قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل السابع والعشرون

رواية لعبة عاشق الجزء الثاني يسرا مسعد

رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل السابع والعشرون

الأوهام ظلال الحقيقة اقتربت حتى انصهرت فابتعدت حتى تماسكت بقايا وتلملمت للمرة الثانية في تاريخهما المشحون بكل العواطف الرائعة والمؤذية أيضا يستجلبها هو بفرض قوة ذكورية بحتة بالكذب كان أو بالخداع ويفرض عليها قيدا وشرطا دون اعتبار لأنوثتها المتداعية بفضله ولا لكبريائها المنحور على يده، فليس ذلك بشيء يذكر جوار كبريائه الأبقي والأعلى شأنا غضب يتأجج وحزن يوجع القلب بتراكماته وكأنها لم تكن شيئا مذکورا وقرار رغم أنه مجحف بحق الآخر وحق أطفالها إلا أنها باتت تراه صحيحا والتضحيات غالبا ما يرافقها ألم ألم ستعتاده وستضيفه للائحة آلامها السابقة فلا تراجع ولا عودة وستعتاد الحاضر حتى تنسی.

" معك يولد الرجل بالمصادفة ويموت بالمصادفة " رسائله النصية التي باتت روتینا ثابتا صباح كل يوم أضحت حمل ثقيل يضاف لبقية ما تتحمله قد تكون في حاجة لإشباع وغريزة فطرية بكل أنثى ولكنه ببساطه ليس هو والأكثر أنها تكاد تكون واثقة أنه مدعي فلا هو شاعرا بالفطرة وحالما كزوجها الراحل ولا هو رجل صارم، صعب المعشر كأبيها تحين لحظات ضعف تصيبه جراء تقلبات الحياة فيتحول لمراهق غر تراه کنمر يختار موقع قدميه بعناية دقيقة حتى يصيب فريسته وهي تمقت دور الغزالة المتحذلقة التي تثق بسرعتها وخفة قدها حتى تقع رقبتها بين براثنه وإتصال هاتفي تلك المرة في الواقع أحصت الدقائق فوجدتها عشرون ككل مرة فردت ببرودها المعتاد و جائها صوته المتردد يحيها قاطعته قبل أن يسترسل:

- كنت لسه هكلمك مش هينفع نتغدا سوا النهاردة، أيهم طول الليل مانمش من وجع ضرسه وكأنما قدمت له الحل على طبق من ذهب وليس فضة براقة- صاحبي عنده مركز أسنان في وسط البلد ودكاترة شطرين جدا، هعدي عليكِ في خلال نص ساعة ده كله إلا أيهم تنهدت وهي تفتأ تبحث عن سبب قوي لترفض عرضه فهي لم تعتاد بعد تلك الفكرة المخزية بترك مقاليد الأمور ليتسلمها هو بحكم ضعف أنثوي لن تعيشه في كنفه راضية ولكنها رغم ذلك تراجعت فما عيب الضعف وما المانع لو أنها تركت ذلك المنصب الذي تقلدته إجباريا لتضع أحمالها ولو قليلا علها تلتقط فقط بعض الأنفاس وإلا مافائدة تلك الزيجة بالمقام الأول فهي ليست بإمرأة صرعها الهوى ولا أرملة أجحفها العوز وضعت الهاتف وتلقت الصغير بين أحضانها الدافئة:

- لسه واجعك ؟
هز الصغير رأسه بضعف وهو يريح خده المتورم برفق على صدرها فربتت على كتفه في انتظار ظهور المنقذ الذي لم يتأخر والذي لم يكذب أيضا فما أن خطت قدميها داخل مركز الأسنان حتى لاحظت الإهتمام الشديد بحالة صغيرها دون الإعتبار لكون العقيد صديقا مقربا لمالك المركز والذي استقبلهما بحفاوة بالغة وما تلا ذلك كان الصدمة والمفاجأة بالنسبة إليهم جميعا فالطبيبة الماهرة التي عالجت أيهم الصغير، في الواقع هي سالي التي تعرفت على درية واستقبلتها بأحضان دافئة وصاحب المركز ذلك الطبيب خفيف الظل كما استشعرته درية لم يكن سوی خطيبها !

وقع المفاجأة على درية حينما علمت بذلك الخبر كان متشابها لحد بعيد عندما علمت سالی أن درية حطمت أسوار حصنها المنيع ودعت رجلا لاقتحامه والسيطرة عليه وأخيرا الرجلان اللذان لم ينتبها لملامح المرأتين وتضحكا سويا بشأن " الخطوبة السرية " كما أطلق عليها كريم والذي أصر على أن يتناولا طعام الغذاء سويا، ولكن درية قابلت عرضه برفض قاطع إذ أن الصغير في حاجة للراحة وربما يستطيعان تلبية الدعوة في وقت لاحق انصرفت درية وهي تحمل صغيرها رغم إصراره أنه يستطيع المشي وحده وعيناها معلقة بوجه سالي الذي كان يعلوه تعبير غریبا غريب جدا، بل غريبة الحياة برمتها.

الفوضى ربما تكون وصفا دقيقا حالة الشركة مع غياب الشقيقان وهذا ما لاحظته عيناه بمجرد مرور بضعة دقائق عليه داخل مكتب أخيه الأكبر الغائب وزأر بأحقية فردا من آل سليم بعدة أوامر نفذها الموظفون بكل دقة وحرفية قد يكون الأصغر وربما يكون قد انسحب من الشركة منذ زمن ولكنه لازال فردا لا يستهان به بتلك العائلة الذي ما أن أنهي عملا هاما أنقذ عدة أوضاع كانت على المحك اتجه لبيت الأوسط الذي كان غارقا في بؤسه بين أورقة ذكرياته البعيدة وخسارته القريبة استقبله أسامة بعينان زائغتين فرمقه زیاد بالمقابل بنظرة خائبة الآمال قائلا:

- إيه اللي رجعك للقرف ده تاني أشاح أسامة برأسه بعيدا مغمغما باعتراف مخجل:
- مش عاوز أفكر في حاجة ولكن زیاد لم يستسلم وتابع حديثه بعند:
- درية سابت الشغل وأنت وأخوك ماعتبتوش الشركة بقالكو كتير والموظفين بياكلو في قته محلولة، إيه اللي بيحصل؟!
فعقد أسامة حاجبيه وقال:
- وجاسر مابيروحش ليه ؟
فدهش زیاد:
- أنت بتسألني أنا؟!
. . أومال أنت قاعد معاه بتعمل إيه ؟

ضحك أسامة ساخرا:
- أحنا كل واحد فينا في وادي لوحده أنت ولا هوا ولا أنا هز زیاد رأسه وقال:
- معاك حق وأنا السبب والتفت لأسامة وهو يرمقه بشفقة قائلا:
- أسامة أنت محتاج تروح تتابع مع دكتور نفسي، الهروب مش حل ولا أنت مرتاح هز أسامة رأسه موافقا فتابع زیاد برفق راجيا:
- أما أرجع من السفر نروح سوا؟!
فتسائلت عينا أخيه قبل لسانه:
- مسافر فين ؟
رد زیاد ببساطة:

- فرنسا، هبقا أحكيلك لما أرجع ظن أسامة أن أخيه يشعر بضيق حال جعله يغادر البلاد فقال بسرعة:
- على فكرة جاسر أداني عقد بيع منه ليك بشركتك يازیاد، بس وصاني ما أجيبش سيرة إلا لما أحس أنك رسیت کده و عقلت، والصراحة أنا كنت قلقان لا بنت الزهري ترجع تلف عليك تاني من بعد ما سابت أخوك فرفع زیاد حاجبيه دهشة:
- وهما اتطلقوا . . . . طب والبيبي ؟
هز أسامة رأسه نافيا فقال زیاد مستفهما:
- عشان كده جاسر سایب الشركة هز أسامه کفه معارضا وقال بإستخفاف:
- مش أخوك اللي يزعل على الموضوع ده، وكده أفضل . ناقص بس يرجع المايه لمجاريها مع سالي وصمت الاثنان إذ أدركا أن ذلك قد يكون سبب غياب أخيهما المفاجيء وعندها قال أسامة بإدراك:

- يمكن يكون ده السبب فعلا، والصراحة ماحدش يقدر يلومها ولكن بعكس ملامح أسامة المستسلمة لمعت عينا زياد وهو يقول بإصرار:
- لكن لازم ترجع هم زیاد بالرحيل وقال آمرا:
- خلي العقد معاك يا أسامة مش محتاجه دلوقت وتعالي المهم نروح لأخوك ونتطمن عليه     ثلاثة أيام مرت ثلاثة أيام من الصمت المفعم بحرارة براكين الغضب المتفجرة داخله وشعور حارق بالخيانة يقتات منه وعودة لذكريات مقيتة أقسم على دفنها بأعمق الأعماق سهيلة فضلت رجلا آخر فتخلص منها ومن قيود زيجة منتهاة ولكن سالي . . . هي لم ترتكب جرما فادحا بالمعنى الحرفي إذ أنها لم تعد زوجته ولكن كيف تفضل سواه ؟

الفرحة التي استقبل بها الصغيران عمیهما كانت لا تقدر بثمن وساهمت بإخراجه من دوامة أفكاره الملتهبة مستعيدا بريق عيناه الذي خمد قليلا وبمظهره الوحشي بذقنه الخشنة وعيناه التي ضاقت عندما لمح نظرة أخيه الأصغر متشبثة بكل حركاته ولفتاته تقدم منه ودفعه لأحضانه بود استقبله زیاد بسرور قائلا:
- قلقنا عليك أنا وأسامة دعاه جاسر للجلوس قائلا بمكر:
- أنت ممكن لكن أكيد الباشا التاني ولا كان حاسس بحد وضع أسامة سلمى المتشبثة بعنقه والتفت لأخيه الساخر وقال:
- قال يعني تفرق معاك فهز جاسر رأسه نافيا:

- لاء تفرق يا أسامة،لمتنا أهم حاجة عندي كان سليم يتابع حديث الكبار بأعين متسعة يحاول إدراك ما يجري حوله بسنوات عمره القليلة فجذبه زیاد بقوة وتعلق به وقال:
- أبوك ماله یا سليم أحكلنا أنت بقا نظر سليم لأبيه الذي سارع بإشعال تبغه بأنامل متوترة قائلا بخشونة:
- خلي سليم بره یا زیاد فاعترض سليم بجين العند المتوراث بعروق آل سليم:
- بس هوا سألني أنا نظر جاسر لصغيره نظرة تقدير بالغة وقال بإذعان:
- خلاص اتفضل يا سلیم جاوب نظر سليم لزياد وقال بحروف لا تمت لعالم طفل بعمره بصلة:
- أظن أنه بابا قاعد قدام حضرتك تقدر تسأله بنفسك انفجر الجميع ضاحكون حتى سلمى التي لم تكن تفقه الحديث الجاري من حولها فجذب زیاد رأس سلیم مشاكسا وقال:

