قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي الفصل السابع

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي بجميع فصولها

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي الفصل السابع

نظرت إلى ساعتها وهي تترقب وصوله بشوق كبير ، فشقيقها قد عاد أخيرا من سفره بعد غياب ثلاثة أشهر ، ابتسمت بشدة عندما رآته قادم نحوها فتقدمت منه وعانقته وهي تقول:
-"حمد الله على السلامة يا مروان ، ماما هتفرح أوي بالمفاجأة دي".
بادلها ابتسامتها وقال:
-"الله يسلمك يا علا وحشتيني أوي".

نظر خلفها يبحث عن ناريمان ولكنه لم يجدها كما توقع بالضبط، فزوجته المصون لم تكلف نفسها وتأتي لاستقباله والترحيب به، لاحظت علا تغضن ملامحه وفهمت ما يدور في رأسه فهتفت قائلة محاولة شرح الأمور له حتى لا يفهمها بشكل خاطئ:
-"ناريمان متعرفش أنك جاي النهارده ، محدش يعرف غيري أنا بس".

زفر بضيق وهتف بسخرية مريرة:
-"ده على أساس أنها لو كانت تعرف كانت هتيجي ، هي أصلا مش موجودة في بيتها زي أي ست بتستنى جوزها يرجع من سفره ، أنا عارف كويس أوي أنها عملت زي كل مرة واستغلت سفري عشان تسيب البيت وتروح الشقة بتاعتها".
حاولت علا تلطيف الأجواء فأردفت بتبرير:
-"أكيد هيا مش بتبقى مرتاحة في البيت وأنت مش موجود فيه ، وعشان كده بتسيبه وأنت مش هنا".

زفر مروان بألم ويأس قائلاً:
-"لو كلامك صح يا علا كانت رفعت سماعة التليفون واتصلت بيا طول الشهور اللي فاتت ، بس هيا معملتش كده وده معناه أنها أما صدقت أني مشيت".
حزنت علا وتألمت كثيرا على حال شقيقها ، وتمنت أن تتحسن أحواله مع ناريمان.

سار مروان برفقة علا حتى وصلا إلى السيارة التي كانت تنتظرهما أمام المطار ، وصعدت علا وانتظرت مروان ولكنه ظل جامدا ولم يتحرك فنظرت له بعدم فهم وقالت:
-"اركب يلا يا مروان ، ولا أنت مش جاي معايا؟"

لم تتغير ملامح وجهه الجامدة وهو يجيب:
-"اسبقيني أنتِ يا علا على البيت ، أنا ورايا مشوار مهم لازم أعمله".
أذعنت لأوامره ولم تناقشه لأنها تدرك جيدا أنه لن يخبرها بشيء إذا سألته.
أشارت إلى السائق حتى يتحرك تاركة مروان يحدق إلى الأمام بشرود ووجوم قبل أن ينتشل هاتفه من جيب سترته ويتصل بأحد رجاله ويطلب منه أن يجلب له سيارته أمام المطار.

كان "سيف" ينام بعمق عندما شعر بشيء ما يتحرك فوقه... عقد حاجبيه بتأفف وهو يحاول إبعاد هذا الشيء عنه ولكنه لم ينجح... انتفض مذعورا عندما سمع مواء قطة بالقرب من أذنه ، وفتح جفونه لتقع عينيه على هذه الهرة التي تقف على كتفه وتمرغ وجهها في عنقه.
رمقها شذرا وهو يحملها في يده وهتف بغيظ:
-"هو أنتِ كل شوية تيجي تزعجيني وأنا نايم؟!"
نظرت له القطة بوداعة وكأنها تفهمه ليكز على أسنانه ويأخذها معه وهو يغادر الغرفة.

هبط درجات السلم حتى وصل إلى لين التي كانت تجلس بهدوء على الأريكة وتضع قناعا أسود من المرطبات والمستحضرات على وجهها.
نظر لها بسخط وهو يلقي القطة بجوارها وقال:
-"طالما أنتِ شاطرة أوي كده في الاهتمام وبتهتمي بنفسك ، اهتمي بقطتك اللي قارفاني ليل ونهار دي".
نزعت لين شرائح الخيار من فوق عينيها وهتفت بحنق:
-"مالك على الصبح؟! أنت مش لاقيلك حاجة تعمل دوشة عليها فجاي تتريق على الماسك اللي حطاه على وشي؟!".

