرات دمائها النازفة من أنفها، صارخة:
هقول... والله هقول... اللي حصل...

فلاش بالك - ملهي ليلى خاص بالفندق
إلتف "عماد" و"صوفي" و"سوزي" حول طاولة تفترش بأنواع من المقرمشات وكاسات الخمور الملعونة، يتطاير دخان سحائرهم البنية ليعم أرجاء المكان بغيامة سوداء .تسحب "سوزي" نفسًا عميقًا من سيجارتها، لتحتبسه برئتيها، رافعة كأس الخمر لتحتسيه بتفكير عميق، مضيقة عيناها بتركيز أكثر، مردفةً:
دي الطريقة الوحيدة اللي أجيبه بها راكع، ماهو أكيد هيخاف على إسم عيلته.

حرك "عماد" إصبعه دائريا مع إتجاه حافة كأسه بشرود، وأنامل يده الأخرى تحتضن سيجارته، ليردف بجدية:
يابنتي هو راجل مايفرقش معاه الكلام ده، لكن إنتي بنت وليكي سمعتك... إنتي كده بتلعبي بالنار، ولو الموضوع إتكشف "خالد"مش هيسمي عليكي.

تجرعت " صوفى" كأسها دفعة واحدة، لتعبس بوجهها محركة رأسها بإمتعاض، وتزفر زفرة قوية، لتردد بتشجيع:
إنتي صح... دي الطريقة الوحيدة اللي تخليه يتجوزك، هيخاف لأخواته تعرف ولا جدته تعرف هي كمان.
لتُكمل بتعجب: بس ده مابيشربش!، هتعملي كده إزاي؟

رفعت "سوزي" أناملها ممسكة بقرص مخدر صغير، مبتسمة بسخرية، قبل أن تردف:
القرص ده في العصير بتاعه، هيعمله هلوسة، ويخليه مش مدرك بأي حاجة بتدور حواليه... حاجة كدة بتوصلك للإنتشاء،، ويبقى يقابلني بقا.

إنضم إليهم "خالد" بإبتسامته المستنكرة: مين ده اللي يقابلك يا "سوزي" ؟!
إبتلعت ريقها بإرتباك محمحمة:
هاا... دا.. واحد قريبي جاي يخطبني، وكان عايز يقابلني عشان ندرس بعض.
جذب "خالد" مقعده المقابل لها، ليجلس عليه، مردفًابإستنكار:
عريس!
وتدرسوا بعض!
عمومًا... ألف مبرووك عقبال الفرح، بس ماتنسيش تعزميني إحنا أصدقاء برضه.

إزدادت نيران الحقد بقلبها، لتزداد إصرارًا وعزيمة على تنفيذ خطتها الشيطانية، فإلتقطت كأسها لتُفرغه دفعةً واحدة بحلقها، وتهب واقفه متجهة نحو ذلك البار الممتلئ بالخمور والمحرمات.
طرقت كأسها على سطح البار بحقد، لتصرخ بالعامل بكبرياء وغرور:
كأس تاني بس دوبل وبسرعة.

لتلمح كأس من عصير البرتقال الذي دائما مايطلبه "خالد"، فتردف بإبتسامتها الخبيثة:
ده عصير "ثائر" بيه.
أردف العامل بإبتسامة مجاملة:
فعلًا حضرتك، ده عصير "خالد" بيه.

إستدار العامل كليًّا لتجهيز كأس "سوزي"، فسنحت لها الفرصة بوضع قرص الهلوسة.
وما إن إنتهي العامل من إعداد مشروبها، حتى قدمه لها، فإلتقطته وغادرت، متجههة صوب أصدقائها، وتلك الإبتسامة الشيطانية تعتلي وجهها.
وصلت إلى الطاولة لتنضم إليهم، متوعدة بتنفيذ مخططها.
لحظات و أتى إليهم العامل حاملًا كأس العصير الخاص "بخالد" ليقدمه له، فيتناوله "خالد" بتلذذ فهذا شرابه المفضل، ويتجرعه كاملًا لآخر قطرة بالكأس، ليضع الكأس أعلى الطاولة.

لحظات ويشعر بألم شديد بالرأس، خفقان أقوى بدقات قلبه، تيارات مياه باردة تسري بأوردته، العالم يدور من حوله، يقاوم لفتح عيناه بمجهودٍ زائد، كلما حاول الوقوف هوي بمقعده مجددًا،
إبتسمت "سوزي" إبتسامتها الشيطانية، فقد نجح الجزء الأول من مخططها، "فخالد" فقد السيطرة على ذاته، صار مُغيب عن العالم، فقد إقتحم عالم وهمي بفعل ذلك القرص.

لينتفض "عماد" و "صوفي" وعلامات الذعر تملكت أوصالهم، بدأوا يتصببون عرق الرعب، يبتلعون ريقهم بإرتباك، ليصرخ "عماد" بتلعثم:
ح... حصل... حصله إيه؟!
إنتي حطيتي حباية إية بالظبط؟!
فتصرخ "صوفي" رعبًا:
أنا ماليش دعوة، أنا هروح، ماليش دعوة...
لتكرر كلماتها بذهول، وتركض مغادرة للملهي.
حاول "عماد" مساعدة "خالد" وحمله لغرفته، لكن تلك الأفعى دفعته بعيدًا عنه، لتحتضن خصره، واضعةً رأسه أعلى كتفها، ليغادرا متجهين نحو غرفة "خالد".

دلفا سويا إلى الغرفة، لتغلق "سوزي" الباب خلفها بقدمها، وتتحامل على نفسها كل هذا الثقل، لتطرحه أعلى الفراش زافرة زفرة قوية.
أما هذا الغائب عن عالمنا، فمازال العالم ينقلب حوله، لتتعالي ضحكاته الهاذية، فتخيلاته خاصه بعالمه الوهمي، عالمه هو فقط.

لكن تلك الأفعى دلفت إلى الحمام الخاص بالغرفة لتبدل ثيابها إلى منامة حمراء فاضحة، تنثر ذرات عطرها المثير، تُزيد من حُمرة شفاهها الفاقعة، لتخرج نحو "خالد" بإغراء مبتذل، تقترب منه بإغواء، تتلمس أزرار قميصه فاتحة إياها بدلال.

مازالت ضحكاته الهاذية تدوي بالأنحاء، نظراته الحائرة تجوب وجهها بتعجب،
يثبت نظراته بحدقتاها، لتتحول إلى نظرات مستنكرة، وتدوي ضحكاته الساخرة، نافضًا كل هذا الهذيان، ليهب كوحش جريح، تتطاير نيران الغضب من مُقلتاه، يعتصر معصمها بقوة، ضاغطًا على أسنانه بقوة، صائحًا بفحيح:
كنتي فاكرة إنك تقدري تضحكي على "خالد السيوفي " وتوصلي لهدفك القذر.

ليصرخ غاضبًا:
غبية، أنا سمعت كل كلامك تحت في النايت، وقولت أستهبل شوية.
ليدفعها بقوة فتهوي أرضًا،و ترتجف أوصالها بقوة، من نظرات "خالد" الغاضبة، وعروق رقبته البارزة، لكن مازال السؤال الأهم؛
هل زال أثر المخدر من جسده بتلك السرعة؟!
ليكمل ساخرًا:
عارف... زمانك بتسألي نفسك، إزاي شرب العصير، ورجعله وعيه بالسرعة دي ؟!

لينحني نحوها جاذبًا خصلات شعرها بحنق:
قولتلك غبية، دي كانت أسهل حاجة في الموضوع... خليت عامل البار يوهمك إنه مش واخد باله، ويديكي الأمان لحد ماتحطي قرص المخدر في العصير، وبعد كده بدل العصير بواحد تاني.
يعني كنت بشرب العصير وأنا مستمتع بإنتصارك المزيف... وشوية تمثيل بقا، عشت الدور للآخر.
ليجرها من خصلاتها بقوة غاضبة،و يدفعها خارج غرفته بمنامتها الفاضحة.

رمقها البعض بنظرات ساخرة، وآخري مشتهية، وبعض كاميرات الهواتف الذكية لتصوير مقاطع الفيديو ونشرها على مواقع التواصل الإجتماعي تحت عنوان "فتاة ليل من المجتمع الراقي".
ليصفع باب غرفته بقوة،و يزفر نيران غضبه، ليجمع متعلقاته مغادرًا مبنى الفندق.

حاولت ستر جسدها بأيديها، لتجمع ياقه المنامة الغير موجودة أصلًا، تجذب طرفها للأسفل لتغطي سيقانها الطويلة. تهب واقفة لتركض نحو غرفتها متوعدة بالإنتقام، وسط ضحكات الجميع الساخرة، والمستائة من الأفعال المشينة لبعض الفتيات.

إلتقطت "سوزي" هاتفها بحقد جليّ، لتجري إتصال بأحدهم:
ألووو... عايزة منك خدمة والمبلغ اللي هتقول عليه هتاخده.
الطرف الآخر:
خدمة إيه؟ أعرف الأول وبعدين أحدد تمنها.

"سوزي" بنظرات ونبرة شيطانية:
عايزاك تقتل واحد... بس تكون حادثة عادية على الطريق.
الطرف الآخر:
بس دي هتكلفك كتير.
"سوزي" بغل:
مايهمنيش، اللي إنت عايزه.

الطرف الآخر:
إنتي ياحلوة، وميت ألف جنيه، بس إنتي قبلهم.
"سوزي" بغضب يعمي قلبها:
موافقة، خد رقم العربية، وهو ساب الفندق من شوية، مستنية إتصالك
لتجد صفعة تهوى على وجهها من يد ذلك الأخ المكلوم، فيصرخ "حاتم" بغضب، ونيران جحيمية تحرق عالم بأكمله تتطاير من حدقتاه:

كل ده عشان رفضك ياقذرة، عشان رفض السفالة بتاعتك دي تقتليه.
ليلتفت نحو السائق، وينهال على ماتبقى من بلكماته القاتلة، فيفرغ طاقة غضبه المستعر.
جذبه "ثائر" بقوة، هاتفًا بصرامة:
سيبهم... يلا نروح نطمن على "خالد".

ليستدير نحو رجاله هاتفًا بحزم:
يتسابوا في الشمس كده لحد مايستوا، بعدها إتصل بالشرطة وتسلمها إعترافاتهم.
غادر الأخوان وبعض الراحة قد بدأت تتسلل إلى نفوسهما، ليتوجها نحو المشفى.

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية