قصص و روايات - روايات صعيدية :

رواية ميراث العشق والدموع الجزء الثالث بقلم رضوى جاويش الفصل الخامس عشر

رواية ميراث العشق والدموع الجزء الثالث رضوى جاويش

رواية ميراث العشق والدموع الجزء الثالث (رباب النوح والبوح) بقلم رضوى جاويش الفصل الخامس عشر

طرقت زهرة باب حجرة ابنتها و دخلت فى هدوء لتراها تتخد من مكتبها ملجأ كالعادة تتظاهر بمراجعتها لبعض اوراق القضايا وهى ابعد ما يكون عن التركيز.. فتركيزها ينحصر فقط فيما حدث منذ ساعات من بن عمتها المجنون..
همست زهرة:- سندس.. انت كويسة يا حبيبتى.. !!؟..

أومأت سندس برأسها فى هدوء ينتفى تماما عن ما يعتمل بداخلها من صراعات.. كعادتها دائما.. صفحة وجهها صافية كليلة ربيعية.. و أعماقها تمور كبركان.. وهذا دوما ما كان يقلق امها.. انها لا تفصح.. اه لو تفصح عما بداخلها لأراحت واستراحت.. لكن هكذا هى سندس.. صندوق مغلق من الأسرار مغلف بوجهه رقيق يشبهها إلى حد كبير.. خاصة تلك العيون المتحدية النظرة التى تذكرها بنفسها كثيرا عندما كانت تقف امام عاصم الهوارى متنمرة..

متحدية تجعله يفقد صوابه.. ابتسمت وتنهدت للذكرى المحببة لقلبها واقتربت من ابنتها تحتضن كتفيها الى صدرها وقررت هى ان تبدأ فهمست بحنين:- انتِ عارفة يا سندس.. مكنتش ممكن قبل ما أقابل ابوكى اصدق انى هاجى الصعيد واتجوزه وأحبه رغم كل اللى كان بِنَا..
ابتسمت سندس عندما تذكرت قصة أبويها والتى قصتها عليهم الحاجة فضيلة عدة مرات.. وكأنها قصة خرافية من قصص الف ليلة وليلة.. وهمست بدورها:- حضرتك وبابا قصة مش ها تتكرر يا زهرتى..

انفجرت زهرة ضاحكة عندما شاكستها ابنتها باسم الدلال الذى يطلقه عليها عاصم.. ثم هتفت:- ليه.. ممكن قووى تتكرر.. الحب هو هو.. فى كل زمان ومكان.. اشكاله بس هى اللى بتختلف.. لكن مضمونة واحد.. يعنى انا شايفة ان اللى عمله بن عمتك المجنون ده.. حب..
هتفت سندس:- اديكى قولتيها مجنون.. حد يعمل اللى عمله ده.. يرفع على عريسى السلاح.. وفى وجود بابا كمان.. ده جنان رسمى..
قاطعتها زهرة مبتسمة :- او حب رسمى..

تنبهت سندس ووجدت نفسها رغما عنها تخالف طبيعتها المتحفظة فتندفع مؤكدة:- ماما.. باسل عمره ما حبنى.. عمره ماشفنى اصلا.. دايما ينتقص من قدرى.. مبيقليش الا يا اثتاذة.. بيقولها بإستهزاء.. عمره ما إتعامل معايا انه حاططنى فى خياله كحبيبة وزوجة.. فجأة كده عايز يتجوزنى.. تلاقى عمتى سهام هى اللى ضغطت عليه عشان يجى يعمل اللى عمله ده.. و بعدين لو بابا شايف انه مناسب زى ما حضرتك بتقولى كان رفضه ليه بعد ما طلب ايدى قدام عريسى و طرده من السرايا!؟..

ابتسمت زهرة وهى تربت على كتفها فى حنو:-.. بس رفض بابا مش عشان عيب فى باسل.. رفض بابا عشان الطريقة اللى طلب بيها و كمان ليه غرض تانى خاالص.. بس اللى عايزة اعرفه دلوقتى.. واللى يهمنى قبل كل شئ.. انتِ رأيك ايه.. !!؟.. يعنى لو بابا جه دلوقتى وقالك انه وافق على طلب باسل.. هتوافقى!؟..

صمتت زهرة فى انتظار الأجابة الشافية.. هى تشعر ان ابنتها فى اعماق قلبها تتمناه.. لكن كرامتها وكبرياءها تقفا بالمرصاد لصوت قلبها الذى تستشعره كأم.. قلب ابنتها يهتف باسم بن عمتها وبرغبتها فى قربه..
طال الصمت.. ولم تتلق زهرة جواب شاف من ابنتها..
التى همست أخيرا فى تردد:- اللى بابا هيوافق عليه.. انا راضية بيه..

تنهدت زهرة فى راحة فهى تدرك كأم ان ابنتها تلقى بمسؤولية الاختيار على ابيها لترتاح من صراع قلبها وعقلها الذى يمزقها..
ربتت زهرة من جديد على كتف ابنتها وانحنت تقبل رأسها وهى تتجه خارجة من حجرتها تهمس بدعاء لكى ترتاح تلك القلوب الحائرة..

سارت العربة التي تقل ماجد بإتجاه السراىّ فها هو أخيرا يحصل على إجازة قرر قضاءها بالقرب من أبويه و اخوته فنرمين للأسف في شهر امتحاناتها.. و تنهد زافرا في ضيق متسائلا في نفسه:- متى تنتهى تلك الامتحانات ليكون قادرًا على الذهاب لخطبتها و يرتاح من عناء الانتظار الذى طال أمده!؟..
تنبه انه يحمل أمانة عليه توصيلها فهتف لسائق العربة الذى ارسله عاصم لأستقباله ليتخذ الطريق المحاز للترعة متوجها لبيت عمته سمية..

وصل في دقائق معدودة و ترجل من السيارة متوجها لباب الدار يدقه في رزانة و هو يعدل من هندامه..
طال انتظاره و هو يقف أمام الباب و لا مجيب ربما للمرة الثالثة يطرق الباب و لا يفتح احدهم..
و أخيرا تناهى لمسامعه صوت عراك بالداخل جعله يضطرب محاولا التقهقر للخلف خطوة متسائلا ان كان هذا هو الوقت المناسب ليسلم أمانة مؤمن لأهله!؟..

قرر ان يطرق الباب بقوة لمرة أخيرة و اذا لم يتلق الإجابة فسينسحب راحلا و يأت في وقت اخر.. طرق الباب بقوة هذه المرة و تناهى له صوت العراك من جديد.. هم بالرحيل الا ان الباب قد فُتح فجأة لتطل منه عمته سمية دامعة العينين..

استدار ليقابلها بكليته و هم بإلقاء السلام الا ان صوت تلك الصرخات بالداخل استرعى انتباهه و ما يراه على محيا عمته جعل القلق يتمكن منه
فدفع عمته في رفق و طل من باب الدار بإتجاه الصرخات التي علت وتيرتها و ذاك لقرب صاحبتها التي اندفعت من باب غرفة جانبية صارخة
بثورة في ماهر اخيها:- مش هتچوزه و لو كان اخر راچل ف الدنيا.. مش هتچوزه و لو جتلتونى..

اندفع ماهر بإتجاها رافعا كفه صارخا في وجهها:- يبجى هجتلك..
كان كفه في سبيله لوجهها الا ان ماجد ظهر بينهما في اللحظة المناسبة ليتلقى كف ماهر على ذراعه بدلا من وجنة ايمان التي وجدت ظهر ما استقام بينها و بين اخيها الثائر ليلوز عنها..
هتف ماهر متعجبا من ذاك الذى ظهر في قلب الدار بحلته الرسمية دون سابق إنذار:- ماچد.!؟..

و استطرد بلهجة ساخرة:- خير يا حضرة الظابط.. حد يخش بيوت الناس كِده!؟..
لم تصدق ايمان عينيها و هي تتطلع لذاك الذى تمنت مجرد ان تقترب لتلقى عليه السلام لمرة ها هو يقف في قلب دارهم يحميها من بطش اخيها لا يبعد عنها الا خطوات معدودة و هو يهتف بنفس السخرية:- معلش بقى يا ماهر جيت ف وقت غير مناسب.. استحملني بس دقيقتين أوصل الأمانة و همشى على طوول..

هنا هتفت سمية في احراج:- تمشى فين يا ماچد يا ولدى.. دِه بيتك و مُطرحك.. تعال اتفضل يا حضرة الظابط..
زفر ماهر في ضيق و اندفع خارج الدار مغادرا..
هتف ماجد في هدوء متحججا:- معلش يا عمتى انا لسه أصلا مرحتش السرايا.. انا قلت أوصل لكم جواب بعته معايا مؤمن عشان معرفش يكلمكم الفترة اللى فاتت..

و دس كفه في جيب سترته الميرى مخرجا ظرفا مطويا مقدمه لسمية هاتفا:- اتفضلى يا عمتى..
استلمت سمية خطاب ولدها بشوق هاتفة في لهفة:- طب انت متعرفش ميتا هينزل اچازة!؟..
اكد ماجد مطمئنا:- قريب يا عمتى.. يمكن كمان أسبوع.. ربنا يجيبه بالسلامة و يطمنكم عليه..

و هم بالرحيل مستديرا بإتجاه الباب الا ان هتاف ما أوقفه ليتنبه أخيرا لتلك التي كان ماهر يتشاجر معها رغبة في ارغامها على الزواج من شخص ما..
انه لا يتذكرها قط.. و تنبه ان مؤمن لا يمل من ذكر اخته ايمان و لا يكف عن الدعاء لها.. اذن فهذه هي ايمان!؟..
تنبه من خواطره و هي تتنحنح في احراج وتمسح دموعها عن وجنتيها فى عزم و قد وصلت لموضع وقوفه بالقرب من الباب هاتفة:- ممكن اطلب من حضرتك طلب!؟..

اكد بإيماءة من رأسه دون ان ينبس بكلمة فأستطردت هي في عزة و برأس شامخ رغم تلك الدموع التي استطاعت بإقتدار سجنها بمأقيها:- لو سمحت متبلغش مؤمن بأى حاچة شوفتها هنا.. انا مش عيزاه يضايج و هو بعيد.. ممكن!؟..
هتف بإبتسامة هادئة جعلت أنفاسها تضطرب:- طبعا ممكن.. و من غير ما تطلبى يا آنسة ايمان.. مش ايمان برضو!؟..

الان هي غير قادرة على التنفس بشكل طبيعى بعد ان نطق اسمها و كأنها المرة الأولى الذى تسمعه فيها و هزت رأسها كالبلهاء مجيبة ليستطرد هو مؤكدا:- حتى و لو مكنتيش طلبتى.. انا لا يمكن كنت هقوله اللى حصل عشان انت متعرفيش مؤمن بيخاف عليكِ ازاى.. ده ملوش سيرة غيرك..
ابتسمت رغما عنها و هي تجز على شفتها السفلى محاولة وأد شهقة بكاء كادت تصدر منها حنينا لأخيها الغائب و أخيرا هتف هو منهيا الصمت بينهما هاتفا:- فرصة سعيدة يا آنسة ايمان.. و ربنا يجيب مؤمن بالسلامة..

و ما ان هم بالإستدارة مغادرا حتى ادار رأسه مؤكدا:- اه بالمناسبة.. لو في اى حاجة عايزين توصلوها لمؤمن انا في الخدمة.. انا ماشى بعد بكرة بالليل.. لو عايزين تبعتوا حاجة ابعتوهالى ع السرايا و انا هوصلها لمؤمن.. ماااشى!؟..
هزت رأسها إيجابا و هي تراه يرحل مسرعا و قد شعرت بسعادة جمة تكتنفها.. فرحة بحجم الكون تناقض تماما ذاك الألم الذى كانت تعانيه منذ لحظات قبل قدومه.. حياة عجيبة تختلط فيها لحظات الحزن بلحظات الفرح كأنما قد تشابكا بخيوط قدرية من نسيج سحرى مغزول على هيئة أعمار..

ايقظتها أمها هامسة من خلفها تتابع ماجد و هو في سبيله ليستقل سيارته عبر ذاك الممر الطويل المفضى لدارهم:- يا رب يكون لك نصيب فيه يا بتى..
همست ايمان بدورها دون ان تحيد بنظراتها عن ماجد الذى غاب الان راحلا بسيارته:- خلينا على كدنا يا ام مؤمن.. بلاها النچوم اللى ف السما.. محناش كديها..
ربتت سمية على كتف ابنتها و الأخيرة تغلق الباب خلف ذاك العزيز الذى ظهر كرؤية وردية و أختفى كطيف..

كان يسير بثقة فى ذاك الممر الطويل الذى يفضى الى حجرة الاجتماعات الملحق بها مكتبها.. كان لابد له من المرور بغرفتها اولا حتى يتسنى له اخذ ملف الصفقة الذى عليه مناقشته مع ضيوفه.. وصل لباب مكتبها الان.. طرق الباب فى قوة.. لم تجيب فدفع الباب فى قلق.. ليفغر فاه فى دهشة ثم يعاود إغلاق الباب من جديد خاصة و ضيوفه لازالوا معه يقفون خلفه و ربما شاهدوا ما رأه لتوه..

هتف بسرعة لأحد المساعدين ليصطحب الضيوف من الباب الاخر لغرفة الاجتماعات فى اخر الردهة و تقديم واجب الضيافة لهم حتى يعود بملف الصفقة..
انتظر لحظات حتى غاب الضيوف عنه مع مرافقهم ثم عاود الطرق على الباب من جديد فى عصبية.. لم تجب بالطبع فأعاد الطرق.. و لا مجيب..

فاضطر ان يندفع للداخل فى سرعة و عيناه تتطلع لجميع أنحاء الغرفة الا ناحية تلك التى تقف الان على سلم معدنى برداءها الذى يصل بالكاد لما تحت ركبتيها و تتمايل فى رعونة على احدى درجات السلم وهى تبحث عن شئ ما فى الأعلى.. و الأدهى من ذاك كله انها لا تسمعه الان و هو يناديها فى غضب محاولا صرف نظراته عنها وهى بهذا الوضع المخجل :- هديررر.!؟

أين ذهب سمعها هذه البلهاء!؟.. هكذا هتف فى غضب داخلى حتى استدارت قليلا فأستطاع تمييز سماعات الأذن التى تضعها وتفصلها عما حولها و تتمايل على الأنغام التى تبثها فى اذنيها غير قادرة على ادراك وجوده فى الغرفة من الاساس..
صرخ من جديد باسمها ولكن هذه المرة وهو يربت على ذراعها مضطرا:- هدييييير..

لتصرخ هى فى المقابل منتفضة ما ان لمس ذراعها و تدفع بكل ما كانت تحمله من ملفات ليتقاذف فى الهواء و فجأة.. يختل توازن كل شئ.. لتجد نفسها بلا إرادة منها مدفوعة للسقوط المدوى.. و الأدهى من ذلك هو أين سقطت!؟..
لقد سقطت مباشرة بين ذراعيه... بالاصح.. فوق رأسه.. ليشعر هو بالدوار فيسقطا سويا.. ليكون السقوط المدوى على حق..
ثم.. سكوت تام دام للحظات بعد ان استقرت اخر الأوراق المتطايرة على وجه حمزة..

كانت هى اول من تحرك.. كان جسده هو من تلقى الصدمة الاقوى .. كان ممدداً أمامها الان وورقة تغطى وجهه ولا يحرك ساكناً.. اقتربت زاحفة فى حذر ومدت كفها لتزيح الورقة عن وجهه تطمئن ما الذى يحدث.. كان مغلق العينين لا تظهر على ملامحه اى ردود فعل مما جعلها تظن انه فقد الوعى فهتفت فى هلع عدة مرات و هى تهز جسده:- حمزة!!.. حمزة!؟..

اخيرا رد بتنهيدة تحمل الكثير من نفاذ الصبر وهو يتكلم من بين اسنانه:- هدير.. تعرفى تعملى معروف و تروحى بعيد عن خلجتى الساعة دى!؟..
لم تستطع غير الرد بكلمة واحدة:- اه.. اعرف..
رد وهو لايزل مغمض العينين:- يبجى كتر خيرك..
نهضت و اندفعت للباب وقبل ان تفتحه للرحيل من أمامه سألته فى بلاهة:- طب ممكن اعرف هو انت ليه بتكلمنى و انت قافل عينك!؟..
صرخ فى غضب:- هديييييير ...

فما كان منها الا فتح الباب و الهروب من أمامه و هو بهذه الحالة التى لم تره عليها من قبل و أخذت تتساءل
فيما اخطأت الان وهو من أجفلها و جعلها تسقط و تصحبه معها فى سقوطها.. !!؟..
نهض هو فى تثاقل ما ان سمع صوت إغلاق الباب و أعاد ترتيب حلته اثر السقوط.. نظر حوله على الفوضى التى خلفها سقوطهما.. يوم ما ستصيبه بأزمة قلبية بسبب ما ترتديه هتف غاضبا في نفسه وهو يتذكر مظهرها و الذى قفز لرأسه وهى تتمايل على السلم...

لابد و ان يضع حلا لملابسها التى لا تليق و التى فى عرفه تعتبر ملابس خارجة عن الحشمة و الأصول المتعارف عليها..
هو يعلم انها تربت بشكل مختلف.. و مدللة بشكل كبير..
لكنها ابنة عمه.. و لن يسمح ان يتفرس فيها كل غريب و قريب و هى بتلك الملابس.. الليلة.. سيكون له معها شأن اخر..

طرقت سندس باب حجرة المكتب حيث يقبع ابيها و باسل..
استدعاها اليها منذ لحظات لا تعرف لما.. لكن عندما علمت بوجود باسل معه ازداد وجيب قلبها فهى لم تراه منذ الحادثة المجنونة التى ارتكبها فى حق عريسها المزعوم..

ألتقطت انفاسها فى عمق قبل ان تأتيها الأجابة على طرقاتها من الداخل بالإيجاب.. فتضع كفها المرتعش على مقبض الباب وتدلف للداخل بذاك الوجه الذى يخفى خلف قسماته الكثير من المشاعر المضطربة التى تحاول مداراتها ما ان طالعت باسل يجلس امام ابيها الذى اتخذ مقعده خلف مكتبه الابنوسى..
هتف عاصم فى هدوء:- اجعدى يا سندس..

جلست قبالة باسل وكان ذاك اكثر مما تستطع احتماله وهو يتفرس فيها بتلك النظرات غير مراع لوجود ابيها.. الوقح.. هتفت داخليا بغيظ.. وانتبهت اخيرا لما يخبرها به ابوها..
-بصى يا ستى.. الباشا ده.. أشار عاصم لباسل.. بيتجدم ليك تانى.. جلتى ايه.. !!؟.. .خليه يسمع ردّك بنفسه ونفضوه الموال دِه..
ردت هى فى سرعة تحاول مداراة اضطرابها:- طبعا لا.. مش ممكن اتجوز واحد همجى و اسهل حاجة عنده انه يتعامل بالسلاح..

ألتزم عاصم الصمت وعيونه تبرق بخبث مستمتعا بالحوار الدائر حين اندفع باسل يدافع عن نفسه:- على فكرة انا مش همچى يا اثتاذة.. وضغط على حرف السين مخرجا لسانه فى نطقه فيبدو كالثاء نكاية بها كما يفعل دوما..

لتنفجر هى غاضبة وتنهض لتلتف حول كرسيها وتقف تضع كفيها على ظهر كرسيها وهى تشير بيدها ناحيته بأصابع الاتهام:- شفت با بابا.. شفت.. اهو.. هو دايما كده بيستهزق بيا وعمره ما عمل لى اعتبار.. انا لما اتجوز واحد لازم يقدرنى ويحترمنى مش يفكر يضربنى بالنار مع اول غلطة ذى ما كان هايعمل مع عريسى..

انتفض باسل صارخاً فى غضب:- بس متجوليش عريسى لحسن والله اروح افرغ الطبنچة ف راسه ويبجى اسميه المرحوم.. وبعدين متشوريش بصوابعك كِده.. انت مش ف المحكمة.. وانا طالب اخش دنيا مش جفص الإتهام..
صرخت من جديد وهى تنظر لأبيها الذى ازدادت نظرات الخبيثة تألقا واستمتاعه بالحوار الدائر وصل ذروته.. قائلة:- مفيش فايدة.. انسان همجى و متهور.. انا مش..

هنا كان دور ابيها لينهى تلك المرافعة هاتفاً:- طالما انا الجاضى فى المحكمة اللى انتوا ناصبينها دى.. يبجى اجمد حكم تخدوه هو المؤبد..
هتف كلاهما.. باسل وسندس فى صوت واحد:- مؤبد.. !!
لينفجر عاصم ضاحكاً:- اه.. مؤبد للأبد.. هايبدأ تنفيذه من يوم الخميس اللى بعد الچاى.. ألف مبرووك..
همست سندس فى ترقب:- بابا.. حضرتك قصدك ايه.!؟؟..

هتف عاصم فى مرح مقهقهاً:- وعاملة لنا فيها افوكاتو.. فرحكم الخميس اللى بعد الجاى يا استاذة و ده حكم نهائى مفيهوش استئناف..
ليهتف باسل فى مرح:- ينصر دينك يا خالى.. يحيا العدل..

ليخرج عاصم تتبعه قهقهاته المتعاقبة على مظهر ابنته المشدوهة.. وترك باسل ليلحق به لكن قبل ان يتوجه خارجا ليبشر امه وأبيه بموافقة خاله على زواجه بإبنته.. اقترب منها فى مشاكسة وهى ماتزال على اندهاشها ليهمس بالقرب من اذنها:- انى همچى ومتهور.. طيب يا بت خالى.. لما نبجوا فى زنزانتنا حبس انفرادي انى وانتِ يوم الخميس هوريكى يعنى ايه الهمچية والتهور على اصولهم...

تراجعت خطوات للخلف وهى تشهق غير مصدقة ماسمعته من هذا المجنون الذى سيفقدها صوابها ان لم يكن فقدته بالفعل فى تلك اللحظة وهو يبتعد مغادراً ليستدير اليها من جديد ويغمز لها بعينيه.. ليسقط قلبها بين قدميها.

جلس حامد الحناوى خلف مكتبه ينقر الارض بعصاه الأبنوسية فى انتظار ابنته هداية و ابنة اخيه عائشة و اخيرا بن اخيه جاسم ليمثلوا جميعا امامه.. انه يشعر ان الوقت قد حان ليطلعهم جميعا على حقيقة يونس ولده و تعريفهم بوجوده و بحقه فى أملاكه فبعد وفاة عبدالله و هو يستشعر قرب الأجل و لا يدرك متى يحين.. لذا عزم الامر على مفاتحة الجميع فى امر يونس رغم انه على علم ان ذاك الخبر سيضج مضجعه لأيام طويلة و ينسيه طعم النوم و الراحة و ستُفتح ابواب الجحيم على مصرعيها بيدىّ جاسم عند علمه بحقيقة يونس ووجوده..

تمنى السلامة من كل قلبه فهو يستشعر بحق ان القادم ليس خيرا ابدا لكن لا قبل له لتجاهل وجود يونس بعد ان ارسله الله له بعد رحيل عبدالله.. ان يونس هو التعويض الالهى عنه.. كيف له ان ينساه كأنه لم يكن!؟.. أوقات كثيرة مرت فكر فى ان يتناسى يونس و ما أخبرته به سكينة حتى يحفظ يونس من شر جاسم الذى قد يطاله.. لكنه الان احوج ما يكون له مع شر جاسم الذى استفحل و يداه التى بدأت تطول الجميع بالشر و ابنته هداية و ابنة اخيه عائشة.. من لهما يلوز عنهما اذا ما حان الأجل و تركهما فى يد ذاك الفاجر جاسم.. !؟.

دخلت هداية و خلفها عائشة تقبل كل منهما رأسه فى إجلال و محبة و تستكين كل منهما على مقعد على احد جوانب الغرفة.. لحظات و ظهر جاسم و توتر جو الغرفة فقط لدخوله و لاحظ حامد ما يحدث و شعر بذبذبات الكراهية التى عمت المكان فور ظهوره.. جلس جاسم قبالة عمه و هتف فى تعجب:- خير يا عمى!؟.. جيت چرى لما عرفت انك طالبنى..

و اشار للفتيات الجالسات جانبا فى لامبالاة هاتفا فى حنق:- ايه!؟.. اشتكوا لك منى و هيتعلج لى الفلكة و لا ايه!؟..
هتف حامد الحناوى بصوت جهورى جعل بن اخيه يتسمر فى موضعه:- اكبر منيها و لا ايه يا واد صابر.. !؟.
هتف جاسم مهادنا:- هو انى أجدر أتكلم يا عمى..
هتف حامد مقاطعا اياه فى حنق:- خلاص بلاه حديت ماسخ ملوش عازة وركزوا معاى كلكم..

صمت الجميع متوجهين بكليتهم لسماع ما سيجود به العمدة حامد الحناوى و الذى يبدو انه من الأهمية ليجمعهم بهذا الشكل..
تنحنح حامد هاتفا:- من غير مجدمات ملهاش عازة و لا كلام هيجدم و لا يأخر.. انى كنت متچوز زمان جبل امك يا هداية.. تطلع لأبنته التى فغرت فاها و هو يستطرد فى حزم و هو يحيد بناظريه لابن اخيه و هو يلقى قنبلته.. و انى عندى واد منيها.. دِه ولدى البكرى.. يونس..
انتفض جاسم فى ثورة بعد ان استوعبته الصدمة للحظات هاتفا فى جنون:- ايه اللى بتجوله دِه.. كنك كبرت و..

صرخ حامد منتفضا فى غضب هادر:- دِه كنك انت اللى اتچننت يا واد صابر و ناجصك رباية كمان.. !!
صرخ جاسم فى ظل سكون عائشة و هداية امام تلك المعركة التى تشتد أوزارها امامهما و هما غير قادرتين على تحريك ساكن:- ايوه اتچننت.. لما تاجى تجول لى انك ليك واد من مَرّة منعرفهاش و لا نعرف دى مين و چت تجول لك دِه ولدك و انت تصدج.. يبجى انى اللى اتچننت يا عمى.. !؟ الظاهر موت عبدالله روح عجلك..

انتفض حامد رافعا كفه ليسقط بها على وجه بن اخيه الذى انتفض مصدوما من فعلة عمه الذى صرخ فى ثورة:- اخرچ بره و مشفش وشك ف دارى تانى.. اخرچ و اياك تاچى و لو مت متمشيش ف چنازتى.. و لا تاخد بعزاى..
هتف جاسم ساخرا:- خاااارچ منتش طاردنى م الچنة و متخافش مش هاخد بعزاك كفاية عليك المحروس اللى ظهر ف المچدر ياچى ياخده.. يااا عمى..

خرج جاسم كالريح من مكتب عمه يتوعد و يقسم فى غل بينما تنهد حامد فى إرهاق و هو يجلس فى تثاقل على كرسيه مجددا..
اندفعت هداية تجاهه فى إشفاق تربت على كتفه هامسة:- انت كويس يا عمدة!؟..
اومأ برأسه ايجابا دون ان ينطق حرف مما دفعها لتقترب فى حذّر متسائلة:- هو صحيح ليا اخ يابا اسميه يونس!؟..

تطلع حامد تجاهها فى هدوء:- ايوه يا هداية.. يونس دِه اخوكِ الكَبير.. انى مكنتش اعرف بوچوده لان امه كانت على كد حالها و لما عمك صابر عرف هددها هى و اهلها و هربوا من البلد و مرچعوش تانى و هى كانت حامل فيه..
ابتسمت هداية فى سعادة:- يعنى انى عِندى اخ بچد!؟..

تطلع لها حامد متعجبا من رد فعل ابنته الذى لم يكن يتوقعه مطلقا ليهتف مندهشا:- كنك فرحانة!؟.. و انى اللى كنت فاكرك هتزعلى و لا تضايجى..
هتفت هداية:- أزعل كيف!؟.. دِه چه نچدة من السما ليا و لعيشة.. هيبجى لى اخ اتحامى فيه من تحكمات چاسم و فچره..
هتف حامد متسائلا:- ليه!؟.. كنه اتعرض لك و لا حاچة!؟..

تنهدت هداية فى ضيق:- من ساعة ما طلب يدى منيك و هو ملاحجنى ف الرايحة و الچاية كنى وافجت و انى عارفة يا عمدة انك مديتلوش كلمة لانك عارف انى مش جبلاه لكن كنت بتتجى شره..
ربت حامد على كفها المسندة على سطح مكتبه هاتفا:- صدجتى.. انى حاسس انى مش جادر اجف له و مش جادر ارچع حامد الحناوى بتاع زمان اللى كانت صرخة منيه تهد الچبل.. موت عبدالله كسرنى.. و لكن عوض ربنا چه ف يونس..

انى محتاچ له اكتر من اى حد يا هداية.. محتاچة له يكون عكازى بعد ما انحنى ضهرى بموت اخوكِ و يكون سندى ف حمايتكم من غل چاسم و شره..
هتفت هداية:- ربنا يخليك لينا يا حاچ و يطول لنا ف عمرك.. و استطردت فى تساؤل.. بس هو ميتا ياجى يونس و نشوفوه!؟..
اكد حامد:- امه جالت لى هتجيبه و تاجى.. هايجى عن جريب...

ابتسمت هداية فى سعادة و هى تربت على كتف ابيها متطلعة لذاك المنقذ الذى ما كان لا على بال و لا خاطر احد ظهوره من العدم بهذا الشكل.. بينما لازالت عائشة جالسة فى ذاك الطرف المنزوى من الحجرة صامتة تماما و عيناها تجود بالدمع فى استكانة فهى تدرك قبل اى احد اخر ان دورها فى هذه الحياة مجرد بيدق فى لعبة شطرنج يتحرك بيد الاقدار لتضعها حيث تهوى دون ان يكون لها حتى حق الاعتراض على اى مصير مقسوم لها..

منذ دفعتهما أمهما نعمة ليصعدا شقتهما سويا و كل منهما على جانب منها لايرى الاخر الا صدفة.. كان ينزل صباحا قبل ان تستيقظ حتى لتعد إفطاره ليفطر ف ورشته و تنزل هى بعد استيقاظها لشقة خالها تساير امه نهارا و ما ان يعود ليلا حتى يجدها تحضر طعام العشاء على الطاولة قبل صعوده بدقائق و تختفى بحجرتها..

انه كان يراها بالأسفل اكثر من ذلك.. تنهد فى تعب و إرهاق شَديد و هو يحاول التمطع على فراشه فى ألم و كل عضلة من عضلات جسده تئن بحثا عن الراحة.. فهو يرهق نفسه بالعمل صباحا و لا يجد سبيل للنوم ليلا.. يظل مسهدا لا يجد للنعاس سبيلا فيكفيه ان يستشعر انفاسها بالقرب منه لا يبعده عنها الا خطوات حتى يكاد يفقد عقله رغبة فى قربها تلك السراب الذى ما ان يقترب للإمساك به حتى يختفى بلحظة..

شعر انه لن يبوح لها ابدا بما يكنه بقلبه من مشاعر تجاهها.. انه يعشقها فوق العشق و يتمنى قرب وصلها كمن يترقب أمنية بعيدة المنال و لا يملك الا الدعاء لعل الله يستجيب فيجدها حيث تمنى.. بين ذراعيه..
صرخات جاءت من خارج الغرفة و اندفاع من بابها جعله ينتقض ليجدها فى لحظة بين ذراعيه.. شهق فى صدمة.. هل تتحقق الأمنيات هكذا فجأة!؟.. و هل يستجيب الله دعاء الملهوف بهذه السرعة.؟!..

تنبه انها لاتزل تصرخ و تتعلق بصدره اكثر فوضع كفيه على كتفيها محاولا ابعادها قليلا عن صدره حتى يتسنى له التركيز على ما يحدث فقد تملكه تشويش أصاب عقله من جراء قربها منه بهذه الطريقة المهلكة و المدمرة لأى تعقل..
هتف يستوضح ما يحدث بصوت متحشرج:- فى ايه يا شيماء!؟.. فى ايه.. ليه الصريخ ده كله!؟..

ازدردت ريقها بصعوبة و اشارت برعب خارج الباب باتجاه المطبخ هاتفة بكلمة واحدة:- فاار..
كاد ينفجر ضاحكا و لكنه شعر بمدى رعبها فهى تكره تلك الكائنات الصغيرة المقززة بحق.. ربت على كتفها مهدئا و هتف:- خلاص اهدى.. انا هروح اشوف هخلص منه ازاى!؟..

هم بالذهاب فتمسكت بساعده فى عفوية دمرت ثباته و هى ترتجف ذعرا:- هتروح فين و تسيبنى لوحدى.. افرض جه على هنا..
انفجر ضاحكا و لم يستطع تمالك نفسه هاتفا:- متخافيش.. لو حب يجى يزورك هخليه ياخد ميعاد..
صرخت مرعوبة:- متسبنيش عشان خاطرى.. طب هروح معاك.. هاا.. هروح معاك بس انا خايفة..
ربت على كفها مهدئا:- خلاص.. تعالى معايا..

توجه للمطبخ و هى بأثره تتعلق بظهر سترته حتى وصل للمطبخ و همس:- انت شوفتيه فين!؟..
اشارت لمكان ما خلف خزينة المطبخ دون ان تستطع التفوه بكلمة و هى لاتزل ممسكة بظهره ملتصقة به كالغراء..
حاول ناصر العثور على ذلك الفأر او اى اثر ينبئ عن مكانه لكنه لم يجده ليهتف بها:- مش موجود يا ستى.. تلاقيه اتسرع من صريخك و خدها من أصيره و هرب..

هتفت شيماء مؤكدة:- و الله كان هنا.. انا مش قاعدة ف المطبخ ده لحد ما أتأكد انك قتلت الفار و اشوفه ميت بعينى..
انفجر ناصر ضاحكا:- مكنتش اعرف انك قاسية قووى كده.. فين ايّام ما خاصمتينا تلت ايّام عشان دبحنا الحمام قدامك و حلفتى ما تكليه و لحد دلوقتى مش ممكن تحطيه ف بقك.. !؟

نظرت اليه متعجبة و هو يسرد لها ذكريات قديمة من طفولتها الأولى هى نفسها ما كانت لتتذكرها لولا ذكره لها الان.. فهتفت دون وعى منها:- معقول لسه فاكر!؟.. ده انا نفسى كنت ناسية..
اقترب منها فى شوق هامسا:- انا مش ممكن أنسى اى حاجة تخصك.. انا..

صرخت من جديد و هى ترى ذاك الفأر يخرج من خلف الخزانة و كأنه يخرج لها لسانه مغيظا إياها و اندفعت خارج المطبخ تصعد اقرب مقعد فى ذعر.. اطلق ناصر سبابا مكتوما و أغلق باب المطبخ فى عنف و قد اخذ عهدا على نفسه ألا يخرج الا وقد قضى على ذلك الفأر..
مرت حوالى النصف ساعة و شيماء لا تسمع الا طرقات و خبطات متفرقة هنا و هناك و اخيرا انفرج الباب ليظهر ناصر يتصبب عرقا و قد اُنهك تماما.. و جثة ذلك الفأر ملقاة جانبا.

همست و هو يمر امامها:- قتلته!؟..
لم يرد بل هز رأسه مؤكدا و هو يتجه للحمام لينال حماما بعد تلك المعركة و اخيرا اتجه لحجرته مغلقا بابها خلفه فى عنف و ألقى بجسده على الفراش فى إنهاك هاتفا لنفسه فى سخرية:- شكلى هموت قبل ما اقولها بحبك.. !!. و تذكر ظهور الفأر فى لحظة حاسمة تشجع فيها اخيرا و قرر أخبارها ما يعتمل بصدره فهتف بغيظ:- منك لله يا بعيد.. هو انا فشيت غلى فيك من شوية.
و تنهد مغلقا عينيه فى إنهاك تام و خلد للنوم سريعا..

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الإعجاب، المشاركة والتعليقات على الرواية
W
لتصلك الفصول الجديدة أو الروايات الجديدة
اعمل متابعة للصفحة (اضغط لايك للصفحة)