قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل الثاني

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل الثاني

شاطئ نيل القاهرة.
وقف "ثائر " بشموخه الراسخ، واضعًا كلتا يداه بجيبي سرواله، يتأمل تلك البواخر النيلية الصاخبة؛ بأصوات الأغاني المرتفعة، وهتافات السعادة التي تتعالي من أناسٍ بسطاء للغاية، يمتلكون القليل من المال، ولكن أيضًا يمتلكون الكثير من السعادة، فتنهد بأسي لسعادته المفقودة، مع فقدانه رفيق دربه، ليعلو صوتًا رجوليًا ممزوج بنبرة تهكمية ساخرة:
برضه لسه بتيجي هنا يا "ثائر"!.

بادله "ثائر" نظرة جانبية ساخرة، فمن يمتلك حق الوصول لتلك النقطة السرية، سواه هو، فهذا المكان لم يرحب يومًا بزائرين سواهما، ليردف بنفس نبرته التهكمية:
ما أنت عارف... ده المكان الوحيد اللي بشكيله همومي... لكن، السؤال الأهم؛ إنت جاي هنا ليه؟!
اللي أعرفه إنك حليت كل مشاكلك،
وداخل على نهاية سعيدة.

رمقه بتلك النظرة الجانبية الغامضة، ليجاوبه بإبتسامة عاشقة:
ده نفس المكان اللي بيفرح معايا من قلبه،
زي ماعاش معايا كل لحظات ضعفي وألمي ووجعي، قولت آجي أطمنه عليّا.

ليسحب نفسًا عميقًا، مغمضًا عيناه بسكون، فيزفره براحة وهدوء، فتلك البقعة من الأرض لها سحرها الخاص، الذي يذيب همومه جميعًا، ليعود صفحة ناصعة البياض، مردفًا بثبات:
أخباره إيه ؟!، عايش إزاي؟!...
لسه مصمم على اللي في دماغه؟

زفر " ثائر" بقلة حيلة ويأس، مردفًا:
مش شايف غيرها، ما إنت عارف لما الموضوع بيتعلق بالقلب، بيكون صعب التدخل... عموما ده إختياره، وده قراره.
ليبتسم إبتسامة خفيفة، مكملًا:
بس برافو عليك.. شكك كان في محله، وإنتظارك كان بفايدة.

إتسعت إبتسامة ذلك المجهول بسعادة غامرة، ليرفع قبضته نحو مضخته الثائرة مردفًا بيقين:
ده... عمره ماصدق كلامها، ولا عمر دقاته نقصت دقة واحدة، بالعكس كانت بتزيد وبتأكد عشقها.
ليستديرا سويّا فيكونا بالمواجهة، بنظراتهم الغامضة، الثاقبة، فاتحين أذرعتهما بإبتسامة إشتياق، فيعانقا بعضهما بمحبة، ليردف "ثائر" بشوق:
وحشتني يا صاحبي.

شدد هو الآخر من معانقته، ليربت على ظهره برجولية، مردفًا:
وحشتني يا "ثائر".
إبتعد عنه قليلًا، ليتمسك بذراعيه بقوة، فتعالت ضحكات "ثائر" الرجولية، مردفًا بإستنكار:
فين من آخر مرة؟!

ليلتفت رامقًا مياهه الغامضة بثبات وشموخ، مكملًا:
أقسمت ماتيجي هنا غير وأنت منتصر،ومحقق كل أهدافك.
إستدار نحوه بثبات وكبرياء، رامقًا إياه بتحدٍ سافر، مردفًا:
مش هنسي ثورته يوم ماشاف ضعفي، وإنكساري... كان زي أب هيتجنن عشان شايف إبنه ضعيف ومهزوم، فأخدت عهد علي نفسي ماجيش هنا غير عشان أفرحه بإنتصاري.

وضع"ثائر" يداه بجيبي بنطاله، وتنهد بعمق وهدوء، لتزداد نظراته غموضًا يبخر مياهه الساكنة، مردفًا بود:
وهي عاملة إيه دلوقتي؟!
تسارعت ضربات قلب ذلك المجهول، فمجرد ذكر شئٍ يخصها، تتعالي صرخات فؤاده العاشق، لتزداد إبتسامته عشقًا، وتلألأت دمعات السعادة بمقلتاه، ليهمس بحنين:
لقيت نفسها... رجعتلي "لينا" بتاعت زمان.

ليوليه ظهره مغادرًا، خاطيًا بضع خطوات رزينة، ليستوقفه صوت "ثائر":
"على " خليك فاكر صاحبك.
إبتسم "علي" إبتسامته الجانبية الساخرة، ليردف بمشاكسة:
"ثائر" خليك فاكر صاحبك.
فكان لقاء إستعراض قوي وغموض لفارسين حقيقين.

قصر السيوفي - الحديقة الخارجية للقصر
جلست "فريدة" هانم على مقعدها الوثير، لتتناول فنجان قهوتها الصباحية، ترتشفه على مهلٍ بتذوقٍ وإستمتاع، لتعيده إلي الطاولة الأمامية لها.
فترمق تلك المقابلة لها بغموض، مردفةً:
الولد ده لازم يتجوز يا" نجلاء"، هيفضل لحد إمتى رافض الجواز بالشكل ده ؟!
فعشان كده أنا أخترت له بنت كويسه جدا، ومن عيلة كبيرة، و عزمتهم عندنا على العشا.

حمحمت " نجلاء" بتوتر، لعلمها تحكم "فريدة" وسيطرتها، وكذلك عِند ولدها ورفضه الدائم لتحكماتها، فهي دائما ما تضيع بينهما، لتردف بإرتباك:
بس... "ثائر" عمره ماهييجي بالأمر الواقع.

هبت من مقعدها بغضب جامح، إزداد أضعافًا لتأكدها أن ذلك "الثائر" لن يتوان في عصيانها، لتصرخ بغضب أقوي:
وأنا مابجيش بلوي الدراع، واللي أنا عايزاه هيتعمل، لو مش عاجبه يحصل إبن عمه.

انتفض قلب "نجلاء" رعبًا، فهي لن تتحمل إبتعاده عنها ولو قليلًا، كذلك لن تتخل عن أمانة شقيق زوجها، فأبنائه أمانة لديها، أقسمت أن تحافظ عليها لآخر أنفاسها، لتهب فزعة، هاتفةً بإستنكار:
إنتي بتقولي إيه يا "فريدة" هانم!
إنتي عايزة "ثائر" يسيب القصر ويمشي؟!
طب وأخواته؟ ! طب و"هيا"؟ !
إنتي عارفه هي متعلقة بيه إزاي.

قاطعتها "فريدة" بحدة غاضبة:
ده مش شغلي... عايزاه يبقي بالقصر؟... يبقى يقابل الناس الليلة دي، ويوافق على الجواز، وإلا قسمًا بربي، ليخرج من القصر، ويتحرم من إخواته، وإنتي عارفة إني عملتها قبل كده، يعني مش هيفرق معايا حاجة.

تسللت إلى مسامعهما شهقات مكتومة، فتلتفت "نجلاء" خلفها بصدمة، أما تلك المستبدة لم تحرك ساكنًا، لتركض "نجلاء" نحو تلك البائسة، لتجدها جماد ساكن، ودمعاتها تسيل أنهارًا متدفقة، وتحارب لإلتقاط أنفاسها، لتردف "نجلاء" بلهفة وصدمة:
"هيا"... حبيبتي... إهدي.. خدي نفسك.

تقطعت أنفاسها، تسارعت دقاتها، كادت أن تفقد وعيها لتجد من يتلقاها بحنان، يحتضنها برفق، ليبث إليها أمانها الذي كادت أن تفقده، فدائما هو سندها، لتستقر أعلى صدره بأمان فتستسلم لمصيرها .

حملها "ثائر" بين ذراعيه كطفلٍ صغير، ليصعد بها ذلك الدرج الرخامي متوجهًا نحو غرفتها. يميل قليلًا نحو مقبض الباب، ليفتحه دالفًا إلى الغرفة، ويقترب من فراشها الوثير، لينحني قليلًا، واضعًا إياها برفق، ومن ثم يسحب الغطاء عليها، ويقترب من جبينها، ليدمغ قبلته الأخوية الحانية.

إلتفت نحو والدته بثبات،و إلتقط كفها ليحتضنه بين يداه بحنو، هامسًا بغموض:
خدي بالك منها يا ماما.
ليغادر الغرفة ونيران الجحيم تتأجج بحدقتاه.

شقة "عبد العزيز" - غرفة "همس"
تململت في فراشها بتكاسل شديد، لتفتح إحدى عيناها ببطئ، فتتسع مقلتاها بذعر من أثر الصدمة. تهب جالسة في فراشها، لتجذب دثارها نحوها جيدًا، موارية جسدها عن تلك الأعين الثاقبة، لتصيخ مستنكرة:
فيه إيه يا طنط؟!
إنتي قاعدة كده ليه؟!
وبتبصيلي كده ليه؟!

إعتدلت "أم قاسم" في جلستها بفراش "همس" وإقتربت منها قليلًا، لتتراجع "همس" بجذعها الأعلى للخلف أكثر مما قبل، فتتلمس "أم قاسم" شعرها مردفةً بإبتسامة:
إيه الحلاوة دي!.. شعرك حلو... وانتي حلوة وإنتي نايمة، يابخت اللي هتبقى من حظه ونصيبه.

نفضت "همس" يدها عنها بعيدا، ليزداد توترها، فتهتف بإرتباك وإستنكار:
إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا طنط؟!
وبعدين إزاي دخلتي أوضتي؟!
وفين ماما؟! يا ماماااااا

دلفت "حنان " إلى الغرفة بصدمة، وإستنكار من جرأة تلك السيدة، ألهذا الحد لا تحترم حرمة البيت؟!...، لتصيح بحنق جامح:
فيه إيه يا "همس"؟! مالك يا "أم قاسم"؟!
كنتي عايزة حاجة؟!، وبعدين مش قولتي رايحة الحمام!

لتتلعثم "أم قاسم" في حديثها:
أ... أبدًا يا حبيبتي... كنت عايزة أنام شوية.
رمقتها "حنان" بنظرة حادة نوعًا ما، لتهتف بحدة:
طيب.. ما أنا قولتلك إدخلي نامي في أوضة "عمر"، وكمان قولتلك "همس" مابتحبش حد ينام جانبها.

هبت من مجلسها بإرتباك، لتتعالي ضحكاتها المتوترة، فتضرب يد "نجلاء" برفق، مردفةً:
إيه ياختي؟!.. ماهي زي بنتي برضه، فيها إيه لما أنام جانبها؟
شعور قوي راود "همس" بأنها ستقتلها يومًا ما، ما كل هذا البرود يا أمرأة؟!، وما تلك السماجة التي أورثتيها إبنك؟!... لترمق والدتها بنظرات راجية أن تخرجها من غرفتها.

إبتسمت "حنان" إبتسامة مصطنعة، لتومأ برأسها عدة مرات، مردفةً بإمتعاض:
أكيد ياحبيبتي...
ومن ثم تجذبها من يدها، مردفةً:
إتفضلي معايا بقا قبل الشاي مايبرد.

لتغادر "أم قاسم" أولاً، وتتبعها "حنان" بغضب قبل أن تلتفت نحو إبنتها بنظرات قليلة الحيلة، فتحرك "همس" رأسها بإبتسامة شاكرة لوالدتها لإنقاذها من تلك الدخيلة المتطفلة، وتغلق "حنان " باب الغرفة خلفها بهدوء.
زفرت "همس " بقوة وإرتياح، لتهوي بكامل جسدها أعلى فراشها مرة أخرى، وتتمنى أن تمر ساعات بقاء زوجة عمها وإبنها بالمنزل بسرعة، فقد نفذت كامل طاقتها على تحملها.

تناولت "حنان" و "أم قاسم" الشاي بصمت و سكون، لتجدا من يطرق الباب بهدوء ومن ثم يفتحه ويدلف إلى الشقة، مردفًا ببشاشة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لتجاوبه "حنان" بإبتسامة:
وعليكم السلام، إتفضلوا.

دلف أربعتهم إلى الشقة، ليجلسوا متنهدين براحة وسعادة، ليردد "عبد العزيز" بإبتسامة رضا:
الحمد لله... السعادة اللي على وشوش الناس دي تساوي ملايين والله... ربنا يقدرنا كل سنة وتكون دايما في زيادة.
ربتّ "محمود" على كتف شقيقه بعرفان، مردفًا:
كتر خيرك يا خويا.. إنت اللي شجعتني على الأضحية... الواحد كان في غفلة، مع إن الحمد لله ربنا فاتحها علينا.

ليربت "عبد العزيز " على يد شقيقه بحنو ومحبة، فرغم كونه الشقيق الأصغر إلا أنه يشعر بمسئوليته تجاهه، لأنه يستشعر طيبته الزائده التي جعلته مطمع للجميع وأولهم زوجته، وإبنه "قاسم"، المستغلين لتلك الطيبة بما يلائم مصالحهم، فيردف بإبتسامة:
إنت الخير والبركة يا "أبو قاسم" ... ربنا يديك الصحه ياحبيبي، وبعدين أنا ماعملتش حاجة، يدوب أقترحت عليك وأنت ما إتأخرتش في فعل الخير.

ليقاطع حديثهما "عمر" بتمنى:
يا سلام على كوباية شاي من إيدك يا "نونا"، إلحقي إبنك دماغه مصدعة من الدوشة اللي كانت عند الجزار.
إبتسمت "حنان" بمحبة وود، مردفةً برضا:
الزحمة دي رزق يا إبني، ربنا يكتر من أمثالهم، ويسعدوا ناس أكتر،

لتشير بسبابتها نحو عينيها، مكملةً:
وحاضر من عيوني.. أحلى طقم شاي ليكم كلكم.
هتف "محمود " مقاطعًا:
معلش يا "أم همس" إعفينا إحنا .. يادوب نلحق طريقنا، لأني حقيقي تعبان ومحتاج أرتاح.

ويهب واقفًا:
يلا يا"أم قاسم" يلا يا "قاسم".
وقف "عبد العزيز "، "حنان"، ليردف الأول برجاء:
ما تقعدوا ياجماعة نتغدى سوا، لسه بدري.
ليربت "قاسم" على صدره عدة مرات، مردفًا بتوسل:
أه والنبي يابابا... خلينا شوية.

إسترقت "همس " السمع من خلف باب غرفتها، لتعلو ملامحها علامات الإقتضاب، وهمس بخفوت مستنكرة:
والله إنت عيل رخم... إمتي يا أخي تمشي إنت وأمك الحيزبونة دي؟
أعوذ بالله منكم... والنبي يابابا ما تمسك فيهم قوي، عايزة أقعد براحتي، ده الولية لقيتها فوق راسي على السرير.

لتستمع إلى أصوات فتح باب المنزل، فتفتح باب غرفتها قليلًا، وتختلس النظرات المترقبة، حتى وجدت عمها وعائلته غادروا بالفعل، وقام والدها بإغلاق الباب خلفهم.
زفرت بقوة وإرتياح، لتفتح باب غرفتها على مصرعيه وتنضم إلى أسرتها، مقتربة من والدها لتحتضنه بسعادة، هاتفةً:
كل سنة وأنت طيب يا بابا، والسنة الجاية إنت و"نونا" تكونوا في مكة بإذن الله .

شدد "عبد العزيز "من إحتضانها بحنان، مردفًا:
وإنتي طيبة ياقلب بابا، ليخرج ورقة مالية، هاتفًا:
ودي عديتك يا ست البنات.

لينقض عليه "عمر"، ويحتضنه بقوة، صائحًا بتذمر طفولي:
وأنا يابابا.. فين عديتي ؟!
تعالت ضحكات "عبد العزيز "بسعادة، مردفًا:
إتفضل ياسي "عمر" عديتك أهي .
تناولها عمر بفرحة غامرة، ليقبل يد والده بسعادة ومحبة وود.

رمق "عبد العزيز" تلك المتأملة لحالهم بحنان عاشق متيم، محتضنًا إياها بنظراته الولهه، هامسًا:
وإنتي يا "نونا" مش عايزة عدية؟!
لتحجب حدقتاها دمعات السعادة، وتحمد ربها سرًا على نعمة أسرتها الحنونة، مردفةً بصدق:
إنتوا عديتي يا "زيزو".
رمقت "همس" "عمر" بنظرات غامضة، ليبدأ بتقليد عازفي الكمان في حركاتهم، وتشدو "همس " بأنغام رقيقة، لتتعالي ضحكات "حنان" الخجولة، وكذلك ضحكات والدهم لسعادة أسرته الصغيرة.

السيوفي جروب
مبنى هرمي الشكل، من الزجاح العازل، يتوسط تلك الجزيرة المنعزلة عن المنطقة السكنية، يصل إليه ذلك الجسر الخشبي المتوسط الحجم، الذي يعبره جميع العاملين بالمجموعة للوصول إليها، إلا أصحابها الذين يعتبرونه بسياراتهم وصولًا إلى المرآب الخاص بهم .

توقفت سيارة "حمزة" بهدوء، ليترجل عنها متجهها نحو الباب الرئيسي للمجموعة.
بدت علامات الدهشة على ملامح أفراد الأمن، ليدلف "حمزة " إلى الشركة بشموخ وكبرياء عائلة "السيوفي"، مرتديِا نظارته الشمسية. يخطو بخطي ثابتة رزينة، يدوي أصدائها بالمكان الخاوي من العاملين به، حتى وصل إلى المصعد وإستقله متجهها نحو ذلك الطابق الذي يحوي مكتبه.

ثوانٍ ويتوقف في الطابق المنشود، ليغادره. بضع خطوات أخرى وكان دالفًا إلى مكتبه الراقي، (غرفة واسعة بألوانها الحادة، تتوسطها طاولة إجتماعات متوسطة، أقصى اليسار مكتب كبير خلفه مقعد أسود جلدي، يعتلي المكتب جهاز حاسوب نقال، وبعض الأوراق والملفات، أقصى اليمين أريكتين من الجلد البني، تتوسطهما طاولة صغيرة)

إتجه "حمزة" نحو مكتبه بخطى رزينة، ليجذب المقعد و يحتله بإسترخاء طارحًا رأسه للخلف، و يغمض عيناه للحظات لتمر لقطات سريعة لفتاة تفترش الأرض غارقةً بدمائها، وترفع يدها نحوه بتوسل، لحظات وتهوي جثة هامدة.

إنتفض جسده بقوة، وسرت تلك القشعريرة بأوصاله، ليفتح عيناه بذعرٍ جليّ، فدائما ما تراوده تلك الأحداث والمشاهد الغامضة.
ليهب من مقعده بتوتر وإرتباك، وتلك الحبيبات تزين جبينه ببذخ، ليأكل مكتبه ذهابًا وإيابًا، مشددًا على خصلات شعره بأسي وألم
إتجه صوب حمامه الخاص، ليقتحمه بقوة، واضعًا رأسه أسفل المياه الباردة، ليتركها تنساب أعلى رأسه بقوة وغزارة.

ليدوي رنين الهاتف بمكتبه، فينتفص جسده برعب وذعر، و يرفع رأسه للمرآة، فيواجه نظراته الزائغة بتوتر، بقلق، بإستنكار، ويزفر بقوة، فيغادر نحو مكتبه ويجاوب على ذلك الإتصال.
إلتقط الهاتف بحنق شديد، ليجد الإتصال قد إنتهى، وما من مجيب له، فيُلقيه على سطح المكتب بقوة غاضبة، ويهوي بمقعده في محاولة منه للإسترخاء.

لتنفتح نافذة الشرفة بقوة وتصطدم بالحائط بضجيج صاخب. يسري تيار هوائي شديد، ليبعثر أوراقه بالأنحاء،فيلمح طيف فتاة تخطو ببطئ شديد، مرتدية فستانها الأبيض، وتتطاير خصلات شعرها الأسود حولها بغموض،و ترمقه بنظرات غامضة، غاضبة، لائمة، غير مفهومة، فترفع يدها نحوه بهدوء محاولةً جذبه نحوها بسعادة.

إنتفضت أوصاله بذعرٍ شديد، يحاول أن يستجمع كامل قوته وثباته، يتحرك من موضعه متجهًا نحوها بهدوء وترقب، يقترب، يقترب أكثر بثبات ظاهري، تزداد نظراتها غموضًا، تحاول التقرب إليه، كاد أن يتلمسها.

لتتعالي دقات خافتة بباب مكتبه، فيستدير نحوه للحظات، إلا أنه يلتفت سريعًا نحو الفتاة، فيجد مكتبه خاويًا، لا أثر لوجودها، سوي ذلك الشذي الغامض، يشعر بسكون الهواء، يلتفت نحو النافذة، لتتسع حدقتاه صدمة، فالنافذة مغلقة. يلتفت حوله مذهولًا، فالمكتب مُرتب والأوراق بوضعها أعلى سطح المكتب.

سيارة "خالد"
قادها "خالد" بسرعة جنونية و إلى جانبه "سوزي" (فتاة مستهترة، شقراء، مغرورة، تحاول بشتى الطرق إرضاء "خالد"، كي يتزوجها)
"عماد" و"صوفي" أصدقاء "خالد" دائما مايقدمون فروض الولاء والطاعة فهو الممول الأساسي لهم ولرحلاتهم، وسهراتهم الماجنة.

لتتعالي أصوات الموسيقى الغربية، وتتمايل الفتيات معها بإستهتار شديد، لتهتف " سوزي" مستنكرة:
غردقة إية دي اللي نروحها يا "لودي" ؟!
شرم كانت أحسن بكتير.

إلتفت نحوها "خالد " وجذب خصرها نحوه بوقاحة، ونظراته تجوب منحناتها بجرأة، هامسًا:
هنحضر حفلة "جينفر لوبيز" يا قطة.
تعالت صرخات الفتيات بسعادة:
"جي لو"...!

لتنهال عليه بالقبلات الوقاحة، هامسةً:
انت أحسن "خالد" في الدنيا، I Love u baby

هتف "عماد" بهذيان:
أيوة كده يا صاحبي، حفلة "جي لو"، ورقص، وشرب، وبنات، وسهر للصبح بقا.
رمقه "خالد" في مرآة سيارته بسخرية، مردفًا:
حقك.!
إنت دافع حاجة من جيب أبوك، كله من ثروة "السيوفي".

حرك "عماد" رأسه بترنح شديد، هاتفًا:
ربنا يخللينا البوص الكبير "ثائر السيوفي"
ويزود فلوسه كمان، عشان نعرف ننبسط يا صاحبي.

رمقه "خالد " بلا مبالاة، مردفًا بسخرية:
لو البوص عرف اللي بنعمله هيسحب كل حاجة، ومش هنلاقي جنيه نتفسح بيه.
لتتدخل "صوفي " بصدمة، صائحةً:
لا.. لا.. لا... الفلوس دي هي اللي مظبطانا.
طول عمري بقولك يا "لودي" تعرفني على "ثائر " وأنا أظبطه وأتجوزه.

تعالت ضحكات "خالد" الساخرة، ليردف بتهكم:
"ثائر السيوفي " يتجوزك إنتي! ... أكيد بتهزري.
لتهتف "صوفي"بحنق:
ليه.. ماعجبش ؟!

يمط "خالد" شفتاه بلا مبالاة، مردفًا:
أجمل بنات في البلد هتموت عليه، لكن هو مش شايف ولا واحدة فيهم، كتير منهم تتمنى إشارة واحدة وهتكون تحت رجله، بس هو مش فارق معاه ولا واحدة.
لتردف "سوزي" بسخرية:
الخط مشغول ولا إيه؟! ... أكيد فيه واحدة ساكنة القلب .

أردف "خالد" بتعجب لحال إبن عمه الذي لم يشاهده يومًا بصحبة فتاة، أو وصل إلى مسامعه يومًا أنه أحب فتاة:
عمره ماحب يابنتي، قلبه مغلق لصاحبة الصون والعفاف.
لتتعالي ضحكاتهم الساخرة، وتنطلق السيارة مسرعة نحو هدفها المحدد.

قصر السيوفي - بهو القصر
إحتلت "فريدة" هانم مقعدها بكبرياء، تشع عيناها بتحدٍ سافر، فلديها الهاجس القاتل بالسيطرة على أحفادها، وأهمهم ذلك "الثائر" الذي يرفض تدخلها، وسطوتها.
هبط الدرج بثباته المعهود، واضعًا يداه بجيبي بنطاله بكبرياء، ليرمقها بتحدٍ قاتل، بأنفاسٍ منتظمة، حتى إقترب منها فأردف بشموخٍ:
أفندم!
عايزة إية؟!

هبت من مجلسها، لتصبح في مواجهه، وأردفت بحدة:
تتجوز البنت اللي إخترهالك.
أردف بثباته الغامض:
ولو محصلش؟
لتتعالي نبرة صوتها ببعض الغضب:
أظن إنت عارف الإجابة! ومتأكد إن ما عنديش عزيز، و أهم حاجة إسم العيلة.

ثار ذلك البركان الخامد وإنفجر، ليصرخ بغضبٍ جامح:
إسم العيلة!
عيلة إية؟!
العيلة اللي ماكنش عندها جنيه واحد نشتري بية إزازة دوا ل "هيا"! .
العيلة اللي حضرتك ضيعتي ثروتها بسهراتك وحفلاتك!.
العيلة اللي كل قرايبنا إتخلوا عنها ورفضوا يساعدوها بقرش واحد! .
العيلة اللي تعبت وحفرت في الصخر لعشر سنين علشان أرجع إسمها تاني... علشان أعمل إمبراطورية "السيوفي" بمساعدته هو، وسهرنا طول الليل في المواني، والشوارع.

إحنا الإتنين بس، عارفه ليه؟!
عشان نحافظ على إخواتنا، ونحميهم، ونعيشهم في مستوى يليق بيهم.
كنا بنستخسر في نفسنا القرش، ونقول إخواتنا أولى.
الوحيدة اللي وقفت جانب العيلة دي وسندتها هي أمي، اللي ماكنتيش موافقة على جوازها من أبويا.
فاكرة عملت إيه، وليه ؟

ليصرخ بقوة غاضبة، لو هبت على بستان لإقتلعت أشجاره من جذورها:
كان عشان خاطر "هيا" اللي بتهددي ببعدها عني.
ليرفع سبابته في وجهها محذرًا: ماتختبريش صبري، وتضغطي على نقطة ضعفي، فاهمة.

إبتسمت إبتسامتها الساخرة، لتجاوبه بتهكم:
اللي عندي قولته، عايز إخواتك، نفذ الأمر.
لقد أعطت إشارة لذلك الوحش "الثائر" ليكشر عن أنيابه، فصرخ بقوة دوت بأرجاء القصر:
مش "ثائر السيوفي" اللي ياخد أوامر من حد.
ولا يسمح لأي مخلوق على وش الأرض يهدده، ولا يهدد حد يخصني بالأخص "هيا"

لتتعالي ضحكاته الساخرة، مكملًا:
إنتي فاكرة إني مقدرش أسيب القصر ده، وأشتري قصر أكبر وأحسن منه مليون مرة، وأخد إخواتي ونعيش فيه.
ليرفع ذراعيه مشيرًا إلى أنحاء القصر:
وأسيبلك القصر ده تعيشى فيه لوحدك.

لمح "ثائر" قلقًا دفينًا بحدقتاها، فهي تعلم مقدرته على إتخاذ تلك الخطوة، ومدي قوته وصلابته، ليردف بتهكم:
مسكينة! ... حاجة واحدة بس اللي مخلياني أكمل في المكان ده، يوم ما فقدها، ورحمة أبويا أخليه كوم تراب.

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية