قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية عندما يعشق الرجل الجزء الثاني الفصل العاشر

عندما يعشق الرجل الجزء الثاني

رواية عندما يعشق الرجل الجزء الثاني الفصل العاشر

بعد تردد طويل استمر لساعات .. ويد عازمة سحبت نور إحدى القمصان التى لم تقترب منها يوما .. ولم تفكر حتى فى النظر إليها منذ ان دخلت إلى هذه الغرفة ..
جلست على طرف السرير ويداها تهتزان ربما بخوف وربما بتردد فهى لا تعلم ان كان ما ستقدم عليه هو الصواب ام لا ..
لقد اصبحت تتمنى وتريد قربه منها أكثر مما كانت تظن .. لقد أصبحت تتمنى قبلاته.. وتتمنى أكثر ان تكون زوجته فعلا .. وليس مجرد زواج على ورق ..

لقد تركها وقت طويل للغاية .. لتتعود على ما هو مقدر بينهما .. صبره لم تعتقد انها ستجدها فى أحد الرجال يوما .. تشعر بابتعاده ومحاولته المضنية حتى يبعد يديه عنها..
تنهدت نور وهى تتذكر مكالمات جدتها لها المستمرة .. التى احتلها بقدر كبير الحديث عن حازم .. فقد أصبحت تتحدث عنه ما ان تبدأ عمتها فى السؤال عنه وعن حاله ..
هو ليسا وسيما .. لكنه جذاب بتصرفاته وببروده .. وحتى بكلماته المقتضبة التى تخرج وكأن هناك شخصا يقوم بسحبها من دون إرادته من فمه ..
ضحكت بقوة من أفكارها .. فهى فى الفترة التى قاضتها معه علمت .. انه شخص قليل الكلام .. لا يتحدث إلا عندما يكون الكلام فى موضعه او ان وجهت له سوالا حينها يجيب بكلمات قلائل لكن غير هذا هو لا يتحدث ..

عضت على شفتاها .. وهى تتذكر قبلاته القليلة للغاية .. التى كان يطبعها على شفتيها .. ثم يتركها بعد ان يمنيها بأكثر من هذا ..
و بخطوات عازمة .. بدأت فى خلع ثوبها الذى كانت ترتديه منذ ان ذهبت إلى اروى صباحا حتى الآن .. وتوجهت نحو الحمام ..
و غاصت بجسدها فى الماء الدافئ الملى بفقاعات الصابون .. ورائحتة العطرة تملى المكان ..
خرجت من الحمام ووقفت أمام المرآة.. تنظر إلى انعكاس صورتها بها بسعادة وهى ترتدى ذلك القميص الذى سحبته منذ دقائق .. قميص أزرق.. فهى تعشق الأزرق .. ذو حمالات رفيعة وطويل .. غطى جسدها باغراء ..

وقفت بجوار النافذة تراقب النجوم وتحدثها بخفوت .. تخبرها ان تتمنى لها ليلة جميلة دافئة ..
اجفلت فى مكانها ما ان فتح الباب.. لكن سرعان ما رفرف قلبها بسعادة .. ما ان رأته واقفا بجوار الباب ..
التمعت عيناها بخجل وهى ترى نظراته المندهشة وعيناه التى تحدق بها وكأنه لم يرى يوما أمامه امرأة ..
كسى وجهها حمرة الخجل .. لكنها بشجاعة لم تعهدها فى نفسها .. وجدت قدميها تقربها منه .. غير ابهة لما يدعى خجلا ..
فهو أخبرها انه سينتظرها حتى تكون مستعدة ..
ظل يحدق بها باندهاش وصدره يعلو وينخفض من مشاعره التى اجتاحته .. وعقله يذهب به لأفكار و خيالات هو نفسه حاول قبعها بشق الأنفس وعدم الغوص أكثر بها منذ أشهر ..
لطالما حلم بأن يقربها منه .. وهو تهمس بحبه .. فهو لا يريد مجرد إعجاب منها .. بل يريد عشقا يوازى عشقه لها ..
ما ان وقفت أمامه .. حتى أمسك بذراعيها .. قربها منه ثم وضع يد خلف رأسها وأخرى أمسك بها رسغها وهو يمرر أصابعه عليها مرسلا موجة من المشاعر إلى جسدها .. نظر إلى عيناها الرمادية التى أصبحت تلمع وكأنه نجم صغير يضئ فى الظلام ..

راقب اهدابها التى تتحرك بخجل و ابتسامتها التى زينت وجهها بافتتان وعشق ..
ما كادت أن تفتح فمها لتتكلم .. حتى اسكتها بقبلته التى كبحها لزمن .. وهو يقرب رأسها منه أكثر .. وجسدها يكاد يدفنه فى جسده ..
ويداه تعبثان بلهفة فى شعرها ..
ابتعد منها طالبا للهواء وهو ينظر اليها بتمعن ويراقب شفتاها التى تهتزان من مشاعرها ..
يريد الاقتراب لكنه خائف. . من أفكاره التى ترسله إلى ما قاله مازن له سابقا .. تجعله يشعر بالالم ما ان يفكر من انه من الممكن إلا يكون أول رجل بالنسبة لها مثلما هى أول امرأة فى حياته وقلبه ..
أول امرأة تخرج قلبه من سباته حتى شعر انه لن يدق لامرأة يوما ..
ابتعد عنها فنظرت له باندهاش وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعرها
بنبرة حاول جعلها جادة قال

" نور .. انا لا اريد لحظة مؤقتة او مشاعر هوجاء بيننا .. انا لا اريد جسد بقدر ما اريد قلب و عقل وروح .. انا لا اريد مجرد افتتان للحظات .. اعلمى انك ما ان تقتربى .. انا لن أسمح لك حتى مجرد التفكير بالابتعاد .. فأنا لن اعطى فقط .. بل سآخذ أكثر مما تعتقدين .. حبى متملك لأبعد ما تظنين .. انا لا اريد لحظات ستدفىء كل منا .. انا اريد الأبد .. اريد امرأة تساندنى "
فتحت نور فمها ببلاهة وهى تستمع لكلماته وهو يعترف بأنه يحبها ..
نظرت إليه وهو يقول بكلمات مختنقة
" لقد صبرت أكثر مما ينبغى ان أصبر .. لكن هذا لا يهمنى .. انا اريد امرأة تكون معى بكل كيانها .. امرأة لن أسمح لها يوما بالابتعاد ..
ضاقت عيناه متابعا بنبرة هادءة منخفضة
" لا اريد اخافتك. . ولكنى اريد أن تفكرى بكل خطوة تقدمين عليها فأنا لن أسمح لك بعدها بالتراجع .. لقد صبرت ومستعد ان أصبر ..
اقترب منها متابعا وهو يبعد باصابعه خصلات شعرها الناعمة التى سقطت على وجهها
" اريد أن تفكرى .. وأنا سأنتظر .. لكن لا تختبرى صبرى طويلا .. "
قال كلماته ثم تركها متوجها نحو الحمام ..

تراجعت بجسدها للخلف حتى جلست بانكسار على السرير .. لا تفهم ما قاله .. هل هو هكذا يريدها ام يرفضها ...
وقف تحت الدش و رذاذ الماء البارد يغطى جسده .. محاولا إطفاء النار التى اشتعلت بجسده من اقترابه منها .. ضرب بقبضته على الجدار .. وهو يسب ويلعن ..
ما كان يجب ان يبعدها عنه هكذا .. ما كان يجب ان يقول تلك التفاهات لقد أتت إليك بنفسها ..
لكنه هذه هى المشكلة انها أتت بنفسها .. وهذا ما يجعله يجن .. ويفكر هل اقترب منها مازن .. كم عدد المرات .. وكيف .. ومتى حدث .. أفكار سوداء عصفت بعقله .. تمنعه العيش بهناء. . والاستمتاع بحبها ..
لكنه القى الكرة إليها الآن .. وغدا سيعلم ان كانت ستعيدها ام لا .. غدا سيعلم بكل شئ .. فقط لينتظر حتى غد أما ان تكون له للأبد .. أما لن تكون له ابدا ..
خرج من الحمام ..نظر إليها وهى ترقد على السرير و تستر جسدها بروب يماثل لون القميص الذى كانت ترتديه له منذ لحظات غطى جسدها بأكمله .. وعيناها مفتوحتان وتنظر إليه بصمت ..
جلس على طرف السرير وقال بهدوء
" أريدك أن تستعدى غدا .. لأننا سنذهب إلى حفلة مهمة ..
قالها وهو يعطيها ظهره .. ثم فرد ظهره قائلا بهدوء
" تصبحين على خير "
قالها وهى لم ترد عليه .. بل صمتت وعيناها مفتوحتان بعد ان تعرضت لصدمة افقدتها النطق ...

نظرت إليه من بين جفونها وهو جالسا على الكرسى قبالتها ينظر اليها بفخر وسعادة .. منذ اليوم الذى عرف فيه مكانها وهو ياتى إليها .. يقضى معها اليوم بأكمله ثم يتركها ما ان يتتبعها بسيارته حتى تصل إلى منزلها ..
زفرت دينا بملل .. وهى تضرب بفرشاتها بقوة على اللوحة التى أمامها .. التى لم تعد تعرف ما هى معالمها او الفكرة التى جاءت بخاطرها وهى ترسمها ..
"لقد أنجب سيف صبى وسماه سليم .. وقد حضرت الاحتفال بحضور طفله ليلة أمس "
هتف بها أسامة بهدوء وهو يراقب ردة فعلها بترقب شديد ..
بلعت ريقها .. و جسدها قد تصلب بشدة .. وفقدت القدرة على الكلام لثوانى ..
لكنها قالت بقوة حاولت تمثيلها وسعادة لم تصل لعيناها
" فليبارك له الله فى طفله "
وحاولت توجيهه انتباهها مرة أخرى للوحة التى أمامها .. وهى تتساءل فى نفسها .. هل سبب ردة فعلها هذه ودهشتها؟ .. هو عدم معرفتها لأى شئ يخص سيف منذ أن تزوج .. ام لأنها شعرت بأن عمرها ينجلى شيئا فشيئا أمامها .. بعد ان كانت فى فترة ما تفكر بسيف أبا لأطفالها وحاميا لاسرتها .. أصبح الآن يمتلك أسرة .. بل وأصبح أبا ..
تشدق فمها بابتسامة حزينة .. ترثا به نفسها
اجفلت ما ان وقف اسامة خلفها هامسا بتساؤل
" وماذا عنا متى سنكون سعداء ؟؟!!"
هذا السؤال نفسه الذى كادت أن تسأله لنفسها ..
ردت بجدية وهى تضع فرشاتها جانبا وتخلع المءز ..
"ومن قال لك إننى لست سعيدة !!.. بل انا أكثر من سعيدة .. وسأكون أكثر سعادة عندما تتزوج انت أيضا وأرى أبناءك "
استدارت بجسدها وهى تلعن نفسها بخفوت عن التفاهات التى خرجت من بين شفتيها .. وهل هى ستكون حقا سعيدة عندما تراه مع امرأة غيرها ؟.. تبا .. حينها ستكون الضربة القاضية بالنسبة لها .. و حينها لن تستطيع الشفاء منها ابدا ..
اصتك باسنانه بشدة وهو يشعر بكلماتها التى تحاول ان تنحيه بعيدا عنها .. لكنها تحلم .. فهو سيتزوج وينجب.. ولن تكون من غيرها
" بالطبع أعلم انك ستكونى سعيدة .. لكن كيف أتزوج وصديقتي لم تتزوج بعد؟.. فالسيدات أولا "
قالها مبكر من بين أسنانه ..
رفعت إحدى حاحبيها وردت بابتسامة وازدراء
" ومن قال لك إننى ساتزوح!؟.. انا أفضل العيش هكذا "
رفع هو الآخر حاجبه قائلا بنصف ابتسامة
" حقا .. ولكن لماذا هل قررتى ان تصبحى راهبة؟!. . وتعتزلى الحياة ام ماذا ؟؟"
ردت بخفوت
" شيئا من هذا "
راقب بأعين متململة ابتعادها عنه .. ثم عودتها واقترابها منه و قد ابدلت ملابسها بغيرها أنيقة .. وكعادتها لم تخلو ألوان ملابسها من اللون الأصفر ..
أبتسم بخفوت وهى تتناول مفاتيح معرضها الصغير تدعوه بلباقة ان يخرج خلفها حتى تغلق المعرض قبل ذهابها ..
تصلبت دينا فى مكانها مما رأته أمامها وقد احمر وجهها غضبا ما ان التفتت ورائها ورأت ابتسامته المتلاعبة
قائلا بابتسامة تكاد تصل لأذنيه وبنبرة لبقة للغاية
"هل تحتاجين إلى التوصيل؟؟! "
رفعت حاجبها بغضب مكتوم وقالت من بين أسنانها
" يا محاسن الصدف سيد أسامة "
ضحك بقوة حتى كاد أن يتراجع بجسده للخلف من شدة ضحكته ..
" عندك حق .. دائما ما تكون الصدف إلى جانبى ..
صمت ثم قال بهدوء ..
" ألا تحتاجين إلى التوصيل .. فكما يقولون الصديق وقت الضيق .. او وقت نوم عجلات السيارة "
فتح لها باب السيارة قائلا بلهجة رسمية
" تفضلى انستى "
صعدت إلى السيارة .. ثم التفت هو الآخر جالسا على مقعد السائق ..
وعلى وجهه ابتسامة المنتصر
" أليس غريبا .. أن تنام أربع عجلات السيارة فى وقت واحد "
سعل وهو يحاول أن يجلى حنجرته قائلا بتركيز
" انه يحدث كثيرا .. لا تقلقى "
التفتت إليها قائلة بحدة
" أسامة .. هل أنت وراء هذا "
" انا !!!!!.. قالها بدهشة .. ثم تمتم باضطراب
" ولماذا ؟؟!!.. أفعل هذا!! .. ما هى مصلحتى من فعل هذا بالعجلات المسكينة "
قالها باسف ثم تابع بحزن
" حقا انك تظلمنى .. "
" هل تعتقد هذا ؟!"
سألته بتركيز
" انا متأكد .. انستى "
رد بتأكيد ..
فتح لها باب السيارة .. ما ان وصلا أمام البناية القديمة ..
قائلا وهو يلوح لها
"إلى اللقاء انستى .. أتمنى أن تكون رحلة التوصيل قد أعجبتك ..
ثو تابع غامزا
وأن تتصلى بنا دائما "
ابتسمت بخفوت من تصرفاته الطفولية ..
صعدت درجات السلم و على وجهها ابتسامة تعبر عن سعادتها ..
شهقت دينا بقوة و تراجعت بجسدها خطوة للخلف ولولا انها توازن بجسدها .. لكانت سقطت على السلالم .. ما ان رأت جارها الوقح أمامها .. الذى كان يحاول الايام الفائتة ان يضايقها بشتى الطرق ..
" و تمثلين على انا فقط .. انك عفيفة .. بينما يقوم بتوصيلك الرجال .. "
كشفت عن انيابها وهى تقول غاضبة
" تادب أيها الرجل وأنت تتحدث .. واعرف جيدا مع من تتحدث "
شخر الرجل بقوة .. مما جعلها تشمءز منه .. قاءلا
بلهجة ساخرة
" انا من اتادب. . وماذا عنك؟؟ .. يا حلوة .. "
حاول الاقتراب منها وما أن خطى خطوة حتى قامت بضربه على رأسه بالحقيبة التى كانت بين يديها
قائلة باحتقار
" رجل وقح"
.. ثم أسرعت متوجهة نحو شقتها لتحتمى بها
تهاوت بجسدها على أرضية الغرفة الباردة .. تفكر بما يحدث لها .. هل تقبل بعرض أسامة الغير مباشر للزواج به .. وحينها ستكون هى بأمان من أمثاله .. ام تتمسك بكبرياءها أكثر وتظل هكذا .. وحيدة .. وفريسة لرجال أمثال جارها .. يعتدون عليها بالألفاظ والأفعال ..

 

تركت جسدها يستقبل رذاذ الماء البارد .. لعله يهدأ قليلا من أفكارها التى تدفع بتعقلها جانبا .. أغلقت صنبور الماء البارد ..
ثم لفت جسدها الغض بمنشفة كبيرة .. ضغطت على زر الضوء البارد .. حتى مقبض الباب أصبح باردا .. كل شئ فى حياتها أصبح باردا كالسقيع ..
و شقتها الصغيرة .. تشعر وكأنها منزل قديم قد غادره ساكنيه منذ زمن .. شقة صغيرة تحتاج إلى أنفاس دافئة تنشر بين ارجاءها الحرارة والدف..
سحبت بيد باردة إحدى قمصانها القطنية التى تساعد على إراحة جسدها .. من يوم لم يكن مليئا بالأعمال ولكنه كان ممتلئ بالأفكار التى عصفت براحتها طوال اليوم .. بداية من التصاق أسامة بها كالغراء.. نهاية بجارها اللزج الذى لا يكف عن ازعاجها او التقرب منها ..
جلست بجسد واهن على الكرسى .. احتضنت قدميها بذراعيها .. واستندت بذقنها على ركبتيها .. للحظات كانت عيناها تنظران إلى أرجاء الشقة المظلمة .. وعيناها ملئ بالدموع .. لطالما كرهت دينا الاختلاء بنفسها .. لكن مع الوقت تبين لها أن نفسها هو الشئ الوحيد الباقى معها ...
كرهت الجلوس هكذا .. والسماح لعقلها وقلبها بأن يكونا منفردان بها .. لانه حينها ستبدأ معركة بينهما ..
لن تتركها إلا مستذفة القوة .. وأيضا باكية ووحيدة ..
هل جربت يوما ان تختلى بنفسك .. وحدك معها .. تتخبط الأفكار والمشاعر براسك ..
ينتهى الأمر بك فى مواجهة حائط يمنعك الخروج ..
يقيدك مكانك بقيود محكمة .. لا أنت قادر على التقدم ولا قادر على الرجوع ..
وحدك تستطيع البكاء.. الصراخ .. وحتى تستطيع ان تكون مجنونا فى أفكارك ..
عقلها سيحثها على الرفض .. والبقاء وحيدة .. وعدم الاستسلام لمصيرها..
سيخبرها .. بأنه قد تركها سابقا .. ما الذى سيجعلها تضمن انه لن يفعلها مرة أخرى ان عادت له .. إن رضيت بالزواج .. وبعدها يتركها ..حينها هى من ستخسر وتتالم ..
وهل حقا هو قد عاد من أجل الحب!! ..
بينما قلبها سيصرخ بها هاتفا ..
استيقظى قبل ان يضيع عمرك هباء !..
وهى بين هذا وذاك .. تنزف ألما .. كعصفور جريح .. سقط على أرض جرداء .. لا وجد من يضمد جراحه .. ولا وجد من يقتله ليريحه من آلامه ..
اعتدلت فى جلستها .. ثم دنت بخطوات وءيدة نحو الشرفة ... فتحتها على مصرعيها
فهى بحاجة للهروب من عقلها وقلبها فى هذا الوقت بالذات .. لن تسمح لنفسها بالاختلاء بها .. حتى تقتلها ببط
لذلك ستفضل الوقوف قرب نافذتها ومراقبة الأطفال وهم يلعبون الكرة كعادتهم فى هذا الوقت رغم أنها لم تعد تشاهد مبارياتهم كالسابق .. ولكنها الآن ستشاهد بشوق .. صراع الطفلين الدائم .. الذى ينتهى بانسحاب محمود وحزن البطل الصغير الآخر .. لعدم اكتمال سعادته بانسحاب صديقه ..
ولكنهم رغم كل هذا يجتمعون مرة أخرى .. وكأن البارحة لم يكن هناك خلافات بينهم ..
خرجت من أفكارها و راقبت مبارتهم بابتسامة عذبة .. تنسيها أفكارها المؤلمة ..
اتسعت عيناها ذهولا و شهقت بضعف واصابعها على فمها .. وهى ترى أسامة بين الأطفال يمرر لهم ويمررون له الكرة .. وعلى وجهه ابتسامة واسعة ..
حتى انه رفع يده علامة الانتصار لإحدى الأطفال .. وكانها إشارة بينهم تدل على شئ ما ..
لوت فمها بتعجب .. لثوانى كانت ستغلق النافذة .. لكنها تغاضت عن ذلك وفضلت الوقوف والاستمتاع برؤية أسامة يهزم من مجموعة اطفال صغار خاصة عندما استطاع أحد الأطفال أخذ الكرة من بين قدميه بسهولة وتعثراته المستمرة بينهم التى تعبر عن بلادته وقدراته الضعيفة فى لعب الكرة .. ربما إبن الأحياء الراقية .. لا يعرف كيف يتعامل مع كرة مهترة فى شارع ضيق .. فامثاله يلعبون فى أرقى الأندية والملاعب ..
راقبت بترقب شديد وانتباه .. عندما رأت الكرة تنتقل بين أقدام الصغار بسرعة ومهارة كبيرة .. وأخيرا قد وصلت إلى أسامة الذى كان ماءلا قليلا بجسده للأمام .. يرتدى بذلته الأنيقة لكنه تخلى عن السترة .. و قميصه الأبيض ملطخ ببقع الطين وعفرات التراب ...
فتحت فمها ذهولا و شهقت بقوة ما ان رأت سقوط أسامة المخجل بين الأطفال .. وبدلا من ان يساعده أيا منهم بداو فى الضحك من سقوطه المفاجئ و وقوعه على وجهه ..
ما ان لمحت خيط الدماء الرفيع النازف من فمه .. حتى ركضت نحو الباب .. خرجت من الشقة من دون ان تغلق حتى بابها .. ونزلت درجات السلم بسرعة .. حتى خرجت من البناية القديمة
وركضت بلهفة نحوه .. وهى تحاول رفع وجهه إليها لترى مكان النزيف ..
قائلة بقلق ولهفة و عيناها ملئ بالدموع ..
" أسامة .. هل أنت بخير ؟!.. هل أصيبت رأسك؟ .. هل تتألم ؟.. هل تاذت قدميك؟ ..هل ؟؟.."
أبتسم للهفتها .. لكنها سرعان ما وضع يده على رأسه .. وهو يتاوه من الألم حتى كاد أن يصرخ ليؤكد على كذبته .. رغم انه لا يشعر باى شئ .. فقط شفتاه من الداخل التى اصطدمت باسنانه عندما ارتطم بالأرض .. وانفه التى يشعر بأن عظامها كادت أن تكسر لو وقع بقوة دفع أكبر على الأرض ..
تابعت بحزن وهى تؤنبه بنبرة رقيقة قلقة
" يا الله .. لماذا تلعب الكرة؟؟ .. انظر لقد تاذيت "
" لا تقلقى عليه .. انه بخير ..انظرى انه كالثور أمامك الآن "
قالها أحد الأطفال .. بينما رد عليه الآخر
" أقسم لو كانت والدته و راته هكذا مصاب .. لما قلقت عليه .. وكأنه طفل صغير "
فرد ثالث ..
" لو ذهبت إلى والدتى و راتنى انزف هكذا .. لكانت قامت بضربى برمية مرتدة من فردة حذاءها.. و ساتلقى عدد من السباب والشتاءم ومعها كرتى ومن يلعب الكرة .. "
ظلا كلا من دينا وأسامة متصلبان ..ينظران إلى الأطفال ببلاهة وهما يستمعان لحوارهم وطريقتهم فى الكلام ..
" بالتأكيد هى حبيبته لذلك هى ركضت بلهفة إليه بقميص نومها "
قالها طفلا آخر وهو ينظر اليها بإعجاب .. ثم تابع
"انها كالصاروخ "
انتبه أسامة إلى كلام الطفل فادار رأسه نحو ما ينظرون إليه جميعا .. فاصتك على أسنانه .. وكتم لعنة كادت تخرج من بين شفتيه .. وهو يراها تقف قبالته .. بقميص نوم ابيض ذو حمالات عريضة وقصير .. قصير للغاية .. يظهر أكثر مما يخفى ..
أمسك اصابع يديها بين يده وهو يضغط عليها بغضب هاتفا بنبرة حادة
" ما هذا الذى ترتدينه ؟.. كيف تخرجين هكذا ؟.. "
اجفلت من نبرته و بنبرة ضعيفة دافعت
" لقد كنت تنزف .. ونسيت .. "
قاطعها بحدة
" حتى وإن .. ما كان يجب عليك أن تخرجى هكذا .. حتى لو رايتنى ميتا أمامك .. ارتدى شيئا وبعد ذلك اخرجى "
التمعت عيناها بالدموع .. والمتها غصة فى حلقها .. وهى تستمع لتانيبه .. وماذا أمام الأطفال بالاضافة الى تجمع بعض سكان الحى حولهم ..
اخفضت اهدابها إلى أسفل .. ولكنها سرعان ما رفعتهما.. ولم تستطع منع فمها من الابتسام .. ما ان استمعت لتانيب أسامة لأحد الأطفال
" وأنت أيها الصغير .. ما هى هذه الصاروخ التى تفوهت بها !!.. تادب واحترم من هم أكبر منك عمرا .. "
تابع كلامه وهو يضربه على مؤخرة رأسه باطراف أصابعه ..
" أيها المفعوص الصغير لو كنا تزوجنا منذ زمن لكنت أنجبت من هو فى مثل عمرك "
لوى الطفل فمه بامتعاض .. وقال بتذمر ودفاع خفى " وهل تعتقد..انها كلمة او صفة سيئة.. "
فتابع ما ان لمح قسمات وجه أسامة التى لانت قليلا رغم عبوسه
" صاروخ .. تعنى غاية فى الجمال .."
ابتسمت دينا بتلقائية على كلمة الصبى .. فوجه إليها أسامة نظرة حازمة و حادة .. جعلتها تعود الى عبوسها.. وركضت نحو باب البناية بصمت ..

الفصل التالي
جميع الفصول
أجزاء الرواية
قصص و روايات لنفس الكاتب/ة
الآراء والتعليقات على الرواية