صاح سيف بغضب وانفعال هو يشير نحو الهرة:
-"قطتك الجربانة والمقرفة دي يا ست هانم كل يوم تيجي أوضتي وتنام فوقي".
رمقته بنزق وبرود ليستكمل:
-"دي بقت عيشة مقرفة وحاجة لا تطاق".
وقفت لين أمامه ونظرت في عينيه بتحدي وهي تقول بنبرة جامدة:
-"أولا ، أنا قطتي نظيفة ومش جربانة".

تقدمت منه أكثر وهي تقول ليتراجع خطوتين إلى الوراء:
-"ثانيا ، قطتي اسمها سمسمة ويوم ما تفكر تجيب سيرتها على لسانك ، تتكلم عنها كويس وبشكل محترم".
لا يصدق ما تفعله من أجل تلك القطة ، من يراها وهي تدافع عن هرتها بهذه الطريقة سيظن بأنها ابنتها أو أحد أقاربها ، هل هناك امرأة عاقلة تعتني بالقطط كما تفعل لين؟

لم تكن إجابته على كل الهراء الذي تفوهت به سوى ابتسامة ساخرة ، فرأس زوجته لا يمت للعقل بصلة.
أمسك القطة بعنف وتوجه نحو النافذة وكاد يرميها إلا أن لين أمسكت بيده وأخذت سمسمة وهي تصرخ بغضب أجم:
-"أنت اتجننت!! إزاي تتجرأ وتحاول تقتل سمسمة؟!".

داعبت لين سمسمة التي كانت ترتجف من الخوف بسبب نظرات سيف المرعبة وتوجهت إلى غرفتها وكادت تغلق الباب ولكن استوقفها سيف وهو يقول بغضب:
-"أنا ماسك نفسي عنك وعن قطتك السودة دي بالعافية ، لو البتاعة دي دخلت أوضتي تاني أنا هرميها من الشباك".

تنفست بعمق عدة مرات تحاول أن تحافظ على هدوئها حتى لا تغضب ويحدث مالا يحمد عقباه ولكن هذا لم يمنعها من إثارة غضبه والثأر منه فنظرت له وابتسمت ببراءة وهي ترمش جفونها بوداعة وهتفت بنبرة ساخرة:
-"ماسك نفسك؟! أنت كده بتعترف بأنك مبعتر في كل حتة؟!"
أنهت كلامها وأوصدت باب الغرفة خلفها بالمفتاح قبل أن يلحق بها ويلقنها درسا لن تنساه أبدا.

أوقف مؤمن دراجته النارية أمام منزله ودلف إليه لتستقبله والدته وهي تبتسم قائلة:
-"حمد الله على سلامتك يا حبيبي ، غير هدومك على ما أحط الأكل عشان تتغدى".
اقترب منها وقبل رأسها وقال:
-"حاضر يا ست الكل".

كاد يذهب إلى غرفته ولكنه سمع رنين جرس الباب ، فتوجه إليه وفتحه لتدلف "أم سامية" وهي تحمل في يدها صينية كنافة وتضعها على الطاولة.
عقد مؤمن حاجبيه بتساؤل وهو ينظر إلى الصينية وقال:
-"هي إيه دي يا طنط؟"
ابتسمت أم سامية وهي تقول:
-"دي كنافة لسه عاملاها دلوقتي وقولت لنفسي لازم أجبلك منها أنت وأم أيمن عشان تحلوا بعد الغدا".

انفرجت أسارير أم أيمن عندما خرجت من المطبخ ورأت أم سامية وصينية الكنافة ، ولأنها اعتادت على أن تقوم بواجب الضيافة ، أقسمت على أم سامية بأنها لن تغادر قبل أن تتناول الغداء معهم.
عدل مؤمن من وضع ملابسه بعدما انتهى من تناول الغداء وأخذ هاتفه وخرج من غرفته وهتف بلطف وهو يقترب من والدته:
-"أنا هروح دلوقتي أقابل رنيم ، عايزه مني حاجة أجبهالك وأنا جاي؟".

ابتسمت أم أيمن وقالت:
-"سلامتك يا حبيبي ، ابقى سلملي على رنيم وأمها".
غادر مؤمن المنزل لتبتسم أم سامية وهي تقول:
-"ربنا يحفظهولك وتفرحي بيه قريب إن شاء الله".

أطلقت أم أيمن تنهيدة طويلة وهي تهتف برجاء:
-"ربنا يسمع منك يا أم سامية ، ده الوحيد اللي طلع عدل في أخواته ، أيمن ومش وراه غير مقصوفة الرقبة مراته ، وفايزة مشغولة في بيت جوزها ومش بتيجي تشوفني غير كل كام شهر مرة ، بتمنى يجي اليوم اللي هفرح بيه فيه وأشوفه متجوز هو ورنيم".

(الحياة بقى لونها بمبي ، وأنا جنبك وأنت جنبي...)
كانت ناريمان تقف في المطبخ وتعد بعض الشطائر وهي تبتسم وتدندن بهذه الأغنية للراحلة "سعاد حسني".

التفتت لتأخذ علبة الملح ولكنها سقطت من يدها وتهشمت عندما رأت مروان يجلس بكل أريحية ويضع ساق فوق ساق ، وينظر لها وهو يبتسم بسخرية.
أخذت تتنفس بقوة حتى هدأت ضربات قلبها التي ارتفعت بعدما فزعت من رؤيته ، وتناولت كأسا من الماء قبل أن تهتف بتلعثم:
-"أنت دخلت هنا إزاي؟".

قام من مقعده واقترب منها لتتراجع عدة خطوات إلى الوراء ولكنه لم يهتم وظل يقترب حتى أصبح لا يفصل بينهما سوى بضع سنتيمترات قليلة ، ونظر لها ببرود قبل أن يأخذ الشطيرة التي كانت تعدها ويتناولها بتلذذ أمام أعينها مما جعلها تكز على أسنانها بغيظ وهي تعيد سؤالها:
-"دخلت الشقة إزاي يا مروان؟".

هتف ببرود وهو يغسل يده:
-"المفروض تقوليلي حمد الله على السلامة يا حبيبي مش تتخضي أول ما تشوفوني ، ورغم كل ده أنا هجاوبك على سؤالك وهقولك أن إياس فتحلي الباب".
جفف يده ووضع المنشفة جانبا وهو يتابع:
-"أنا اتصلت بيه قبل ما أجي وقولتله يستناني ورا الباب وأول ما أتصل بيه تاني يفتحلي الباب على طول".
هتفت باقتضاب قبل أن تبدأ بصنع شطيرة أخرى:
-"تمام".

أخذ مروان نفسا عميقا ثم زفره على مهل ليهمس بعدها بحزم:
-"يلا جهزي نفسك عشان هنرجع البيت".
نظرت له بجدية بعدما استمعت إلى أوامره وقالت:
-"مروان احنا متجوزين بقالنا أكتر من عشر سنين ومع ذلك مقدرتش أنسى أنك شاركت طارق في اللي عمله معايا وساومتوني على حياة ابني".

هبطت دموعها وهي تهمس بألم:
-"أنا اتجوزتك عشان أنقذ ابني وفي الأخر مات قدام عيني ومقدرتش أعمله حاجة".
زفر بضيق فقد أخبرها مرارا طوال عشر سنوات بأنه لم يكن يعلم بحالة ابنها وبأنها أجبرت على الزواج منه ولكنها لم تصدقه.
لطالما نعتته بالكاذب ووصفته بمعدوم الكرامة لأنه ظل محتفظا بها طوال هذه السنوات ولم يطلقها على الرغم من أنها تخبره دائما بأنها تكرهه ولا تطيقه ولا تحتمل البقاء معه تحت سقف واحد.

هتفت ناريمان بلهجة حاسمة:
-"أنا مش قادرة أكمل معاك أكتر من كده ، طلقني يا مروان ووفر وجع القلب ده على نفسك وعليا".
لوى شفتيه بتهكم قبل أن يقترب منها مما جعلها تصرخ بانفعال ولكنه لم يهتم وحملها وتوجه بها إلى الخارج وعندما رآهما إياس أخذ يقفز بسعادة وفرح وهو يردد:
-"وأخيرا هنروح البيت ، أنا زهقت من الشقة دي".

صاحت ناريمان بغضب وهي تحاول أن تفلت من قبضة مروان:
-"فرحان فيا يا حيوان ، استنى عليا بس لما تقع في ايدي وشوف هعمل فيك إيه".
هتف مروان وهو يفتح باب الشقة:
-"انزل يا إياس اسبقنا على العربية لحد ما أنزل أنا وأمك".

هبط إياس درجات السلم بسرعة وهو يبتسم وتبعه مروان الذي نال نصيبا وفيرا من ركلات ولكمات ناريمان على ظهره ولكنه لم يتأثر وتابع طريقه إلى أن وصل إلى السيارة ففتحها ودفع ناريمان بحدة وأغلق الباب ، ولم يعبأ بنظرات الجيران المشدوهة نحوه فقد اعتاد هذا الأمر طوال السنوات الماضية عندما يأتي ليأخذ ناريمان في كل مرة تترك له المنزل.

عقدت ذراعيها بضيق وهي تتأفف بحنق من أفعال مروان المجنونة التي تجعلها تخجل عندما تقابل جارتها التي شهدت على جميع مواقف مروان المتهورة.
صعد السيارة بجوارها وأدار المحرك ، التفتت له وهي تسأله بضيق:
-"مين اللي هيجيبلي هدومي وحاجتي؟"
أجابها بإيجاز ودون أن ينظر لها:
-"هبعت حكمت بكرة تجيبهوملك".

أخذت تردد بغيظ حتى تثير غضبه:
-"إيه الغلب ده يا رب ، مش فاهمة أنا عملت إيه في حياتي عشان ربنا يوعدني بواحد بارد مش قادر يفهم أني مش عاوزاه".
أوقف السيارة فجأة ليرتطم رأسها بالتابلوه... أمسك فكها بقوة وهو يهمس بحدة وخشونة:
-"البارد ده يا هانم مستحمل جنانك وبيعاملك باحترام مش بيصبحك بعلقة ويمسيكِ بعلقة زي ما أي راجل بيعمل مع مراته لما تقرفه في عيشته زي ما أنتِ بتعملي".

ترك فكها وأعاد تشغيل السيارة وهو يهتف بسخرية:
-"أنا مش سايبك على ذمتي عشان سواد عيونك الحلوة ، أنا بعمل كل ده عشان خاطر ابني اللي نفسيته هتتأثر لو احنا اتطلقنا".
نظر إلى إياس الذي غفى بالمقعد الخلفي وهو يتابع بقسوة غير عابئا بتأثير كلماته الصادمة عليها:
-"أنا كل اللي يهمني هو ابني وبس وعشان كده أنا مستحملك ومستحمل جنانك وقرفك".

بذلت مجهودا شاقا حتى استطاعت كبح دموعها ، وأضافت بكبرياء وعزة نفس فهي لن تسمح له بأن يهينها ويبعثر كرامتها ويدهسها بحذائه:
-"كويس أوي إن احنا متفقين في أننا مكملين مع بعض عشان خاطر إياس وبس مش عشان خاطر حاجة تانية".

أصبح الصمت هو سيد الموقف حتى صف مروان السيارة ، فخرجت ناريمان منها على الفور وذهبت إلى غرفتها دون أن تهتم بنظرات علا وحماتها المصوبة نحوها ، دلف مروان إلى المنزل وهو يحمل إياس النائم لتحتضنه والدته بشوق قبل أن يصعد مروان إلى غرفة إياس... وضعه في سريره ودثره جيدا بالغطاء قبل أن يخرج ويتوجه إلى غرفته.

نظرت علا إليه وهو يدلف إلى غرفته وتذكرت حالة ناريمان عندما حضرت إلى المنزل وأيقنت بأنها نالت كما لا يستهان به من كلمات مروان اللاذعة.
استلقى على سريره وابتسم بسخرية عندما رأى الوسادة التي وضعتها زوجته لتكون فاصلا بينهما.

-"أنا عارفة كويس أنك بتعتبرني طفلة صغيرة وبتلعب من ورايا يا سيف".
هتفت بها لين بغضب بينما رمقها سيف بذهول مصطنع وهو يقول:
-"إزاي عرفتي بالكلام ده؟"
اقترب منها واحتضنها بخبث ثم تحولت نبرته إلى السخرية وتابع:
-"أقولك أنا يا قلبي أنتِ عرفتي إزاي ، أنتِ بتراقبيني بقالك فترة وكمان حطيتي جهاز تصنت في تليفوني".

جحظت عينيها وانتبهت إلى أنه يعانقها، فنفضت ذراعه بغضب وابتعدت عنه وهي ترمقه شذرا بينما هو نظر له ببراءة وقال:
-"بس بصراحة أنتِ فاجئتيني يا حبيبتي، أنا لو مشوفتكيش وأنتِ بتحطي جهاز التصنت في الموبايل مكنتش هفكر خالص بأنك ممكن تعملي حاجة زي كده".
أشاحت نظرها عنه وهي تهتف بتبرير:
-"أنا كان لازم أعمل كده عشان أنت بدأت تلعب من ورايا وفي حاجات كتير بتنفذها من غير علمي".

فركت أصابعها باضطراب وفكرت في طريقة تخرج بها من هذا المأزق فقد نجح سيف وقلب الطاولة عليها... هتفت بسرعة بأول أمر خطر في رأسها:
-"في واحدة صاحبتي عاملة حفلة بكرة بمناسبة عيد جوازها وأنا معزومة ، هتيجي معايا؟"
هز رأسه نافيا وهو يتحدث:
-"أنا بكرة هروح أقابل مؤمن فمش هينفع أجي معاكِ".

حك ذقنه قليلا قبل أن يضيف:
-"سيبيلي عنوان بيت صاحبتك وأنا أول ما أخلص الموضوع مع مؤمن هجيلك على هناك".
التقطت ورقة ودونت بها العنوان وأعطتها له وذهبت إلى المطبخ لتعد فنجان قهوة عله يهدئ من حدة هذا الصداع الذي يفتك برأسها.

-"اتفضلوا يا حبايبي".
هتفت بها والدة رنيم وهي تضع أكواب العصير أمام مؤمن ورنيم... ابتسم لها مؤمن بلطف وهو يقول:
-"تسلم إيدك يا طنط سميرة ، ربنا ميحرمناش منك".
أخذت سميرة الصينية وخرجت... نظر مؤمن إلى أثرها وعندما تأكد بأنها غادرت بالفعل التفت إلى رنيم وأمسك كفيها وهو يغمز لها وقال:
-"بس أنتِ مقولتليش ، إيه الحلاوة دي؟!".

أبعدت رنيم يده وهي تلتفت حولها وهمست بغيظ:
-"اتلم يا مؤمن وبطل حركاتك دي ، مفيش مسك أيادي غير بعد الجواز".
رفع مؤمن حاجبيه مدعيا الدهشة وهو يردف:
-"بعد الجواز؟! هو مش احنا كاتبين الكتاب برضه ولا أنا كنت بحلم؟!"
ضحكت رنيم بخفوت وهي تهمس برقة:
-"لا مكنتش بتحلم ولا حاجة يا طريف ، أنا قصدي بعد الفرح".

نظر إلى ضحكتها بشرود وهو يتذكر دينا التي يكرها ويخطط للانتقام منها ، كيف لها أن تكون شقيقة هذا الملاك البريء الذي يجلس أمامه ويبتسم ببراءة؟
هل يعقل بأن تكون تلك الحورية هي أخت تلك الشيطانة التي كانت سببا في موت والدها وإصابة والدتها بمرض القلب؟
دينا وهل هناك غيرها؟ من دمرت حياة عائلتها وجلبت لهم الذل والعار.

نظرت إلى انعكاس صورتها في مرآة الباب الزجاجي الخاص بالمطعم الذي تجلس به وتنتظر "يسري" هذا الشاب الذي يعمل في إحدى أكبر شركات الاتصالات ، وتتمنى لو أنه يستطيع مساعدتها كما وعدها ، وتجد سيف وتجتمع به مرة أخرى.
تأملت ملامح وجهها وهي تتحسسه ، لقد تغير شكلها قليلا وأصبحت أكبر سنا وأنضج فكرا ولكنها لا تزال تحتفظ بجمالها.

أربع سنوات مرت عليها كأربعين سنة ، لم تصدق أنه خرج من السجن إلا عندما أخبرتها صديقتها بذلك ، وحاولت أن تبحث كثيرا عنه ولكنها لم تصل إليه.
فرقعة إصبع انتشلتها من ذكرياتها فالتفتت لتجد يسري قد جلس أمامها بالفعل وابتسم وهو يقول:
-"أنا جاهز يا أنسة تقى ومستعد أني أساعدك عشان تلاقي الشاب اللي بتدوري عليه".

تهللت أساريرها وهتفت بحماس:
-"متشكرة جدا يا أستاذ يسري ، أنا معايا صورة ليه وجبتها لحضرتك عشان تساعدك في البحث".
تنهد بعمق وهو يسترسل في حديثه:
-"بس أنا مش هكدب عليكِ يا تقى ، الموضوع هياخد وقت وخصوصا بعد ما أنا اتأكدت إن محل الإقامة اللي مكتوب في بطاقة سيف متغيرش لحد دلوقتي ، يعني تقدري تقولي بأنه مش سايب أي حاجة تدل على المكان اللي عايش فيه دلوقتي".

أومأت برأسها بتفهم وهي تهمس بحزن:
-"مفيش مشكلة أنا هصبر لحد ما حضرتك تعرف مكانه ، أهم حاجة ألاقيه في الأخر وأقابله".
أخرجت الصورة التي تجمعها بسيف وجهاد ونظرت لها بأسى قبل أن تعطيها ليسري ، ولم تكن تعلم بأنه في ذات اللحظة التي نظرت بها إلى الصورة كان كلا من سيف وجهاد يجلس في منزله وينظر أيضا إلى تلك الصورة التي جمعتهم معا في أحد الأيام.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W