قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية هدوء بعد العاصفة بقلم فاطمة حمدي و شيماء علي الفصل التاسع (تمرد)

رواية هدوء بعد العاصفة بقلم فاطمة حمدي و شيماء علي

رواية هدوء بعد العاصفة للكاتبتان فاطمة حمدي و شيماء علي

الفصل التاسع بعنوان: تمرد

ركضت نادية بقلبٍ واجل للغاية في رواق المستشفى ووجنتاها مغرقتان بالعبرات الساخنة، بينما يتبعها "حسين" بقلق حتى وصلا معا إلى "فارس" الذي كان يقف مستندًا على الجدار رافعًا رأسه للأعلى وواضعا يديه في جيبيه بهدوء، أسرع "حسين" إليه متسائلًا بلهفةٍ:
-فارس!،إيه اللي حصل وفين ليلى؟!
فأجابه وهو يمسح على وجهه بملل:
-جوا في الأوضة دي.

هتفت نادية بخوف ودموع منهمرة:
-أكيد نسيت تاخد الدوا بتاعها، كدا برضوه يا ليلى.
فارس وقد تساءل بفضول:
-دوا إيه هي تعبانة؟!
خرج الطبيب في هذا الحين قائلًا بعملية:
-الحمدلله هي كويسة يا جماعة، واضح بس إنها مأكلتش أي حاجة من فترة طويلة ودا أدى لهبوط حاد..

أومأ حسين برأسه قائلاً بجدية:
-ربنا يستر الحمد لله على كل حال.
بينما ولجت نادية إلى الحجرة كي تطمئن على ابنتها، وفي لهفةٍ اقتربت منها متسائلة:
-ليلى حبيبتي أنتِ كويسة يابنتي؟
رمقتها ليلى بنظرة عدائية وجميع خلاياها ترتعش رغم ارهاقها مع قولها:
-أنا عاوزة أروح من هنا..
-الدكتور قال لازم تستني شوية لما المحاليل تخلص عشان إنتِ مش هتقدري تقفي على حيلك دلوقتي.

تأففت بانزعاج وهي تشيح بنظرها للجهة الأخرى مع قولها:
-يارب ياخدني عشان أرتاح من الدنيا دي بقى..
تعجب -فارس- الذي ولج إلى الغرفة الآن من طريقتها العجيبة في التحدث وعصبيتها الزائدة مع والدتها وولده، وما لبث أن سمع صراخها ما إن وقعت عيناها عليه:
-إطلع برااااا إيه اللي جابك هنا عاوز إيه تاني؟
تصلبت ملامحه ورمقها بقسوةٍ، فقال حسين بعتاب:
-إيه يا ليلى عيب كدا يا بنتي، إهدي في إيه!
-مش عاوزة أشوف وشه مش عاوزة أشوفه قدامي!

بينما هتفت والدتها بضيق:
-عيب يا ليلى..
دمعت عيناها وهي تخبرهما بمرارة:
-دا واحد ميعرفش يعني إيه عيب، اللي يضرب بنت وفي الشارع ويخليها تدخل المستشفى يبقى ميعرفش حاجة اسمها عيب!
اتسعت عينا حسين وكذلك نادية التي هتفت:
-إيه!، ضربك؟
فيما نظر حسين إليه قائلًا بحدة:
-إيه الكلام دا يا فارس..
بينما لم يجد فارس ما يقوله.. مستفزة هي.. وتثير غضبه بطريقة عجيبة.. لكنها لم يجد المبرر الكافي لضربها..
لذا انسحب بهدوء ولم ينبس بحرف واحد..

قاد سيارته بوجوم وهو يتذكرها فزفر بضجرٍ، فيما يحدث نفسه بعتاب قليلًا:
-مكنش ينفع أمد إيدي عليها،..
ثم زفر بعنف وعاد يحدث نفسه بعند:
-بس هي اللي مستفزة...
ويكرر:
-وعاوزة كسر رقبتها والله..

ترجل من السيارة وسار بخطواتٍ بطيئة على كورنيش النيل وفكره مشتت لا يعلم متى سيستقر ويستقل؟، متى ستكون علاقته بمن حوله طبيعية بلا تكلف..
راقب العائلات من حوله وهم يضحكون بسعادة ويتبادلون المزاح في دفئٍ، وابتسم بحزن دفين جراء وحدته الدائمة وعتمة حياته المظلمة..
زفر زفرةٍ قصيرة قبيل أن يبرح المكان ويركب سيارته مجددًا وينطلق بها، قاصدًا من يرتاح معها، جدته الحبيبة..
عاد إلى المستشفى وتوجه إلى غرفتها، راح يجلس جوارها بينما ينحني ويضع جبهته على كف يدها وتنهد بهمٍ، استيقظت الجدة على حركته ولمسته، فنظرت له وقالت:
-فارس، كنت فين يابني، أنا عاوزة أروح بقى.

رفع وجهه إليها متحدثا برفق:
-بكرة إن شاء الله يا حبيبتي، كان لازم تباتي النهاردة عشان يعملولك اللازم ومتتعبيش تاني..
ابتسمت له وقالت بنبرة حنون:
-ماشي يا حبيبي، قولي بقى كنت فين ومالك زعلان كدا وشكلك مهموم، في إيه إحكيلي..؟
قص عليها ما حدث وألقى بهمومه عندها، فكان ردها عليه:
-ليه كدا يا فارس بس، دي ليلى دي بنت كويسة أوي ومحترمة والله..

-بس أفعالها بتقول غير كدا وكلامها مستفز بتتكلم وكأن مافيش حد مالي عينها!
-ما أنت برضوه كلامك قاسي أوي يا فارس وجارح بصراحة.
صمت ولم يرد بعد ذلك، فابتسمت له بهدوءٍ وأردفت:
- أقولك على حل؟
-قولي..
-لما يطلع النهار روح بص عليها واعتذرلها.

كشر عن جبينه فيما يهتف محتدًا:
-أنا اعتذرلها! أنتِ بتقولي إيه بس لا يمكن طبعاً.
قالت بصبر:
-طب بلاش اعتذار، على الأقل طيب خاطرها بكلمتين وإعمل اللي عليك.. وكمان عشان أمها ماتزعلش، هي قالتلهم حاجة؟
أردف مؤكدًا:
- أيوة قالت.. بس مايهمنيش هي محتاجة تربية أصلا يربوها الأول وبعدين يتكلموا..
رمقته بعتاب وأكملت بحزم:
-وبعدين يا فارس، مش كدا.

زفر بقوة:
-خلاص لما يطلع النهار يحلها ربنا.. نامي أنتِ تصبحي على خير..
-وأنت مش هتنام؟
-هنام جنبك هنا على الكنبة دي.
بالفعل استلقى على الأريكة مغلقا عيناه بإرهاق، بينما تمتمت الجدة بنحو:
-ربنا يهديك يا فارس..

في الصباح الباكر، ذهبت -علا- إلى المستشفى ما إن علمت بوجود رفيقتها هناك، واصطحبت معها -شريف- ليطمئن عليها كذلك بناء على رغبته..
جلست إلى جوارها تقول مازحة:
-خضتيني عليكِ يا ست لولو، وأديكي طلعتي زي الفل أهو!
ابتسمت ليلى بإرهاق وتابعت:
-أنا كويسة اهو بس مش عارفة إيه الهبوط اللي حصل دا فجأة..
-معلش يا حبيبتي.

بينما ابتسم -شريف- بود وقال:
-ألف مليون سلامة عليكي يا ليلى..
خفق قلبها جراء ابتسامته الرائعة، وقالت برقة تناقض فظاظتها مع الجميع:
-الله يسلمك يا مستر..
ثم وكزت رفيقتها علا قائلة بارتباك:
-هاتي للمستر عصير يا علا..
قامت علا تقول بمزاح:
-حالااا
ثم خرجت وتركتهما بمفردهما!، وما أجمل هذه الخلوة ل ليلى، التي وهجت ملامحها بحب خاص.. حبا يخصه وحده وكأنها بشخصيتين شخصية للعالم دونه.. وشخصية له دون العالم كله!..

-شكراً أوي يا مستر شريف على زيارتك، زيارتك دي غالية أوي..
جلس جوارها بعفوية وأمسك بيدها قائلًا مبتسما:
-على إيه يا ليلى دا أنتِ بنتي..
امتعض وجهها فجأة جراء كلمته السخيفة الأخيرة.. ثم استأنفت بضيق واضح:
-متكبرش نفسك.. حتى لو انت كبير فشكلك صغير..
ضحك على حديثها قائلًا:
-ماشي يا بكاشة..

ثم تفاجئ بأنها ارتمت بين ذراعيه محتضنة إياه بقوة وهي تهمس بنبرة دافئة أفقدته صوابه:
-بحبك أوي يا عمو شريف، أنا مبحسش بالأمان غير وأنا جنبك ومعاك، ربنا يخليك ليا.
ازدرد ريقه وحاول أن يبعدها عنه بهدوء لكنها تشبثت به بإصرار مع قولها:
-لو ماكنتش أنت موجود في حياتي كنت انتحرت..
وضع يده على ظهرها بتوتر مردفا:
-ليلى ماينفعش ك...

لم يكد يكمل جملته حتى وجد الباب يفتح ويلج منه "فارس" الذي فتح عيناه على وسعهما واحتقن وجهه بالدماء..
ما هذا المنظر!، من هذا؟!..
تساءل فارس في وليجة نفسه ورمق ليلى بنظرة متوحشة بعثت الرعب في أوصالها، بينما يهتف بصوته الجهوري:
-إيه دا؟
ابتعد شريف على الفور ووثب قائماً، ثم قال بتوتر:
-أنا شريف مدرس ليلى وجيت أطمن عليها..

ومد يده له كي يصافحه، فلم يبادله فارس ورمقه بغضب قائلًا باستهجان:
-مدرس من أي اتجاه!، هو فيه مدرس يحضن الطالبة زي ما أنا شوفت كدا يا محترم!
شريف وقد هتف محذرا:
-من فضلك حاسب على كلامك، ليلى دي بنتي!
بينما قالت ليلى بحدة:
-أنت مالك أصلا!
وهجت ملامحه بشراسة قاسية قبيل أن يصيح بها:
-أنتِ سافلة..

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية