قصص و روايات - روايات صعيدية :

رواية ميراث العشق والدموع الجزء الثالث بقلم رضوى جاويش الفصل السادس والعشرون

رواية ميراث العشق والدموع الجزء الثالث رضوى جاويش

رواية ميراث العشق والدموع الجزء الثالث (رباب النوح والبوح) بقلم رضوى جاويش الفصل السادس والعشرون

قررت ان تنزع عنه تلك الملابس المتسخة بالشحم كعادته و التى لم يخلعها من ليلتها و التى اصبحت تُعتصر اعتصارا من جراء الحمى التى انتابته..
بدأت فى خلع تلك السترة فى هوادة حتى لا يستيقظ متزمرا كعادته و ما ان تمت مهمتها بنجاح حتى زفرت فى راحة و هى تضع السترة على احد المقاعد لتسقط من احد جيبوها تلك الورقة المطوية..

اندفعت تحمل الورقة لتعيدها موضعها الا ان الفضول دفعها لتفضها و تبدأ فى قراءتها لتقف مشدوهة لا تحرك ساكنا.. انه خطاب نادر الاخير لأخيه و الذى يبثه فيه لواعج قلبه و أسراره المخفية و التى لا يعلمها احد و التى ما استطاع الانتظار حتى نزوله الإجازة لإخبار اخاه الأكبر بها فبعثها فى رسالة مع احد أصدقائه.. دمعت عيناها و بدأت تغشى الدموع الكلمات امام ناظريها و هى تقرأ ما خطه نادر تجاهها و كيف انه يحبها منذ كانوا أطفالا و تمنى ان ينهى فترة تجنيده حتى يطلب يدها من ابيه و يتزوجها.

شهقت فى لوعة و هى لا تدرى هل تبكيه ام تبكى حظها العسر.. و تساءلت هل هى نذير شؤم فقد رحل كل من كانت تحبهم او يحبونها فى هذه الحياة ليتركوها وحيدة تجتر المرارت واحدة تلو الاخرى اولا أبويها و ها هو نادر يعقبهما..

بكت كما لم تبك يوم وفاته فقد شعرت انه مات تلك اللحظة من جديد.. و استمرت فى البكاء لفترة لا تعلم زادت ام قصرت لكنها انتفضت تضع الرسالة بموضعها فى جيب السترة و تمسح الدموع عن صفحة وجهها عندما انتبهت لعلو همهمات ناصر و تنبهت كأنه يصارع شئ ما فى منامه المضطرب اندفعت اليه هاتفة بإسمه:- ناصر.. ناصر..

لكنه لم يجب إلا بتلك الهمهمات التى تعلن ان الحمى عاودته من جديد فأندفعت تحمل طبقا من الماء الفاتر و منشفة صغيرة نظيفة من المطبخ لتجلس على طرف الفراش تضع له تلك الكمدات الباردة على جبينه لعلها تهدئ و لو قليلا من حرارة جسده المرتفعة ليبدأ فى الارتعاش ما ان لامست جبينه المنشفة الباردة.. اشفقت عليه و قد ايقنت ان ذاك الخطاب الذى قرأته لتوها هو سبب ثورته و هروبه من محياها بالامس فهو يرى انه اصبح زوجا لتلك التى كان يعشقها اخيه و كان يود الارتباط بها..

انه يرى نفسه خائن لذكرى اخيه و متعدٍ على ممتلكاته الخاصة عندما اقترن بها و هو لم يفعل ذلك الا رغبة فى الستر عليها فقط لا غير.. انها تشفق عليه فعلا فلولا ما حدث لها و كانت هى برعونتها و عدم انصاتها لتحذيراته سببا بشكل او بأخر فى حدوثه ما كان ناصر الان فى الصورة بأى شكل من الأشكال وربما كان الان يبحث عن عروس تليق به بدلا من تورطه معها بهذا الشكل المجحف له.

عاودت وضع المنشفة الباردة على جبينه المستعر من جديد ليرتعش و هو لايزل يهزى ببضع كلمات اخيرا ألتقطت منها اسم نادر.. و ها هو يفصح عن مكنونات صدره التى كادت تهلكه البارحة هامسا:- نادر.. انا.. لا.. هى.. انا..

و صمت و لم يفصح اكثر.. بدأت الدموع تهطل من عينيها و قد قررت انها ستطلب منه الانفصال ما ان يسترد عافيته فلا قبل لها لتحمل ذنب ظلمها له اكثر من هذا.. من حقه البحث عن حياة سوية مع زوجة يحبها و يتمناها... زوجة لا تكون منغصًا و مهيجا لذكريات يتمنى الفرد لو يضعها طى الكتمان.. زوجة لا تحمله وزر افعالها و لا تنكئ جرح غياب اخيه عنه كلما تطلع اليها..

همت بالنهوض لتجلب المزيد من المياه الا انها سمعته يهمهم من جديد و لكن هذه المرة بإسمها..
كانت المرة الاولى التى تسمعه ينطقه بهذه الطريقة و التى كانت مغايرة تماما عن نداءاته المعتادة لها و التى تحمل سمة الشدة و الحنق..

كان اسمها فى تلك اللحظة يحمل رقة لم تعتدها يوما منه.. هتف بإسمها من جديد فظنت انه استفاق فأقتربت لعله يريد شئ ما تقوم به لأجله الا انها تيقنت انه لايزل غارق فى هلاوس الحمى و قد اضحى وجهه يغلب عليه الحمرة من شدتها.. عاود الهمس هذه المرة بإسمها و لكنه أعقبه بأخر كلمة كان يمكن ان تتخيل و لو فى اسوء كوابيسها ان ينطق بها بن خالها ذاك الذى ما ذاقت منه الا الشدة و الحزم فى معاملتها.. انه يهمس بكلمة.. "أحبك".. ينطق اسمها مقرونا بتلك الكلمة السحرية التى ما سمعتها يوما و ما كانت تتوقع ان تسمعها منه و منه هو بالذات و بهذا الشكل..
و تساءلت فى وجل.. هل حقا يحبها... ام انها تداعيات الحمى!؟..

يحبها!؟.. ناصر يحبها!؟.. لا.. انها مجرد هلاوس لا أساس لها من الصحة.. لكنها سمعت ذات يوم ان اصدق ما يحمله الانسان و ما يخفيه عن الآخرين يظهر جليا كشمس ساطعة فى هلاوس المرض او تحت تأثير مخدر ما.. فهل هذا ينطبق على حالته !؟.. عاود اعترافه من جديد بصوت ناعس و حروف متقطعة..

شهقت باكية رغما عنها فالليلة هى ليلة الصدمات بحق.. اولاد خالها و اللذان تربت فى كنفهما كأخوة كلاهما واقع فى غرامها.. كلاهما كان يتمناها زوجة.. احدهما رحل بغير رجعة فى ذمة الله و الاخر هاهنا يتناءى عنها غير قادر على البوح بما يكنه لها صدره من مشاعر لإحساسه بانه خائن لذكرى اخيه و خاصة بعد قراءة خطابه الموجع الذى قرأته منذ لحظات قليلة..

عاود ناصر الهمس بإسمها:- شيماء.
فأقتربت منه فى وجل لا تعرف ما الذى يعتريها من مشاعر متضاربة جراء كل تلك المفاجأت التى تعرضت لها.. لكنها رفعت كفا مرتعشة و وضعتها على جبينه تمسد على رأسه فى حنان هامسة بدورها مجيبة
ندائه:- انا هنا يا ناصر.. انا هنا و مش هسيبك ابدا..

نطقت تلك الكلمات بلا وعى منها و كأنما تؤكد على شعور ما اكتنفها تلك اللحظة.. شعور بالرغبة فى البقاء جواره مهما كانت معاملته لها و مهما كانت تلك الشدة تؤذيها لكنها بحق تريد التواجد دوما و ابدا بقربه.. فهل سيسمح لها هو بالبقاء!؟..

دخلت السراىّ فى وجل تتلفت حولها لعلها تراه و تروى ذاك الشوق لرؤياه رغم ان بعادها عن محياه لم يتعد ايّام قليلة تُعد على أصابع اليد الواحدة الا انها تشعر انها افتقدته حد اللامعقول و كم شكرت الله انها نسيت كتابها ذاك حتى تتعلل بالقدوم الى هنا حتى تحضره..
دخلت السراىّ تتطلع حولها لعلها تجد زوجة خالها او حتى تراه هو..

لكن لا احد ظهر فقررت ان تدور حول السراىّ متجهة لغرفة القراءة تبحث عن كتابها المنسى لعلها تجده و قد يحالفها الحظ و يكون هناك لتشبع ذاك الشوق المضن اليه و الذى يقتات على صبرها و صلابتها المعتادة..
توجهت بالفعل لغرفة القراءة و بحثت هنا و هناك عن كتابها و لم تجده..
تنهدت فى قلة حيلة و رأت باب غرفته المطلة على موضعها حيث تقف الان مغلق..

يبدو انها بكرت فى القدوم مدفوعة بذاك الشوق المعربد بين جنبات صدرها..
قررت الرحيل و هى تؤكد لنفسها انها تفضل الموت شوقا و لا ان تدق عليه بابه فى ذاك الوقت..
لكن رحمة الله كانت بها اعلم لينفرج الباب الداخلى لغرفته معلنا استيقاظه..

تسمرت فى موضعها للحظات غير قادرة على إلتقاط انفاسها بشكل منتظم من جراء انتفاضتها عندما سمعت صوت باب حجرته يُفتح... و تساءلت فى وجل.. و ماذا انا بفاعله لو ان ذاك الباب كان باب قلبه لا حجرته !؟..ارتجفت للخاطر و
تشجعت و هى مدفوعة بقوة خفية لا تعرف من اين واتتها و تنحنحت فى حرج و هى تقف على اعتاب الغرفة منكسة الرأس فى حياء و همست حين استجمعت احرف أبجديتها التائهة لمرأه:- صباح الخير يا چنرال..

كان دوره لينتفض فى تعجب لسماع صوتها يأتيه من باب الغرفة المطل على الحديقة.. لكم اشتاقها و اشتاق صوتها و افتقد جلساتهما سويا..
استدار فى سرعة بكرسيه المدولب ليواجهها فى سعادة هاتفا:- ايمان..!
ايه المفاجأة الحلوة دى.. اتفضلى..

لم تتحرك من موضعها قيد انملة فما عادت قدماها قادرة على حملها من الاساس لكنها همست:- شكرًا.. انا چاية أسألك على كتاب نسيته.. مشفتوش..
تنبه انها تقصد ذاك الكتاب الذى كان سلواه في الأيام الماضية التى غابت عنه فيها..
فهتف مؤكدا:- اه.. الكتاب..
و تساءل مستطردا:- هو مهم قووى يعنى!؟..

اكدت بإيماءة من رأسها ليتنهد متوجها الى حيث وضع الكتاب بأحد الأدراج فى قداسة و اخرجه مسلما اياه.. مادا كفه به اليها هاتفا:- هو ده.. صح !؟.
ابتسمت مؤكدة:- اه..هو..كويس انك لقيته و خلتهولى عندك..
هز رأسه و لم يعقب لتقف هى بإضطراب تفر صفحات الكتاب بين يديها فى حرج حتى وقعت عيناها على احد حواشيه التى سطرت عليها احرف قصيدة نزار.. فأحمرت خجلا فيبدو انه رأها.. لا بل من المؤكد انه فعل..

فتلك الكلمات التى تتبع قصيدتها بخطه المنمق بالتأكيد له..
لاحظ هو انها تنبهت لسطوره التى خطها بلا وعى منه فى احدى المرات اللامعدودة التى فتح فيها الكتاب و توقف عند تلك الصفحة ليقرأ القصيدة ربما للمرة الالف و يتمنى ان تكون مكتوبة له و موجهة لشخصه..
هتف مسيطرا على خلجات صدره:- اقرى كده.. عايز اخد رأيك في اللى كتبته..

تطلعت للأحرف التائهة امام ناظريها هامسة فى نفسها.. تقرأ ماذا !؟.. لابد انه يمزح..
اضطربت فى وقفتها فأشار اليها لتتجه لغرفة القراءة.. تحركت بأعجوبة و توجهت اليها و هو فى أعقابها بكرسيه
جلست فى هدوء تحاول جمع شتات نفسها.. ليطلب من جديد:- اقرى..
تطلعت للأحرف و تنحنحت تجلى صوتها و تسلحت بالشجاعة مؤكدة ان لا داعٍ من التوتر بهذا الشكل فبالتأكد هذه الكلمات ليست لها لتشعر بكل هذا الاضطراب..

تنفست فى عمق و تهربت فى ذكاء هاتفة:- أحب اسمعها بصوتك..
ابتسم و قد ادرك مراوغتها و تناول منها الكتاب و بدأ فى القراءة بذاك الصوت الرجولى الرخيم هامسا:
جئت إليكِ.. لا اعلم متى و لا كيف رمتنى امواج الحياة على شاطئيكِ..
جئتك مهزوم من قِبل العالم باحثا عن وطن لذاك الجبين المنهك حد المعاناة.
انتِ.. يا انا.. يا روح الروح.. و نواة القلب.. ووطن الجبين.. و راحة الفؤاد..

أتيتك ألقى بهموم عالمي التى ناءت بحملها اكتافى على أبوابك.. فهل تقبلتنى!..هل ضممتنى !... اريد ان اتخلص من اى ذكرى على اعتاب أحضانك الدافئة و لا اتذكر الا اللحظة الأنية حيث ولدت من جديد بين هاتين الذراعين..
يا انا.. ضمينى اكثر.. فاكثر.. اذرعينى هناك حيث ذاك القلب الذهبي.. اعبرى بى فى ذورق عشقك عبر أوردتك و شرايينك.. دعيني أتلمس عطر البراءة بين خلايا ذاك الجسد الطاهر..

يا انا.. منهك انا.. مكروب انا.. و بحاجتك انا..
وهاك نفسى على اعتاب مدنك الشافية.. فهلا أشرعتى الأبواب لعابر قلب يحق له بعض من ذكاة حنانك السرمدي!؟..
صمت.. بل صمت العالم و ما عادت تسمع الا هدير ضربات قلبها التى أضحت اعلى صوتا من طبول حربا بدائية..
هتف عندما طال الصمت و لم تعطه رأيها فيما سمعت:- ايه !؟.. معجبكيش!؟..
انتزعت نفسها انتزاعا من بين براثن تيها الممزوج بدهشتها و همست:- بالعكس..ده راااائع..
انتفض متحكمسا:- بجد عجبك !؟..

ابتسمت فى هدوء:- و الله حلو چدااا..
و استطردت:- و انا بقترح عليك تعمل صفحة ع الفيس بوك و تنزل عليها خواطرك و أشعارك.. انا متاكدة انها هتعچب ناس كَتير.. چرب..
هتف متعجبا:- انا مجتش الفكرة دى ف بالى قبل كِده.. كنت دايما بكتب لنفسى و بس..
و صمت للحظات ثم هتف:- نجرب.. يعنى هنخسر ايه..

ابتسمت فى سعادة لانها دلته على طريق قد تخرجه و لو قليلا من عزلته التى فرضها على نفسه..
شعرت ان وقت رحيلها قد حان فنهضت فى عجالة هاتفة:- انا اتاخرت.. لازما أمشى..
و اندفعت مهرولة بعيدا عن محياه فما عاد لها القدرة على البقاء اكثر و الا فقدت ثباتها كليا ليهتف هو
يستوقفها:- ايمااان..

استدارت لتطالع تلك الابتسامة المهلكة على شفتيه و طلبت العون من الله عندما استطرد هو متسائلا:- مقولتيش.. ممكن أسمى الصفحة ايه !؟..
حارت للحظات تفكر فى سرعة حتى تهرب من امامه و اخيرا هتفت:- سميها.. الچنرال العاشق..
و اندفعت مهرولة لا قبل لها على البقاء للحظة اخرى قبالة عينيه..
اما هو فقد ابتسم فى سعادة و هو يتطلع اليها تفر امامه بهذا الشكل المذعور وقد ابدلته بصفحة كتابها صفحة متجددة يبثها عليها لواعج فؤاده و مكنونات صدره..

دخلت كعادتها للمسجد من بابه الخلفى و توجهت لمصلى السيدات و الذى
كان عبارة عن ساتر بسيط فى احد
أركان المسجد الخلفية.. كانت ترتاح فى هذا المكان جدا.. كان دوما
ملاذها من العالم بالخارج عندما
تضيق بها الدنيا و يصطبغ صدرها
بسواد النفاق و الكذب..

توجهت الى المصلى و جلست تستند على الحائط الرخامى البارد و همست متضرعة:-يااارب..
تنهدت و مدت كفها لأحد المصاحف
الشريفة المركونة بأحد الأرفف قربها و فتحته لتقرأ فى صوت عذب هامس وقلبها فى حالة ارتباك غير مسبوق و عقلها يصارعها بقسوة و لا قبل لها
على تلك الحرب الداخلية التى تنتهك سلامها الداخلى و تقضى على راحتها النفسية المعتادة و على هدوئها
الفطرى و لا تجد ملجأ كعادتها الا صفحات من الذكر الحكيم فى مكانها..

المفضل فكل تلك الاحداث التى مرت بها منذ وفاة عبدالله اخوها و من بعده مقتل ابيها و انتقالها الى منزل اخيها يونس و بين كل هذا جاسم و تطلعه لميراثها و الرغبة فى الفوز بها مهما كانت العواقب.. انها تشعر بانهيار داخلى رغم ادعائها عكس ذلك و إظهار القوة و الشدة.. لكنها تحتاج للراحة.. الراحة و الأمان..و لا شئ اخر غيرهما..

مر الوقت لا تدرى كم.. فهى فقط
تدرك انها دخلت المسجد بعد صلاة
الظهر بقليل او بالأدق بعد ان فرغ
الرجال من صلاتهم فتلك الفترة ما بين صلاة الظهر والعصر يكون فيها
المسجد فارغ تماما و كله ملكها تقريبالانه وقت الذروة و ما زال معظم
الرجال فى اشغالهم..

دخل هو يتلمس موضع لا يدركه احد به.. موضع يتوارى فيه عن الاعين على الرغم ان تلك الفترة لا يرتاد
المسجد الا من فاتته صلاة الجماعة ظهرا فجاء لصلاتها وعلى الرغم من ذلك انتبذ مكانا قصيا و كان الانسب فى حالته تلك ان يجلس بالقرب من
ستار مصلى النساء حتى يصبح بالفعل فى منأى عن الاعين..

توجه الى هناك و قد عقد عزمه على الصلاة اولا ثم الجلوس هناك حتى اذان العصر فهو ما عاد يعرف لما أصبح لا يدرك راحته الا و هو في رحاب بيت الله.. منذ استشهاد اخيه مؤمن و هو لا يرى معنى للدنيا و لا رغبة فيها و هو الذى كانت الدنيا شغله الشاغل لا يتورع عن فعل اى شئ مهما كان حتى يحوز ملذاتها التي غرق فيها حد الثمالة.. لكن الان هو يدرك انها لا تساوى مثقال ذرة و ان نظرة واحدة الى أخيه الحاضر الغائب تساوى الكثير.. بل تعادل الدنيا و ما عليها.. جلس و بداخل صدره نار تستعر على فراق أخيه الأصغر الذى ما قدره يوما حق قدره و ما كان له الأخ الأكبرالذى تمنى..

دفع بكفه لجيب جلبابه و اخرج رسالة أخيه الاخيرة له و التى تركها مع زملائه لتكون أمانة تصل اليه اذا اذن الله و استشهد.. و ها هى الان بين كفيه يتنسم من خلال حروفها عبق روح أخيه و يتمنى لو تجسد روحا و جسدا حيّا أمامه و لو للحظات حتى يخبره بكل ما يعتمل بصدره من مشاعر ما اتيحت له الفرصة ليخبره إياها ابدا..

قرأ الرسالة ربما للمرة الالف و كعادة كل مرة لا يستطيع استكمالها قبل ان يذرف الدمع قهرا و ألما و شوقا لصاحب تلك الأسطر..
حتى ان شهقات بكائه ارتفعت عن عادتها ربما لانه يدرك انه وحيدا بالمسجد و فى ذاك المكان المتطرف منه و لا يوجد شاهد على تلك الدموع الا الله.. فهمس بشوق عاصف:- اتوحشتك يا مؤمن..اتوحشتك ياخوى.

انتفضت هى عندما شعرت بحركة ما بجوار ستار مصلى السيدات الذى تحتله وحيدة الان.. حبست انفاسها فى ترقب و قد قررت النهوض لترحلفى هدوء الا انها سمعت همهمات وشهقات بكاء جعلتها تتسمر فى مكانها و لا تحرك ساكنا..
و اخيرا استمعت لذاك النداء الذى أدمى قلبها و ذاك الشوق القاتل الذى يغلّفه.. انه هو.. ماهر يبكى اخاه الشهيد.. لم تكن تدرك ان استشهاد مؤمن سيؤثر على ماهر بهذه الطريقةالموجعة.. هو اخاه بالطبع و من الطبيعى ان يحزن على فقده لكن لم تكن تتوقع ان يكون حزنه بهذا العمق و يصل لذاك الحد من الوجع..

و تعجبت ان ماهر هذا يملك قلبا من الاساس يشعر و يحس كباقي البشر.. كانت دوما تظن انه خُلق بلا قلب مجرد كتلة من الرغبة يعمل فقط على ارضاء شهواته لا اكثر.. هى بالفعل سمعت من اهل النجع انه تبدل بشكل كبير بعد رحيل أخيه..

لكنها لم تكن تتخيل انه تغير بهذا الشكل..
لا تعلم ما الذى دفعها لتعود موضعها من جديد لتفتح مصحفها بعد ان اغلقته استعدادا لمغادرة المسجد و تبدأ بالقراءة فى صوت رخيم باكٍ:- وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُم الله مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) ۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ وَأَنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ..

انتفض عندما استمع لذاك الصوت الرخيم الذى استطاع تمييزه بسهولة رغم نبراته الباكية تأثرا.. انه صوتها.. ابنة العمدة... كما كان يدعوها دوما سخريةً و استهزاءً و التى ما مر يوما الا و كان لها بالمرصاد في ذهابها و إيابها..يسمعها ما لا يرضيها من كلمات الغزل رغبة في استمالتها.. أيقظته من صدمته عندما همست معزية:- البقاء لله..

همس مجيبا بصوت متحشرج لازالت اثار الصدمة بادية على نبراته:- سبحان من له الدوام.
و اندفع راحلا خارج المسجد كمن يسابق الريح عدوا.. لا يعرف مما يفر.. هل يفر منها ام من نفسه القديمة التى ذكرته هى بها و بما كان يفعله فى السابق من مضايقات و الذى قابلته هى اليوم بالإحسان اليه في رقى و رقة!؟..

وقف خلف احد الأشجار القريبة من مدخل المسجد الخلفى يلتقط انفاسه حتى وجدها تخرج فى هدوء و روية تسير فى هرولة معتدلة تنظر امام اقدامها لا ترفع ناظريها ابدا عن موضع خطواتها حياءً..

دق صدره فى قلبه بعنف جعله يجفل فى دهشة.. انه يحبها.. نعم يحبها.. و العجيب ان يكتشف هذا الان فى تلك اللحظة التى يعربد فى صدره حزنه و قهره على رحيل أخيه الوحيد.الان فقط يدرك ان شعورا اخر يزاحم ذاك الحزن بداخله ليظهر كالمارد من قمقمه ليهتف صارخا:انا هاهنا..
قابع منذ امد بعيد.. انا هنا لكنك الان فقط ترانى.. و لن اتوارى مرة
اخرى ابدااا..

دخل حمزة الفيلا متنحنا في ادب كعادته و هو يقبل على مائدة الغذاء التي ينضم اليها يوميا منذ جاء لبيت عمه من النجع..
جلس في هدوء محاولا انتظار الوقت المناسب لقول ما يرغب في الإدلاء به... مر الوقت و هو يتحين الفرص ليلقى بما يود ان يعلمه الجميع وأولهم هي.. ابنة عمه الغالية التي اورثته السهد ليال طويلة منذ خرج من محبسه حتى الليلة الماضية التي عزم بشكل قاطع على تنفيذ ما اتخذ قراره النهائي بشأنه و تجمع الكل على مائدة الغذاء هو الوقت الأمثل بجدارة لذا هتف في صوت حاول تغليفه بالبرود قدر استطاعته:- بجولك ايه يا عمى.. انا عايز استأذنك انزل البلد أسبوعين كِده..

تطلع اليه الجميع مستفسرًا و كان زكريا من استفسر في هدوء:- و ماله يا حمزة.. طبعا تقدر دى مش عايزة استئذان.. بس ليه خير!؟..
تنحنح حمزة و هو يعلم ان هذا السؤال كان قادما لا محالة و هو كان متأهبا للإجابة فهتف:- ابدا يا عمى بس عايز اطمن ابويا و امى عليا بعد اللى حصل.. كمان انى اتفجت مع عمى حسام على ميعاد كتب الكتاب بإذن الله و هيكون بعد ما أوصل بكام يوم.. و اكيد مش هيتم الا بوجودك يا عمى..
هلل زكريا:- الف مبرووك.. قول كِده بجى.. اتوحشت العروسة جلت انزل أشوفها و أكتب الكتاب بالمرة..

ابتسم حمزة و نكس رأسه في حياء و لم ينبس بحرف و ما كان قادرًا على رفع نظراته لتلك التي تجلس قبالته كتمثال شمعى لا حياة فيه يذوب داخليا في قهر و لا احد يدرى بما يعتمل داخلها.. النار تتأكلها و لا قدرة لديها لتخبر اى احد ان ينجدها و يمد يد المساعدة ليطفئها.. و كيف لهم ذلك!؟ حتى و ان حاولوا لن يستطيعوا مد يد العون و من أشعل النيران نفسه لا يأبه ولا يدرى من الاساس انها تحترق بها في صمت مهيب..

نهضت في هدوء غير معتاد منها و خاصة بعد سماعها خبر سعيد كهذا و استأذنت لتصعد غرفتها و ما ان دخلت من بابها حتى أطلقت العنان لدموعها الحبيسة لتروى خديها في غزارة.. هي لا تدرى ما يعتريها.. لكن ما تدركه بحسها انه لا قبل لها لتعيش بدون ذاك الاحمق بالأسفل و الذى يفكر ان يتركها ليذهب ليتزوج بأخرى.. هل يعلم معنى هذا!؟.. هل يعلم انها قد تموت ان فعل!؟.. هل يدرك حقا ذاك الجرم الذى يرتكبه في حق قلبها و روحها معا!؟..

بالطبع لا.. هو دوما لا يدرك الا هدير الساذجة.. هدير التي تفعل كل شيء بشكل خاطئ.. هدير المدللة التي لا تليق لتكون زوجة رجل صعيدى يثور غيرة لأتفه الأسباب و هي بتحررها الذى لا يعيه عقله لا تناسبه بأى شكل من الأشكال.. بالطبع لا تناسبه.. فهو يميل لفتاة تعرف أصول التعامل و ما يجب و ما لا يجب.. فتاة تدرك دورها بالضبط في حياته و تكون داعم قوى له لا مجرد فتاة يكون مجرد شخص ينضم لقائمة مدلليها الكثر..

شهقت في لوعة غير قادرة على التفكير في شيء الا ذاك الوجع القاهر الذى يعتصر قلبها اعتصارا..
اما هو.. فقد شعر براحة كبيرة و هو يجمع اغراضه ليرحل في عجالة مبتعدا قدر الإمكان عن محيا تلك التي قلبت موازين تعقله و أورثته التيه في أمور القلب و شواغل الروح و هو الذى ما كان يوما من المؤمنين بها و لا من الطامحين اليها..

هتف سيد في ضيق:- انتِ مش هاتفردى وشك ده بقى لما تشوفينى..
زمت ثريا ما بين حاجبيها في غضب و هتفت:- و انت ايه عوزتك ف وشى سواء مجلوب و لا معدول.. اللى يهمك شغلك اللى بتخده.. اى حاچة تانية مليكش فيها يا باشمهندس.. و لو على وشى اللى مش عاچبك ده.. بسيطة جوى متشوفهوش تانى.. و لا تزعل حضرتك..
و همت بالنهوض مغادرة مكتبها الذى كان ملحقا بمكتبه.. الا انه هتف يستوقفها في ثورة:- هو في ايه!؟..

أقول كلمة ترديها عشرة.. يا ساااتر..
و تبدل في لحظة هامسا:- و بعدين هو مش انا عملت اللى طلبتيه و خرجنا سى حمزة من المصيبة اللى كان فيها دى.. و ربنا يعلم انا اتكلفت قد ايه عشان اخرجه..
ابتسمت في سخرية:- ذنبك و بتخلص تمنه.. مش انت اللى رمته الرمية دى.. من افسد شيء فعليه إصلاحه.. ربنا يهديك..

هتف في غيظ:- انتِ ليه بتعاملينى كأنى واحد مريض او مجنون... انا باخد حقى على فكرة..
هتفت في حزم:- لاااه ده مش حج يا باشمهندس.. الحج يتاخد ف النور و جدام الناس كلها.. عارف ليه لانك عارف انه حجك.. لكن اللى بتعمله ده ملوش الا اسم واحد بس.. بلاش اجولك عليه..
انتفض في غضب ممسكا بذراعها يهزها في عنف:- انا مش جبان.. لو ده قصدك.. انا عمرى ما كنت جبان.. انا كان لازم اعمل كده.. كان لازم ادوقهم من القهرة و الوجع زى ما دقتهم و ا..

قاطعته منتزعة ذراعها من بين أصابعه الفولاذية هاتفة:- واضح ان مفيش فايدة و الغل هايفضل ماليك..
انا معرفش ليه بتكره الهوارية جوى كِده و لا عايزة اعرف على فكرة.. لكن اللى أحب اجولهولك انك صعبان عليا جوووى..

و اندفعت باتجاه الباب و امسكت المقبض تديره راحلة و لكنها استدارت قبل ان تهم بالخروج هاتفة في لهجة صارمة:- اه و بالمناسبة.. انى مش چاية الشركة دى تانى.. انا مجدرش اتعامل مع واحد كل همه ف الدنيا انه يأذى ناس لحم كتافى من خيرهم.. و نصيحة يا باشمهندس.. ابعد و ارچع مطرح ما چيت لانك هتخسر حاچات كَتير جوووى لو فضلت هنا..و انا مش بهددك على فكرة بس انا بحاول اديك فرصة اخيرة تراچع فيها نفسك و بچد انا لو حسّيت للحظة انك ناوى على شر تانى انا اللى هفشى سرك للكل و ساعتها هم اللى هيتعاملوا معاك و انت متعرفهمش.. الهوارية لحمهم مر و انت اللى خسران صدجنى.. اشوف وشك بخير يا باشمهندس..

و خرجت مسرعة و صفقت الباب خلفها لتتركه في صراع مرير بين رغبته في استكمال انتقامه و بين نصيحتها الغالية التي اسدته إياها بكل صدق.. و الأهم من ذلك كله هو رحيلها هي.. هل سيستطيع دخول هذه الشركة من جديد و هي ليست بها و لا يطالع محياها الصبوح متى دخل مكتبه!.. او يستمتع بمشاكستها و اثارة نوبات غضبها الذى يشتعل سريعا في تلك الأحداق العسلية التي تغريه لمزيد من التحديات!؟..
فماذا يفعل.. و كيف ينهى ذاك الصراع!؟.. و أي كفة هي الراجحة في ميزان الأختيار.!؟..

هبطت تسنيم الدرج فى هوادة لتصبح فى صحن الدار عندما طلت زهرة من الداخل و بيدها صحون الافطار الذى تعده لعاصم و ماجد لتتفاجأ بظهور تسنيم و هى تتجهز للخروج فهتفت فى سعادة:- صباح الخير يا تسنيم.. شيفاكِ مستعدة و هاتخرجى بدرى
كده!؟.. خير!؟..

ابتسمت تسنيم بدورها هاتفة:- خير باْذن الله.. امى بس بعتت لى جال تعبانة شوية و عيزانى اجيس لها الضغط.. هروح و اجضى النهار..معاهم انا جلت لمهران.. هو عارف من امبارح..
هتفت زهرة بلهفة:- ليه مالها سهام بعد الشر عنها!؟..روحى يا حبيبتى وابقى طمنينى عليها و انا كمان هكلمها اخر النهار.. ياللاه معطلكيش عنها بقى..
و ما ان همت تسنيم بالخروج حتى هتفت زهرة تستوقفها:- بقولك ايه يا تسنيم!..

تنبهت تسنيم هاتفة:- خير يا مرت خالى..!؟.
هتفت زهرة:- و انت رايحة لبيت بابا فى طريقك عدى على مهران ف المناحل خليه يبعت لنا عسل لحسن خلص و انت عارفة خالك كل اما ميلاقيش عسل يقعد يقطمنا.. عندنا المناحل دى كلها و مفيش عسل ف السرايا.. خليه يبعت لنا حد بيه ضرروى لحسن انا رنيت عليه كذا مرة و مردش..
اكدت تسنيم:- من عنايا يا مرت خالى..

ابتسمت زهرة:- تسلم عيونك.. و متنسيش تسلميلى على ماما و تسبيح.
اكدت تسنيم:- يوصل..
ركبت تسنيم السيارة لبيت ابيها و ما ان مرت على مناحل العسل حتى طلبت من سائقها التوقف قليلا و انتظارها حتى تعود..

ترجلت و دخلت تبحث بعينيها عن مهران و لم تجده.. سارت قليلا ما بين تلك الأحواض المزروعة بالزهور من مختلف الأشكال و الألوان و اخيرا وقعت عيناها عليه و هو داخل منطقة الخلايا المربعة المتراصة على هيئة صناديق بنية و تعجبت انه لا يرتدى البدلة المخصصة للتعامل مع الخلايا كما ترى فى الأفلام.. و ذاك اخر ما تعلمه عن النحل و تربيته..

رأت فجأة عمود دخان يخرج من داخل احد الخلايا فظنت انه يحترق فأندفعت فى ذعر باتجاه مهران هاتفة:- حاسب يا شيخ..
كانت صرختها كفيلة بإثارة حفيظة النحل ليتوجه اليها مترصدا الا ان مهران تنبه فى سرعة لتلك الكارثة التى اثارتها بصرخاتها فأندفع اليها ليجذبها فى سرعة و يدفع بها ليلتصق ظهرها بأقرب نخلة و يدفع جسده ليحتويها كليا و يكون ساترا لها و غطاء يقيها لدغات النحل الموجعة التى بدأت تنال منه هو..

شعرت بالذعر فأنكمشت بين احضانه و هى تنتفض كلما سمعته يتوجع فى ألم ويتصلب جسده من جراء تلك اللدغات التى طالته وما كان بمقدورها ان تقوم بأى فعل لإنقاذه فيكفيها انها السبب فى كل ما يحدث من الاساس.
امسكت شهقات بكائها على تأوهاته لأجلها بأعجوبة لكنها لم تستطع ان تمنع تلك الدموع التى خانتها من ان تُذرف شفقة عليه.. انه يفديها و يتحمل لدغات موجعة بدلا عنها..

و اخيرا ابتعد فى تؤدة عندما شعر ان النحل قد هدأ و مات من مات منه فى سبيل الانتقام للإزعاج الذى سببته هى.. كان اقترابه منها بهذا الشكل الحميمى و احتمائها بأحضانه شعورا مهلكا..اكثر ألما و أشد وجعا من لدغات النحل التى طالته..

همس بصوت أجش محاولا معاتبتها بصوت خفيض حتى لا يثير حفيظة النحل من جديد و ما ان هم بالنطق حتى رفعت نظراتها الدامعة اليه فأخرسته كليا و جعلته يبتلع احرف عتابه جميعها و لا يبقى منها الا احرف كوّن بها جملة واحدة تشى بكل ما يعتمل بصدره من محبة:- انتِ بخير!؟..
طاف بناظريه على وجهها لعله قد اصابه ما اصاب وجهه الذى حاول مداراته قدر إمكانه لكنه طاله بعض اللدغات..

لم تستطع النطق بحرف و هى تتطلع الى وجهه الذى بدأت اثار حمراء تظهر على احد جانبيه..
و اخيرا ألقت بالاحرف هامسة و هى تشير لموضع الاحمرار فى ذعر:- انت محتاچ علاچ.. ضرورى..
همس يحاول طمأنتها:- متخافيش.. هبجى كويس.. لدعة النحل شفا..و انا متعود عليها... فداكِ..
همست لنفسها:- هل قال فداكِ!؟.. قالها!؟.. يا وجع روحى يا مهران.. متى تسامح !؟.. متى تغفر !؟..

هطلت الدموع من عينيها بغزارة فتنبه و تطلع اليها فى شفقة و ما ان هم بالحديث حتى كانت هى الأسبق لتندفع من امامه حتى لا يرى المزيد من ضعفها فى حضرته..

تنهد فى قلة حيلة و هى يتطلع الى رحيلها المهرول و صوت محرك العربة المسرعة بها بعيدا.. يفكر دوما فى أخبارها انه سامحها.. انه غفر ما كان منها.. انه ما عاد يهمه الا هى و لا يترقب الا اجتماعهما.. لكنه يرى ان من الأفضل ان تظل تعتقد انه لايزل على موقفه و لم يتزحزح حتى تظل بعيدة و تتركه بسلام ينهى ما بدأه بالفعل من كفارته حتى يستطيع الاقتراب منها وكذا تعليم نفسه درسا لاتنساه.. و تنهد من جديد رافعا كفيه للسماء فى ابتهال هاتفا بوجع هادر:- يااارب.. هون ثم هون.. ثم أزح الهم عن قلوب لا يعلم بحالها الا انت..
كررها مرات و مرات و اخيرا تحشرج صوته فأخفض كفيه و احنى رأسه و دمعت عيناه شوقا اليها و شفقة عليها..

اندفع باحثا عنها كعادته.. وجال ببصره الشقة بناظريه لعله يجدها و أخيرا رأها تجلس على اريكتها المفضلة في غرفة نومهما تتطلع لبعض الأوراق أمامها في اهتمام بالغ حتى انها لم تع بحضوره الا عندما اندفع ملقيا رأسه على قدميها المتشابكتين أسفلها لتنتفض و تتناثر الأوراق من يدها ارضا
فهتفت و هى تتنفس بعمق و راحة:- كِده برضو.. خضتنى يا باثل..

ابتسم بدوره هامسا:- انا بجالى فترة بدور عليكِ و انتِ ولا حاسة..مشغولة بالورج و مش واخدة بالك..
و استدار حتى اصبح وجهه مواجها لأحضانها فدفن وجهه فيها مهمهما في شوق.. لتنحنى هامسة بالقرب من أذنيه:- باثل.. عايزة اخلص القضية اللى ف ايدى.. ممكن!؟..

همس بصوت مكتوم و هو لايزل متشبثا بأحضانها:- و انى جضيتى مين يخلصها!؟..
ابتسمت هامسة:- طبعا انا..مش هتلاقى محامى شاطر زيي هكسبهالك من اول جلسة.. بس القضايا بالدور.. اخلص اللى ف ايدى و أفضى لقضيتك..
انتفض متصنعا الامتعاض هاتفا:- و إن جلت لك هزود لك الأتعاب يا أستاذة!؟..
همهمت سندس مازحة:- لا اذا كان كده.. قضيتك تبقى اول قضية ف الرول يا باثل باشا..

انتفض مقهقها و هو يحملها بين ذراعيه مشاكسا:- مكنتش اعرف انك مادية جوى كِده يا بت خالى!؟..
انفجرت ضاحكة و هي تتعلق برقبته هاتفة:- انا أحب اخد حقى مقدم.. مبقاش في امان اليومين دول..
قهقه مجددا و هو يهتف في عبث مغيبا إياها بين ذراعيه:- و انى چاهز للدفع.. يا بت خالى..

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W