- ابن الوز عوام، خد أختك ورحوا طيب وسيبونا لوحدنا . عشان أقدر أسأله براحتي وكأن سليم بحاجة لذلك الأمر منه، مد يده صامتا لأخته التي تعلقت بذراعها وسحبها نحو الخارج تارکین عالم الكبار المشحون بالأفكار والأقوال التي تخفي ما داخل الصدور وحديث قاد دفته و تمرکز فقط حول العمل ولا شيء سواه متجاهلا نظرات أخويه الفضولية بشأنه حتى قاطعه زیاد قائلا بحسم:
- مهما تحاول تهرب یا جاسر بالشغل وكأن مافيش حاجة حصلت هيفضل واقع أنك أنت وولادك قاعدين هنا لوحدكم منغير أمهم وساد الصمت لفترة ليست بالهينة فلقد تعلم زیاد الصغير المواجهة وأساليب الطرق على الحديد وهو ساخن كما يقولون وتابع بإصرار:

- ولا أنا غلطان یا جاسر؟!
هز جاسر کتفیه یازدارء قائلا بتكبره المتعمد:
- وده يفرق في إيه ؟
قام زیاد وقال:
- ماهو مافيش أهم من لمتنا یا جاسر يبقى من باب أولى لمتك أنت ومراتك وولادك تدخل أسامة ليلطف قليلا من الأجواء المشحونة بينهما وقال:
- جاسر أنا ممكن أكلمها وسالي طيبة وبتحبك قاطعه زیاد باعتراض قوي:

- لاء طبعا لا أنا ولا أنت هنتدخل، هوا اللي لازم ينزل شوية من عليائه ويترجاها ترجعله، هوا غلط فيها ولازم يصالحها ويحسسها بأهميتها عنده، ولا سالي مش مهمة ياجاسر والتفت لجاسر الذي احمرت نواجذه غيظا إذ لم يعتاد أن يتقلد موقع الصغير الذي يتلقى الأوامر من أحد وتابع زیاد بنفس الإصرار:
- اعترف على الأقل بينك وبين نفسك أنك غلطت في حقها، وأنها استحملت كتير منك وأنه من حقها تحس بغلاوتها عندك وعادت كلماتها تطرق رأسه وشعور بالذنب يطوقه نحوها فاقترب زیاد منه هامسا:

- على الأقل عشان مصلحة الولاد هز أسامة رأسه موافقا وقال وهو يسحب زیاد نحو الخارج بواقعية الأمه مؤخرا:
- كفاية كبر وتضيع وقت أكتر من كده یاجاسر، بدال ماتصحى في يوم تلاقيها خلاص راحت لغيرك والألم الذي تجسد بناظريه تعاظم حتى شعر بأنفاسه تختنق وحال دون أن يودع أخويه وداعا لائقا فجلس في مكانه ولم يبرحه حتى بعد مرور ساعات على إنصرافهما وعاد مجددا لدوامة أفكاره فهو كان يظن أنها رفضت الاستمرار ورحلت ثأرا لكرامتها وعلى عكس کلام أخيه الذي يتهمه بالغرور وعدم استشعار قیمتها بحياته فهو ظل ينتظر هدوء تلك المشاعر السلبية من جهتها التي عصفت بحياتهما وتعود مرة أخرى لأحضانه وأحضان صغارهما كما اعتاد دوما منها ولكن أن يقتحم آخر رقعتهما الخاصة ويزيحه تماما وتفضل هي الاستمرار بحياتها معه هذا لم يكن بالحسبان أمازال ثأرها لكرامتها يتعاظم أم هي بالفعل نبذته وخانت عهدهما ؟

ولا سبيل لمعرفة الحقيقة سوى خطوة أخيرة يقوم بها فلا سبيل لإضاعة المزيد من الوقت كما قال أسامة هو لم يكن يوما رجلا بارعا في الصبر ولكنه كان دوما بارعا في الصيد وليس هناك أسهل من اصطياد إمرأة يعرف نقاط ضعفها وقوتها ويحفظ عن ظهر قلب عاداتها.

خرج في الصباح في ميعاده ليس لأنه متشوقا للعودة للعمل ولكنه كان متأكدا بأن نعمات ستقوم بواجبها على أكمل وجه وماهي إلا ساعتان من الزمن حتى رن هاتفه وكان المتصل حارس القصر الذي أخبره بتواجد " الهانم " في تلك اللحظات برفقة الصغار فترك الحديثة بالعمل تعيث فسادا في ملفات درية المنظمة بدقة ولم يهتم وعاد لقصره وهو يحمل خطته المتقنة كانت سالي في تلك اللحظات تجلس بانتظار العفو نعم هي مذنبة خطبت لآخر وستتزوج في غضون أشهر قليلة وماهي أيام بعد إعلانها لذلك الخبر المشؤوم حتى غابت عن صغارها وتركتهم قالت بأنفاس متهدجة وهي تنظر بتضرع لصغيرها سليم الذي کتف ذراعيه بحزم كأبيه تماما:

- یعني یا سليم يرضيك تسيبنا نخرج أنا وسلمى لوحدنا ؟
فرد سليم دون أن يمنحها حتى نظرة:
- وإيه الفرق ما أنت بقالك كتير ما بتجيش وسيبتينا لوحدنا حاولت سالي التملص من ذنبها الذي لايغتفر قائلة:
- ما أنا سيباكم مع بابا فالتفت لها سليم:
- وأنا هفضل قاعد هنا مستني بابا ولو سلمى عاوزة تخرج معاكي براحتها فاقتربت منه سالي وهي تربت على ذراعه:
- طب أنا اللي عاوزة أخرج معاك النهاردة فهز سلیم رأسه بألمه الذي لا يطيقه صدره الصغير:

- عشان بكرة ولابعده تسيبني وتخرجي لوحدك ولا مع عمو کریم وأفضل أنا مستنيكي لحد ماتيجي اتسعت عينا سالي بذعر فائق فما يود الصغير قوله حقا أنه لن ينتظر منها نظرة عطف ولا شفقة ويفضل أن يتخلى هو عنها بمليء إرادته قبل أن تتركه مي فهزت رأسها نافية والدموع تقتحم مقلتيها واحتضنته بقوة هو وأخته قائلة:
- أنا لا عمو کریم ولا غيره يقدروا يبعدوني عنكم، فاهمين وقاطع هو تلك اللحظات المفعمة بالألم وهو يشعر بأنه يتحمل ذنب صغيريه بالكامل وليس سالي وحدها فقال:

- إيه رأيكم لو نخرج كلنا سوا ؟
ترك الصغار حضنها الدافيء والتفتا إلى أبيهما الذي ركع واستقبلهما بقبلات مفعمة بالحب ودفعهما نحو الأعلى مع أمر بالإسراع في تبديل ملابسهما وإلا تراجع عن قراره وما أن اختفا الصغيران حتى اتجه نحوها وهي الواقفة صامته وداخلها يعج بالأفكار السيئة نحو نيته المبيته وقليلا من الغضب إذ أن ذلك هو أسلوبه للتعامل معها ولن يغيره فقال بلطف:
- الولاد محتاجين مننا أننا نتفاهم ياسالي ده حقهم علينا فالتفتت له بهجوم شرس:
- وأنا حاولت أتفاهم كتير معاك قبل كده یا جاسر أنت اللي . . قاطعها مهدئا بإبتسامة رقيقة أذابت أوصالها:
- اهدي بس . . مالهاش لازمة العصبية دي كلها اختلجت دقات قلبها وتوترت شفتيها وهي تقول بعند:
- أنا هادية هز جاسر رأسه وقال:

- كويس جدا، خلينا نتفق الولاد هيباتوا معاكي سبت وحد واتنين والتلات بعد الغدا هعدي أخدهم من عندك يقعدوا معايا تلات واربع وخميس والجمعة تعدي تاخديهم مني في النادي اتسعت عينا سالي وهي لا تصدق عرضه الذي ألقاه على مسامعها بكل بساطة وقالت لتتأكد:
- یعني هتسيبهم معايا نص الأسبوع؟!
هز جاسر رأسه ولكن ضاقت عيناه وهو يؤكد لها:
- مع شرط فكتفت سالي ذراعيها وقالت ساخرة:
- آه طبعا ما أنا قلت الموضوع لازم يكون فيه إن، اتفضل أشرط یا جاسر تجاهل جاسر سخريتها وقال بهدوء:
- مش عاوز ولادي يكون ليهم أي علاقة باللي اسمه کریم، لا يشوفهم ولا يخرج معاهم اتسعت عينا سالي قائلة برفض:
- ولما نتجوز إن شاء الله . . قاطعها مزمجرا:

- ولادي هيباتو معاكي في بيت جدهم یا سالي مش في بيت جوز أمهم هزت سالي رأسها وهي تقول بإدراك:
- يبقا الغرض من الإتفاق ده أني أفسخ خطوبتي وما اتجوزش کریم، ده اللي أنت عاوز توصله هز جاسر رأسه وقال نافيا وكأن أمر زواجها من آخر لا يعنيه:
- أنت حرة ياسالي دي حياتك وأنت حرة فيها، وده اللي عندي واللي أقدر أقدمه، اعقليها وشوفي هتتصرفي إزاي، الولاد ليهم حق علينا ومن حقي أن ولادي مايباتوش في بيت راجل غريب ولا يكون ليه أي علاقة بيهم وأظن إنه ده الطبيعي هبط الصغيران الدرج بمرح يتسابقان وارتسمت على ملامحهم البهجة فأبيهما وأمهما سيصطحبانهما للخارج في نزهة عائلية خاصة بهما وهذا ما صرحت به سلمي بكلماتها الطفولية:

- أخيرا هنخرج سوا كلنا مع بعض فهمس جاسر بالقرب من أذن سالي:
- لو عاوزاني أقولها أنه جالي شغل وتخرجي أنت معاهم لوحدكم براحتك بس أنا صعبان عليا أكسر فرحتها فهزت سالي رأسها نافية ومدت ذراعها لسلمي وقالت:
- مين هيركب معايا ومين هيركب مع بابا فقال سليم معترضا:

- مانركب كلنا سوا مع بابا شعرت سالي لكأنما تساق بمليء إراتها نحو فخ منسوج بعناية وتحت رعاية مباشرة وبتصميم موقع بلمسة من جاسر وأطفالهما ومع ذلك لم تستطيع الهرب والتملص فهي المذنبة، هي من يعرض عليها رعاية وحضانة مشتركة بينهما وهي من تدفع بآخر في معادلة بقائهما لتصبح مستحيلة.

ويبدو أن المعادلات المستحيلة أصبحت تسيطر على مزيدا من العلاقات فما سمعته منذ قليل بالصدفة البحتة جعل بقائها مرتبطة بتلك الزيجة لهو أمر من رابع المستحيلات بحق فالنمر يخطو خطواته المدروسة بالفعل إذ سمعته يخطط مع أبيها تفرقة الأبناء أبنائها الصغير برعاية الجد إذ أنه شديد التعلق بأمه والتعامل معه ومع متطلبات سنه الصغير أمر فائق الصعوبة والأوسط والأكبر سنا معهما إذ يستطيع التفاهم والسيطرة على طباعهما الهادئة ومتطلباتهما البسيطة بحكم سن المراهقة هكذا، بمنتهى البساطة معادلة تشملها هي وإثنان فقط من الأبناء والأخير الصغير منبوذ معادلة مستحيلة وببساطة طرحه لتلك المعادلة على مسامع الجد وموافقة الأخير عليها بالمقابل لم تجد حرجا ولا مانعا هي الأخرى بقذفه بأحط الصفات وأقذع الشتائم وهي تلقي بطوقه الذهبي بوجهه وتطرده خارج المنزل رغم أنه منزل أبيها بالأساس وبعد انصراف العقيد بأذيال الخيبة وزعقة أبيها وعلى غير العادة تصفيقا حارا من زوجة أبيها وتحية لها على موقفها الجريء منبعه الحقيقي أنها لم تكن لترحب برعاية صغير في عمره ولكن الظاهر أنه هذا ما تقوم به أم شجاعة بعمرها حملت صغيرها ودثرته جيدا وعادت لمنزلها الصغير الهاديء وفكرها يتقد بمعادلة أخرى لا زوج ولا عائل ولا وظيفة ولا سبيل للعودة وأيضا لا سبيل لطلب مساعدة من الأب معادلة أكثر تعقيدا والمزيد من التعقيد واجهته صباحا إذ استيقظت فزعة على صراخ الصغير بآلآم ضرسه مجددا فحملته بعدما تناول طعام الفطور بمشقة بالغة نحو المركز الطبي الذي قصده آنفا وانتظرت دورها طالعتها سالي بإبتسامة مرحبة والصغير اقتحم الغرفة وجلس سريعا على المقعد المخصص له قائلا:

- آآه الحقيني وشوفي ضرسي يا طنط أبوس إيدك لم تتمالكا الاثنتان نفسيهما وانفجرتا ضاحكتان واقتربت منه سالي وبحنان قالت وهي تداعبه تماما مثل سليم الصغير:
- وريني كده، آآه رجعت تزود في الحلويات وماغسلتش سنانك أشار لها الصغير برأسه مذعنا وهو يتألم:
- خلاص حرمت آآآخر مرة شرعت سالي في أداء عملها وهي تقول:

- مادخلتوش على طول ليه، يعني حتى لو کریم مش موجود دلوقت، حالة أيهم حالة طارئة وبعدين يعني إحنا عيش وملح يامدام درية اقتربت منها درية:
- على أساس يعني هناديكي مدام سالي ده إذا كان جاسر وبقوله... بترت درية عبارتها بحرج بالغ وعندها رفعت سالي رأسها لها وقالت لترفع عنها الحرج:
- ولا يهمك . الغلطة عندي أنا يا درية انتهت سالي من عملها بعد قليل وهي تملي على أيهم بضعة أوامر لعله يستجيب لها والتفتت لدرية وقالت:
- شدي عليه شوية، لو كل حلويات لازم يغسل سنانه في ساعتها وأشوفه كمان أسبوع نكمل شغلنا هزت درية رأسها وقالت:
- سمعت يا أيهم، أظن أنك حرمت بعد الوجع ده کله اصطحبتهما سالي نحو الخارج والتفتت لها درية وقالت:

- أنا مش عارفة أشكرك إزاي فابتسمت لها سالي متعجبة:
- على إيه ده شغلي وبعدين أنتوا بقيتوا وصاية جامدة دفعت درية صغيرها للعب في المنطقة المخصصة للأطفال والتفتت مرة أخرى لسالي قائلة بحرج شديد:
- ياريت مافيش داعي أنه دكتور كريم يعرف بزيارتنا، أنا وطارق فسخنا الخطوبة اتسعت عينا سالي وهتفت دون أن تشعر:
- معقول، ليه ؟
ضحكت درية وهزت رأسها بتهكم بالغ وقالت:
- عشان ولادي مش محل خیار یاسالي ماينفعش أختار بينهم وبين جوازي، دول هما عندي بالدنيا وما فيها تاهت أبصار سالي وهزت رأسها بإذعان وقالت بصوت متحشرج وتشبعت تفاصيل وجهها بالألم الدفين بأعماقها:

- فعلا معاك حق، إستحالة يكونوا إختيار، هما الواقع، الحقيقة الثابتة اللي لا يمكن تتغير ربتت درية على ذراعها وقالت دون حرج:
- يمكن جاسر مایستهالش منك فرصة تانية، لكن ولادك ياسالي أكيد يستاهلوا، راجعي نفسك مش تبقي وأبوهم عليهم دول أغلب من الغلب فرت دمعة من عيون سالي دون إرادة ودون أن تشعر فجذبتها درية لأحضانها وقالت:
- ربنا ينور بصيرتك

على السادة المسافرين على متن الطائرة رقم ( . . . ) التوجه لصالة القيام رقم ( . . . ) قام من جلسته التي طالت بعد تأخر إقلاع الطائرة لساعتين کاملتين كان غير منتبها بالمرة لتلك التي تراقبه بأعين لامعة تحت قدميها على التحرك نحوه وعقلها يأمرها بالانصراف فلقد اطمأنت عليه وكأنما شعر بتذبذب خطواتها والتقط إشارات قلبها المتعلق به فهتف بها سعيدا:
- آشري أنت هنا ؟
كانت قد استدارت وتابعت سيرها خوفا ولكن مع لمحة السعادة التي لونت صوته دق قلبها بشدة والتفتت نحوه مجبرة وبخطوات خجولة اقتربت منه وقالت دون أن ترفع أبصارها:
- جيت عشان اتطمن عليك ابتسم زیاد واقترب منها وقلبه يتراقص طربا:
- عرفت منين إني حاجز المعاد ده ؟
هزت رأسها واعترفت:

- دي الطيارة الوحيدة بالنهار والتانية بالليل متأخر وأنت كنت قايلي على يوم السفر، عملت اتصالاتي وعرفت إنك هتركب دي جذبها زياد نحوه ومسح بظهر كفه وجنتها بحنان بالغ وعيناه متعلقة بقسمات وجهها الجميلة كإسمها تماما وقال:
- لو تعرفي أنا كنت محتاج أشوفك أد إيه فأدمعت عيناها وقالت لائمة:
- طب وليه مش عاوزني أسافر معاك ؟
تنهد زیاد وقال بندم وأسف بالغ:

- عشان الخطوة دي بالذات لازم أعملها لوحدي زي ما سيبتك أيام وليالي لوحدك بتحاولي تصلحي حاجة مالكيش يد فيها تصاعد الصوت منبها للمرة الأخيرة بضرورة سرعة التحرك مقاطعا لحظتهما المشحونة فربت زیاد على كف آشري وقبله بدفء:
- إدعيلي وأنا هبقى أكلمك من هناك هزت آشري رأسها وهي تشير له مودعة:
- أوكيه مستنية منك تليفون وبعدما ابتعد عنها بخطوات هتف بها مرة أخرى بصوت مرتفع غير عابیء بالمتابعة الفضولية التي حصدها الاثنان جراء سؤاله العجيب:
- آشري . . . أبيض ولا أوف وايت ؟
التفتت له آشري متعجبة وقالت:


- إيه ؟
هو إيه ؟
فهتف ثانية متجاهلا سؤالها:
- أبيض ولا أوف وايت ؟
اتسعت إبتسامتها وتراقص قلبها طربا وقالت بعد تردد:
- أوف وايت فغمزها زیاد وقال مشاكسا:
- هجيبه أبيض فأدمعت عيناها وضحكت وأومأت له بموافقة واستقبلت قبلته التي أرسلها لها في الهواء ووضعت كفها على فمها بخجل شديد جراء نظرات الناس الموجهة لهما وتسارعت خطواتها نحو الخارج بعد أن غاب عن أنظارها.

حالة السعادة المحلقة بها منذ الظهيرة جعلتها شبه غائبة عما يجري حولها وغير واعية لحديث سالي الذي امتد لنصف ساعة من الوقت بمكتبها وهي تخبرها بخطوبتها لكريم وترددها الشديد في مشروعها للزواج منه حتى هتفت بها سالي:
- أنت مش معايا خالص یا آشري فارتفع حاجبي آشري وقالت مغمغمة باعتذار:
- سوري يا سالي بجد، كنت بتقولي إيه ؟
فرفعت لها سالي كفها الأيمن ليلمع خاتم الخطبة بخنصرها في وجه آشري التي أمسكت بقوة بكف سالي قائلة بسرور بالغ:
- رجعتي لجاسر ؟

! مبرووك ياسالي جذبت سالي كفها وقالت بغضب حانق:
- کریم مش جاسر اتسعت عينا آشري وقالت بغباء لم تصب بمثله يوما به:
کریم مین ؟
؟
. . . . ومع نظرة سالي المشتعلة وضعت آشري كفها على فمها ثم هتفت- آآه کریم، عرفته مش ده الدكتور صاحب المركز هزت سالي رأسها صامتة فتابعت آشري تساؤلاتها:
- طب ليه ؟
بتحبيه ؟
انزعجت سالي بشدة من ذلك السؤال وهتفت حانقة:

- لاء طبعا فتعجبت آشري بشدة وقالت مستنكرة:
- طب طالما مش بتحبيه هتجوزيه ليه ياسالي ؟
وضعت سالي رأسها بين كفيها بتعب وقالت بصدق دون أن تستطيع رفع رأسها ومواجهة اشري باعترافها الذي تعلنه بصوت عالي ربما للمرة الأولى:
- هوا طلب وأنا . . أنا مجروحة وقتها كان لسه جاسر متجوز اللي اسمها داليا دي لكن دلوقت اتطلقوا واللي فهمته من نعمات أنها أجهضت هزت آشري رأسها بعدم فهم وقالت بواقعیتها:

- إنت بتخلطي الأمور ببعضها ليه ياسالي ؟
تنهدت سالي بتعب وقالت:
- مش عارفة، أهو اللي حصل تغضنت ملامح آشري وارتسم عليها الضيق الشديد وقالت معنفة صديقتها التائهة:
- تاني ياسالي، تاني بتحطي نفسك في إيد اللي حواليكي، فين قرارك أنت، أنت صاحبة القرار ياسالي مش حد تاني، دي حياتك أنت مش حياتهم فقالت سالي بشعور حارق بالذنب:
- کریم صعبان عليا، کریم بیحبني بجد، صعب أجرحه ارتشفت آشري القليل من قهوتها المرة وقالت بتصميم قاس:
- دي مشكلته هوا مع مشاعره مش مشكلتك، والجرح الأصعب هيكون ساعة ماتتجوزيه وأنت بتفكري لسه في غيره انكرت سالي قولها رغم أنها تعلم بمدى صدق حديثها:

- أنا بفكر في ولادي وبس نظرت لها آشري وهزت رأسها نافية:
- لاء بتفكري فيه وإلا ماكونتیش جیبتي سيرته، وعلى فكره لا هو عيب ولا حرام، أنتوا ليكم تاريخ مع بعض فوضعت سالي كفها على جبهتها بتعب وقالت:
- طب أنت رأيك إيه ؟
هزت آشري رأسها رافضة أن تقودها نحو إختيار أو قرار:
- ماليش حق أن أكون صاحبة رأي باسالي وأنت عارفة كويس الصح فين

ماهو القرار الصحيح ؟
ليست بحاجة لمزيد من التفكير خاصة وهي تتسلل من المركز قبل ظهور کریم لتذهب للقصر لاصطحاب أطفالها في نزهة كما وعدتهم ومنذ بداية الأسبوع القادم سیمکثون معها لنصفه كما اتفقت مع جاسر ولكن ما لم تحسب حسبانه أن تجد الصغار برفقة أبيهم بحجرة المعيشة يلهون سويا بصخب وصوت ضحكاتهم قد دفع بالبسمة اللإرادية لثغرها صرخت سلمی مرحبة بأمها وتدافعت ساقيها نحوها وقالت مؤنبة- إتأخرت على فكرة يعني فحملتها سالي وقالت ضاحكة:
- یابكاشة قال يعني عارفة الوقت هزت سلمى رأسها معترفة:

- سلیم هوا اللي قال أنك جاية الساعة تلاتة وسألت بابا قال دلوقت بقت خمسة حث جاسر سليم لتوجه نحو أمه التي تلقفته بأحضانها مغمغمة باعتذار:
- معلش والله يا سليم كان عندي حالات كتير عشان كده أتأخرت فقال جاسر بمكر:
- ماتزعلش بقا ياسولم وبعدين أنا مش مكفيك يا أخي؟!
هز سلیم رأسه واندفع مجددا لأحضان أبيه فهو أصبح يستشعر الأمان بينهما أكثر من ظل أمه الغائب وداخله يعد نفسه لمزيد من الأعذار والغياب وتلاهي بآخر سواهما تلك المشاعر المعتملة بصدره أصبحت سالي تراها لكأنما كائن حي، وحش قبيح الشكل والهيئة يخبرها كم أضحت أما قاسية ينهش هناء ليلها ويؤرق مضجعها واقتحمت نعمات حديث القلوب وقالت بصوتها الجهوري:

- الغدا جاهز ياجاسر بیه فارتسمت على ملامح وجه سالي التوتر وقالت لسلمی:
- أنتوا ما اتغديتوش لحد دلوقت ؟
رد جاسر وهو يقترب منها حاملا سليم على كتفه:
- قلنا نستناكي ناكل سوا عزمت سالي الرفض ولكن مع تعلق أنظار أطفالها بها تحركت خطواتها مذعنة خلف جاسر الذي تحرك نحو الشرفة حيث أعدت نعمات طعام الغذاء وجلست للطاولة المستديرة والتي أعدت لها أربع مقاعد فقط فأصبحت على مقربة من جسده الفارع وأطفالهما أمامها قد شرعا بإلتهام الطعام من فرط جوعهما وبالمثل تناولت سالي معلقتها وشرعت بالأكل ليدخلا مسابقة الأسرع أكلا كما اعتادوا وفجأة قام جاسر تاركا طعامه الذي لم يقربه وتحرك نحو مشغل الإسطوانات لتنبعث منه تلك الموسيقى المميزة جدا لأسماعهما ومرة أخرى وربما كانت تنبعث من بين طيات الذكرى صوت فيروز الحالم بأغنيتها المتسائلة المتوحة لقلوب الجرحى " سألتك حبيبي لوين رايحين ؟

" فتركت سالي معلقتها ووضعتها وتوقفت عن الأكل كما توقفت الأرض عن الدوران وعادت بها لأرض الأقصر وذكرى تلك الفتاة المتخبطة بين أورقة العشق له عادت لتتلبسها فأخفضت رأسها وهي متشعبة بذكرياتها البعيدة تارة تشعر بالسعادة وأخرى بالخزي والألم وتراقصت الدموع بعيناها وتركت الطاولة هاربة نحو الداخل تحت أنظار الأطفال المتعجبة لحال أمهما الغريب وأتبعها جاسر نحو الداخل بعد أن أمرهم بلطف للانتهاء من طعامهما وقفت مكتفة الأيدي تدير له ظهرها تحاول إستجماع شتات نفسها وقالت عندما شعرت به يتقدم داخل حجرة المعيشة:

- هبقا أخدهم يوم السبت زي ما اتفقنا فقال بلطف:
- الجمعة هجيبهم لحد عندك فحملت حقيبتها واستعدت للرحيل واصطدمت قدميها بألبوم صور ملقى على الأرض فالتقطه واقترب منها وقال:
- کنا بنفر في الصور، فيه صور نسيت أمتي أخدناها حتى فتحت سالي الألبوم وتناقلت بحنين نحو صفحاته وتطلعت لصورة سلمى وهي برفقة سليم في أحد الصناديق المخصصة لجمع الألعاب فضحكت رغما عنها وقالت:
- كانت غاوية تستخبى هنا وسليم كل مرة كان يقفشها فضحك جاسر متفكها وقال:

- ولما لقيته كل مرة يمسكها بقت تروح ورا الستارة في مكتبي تستخبى مننا، ورجليها وساعات كلها كان بيبقا باين من وراها وتناقلت بين الصور جوعا للمزيد حتى توقفت عند صورة بملابس صيفيه بيتيه لها بلون كريمي تكشف الكثير من مفاتنها وهي تحمل سلمى التي لم يكن تجاوز عمرها أشهرا قليلة فمدت أناملها بسرعة لتسحبها بخجل وتوتر واضح وعزمت على تمزيقها فوزنها كان قد بدأ في الإزدياد، كما أن وجود مثل الصورة الفاضحة لها بحوزته أمرا باعثا على الحرج والضيق لكن أنامله كانت الأسبق إذ منعها برقة بالغة وهو يقول وعيناه لا تحيد عن وجهها المتورد:

- ولو مافيش صورة، فيه حاجات استحالة تنمحي من خيالي یاسالي واقترب منها وبصوته الأبح قال بحميمية بالغة:
- ذكريتنا وحياتنا سوا، يمكن ننسى من التلاهي بالحياة بس سهل جدا لما نستدعيها ترجع تاني كأننا بنعيشها لأول مرة فرفعت عيناها له وكانت تلك أعظم أخطائها إذ اشتعل جسدها برمادية عيناه التي لم تنضب، وتخضب وجهها باللون الفاضح واهتزت أوصالها وحبال صوتها إذ قالت هاربة:
- أنا هسلم على الولاد قبل ما أمشي      عيناها المتورمة ببكاء لايبدو له نهاية كانت أول ما استدعى إنتباهه بعد نبرة صوتها المرتجفة بالهاتف منذ قليل اتصل بها يبلغها بأمر ضروري يخص أجهزة التعقيم بالمركز وطلب منها الحضور إن كان باستطاعتها قال بلطف وهو يطالعها:
- مالك ياسالي ؟

هزت رأسها وهي تمنحه ضحكة كاذبة:
- ماليش أنا كويسة جدا، موضوع الكهربا ده هياخد وقت؟!
هز کریم رأسه وقال وهو يوليها ظهره مشيرا الأسلاك الكهرباء المعلقة بالأعلى:
- هیأجل الإفتتاح يومين تلاته لأنه هنغير شبكة الكهربا كلها أحسن بدال مانقابل مشاكل قدام مع الأجهزة اللي طلع فولتها عالي دي هزت رأسها وهي حرفيا لاتفقه شيئا وقالت:
- أعمل اللي تشوفه صح یاجاسر ولو استدار لم تكن لترى نظرة عيناه فحسب بل ملامح وجهه التي تغضنت بألمه القاس ومع ذلك تجاهل ماسمعته أذنيه وما مر على قلبه کسکین دام وقال:
- كمان الكهربائي هيغير شبكة التليفون فتسائلت بتعجب:

- والتليفون ماله ؟
نظر لها مليا وقد أدرك أنها لم تنتبه قط لزلة لسانها وقال:
- العامل خلط فيش الكهربا بالتليفون فاتحرقت سارت للخلف وهي تطالع المكان بإحباط شديد وهي تقول:
- هيا مالها قفلت من كل ناحية كده؟!
هز رأسه وقال وأنظاره مرتكزة على حركاتها التائهة:
- عادي بتحصل، مشاكل سطحية هتروح فهزت كتفيها وهي تستعد للرحيل متعبة:
- أوكيه يا جاسر حاجة تانية ؟
استوقفها بصوته الجريح:
- فيه أن أنا کریم مش جاسر ونبرة صوته کانت کالصفعة التي أعادتها مرة أخرى للحياة ولأرض الواقع وليس لأرض الذكريات التي تمتصها كعلقة شرهة فتوقفت عن الحركة بل تصلبت وارتجفت شفتيها وقالت وهي تلتفت لتقابله:

- أنا قلت جاسر؟!
فابتسم بسخرية مريرة واقترب منها قائلا:
- یعني لحد دلوقت بالظبط 3 مرات أو عشان أكون دقيق أكتر . . ماقولتيش اسمي ولا مرة فأخفضت رأسها وتساقطت دموعها رغما عنها وقالت دون أن تستطيع السيطرة على رجفة جسدها:
- أنا آسفة، آسفة بجد یاکریم فزم شفتيه وقضب جبينه قائلا:

- آسفه عشان غلطتي في اسمي ولا آسفه عشان خطوبتنا ککل یا سالي فرفعت عيناها الباكية وظلت صامتة حتى قالت بصوتها المتهدج- آسفة، أنت أكيد تستاهل أحسن مني وأنا زفت فهز رأسه نافيا وقال وهو يخلع دبلته الفضية ويضعها أمامها على الطاولة التي تفصل بينهما:
- ماتقوليش على نفسك كده، كل شيء نصيب ظلت تنظر له وعيناها لم تتوقف عن البكاء وشعور حارق بالذنب يخنق أنفاسها فخلعت الدبلة الذهبية هي الأخرى وهمت بخلع السلسلة هدية والده عن أمه الراحلة فمنعها قائلا بإبتسامة مبتورة:
- هتفضلي أنت العروسة اللي أتمنتها وهتفضل دائما من حقك.

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية