قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي الفصل الخامس عشر

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي بجميع فصولها

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي الفصل الخامس عشر

دلفت "رضوى" إلى المصعد وكادت تغلق الباب ولكنها تفاجأت بوجود دينا خلفها... أشاحت بوجهها للجهة الأخرى فهي لا تحتمل رؤية وجه غريمتها التي تبغضها بشدة والتي كانت سببا في أن يغلق معتز الهاتف في وجهها الأسبوع الماضي.
تأففت دينا بضيق وهي تردف:
-"لحد إمتى هتفضلي تلفي وشكك الناحية التانية كل ما تشوفيني!!".

-"لحد ما تغوري في أي داهية بعيد عني وأرتاح من شوفتك اللي بتقلبلي يومي للنكد والقرف".
نطقتها "رضوى" بانفعال وغيظ فهي لا زالت تتذكر أن دينا غدرت بها في الماضي و دمرت حياتها وجعلتها علكة في أفواه الشامتين والحاقدين وكانت سببا رئيسيا في أن يخوض كل من هب ودب في عرضها وشرفها.
-"أنتِ عايزة إيه مني بالظبط يا رضوى؟ إيه اللي خلاكي تشتغلي في الشركة هنا؟".

أجابتها "رضوى" بانزعاج وتهكم:
-"لأن مفيش حد هنا يعرفني ولا يعرف اللي حصلي زمان بسببك فمحدش هيتريق عليا أو يجيب في سيرتي زي ما حصل في الأماكن التانية اللي اشتغلت فيها ، بس أنا كان حظي زفت لأنك طلعتي بتشتغلي هنا".

تنهدت دينا وهمست برجاء:
-"خلاص اهدي يا رضوى... إيه رأيك نتقابل كمان ساعة في الأرشيف ونحاول نصفي خلافتنا".
أومأت رضوى على مضض وهي تغادر المصعد:
-"تمام... أما أشوف أخرتها".

تأملت "جهاد" ملامح وجهها في المرآة وهي تعدل من وضع حجابها... حملت حقيبتها وغادرت المنزل واستقلت سيارة أجرى... وصلت إلى الكافيه ووجدت سيف ينتظرها به... جلست أمامه وهمست بخفوت وجبينها يتصبب عرقا بسبب التوتر والقلق:
-"أنت خرجت من السجن إمتى؟ وعامل إيه دلوقتي وأخبارك إيه؟".

ثم استطردت بلهفة:
-"عايزة أعرف أنت عايش إزاي وبتعمل إيه دلوقتي في حياتك".
-"هتعرفي كل حاجة يا جهاد بس مش قبل ما تقوليلي إزاي قابلتي شريف واتجوزتيه؟"
رغم أنه سؤال بسيط ولكن يصعب عليها إجابته، هل ستخبره أنها تزوجت شريف حتى تستطيع التقرب من معتز وطارق ودينا وتنتقم منهم بسبب ما فعلوه به!

تنهدت بحزن وأخبرته بكل شيء فعلته ليصيح بانفعال:
-"أنتِ اتجننتِ ولا جرالك حاجة؟! هو أنا كنت قولتلك تتزفتي تنتقمي!! أنا مش فاهم ليه خاطرتي وحطيتي نفسك في وش المدفع؟!"
تساقطت دموعها وهي تردف بحشرجة:
-"عشانك... أنا عملت كل ده لأني مقدرتش أسكت وأقف أتفرج عليهم وهما عايشين حياتهم ومبسوطين فيها وأنت بتعيش أسوأ أيامك في السجن... حاولت كتير أزورك بس أنت كنت بترفض تشوف أي حد... أنت حتى محاولتش تعرف عني أي حاجة!!".

أدرك الآن أنه أخطأ عندما فكر في نفسه فقط وانعزل عن الآخرين... هي لم تذنب عندما استمرت في حياتها ولم تتوقف عنده... يعلم جيدا أنها تحبه وتفعل المستحيل من أجله ولكنه لم يتوقع أنها ستفكر بالانتقام له من شخص ليس له يد فيما حدث له... سألها بتأنيب وعتاب:
-"طيب وشريف ذنبه إيه في كل ده؟ ليه دخلتيه في لعبة هو ملوش علاقة بيها؟!".

