قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي الفصل العاشر

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي بجميع فصولها

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي الفصل العاشر

بدأ السباق وكالعادة كان شريف في المقدمة وخلفه مباشرة كلاً من معتز ومروان الذي كان سيلحق به ولكنه لم يستطع بسبب سرعة جواد شريف.
شعر شريف بالذهول عندما بدأ جواده بالترنح وفقد السيطرة عليه في خلال ثوان معدودة... حاول بقوة أن يتشبث بعنق الحصان ولكنه فشل وانتهى به الأمر في النهاية ملقى أرضا لا يشعر بأي شيء حوله بعدما أطاح به الجواد وأسقطه بقوة.

صرخت جهاد بهلع عندما رأت ما حدث لزوجها وأوقف معتز جواده وترك السباق وهرع بسرعة نحو شقيقه وشعر بالذعر عندما رأى الدماء التي سالت من رأس شريف.
اقترب مروان من معتز وساعده في حمل شريف ووضعه في السيارة وشرعوا في الذهاب إلى أقرب مستشفى لأن حالته قد تسوء وتتدهور إذا مكثوا في أماكنهم وانتظروا قدوم سيارة الإسعاف.

كانت جهاد تنتحب بقوة وهي تملس على رأس زوجها وصرخت بمعتز وطلبت منه أن يسرع... أخرجت من حقيبتها منديلاً ووضعته على موضع النزيف حتى توقفه.
وصل معتز إلى المستشفى وخلفه مروان بسيارته وكان في انتظارهما "كارم" صديق معتز الذي هاتفه وطلب منه أن يجهز غرفة العمليات لاستقبال شقيقه وهرع الممرضون نحو معتز ووضعوا شريف على سرير متحرك وأخذوه بسرعة.

مر ساعتين قبل أن يخرج كارم من غرفة العمليات وهو يتصبب عرقا... ركض معتز نحوه بسرعة وسأله بلهفة:
-"أخباره إيه دلوقتي؟"
تنهد كارم وهو يجيب:
-"الحمد لله هو كويس... احنا قدرنا نسيطر على النزيف واتعاملنا مع الكسور والكدمات".

تنفست جهاد الصعداء وحمدت ربها أن زوجها أصبح بخير... كان طارق يتابع ما يحدث أمامه ببرود وعدم اكتراث وتمنى لو مات شريف فهو يكرهه بشدة لأسباب كثيرة أهمها هو تلك المرأة التي تجلس أمامه وتبكي وتدعو من أجل زوجها.
شريف أيضا لا يحب طارق ولا يتحدث معه مطلقا بسبب ما فعله بشقيقاته في الماضي وقد نصح معتز كثيرا بأن يبتعد عنه ويقطع علاقته به.

كانت لين تقف في زاوية بعيدة عنهم وهي تبكي وتشعر بالندم لأنها السبب الرئيسي في كل ما حدث... رمقت طارق بغضب لأنه هو من استفزها وجعلها تقدم على هذا الفعل الإجرامي.
تنهدت واستغفرت ربها في سرها ودعت الله أن تتحسن حالة شريف بسرعة وأن يستعيد عافيته فهو شخص جيد ولا يستحق ما حدث له.

دلف سيف إلى النادي وأخذ يبحث عن زوجته وهو يتوعد لها فهذه المرة قد تخطت حدودها وسرقت دراجته، استند بمرفقيه على الجدار وهو يلهث فقد مضى عشرون دقيقة على مجيئه ولم يعثر عليها حتى الآن... أخرج هاتفه من سترته واتصل بها مرة أخرى ولكنه وجد أن هاتفها مغلق... زفر أنفاسه بغضب وتمتم بتوعد:
-"ماشي يا لين بس أما أشوفك... صدقيني هتشوفي مني وش عمرك ما شوفتيه".

قطب جبينه باستغراب عندما رأى تجمع عدد من الرجال بالقرب من الاسطبل واستجاب لصوت عقله الذي حثه على الذهاب إلى هناك ليعرف ماذا يحدث.
دلف إلى الاسطبل وتجول به وكاد يخرج ولكنه توقف والتفت مرة أخرى وسار إلى حيث توجد تلك الورقة المطوية... أمسك الورقة ونظر لها بتمعن فهي تشبه غلاف الشوكولاتة التي أرسلتها "مادلين" صديقة لين لها منذ يومين... كور الورقة في يده وخرج وكاد يغادر ولكنه تسمر في مكانه وشعر بالصدمة عندما استمع إلى أحد العمال وهو يهتف:
-"الدكتور بيقول أن الحصان أكل حاجة تهيجه زي الشوكولاتة كده".

هتف زميله بأسف:
-"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم... الأستاذ شريف طول عمره راجل محترم وكويس مع الكل وميستاهلش اللي حصله... ربنا يشفيه ويعافيه ويقومه بالسلامة".
استمر العمال في التحدث وسمع سيف كل تفوهوا به ليتمتم بصدمة وعدم تصديق:
-"معقول تكون لين هي اللي عملت كده؟!".

حك رأسه وهو يسترسل:
-"بس إيه اللي هتستفاده لما تأذي أخو معتز؟ أنا صحيح معرفوش ولا اتعاملت معاه قبل كده بس محدش جاب في سيرته قدامي غير وهو بيمدح فيه".
زفر بحنق وغادر النادي واستقل السيارة وتوجه إلى المستشفى التي عرف عنوانها عندما سئل العمال عنها... أوقف السيارة بالقرب من المستشفى وتوجه نحوها بعدما عقد العزم على استخراج أجوبة أسئلته من لين ويعلم لماذا أذت شريف بهذه الطريقة البشعة؟

عادت علا إلى المنزل بعدما أصر عليها مروان وأخبرت والدتها بكل ما حدث لتهتف بحزن:
-"ربنا يقومه بالسلامة... فعلا زي ما بيقولوا المؤمن ربنا بيبتليه دايما وبإذن الله ربنا هيخرجه من الأزمة دي بخير زي ما نجاه زمان من السرطان".
أومأت علا برأسها وهي تهتف بثقة:
-"عندك حق يا ماما".

كانت تسير في رواق المستشفى وهي تشعر بالذنب والحزن بسبب ما فعلته... أزاحت دموعها وهي تتمتم بقهر:
-"أنا مش فاهمة هو ليه دائما بيفلت من انتقامي؟ ده حرمني من كل حاجة وحرق قلبي على أمي".
انحدرت دموعها كالشلالات على وجهها وهي تتذكر اليوم الذي استعادت به صوتها وأخبرت الجميع بأن طارق هو من قتل والدتها.
عادت بذاكرتها إلى يوم الجلسة الذي حسم فيه الأمر وانتهى كل شيء.

-"وكما ترى أمامك يا سيدي القاضي فإن ابنة المجني عليها تعاني من اضطرابات نفسية تؤثر على سلامة قواها العقلية".
قالها محامي الدفاع الذي يترافع عن طارق وهو ينظر إلى لين بشماتة... أمسك القاضي التقارير الطبية الخاصة بالين و نظر لها بتمعن وتأكد من صحة ما قاله المحامي... حصل طارق في نهاية المطاف على البراءة بعد صراع استمر لعدة أشهر بينه وبين لين في المحكمة.

شهقت لين بذعر عندما شعرت بقبضة قوية تسحبها بعنف من ذراعها... تأوهت بقوة عندما دفعها سيف واصطدم كتفها بالحائط... هدرت بغضب وهي تتحسس موضع الألم:
-"ممكن أفهم إيه التخلف بتاعك ده؟!"
أخرج ورقة غلاف الشوكولاتة من سترته وهتف بحدة وهو يمررها أمام ناظريها:
-"ممكن أفهم أنا دي كانت بتعمل إيه في الاسطبل؟".

انعقد لسانها ولم تستطع الرد فهي لا يمكنها أن تكذب أمامه لأنه رأى الشوكولاتة من قبل ويعلم أنها هدية أرسلتها لها صديقتها الفرنسية قبل يومين.
ضغط بقوة على ذراعها جعلتها تتألم ولكنه لم يكترث وتحدث بعصبية شديدة:
-"نفسي أفهم إيه التخلف بتاعك ده؟! أخو معتز عمل فيكِ إيه عشان تحاولي تقتليه؟".

إلى هنا ولم تستطع كبح دموعها وكتم شهقاتها... نظر إليها وهي تبكي وزفر بضيق:
-"أنا عارف كويس أنك مكانش قصدك تأذي شريف وأن هدفك من الأول كان طارق".
رمقته بذهول ودهشة وهي تتساءل بداخلها كيف علم بهذا الأمر؟!
هل أصبح زوجها المصون لديه القدرة على قراءة أفكار الآخرين؟

صحيح أنه يعيش معها منذ بضعة أشهر وأصبح يفهمها ويحفظ طباعها عن ظهر قلب ولكن هذا لا يعني أن يعرف بكل شيء تفكر به.
سخرت من نفسها ومن تلك الأفكار السخيفة التي راودتها لوهلة ولكنها لا تفهم كيف كشف أمرها بتلك السهولة؟!
لاحظ تخبطها وحيرتها فاستغفر ربه حتى يهدأ ولا ينفعل عليها قبل أن يتحدث:
-"أنتِ مستغربة طبعا أنا عرفت إزاي أنك كنتِ عايزة تقتلي طارق؟".

أومأت برأسها بحيرة ليتنهد وهي يتابع:
-"لما دخلت هنا المستشفى وسألت عن الدور اللي شريف موجود فيه لاحظت بالصدفة وجود طارق ودينا بعيد عن معتز وكانوا بيتكلموا ومن سوء حظهم أنا سمعت كل اللي قالوه".
سألته وهي لا تزال غير قادرة على فهم ما يرمي إليه:
-"كانوا بيتكلموا في إيه؟"
تنهد وبدأ يخبرها بما حدث معه قبل بضع دقائق.

توجه سيف نحو موظفة الاستقبال التي أخبرته بالطابق الذي يوجد به شريف... استقل المصعد حتى وصل إلى وجهته ولكنه توقف فجأة وتوارى خلف الجدار عندما رأى طارق ودينا يقفان وحدهما ويتهامسان بخفوت كي لا يسمعهما أحد.
-"برافو عليك يا طارق... أنت الصراحة أبهرتني بذكائك مع أني لسة مش فاهمة نفذت الموضوع ده إزاي".

غمغم طارق بفخر:
-"لين طول عمرها غبية وأنا بذكائي خليتها تخدمني من غير ما تاخد بالها".
ابتسمت "دينا" وهي تردف بخبث وعينيها تلمعان بمكر:
-"احنا ضربنا عصفورين بحجر واحد... هنرتاح من شريف الفترة الجاية ومعتز هيكون في جيبنا وفي نفس الوقت لو الموضوع انكشف لين هي اللي هتشيل الليلة كلها".

أخرج "طارق" من سترته لوح شوكولاتة وأعطاه لدينا التي بدأت تأكلها بتلذذ:
-"أنا ولين عندنا نفس الدم وعشان كده بنفكر أحيانا بنفس الطريقة".
عقدت حاجبيها وتحدثت بعدم فهم:
-"ياريت توضحلي الموضوع أكتر... أنت إزاي خليت لين تعمل كده في شريف؟"
لم يعتمد سوى على الحقد الذي تكنه لين له ولكي يجعلها تفعل ما يريده تعمد أن يذكرها بما فعله بوالدتها.

-"أنا كنت رايح الاسطبل عشان أخلي حصان شريف ياكل الشوكولاتة بس اتفاجأت بيها لما لقيتها دخلت الاسطبل وبعدين تليفونها رن ولما هي فتحت الشنطة عشان تشوف مين اللي بيتصل بيها وقتها أنا لمحت الشوكولاتة اللي في شنطتها ففكرت أستغلها وأخليها تنفذ المهمة بدالي من غير ما تحس واللي ساعدني على كده أنها كانت مفكرة أن الحصان بتاعي ، ولما خرجت وسيبتها جوه فضلت مراقبها عشان أتأكد أنها عملت اللي أنا عايزه".

تمتم لين بذهول بعدما أخبرها سيف بكل شيء:
-"يعني أنا كنت لعبة في إيد الحيوان ده؟!"
حكت جبينها بعصبية وهي تردف بتساؤل:
-"بس هو ليه عايز يأذي شريف؟ إيه مصلحته من كل ده؟"
ربت على كف يدها محاولا تهدئتها كي لا تجلب أنظار الفضوليين إليهما:
-"على حسب ما فهمت من كلامهم أن معتز بدأ يبعد عنهم وتقريبا أخوه ليه دور في كده".

ساد الصمت المريب للحظات قبل أن تفهم وتستوعب لين كل ما جرى حولها ثم هتفت:
-"وطبعا لما شريف يتكسر ويفضل تعبان لفترة طويلة ساعتها مش هيكون واقف في ضهر معتز وبكده هيقدروا يرجعوه زي ما كان خاتم في صباعهم".
أومأ برأسه وهو يردف بشك:
-"أعتقد أن ده مجرد دافع ظاهري مش أكتر وأن في سبب تاني بس طارق مقالهوش لدينا والسبب ده أنا هعمل المستحيل عشان أعرفه".

لعب بها واستخدمها كالدمية لكنها لن تجعل الأمر يمر مرور الكرام... أقسمت بأنها ستجعل طارق ودينا يدفعان ثمن عبثهما معها فهي ليست عروس ماريونت حتى يتحكمان بها... لكزها سيف بخفة وأمرها بنبرة حازمة وقوية ولا تحتمل النقاش:
-"روحي اطمني على مرات شريف عشان هنمشي".

سألته بفضول وتعجب:
-"أنت مش هتيجي معايا تسلم على جدته؟ أنت مشوفتش ولا عرفت حد من عيلة شريف غير معتز... ده حتى يوم الحفلة أنت جيت بعد ما هما طلعوا".
وضع سبابته على جانب رأسها وهو يردف بنبرة ذات مغزى:
-"ممكن يستغربوا ويشكوا لو شافوني معاكِ دلوقتي وخصوصا أنهم عارفين أنك مستحيل تتصلي بيا وتبلغيني باللي حصل... الأحسن أني مظهرش قدامهم دلوقتي".

أومأت بطاعة وذهبت لتودع جهاد ثم عادت إليه واستقلت السيارة بجانبه وهي تفكر في الطريقة التي ستنتقم بها من طارق ودينا.
صف "سيف" السيارة في النادي وهبط منها ليحضر دراجته النارية وطلب من لين أن تنتظره لحين عودته.

خرجت "لين" من السيارة عندما شعرت بحرارة الجو التي لا تحتمل ، وعلى الجانب الاخر لمحها شابان وجلسا بالقرب منها... نظر إليها أحدهما بتمعن من رأسها إلى أخمص قدميها والتفت إلى صديقه وقال:
-"شوف يا عم الستات عاملة ازاي مش زي البراميل اللي بنشوفها".

رفع الأخر حاجبيه بإعجاب:
-" فعلا يا ابني... عندك حق هي دي النسوان ولا بلاش... بس يا ترى إيه اللي مقعدها لوحدها كده؟"
-"تعال نروح نسألها".

هكذا أجابه رفيقه ببساطة وهو يتوجه نحوها... ابتسم الأخر وذهب خلفه ووقفا سويا أمام لين التي انتفضت عندما رأتهما أمامها وينظران لها بطريقة لم تعجبها بل وأثارت غضبها... أخذت حقيبتها وابتعدت عنهما وفضلت أن تتجاهلهما لحين عودة زوجها لكنهما اقتربا منها مرة أخرى وهما يرمقانها بذات النظرة التي أثارت اشمئزازها وأصبح الأمر أسوء بالنسبة لها عندما هتف أحدهم:
-"مالك بس يا جميل ماشي بعيد ليه بس؟ لو زعلانة هنخليكِ مبسوطة ونفرفشك".

صاحت به قائلة بانفعال فقد نفذ صبرها ولم يعد لديها طاقة إضافية لتحمل فظاظتهما:
-"احترم نفسك يا حيوان أنت وهو أنا ست متجوزة".
-"وإيه يعنى؟ مفيش مشكلة خالص على فكرة ".
قالها أحدهما لتكشر عن أنيابها وعقدت حاجبيها بغضب وقبل أن تتفوه بكلمة أخرى سمعت صوت زوجها الغاضب وهو يقول:
-"عايزين تفرفشوا وتتبسطوا؟! وماله ده أنا هخليكم مبسوطين أوي!!".

اعتلت الصدمة وجهها وهى تراه يتقدم نحوها ونظراته لهذين الأحمقين لا تبشر بالخير... يبدو أن شياطين العالم أجمع قد تلبست أمامه بعدما سمع ما تفوها به للتو.
غلت الدماء في عروقه وكيف لا وهما يتغزلان بزوجته أمامه وبكل تبجح... التفت إليها وناولها هاتفه ومفاتيح السيارة وهو يقول بحزم:
-"استنيني في العربية".

أخذت الهاتف والمفاتيح على الفور وفعلت ما طلبه منها بالضبط فهي لن تفكر أبدا بمعارضته وهو غاضب لهذه الدرجة فهو على الاقل سيتعامل مع الحقيرين بنفسه وسيوفر عليها الجهد الذي ستبذله في ضربهما وتلقينهما درسا.
دقائق وسمعت صراخ وعويل الأحمقين الذي يشبه عويل النساء:
-"تستاهلوا أنتم اللي عملتم في نفسكم كده".

في الخارج تدخل رجال الأمن لفض المشاجرة وسمحا لسيف بالرحيل دون أن يحاسبوه على فعلته لأنهم استنتجوا ما حدث وعلموا أنه ليس مخطئاً.
وضع دراجته على سقف السيارة وربطها بالحبال وعدل من وضع ياقة قميصه وجلس بجانب زوجته التى كانت تنظر له بذهول ولا تصدق كل ما حدث.
تنهدت قائلة بهدوء:
-"خلصت؟"
-"أيوه".
قالها باقتضاب وهو يقوم بتشغيل السيارة متوجها إلى المنزل.

ألقى مفاتيح سيارته على الطاولة بعنف وجلس على الأريكة وهو يستشيط غضبا... لا تزال كلمات معتز تتردد في أذنه.
-"الحمد لله يا طارق... الدكتور طمني وقال أنه حالته مستقرة".
أمسك "طارق" المزهرية وألقاها بقوة لتصتدم بسطح الطاولة الزجاجي الذي تفتت وتحول إلى شظايا ولكنه لم يكترث وظل يحطم كل شيء من حوله وهو يصيح بغل:
-"امتى هتموت وأرتاح منك؟".

خلل أصابعه بعصبية في خصلات شعره الفحمية وهو يفكر بأنه سيصاب حتما بالجنون.
-"أنت مصنوع من إيه؟ مفيش مرة أذيتك فيها ووقعت!! دايما بترجع تقف على رجليك وبتبقى أقوى من الأول".
صدع رنين هاتفه فأمسكه وألقاه بقوة ليرتطم بالحائط ويتهشم.
-"نفسي أفهم أنت فيك إيه مميز عشان تختارك أنت وترفضني أنا؟!".

لم يعد بإمكانه الصمود فقد استنفذ مجهودا جبارا في تحطيم أثاث شقته فجلس على الأريكة وهو يشعر بالإرهاق والتعب... التقط أنفاسه وهو يلهث وغمغم بتوعد:
-"هفضل وراك لحد ما تنتهي وهتدفع التمن عشان سرقتها مني... أما هي فهخليها تندم لأنها رفضتني واختارتك".
جهاد... وهل يوجد امرأة غيرها يعشقها حد الجنون والهوس؟

خدع زوجته وطلقها في الماضي ليتزوج بها فقد وقع في حبها من النظرة الأولى وكان يعلم أنها يستحيل أن تقترن برجل متزوج ولأنه أحبها كثيرا ترك علا وتحمل عداوتة مع مروان المسيري.
-"هفضل وراكِ يا جهاد لحد ما أزلك وأخليكِ تحت رجلي".

بعد مرور ثلاثة أيام.
تحسنت حالة شريف قليلا وسمح الطبيب لأفراد عائلته بزيارته والجلوس بجانبه... دلفت "نعمة" إلى الغرفة وربتت على كتفه وأمسكته كالأطفال من وجنتيه وقالت:
-"طول عمرك محسود يا حبيبي... زي ما يكون حد عملك عمل".

أمسكت "نعمة" بطبق الشوربة وقربته من فمه وهي تهمس بتشجيع:
-"هم يا جمل... يلا يا حبيبي خلص الأكل ده كله عشان تخف وترم عضمك".
رفع شريف حاجبيه باستنكار من جدته التي تعامله كالأطفال أمام زوجته وشقيقه.
كبحت جهاد ضحكتها بصعوبة عندما رأت جدة زوجها تطعمه في فمه كالطفل الرضيع أما معتز فقد انفجر في الضحك وقال:
-"كوتشي كوتشي... بيبي كميل يا أخواتي".

ألقت نعمة الوسادة بقوة في وجه معتز وهتفت بحنق:
-"اسكت يا ولد أنت".
انتشلت جهاد الطبق من يد نعمة بلطف وقالت:
-"هأكله أنا يا تيتا وروحي أنتِ عشان تصلي".

ابتسم معتز وهو ينظر لهما وتنهد بأسى عندما تذكر الحادث الذي تعرض له قبل عامين وما فعلته زوجته المصون معه ، فقد أحضرت له الممرضة لتهتم به وتركته وسافرت وأخبرته أنها لا يمكنها الاعتناء به.
استنفذت دينا بفعلتها تلك رصيدها بالكامل في قلب معتز فهو لم يعد يحبها ولا يحتمل البقاء بجانبها لفترة طويلة وخاصة بعد زواجه من رضوى فهي على النقيض من دينا والفرق بينهما كالفرق بين المشرق والمغرب.

أنهى شريف طعامه وتناول أدويته ليغط في ثبات عميق... تنهدت جهاد وتحدثت بجدية:
-"أنا عندي إحساس أن الحادثة دي مقصودة ومش قضاء وقدر".
رد معتز بتأييد وموافقة:
-"أنا كمان شاكك في الموضوع ده وهعمل المستحيل عشان أعرف مين اللي ورا الحركة دي".

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W