تعلم جيدا أن حديثه صحيح فشريف ليس مذنبا ولا يوجد له دخل فيما حدث لسيف ولكنه كان الوسيلة الوحيدة أمامها حتى تتمكن من الانتقام.
-"عندك حق... شريف طيب أوي على فكرة ويستاهل كل خير".
أزالت دموعها ورسمت الجدية على وجهها ولكن سرعان ما عادت ملامح الحزن مرة أخرى عندما رأت المحبس الفضي الذي يزين بنصر يده اليسرى وسألته بغصة:
-"اتجوزت؟"
أومأ برأسه وهو يجيبها ببساطة:
-"أيوة".

ابتسم بسخرية وهو يتذكر المرات الكثيرة التي تحدثت بها لين عن صديقتها والتي تكون زوجة شريف ولكنه لم يدرك أن تكون تلك المرأة هي جهاد نفسها.
-"على فكرة مراتي تبقى هي نفسها لين صاحبتك".
الذهول والتعجب والصدمة ، هذا ما شعرت به جهاد عندما سمعت أخر جملة تفوه بها سيف.
يا إلهي!! كيف يمكن أن يعيش سيف ولين معا تحت سقف واحد؟!

-"مالك متنحة كده لية؟!"
نطقها سيف باستغراب عندما رأى صدمتها الجلية على وجهها لتجيبه بعدم تصديق:
-"أنا مش مصدقة أنك جوز لين اللي حلفة أنها تخلي عيشته طين وطول الوقت بتقول عليه بارد".
ضحكت بشدة وهي تضع يدها على قلبها الذي سيتوقف من هول تلك الصدمات التي تتلقاها واحدة تلو الأخرى واستطردت:
-"دي كانت قاعدة من كام يوم تلطم على وشها بعد ما أنت حرقتلها هدومها ولبستها الخمار غصب عنها".

ضحك سيف هو الأخر وهتف بتفاخر:
-"أصل الهانم كانت مفكرة نفسها متجوزة خروف هيسيبها تمشي بالمحزق والملزق وهيفضل واقف يتفرج عليها وهي بتتعاكس في الراحة والجاية".
ضربت كفها بكفه ، تلك الحركة العفوية التي اعتادت على فعلها منذ كانت طفلة وهتفت بابتسامة:
-"بس والله جدع... أنا مكنتش متخيلة أن هيجي اليوم اللي أشوف فيه راجل قادر يشكم لين ويحكمها ويمشيها على العجين ميلغبطوش... برافو عليك أنت قدرت تعمل الحاجة اللي طارق نفسه معرفش يعملها".

استطردت بتساؤل وهي تحك ذقنها بتفكير:
-"بس أنت اتعرفت على لين واتجوزتها إزاي؟"
تحدث سيف وأخبرها أنه فكر مثلها وتقرب من لين وتزوجها لغرض الانتقام كما فعلت هي بالضبط مع شريف.
-"ده كل اللي حصل وهي لما عرفت الحقيقة انتقمت مني وراحت أجهضت نفسها عشان تحرق دمي".

مهلا لحظة... هل قال أنها أجهضت طفلها لتنتقم منه؟! لابد أنه فهم ما حدث بشكل خاطئ فالأمر ليس كما يبدو... هزت رأسها نافية وتحدث بالحقيقة التي أذهلته وقلبت موازينه:
-"لين أجهضت بسبب أن الجنين مات في بطنها مش عشان تغيظك زي ما أنت مفكر... أنا وقتها كنت لسه راجعة أنا وشريف من السفر وهي اتصلت بيا وكانت منهارة وأنا بنفسي اللي كلمت الدكتورة وكنت موجودة معاها في المستشفى".

تسمر سيف في محله كمن صعقته كهرباء ومسح صفحة وجهه بحدة وامتلكته رغبة قوية في أن يذهب إلى المنزل ويفتك بتلك الكاذبة التي خدعته... نظرت "جهاد" نحوه في شك هاتفة بتحذير شديد اللهجة:
-"اوعى تكون بتفكر أنك تأذيها... أنت غلطت وخدعتها وهي أكيد كدبت عليك عشان ترد كرامتها".

ابتسم بسخرية وتحدث بجمود:
-"أنا طلعت غبي ومغفل أوي قدامها".
ثم صمت لحظة وتابع بصوت غاضب:
-"دي طلعت شاطرة أوي في التمثيل يا جهاد... دي كانت دايما بتضحك وتغيظني وكأنها فعلا عملتها بمزاجها!!"
وحان الآن وقت السؤال الذي كان عليها أن تسأله له منذ البداية.

-"أنت بتحبها يا سيف؟"
سألته بخفوت وانتظرت إجابته التي لم تكن سوى إيماءة من رأسه:
-"لو مش بحبها مكنتش استحملت جنانها وقطتها وفضلت معاها لحد دلوقتي".
ابتسمت جهاد وهي تردف:
-"ربنا يسعدك دايما".
سألها سيف هو الأخر وهو يتأملها بعمق:
-"وأنتِ كمان بتحبي شريف ولا لسه ثابته على موقفك؟".

ابتسمت بخجل واصطبغ وجهها بحمرة طاغية وهذا كان كافي بالنسبة له ليدرك الإجابة... تحدث بمرح محاولا تلطيف الأجواء:
-"وطبعا جوزك ميعرفش حاجة عني أو عن حياتك وهيفهم كل حاجة غلط لو شافني أنا وأنتِ قاعدين مع بعض دلوقتي".

هتفت "جهاد" بثبات وثقة:
-"شريف بيثق فيا جدا ومش هيحكم عليا من غير ما يسمعني وبعدين أنا أصلا كنت بفكر بقالي فترة أني أقوله الحقيقة بس مستنية أما يخف ويبقى كويس".
استرسلا في الحديث عن ذكريات طفولتهما وحياتهما في الماضي ولم ينتبها إلى ذلك الرجل الذي كان يتابعهما بعينيه كالصقر بل وقام بتصويرهما وهما يضحكان ويمزحان معا.

ذهبت "رضوى" إلى الأرشيف كما اتفقت مع دينا وشهقت بفزع وكادت تصرخ عندما شعرت برجل خلفها يحتضنها ويقبل وجنتها.
-"ابعد عني يا حيوان يا..."
بترت باقي عبارتها عندما سمعت صوته يطمئنها:
-"اهدي يا رضوى ومتخافيش أنا معتز".
استدارت له رضوى وأشارت له بسبابتها وهي تهمس بحنق:
-"متلمسنيش كده تاني بدل ما هطفش من الشركة".

استطردت بتهكم عندما رأت تجهم ملامحه:
-"روح يا أخويا احضن وبوس حبيبة القلب اللي قفلت السكة في وشي عشانها وملكش دعوة بيا".
لكم معتز الحائط بقوة وهو يرمقها بضيق فهو حاول عدة مرات أن يعتذر منها ولكن رأسها كالصخرة لا يلين أبدا... ابتسم لها بهدوء وحنان وهو يقترب منها ثم أمسك وجهها بين يديه:
-"أنتِ عارفة كويس أني مش بحب واحدة غيرك وعلى فكرة أنا سايب البيت لدينا بقالي يومين لأني مخنوق منها".

زمت شفتيها بعبوس وتحدثت بضيق طفولي:
-"بس أنت بتفضلها عليا في حاجات كتير وأنا زهقت من كده".
قربها منه واحتضنها وهتف بعدما طبع قبلة على جبينها:
-"دينا مش هتبقى أحسن منك في حاجة بعد كده وأنا هواجهها النهارده وهعرفها أني أتجوزتك ولو هي عايزة تطلق براحتها المهم عندي هي أنتِ وبس يا دودو يا حبيبتي".

ابتسمت له واحتضنته وهي تهمس بعشق:
-"أنا بحبك أوي يا معتز".
بادلها ابتسامتها قائلاً:
-"وأنا كمان بحبك".
انتفض كلا منهما بفزع على صوت دينا التي دلفت إلى الأرشيف لتوها وصُدمت مما رأته.
معتز ورضوى يحتضنان بعضهما!! هذا يفسر انقلاب زوجها في الفترة الأخيرة وعدم تقبله لها.

شعرت من قبل أن هناك امرأة أخرى في حياة معتز ولكنها استبعدت تلك الفكرة من رأسها فهي لم تتوقع أبدا أن يرتبط زوجها بامرأة أخرى وأن تكون غريمتها هي رضوى!!
-"الله الله وعملالي فيها شريفة ومحترمة وأل يا حبة عيني مظلومة وحياتك مدمرة وأنتِ مدوراها يا زبالة يا خطافة الرجالة!!".

همس معتز بحدة في محاولة منه للسيطرة على الوضع قبل أن تفتعل دينا فضيحة:
-"اهدي يا دينا وخلينا نتفاهم وبلاش فضايح".
وكأنها لم تسمع ما قاله... خرجت وصاحت بصوت عالٍ وطلب من جميع العاملين أن يحضروا حتى يشاهدوا مديرهم المحترم وهو برفقة سكرتيرته في وضع غير أخلاقي.

حضر الجميع فأشارت دينا نحو رضوى وهي تردف بغل:
-"شوفوا بنفسكم الأستاذة المحترمة اللي بينضرب بيها المثل في الاحترام بتعمل إيه مع مديرها في أوضة مقفولة عليهم".
تعالت همهماتهم بشأن ما يحدث ورمقوا رضوى باحتقار مما جعل معتز يصيح بغضب وهو يمسك دينا بقوة من ذراعها:
-"أنتِ ذوتيها أوي على فكرة و...".

قاطعته رضوى قائلة بنبرة يشوبها الغيظ بعدما سحبته برفق ووقفت أمامه:
-"استنى أنت كده يا معتز وسيبهالي".
ثم تحدثت بتبرم وهي تنظر إلي دينا بازدراء:
-"وماله يا حبيبتي لما واحد ومراته يكونوا لوحدهم في أوضة مقفولة؟! دي لا حاجة عيب ولا حرام ومفيش حد له عندنا حاجة".
رمشت دينا بعينيها عدة مرات وهي تردد بعدم استيعاب:
-"مراته!!".

أجابتها "رضوى" وهي تضع يدها في خصرها قائلة بتشفي غير عابئة بنظرات الانكسار في عينيها:
-"أيوه مراته يا حبيبتي وأم ابنه اللي بطني واللي هيشرف كمان ست شهور".
وهنا كانت الصدمة من نصيب معتز... هل هي حقا حامل أم تقول ذلك حتى تقهر دينا؟
همست دينا بضعف بعدما لملمت شتات نفسها:
-"وهي شطارة أنك تلفي على واحد وتخطفيه من مراته وتضربي معاه ورقتين عرفي؟!".

أجابتها رضوى باستهزاء وسخرية:
-"أولا جوازي أنا ومعتز رسمي مش عرفي وشريف أخوه عارف وموافق عليه... ثانيا معتز مكانش متجوز واحدة تستحق يتقال عليها فعلا أنها ست عشان أخطفه منها".

تجمدت دينا واحتل الخوف ملامحها عندما سمعت صوت شريف خلفها وهو يهتف بتساؤل وحدة موجها حديثه إلى الموظفين وابتلعت ريقها بصعوبة بعدما رأت نظراته الغاضبة المصوبة نحوها:
-"أنتم متجمعين هنا كده ليه؟! إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟".

أسرعت دينا ووقفت أمام معتز كالقطة الوديعة وهتفت باعتذار قبل أن يغضب شريف ويخبر زوجها بحقيقتها:
-"أنا أسفة جدا يا معتز على اللي حصل ده... أنت راجل ومن حقك تتجوز اتنين وتلاته وأربعة بس أنا كمان من حقي أني أرفض الوضع ده وعشان كده أنا هطلب منك الطلاق وهتنازلك عن كل حاجة أنت جبتهالي يعني ببساطة مش هاخد منك حاجة".

صمت "معتز" لبرهة يتأمل ملامحها ببلاهة فهده ليست أخلاق دينا التي يعرفها... قطب حاجبيه مستغربا ليتحدث بجدية:
-"أنا مطلبتش منك تتنازلي عن حاجة ده حقك في الأول وفي الأخر وأنا مش هاكله".
فرت دمعة خائنة من عينيها عندما رأت نظرات التهديد في عيني شريف والتي تأمرها بأن تصر على موقفها فتداركت دموعها سريعا وهمست بحشرجة خرجت رغما عنها بعدما جففت تلك الدمعة بإبهامها:
-"لا يا معتز أنا مش هاخد منك أي حاجة لأني مستحقهمش".

صرت على أسنانها بقوة وعصرت عينيها في مقاومة مستميتة كي تتماسك وتنفذ أوامر شريف حتى لا يقوم بفضحها:
-"أرجوك يا معتز... كل اللي عايزاه أني أتطلق بهدوء ومن غير مشاكل".
أومأ معتز برأسه وهو يشعر بالذهول من تصرفها الذي لم يتوقعه أبدا ولكنه استوعب الأمر في النهاية فدينا تفاجئه دوما بتصرفاتها الغريبة:
-"تمام... هعملك كل اللي أنتِ عايزاه... أنا هكلم المأذون النهارده عشان أطلقك".

غادر معتز الشركة واستقل السيارة برفقة رضوى التي ظلت تفكر فيما فعلته دينا وكيف تبدل حديثها مائة وثمانون درجة بل وتنازلت أيضا عن حقوقها عندما حضر شريف.
يبدو أن شريف يبتز دينا بشيء ما يجعلها تهابه وتنفذ جميع أوامره وهذا ما دفعها للاعتذار من معتز بعدما أساءت له أمام الجميع.
هذا ما أخبرها به حدسها الأنثوي فلا يوجد تفسير منطقي يفسر تصرف دينا سوى هذه الفكرة.

قطع شرودها وصمتها صوت معتز وهو يقول:
-"هو أنتِ فعلا حامل ولا كنتِ بترمي كلام وخلاص؟"
أجابته بجدية بعدما ارتشفت القليل من المياه:
-"أكيد حامل طبعا يا معتز... المواضيع دي مفيهاش هزار".
-"أنتِ بتقولي أنك حامل في الشهر التالت... طيب و
ليه خبيتي عليا ومقولتليش قبل كده؟!".

سألها بحيرة وهو ينظر لها باهتمام ولكنها أشاحت بوجهها للجهة الأخرى ولم تجبه ليتنهد قائلاً بضيق:
-"خلاص فهمت... كنتِ خايفة أجبرك أنك تنزليه".
استمر في القيادة وهو ينظر إلى الطريق أمامه بتركيز ولكن عقله كان يفكر بزوجته التي لم يعد يعرف ماذا عليه أن يفعل حتى يجعلها تثق به.

اقترب "يسري" من باب مكتب "تقى" وطرق عليه بخفة ليستمع لصوتها يأذن له بالدخول... وقف بالقرب منها وهى تجلس وتعطيه ظهرها وتمتم ببضع كلمات جعلتها تقفز بسعادة وحماس:
-"أنت بتتكلم بجد!! عرفت عنوان سيف؟!".

أومأ يسري برأسه واكتفى بإعطائها العنوان ولم يخبرها بتفاصيل حياة سيف وماذا عرف عنه وقرر أن يدعها تكتشف وترى كل شيء بنفسها لأنه يعلم جيدا أن كل ذلك سيصدمها ويقضي على آمالها وأحلامها.
-"أنا بجد مش عارفة أشكرك إزاي على اللي عملته ده... أنت خدمتني خدمة كبيرة أوي".

وكان رده هو ابتسامة مغصوبة وشعور بالشفقة عليها وعلى سعادتها التي ستتحطم بعد مرور بضع ساعات قليلة.
-"العفو يا أنسة تقى".
تركها وانصرف من المكتب وهو يتمنى أن يعينها الله على تحمل الصدمة والحقيقة القاسية التي ستتلقاها.
انفرجت أسارير وجهها وتمتمت بفرحة:
-"وأخيرا لقيتك يا سيف بعد ما كنت فكرت خلاص أنك نسيتني وسافرت برة مصر ومش هشوفك تاني!!".

-"أنا مش فاهمة إيه لازمة اللي أنتِ بتعمليه مع مروان ده؟!"
قالتها لين بحنق موجهة حديثها إلى ناريمان وهي تمسك سماعة الهاتف وتضعها على أذنها بيدها اليسرى وتسكب القهوة في الفنجان بيدها اليمنى.
زمت ناريمان شفتيها بعبوس وأجابت:
-"لأن الرجل مش بيعمل لمراته حساب غير لما بتطلع عينه".

أمسكت لين فنجانها وتوجهت إلى الصالة وهي تقول بضيق:
-"والله العظيم أنتِ بتستعبطي... خليك كده لحد ما يعرف عليكِ واحدة ويتجوزها بس متبقيش تصوتي وتولولي ساعتها".
وكأن كلمات لين أشعلت النيران في قلب ناريمان التي صاحت بغضب حارق:
-"طيب يبقى يعملها ابن مشيرة وأنا أقتله وأشرب من دمه... أهو ده اللي ناقص يعرف عليا واحدة!!".

لاحظت ناريمان أن بطارية هاتفها على وشك النفاذ فأردفت بسرعة وهي تركض نحو غرفتها حتى تجلب الشاحن:
-"معلش يا لين أنا مضطرة أقفل دلوقتي لأن الموبايل هيفصل شحن وأول ما يتشحن هكلمك تاني".
-"تمام مفيش مشكلة".
أغلقت "لين" الخط وارتشفت قهوتها ثم أمسكت السماعات وأوصلتها بهاتفها قبل أن تضعها في أذنها ولكن سرعان ما نزعتها بحدة عندما وجدت أنها لا تعمل.

زفرت بحنق قائلة بضيق:
-"طب وبعدين هعمل إيه دلوقتي؟!"
لمعت عينيها بسعادة عندما تذكرت أن سيف لديه سماعة صالحة ولكنه لا يستخدمها... توجهت على الفور إلى غرفة زوجها وفتشت في خزانته حتى تجد تلك السماعة ولكن اصطدمت يدها بصندوق خشبي وأسقطته.

جلست على الأرضية وأخذت تلملم محتويات الصندوق وتعيدها كما كانت ولكنها فجأة شعرت وكأن العالم توقف من حولها عندما وقع بصرها على تلك الصورة.
أمسكت الصورة بأنامل مرتعشة وهي لا تزال غير قادرة على استيعاب ما تراه أمامها ، جهاد ترتدي فستان خطبة وسيف يقف بجوارها ويرتدي بذلة مهندمة.
تقدمت نحو أقرب مقعد وجلست عليه قبل أن تنحدر دموعها وتتحدث بحشرجة:
-"يعني جهاد هي حبيبتك القديمة اللي لسه بتحبها!!".

مسحت بكف يدها على شعرها بعنف وضربت موضع قلبها بقوة وأجهشت ببكاء مرير... نظرت إلى الصورة بأسف ولعنت غبائها الذي لم يجعلها تدرك الأمر في ذلك اليوم عندما مرض سيف وأصابته حمى وكان يهذئ باسم جهاد.
-"أنت فضلت تردد وقتها اسم جهاد بس أنا متخيلتش أبدا أنها نفسها جهاد صاحبتي".

أعادت الصندوق إلى الخزانة ورتبت كل شيء ثم خرجت من غرفته وتوجهت نحو غرفتها بخطوات شبه راكضة وأوصدت الباب خلفها وأمسكت هاتفها لترى تلك الرسالة الجديدة التي وردتها وازداد انهيارها وبكائها عندما رأت محتواها فقد كانت الرسالة من الرجل الذي كلفته بمراقبة زوجها وكانت عبارة عن صور لسيف وجهاد وهو يجلسان في المطعم ويضحكان معا.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W