قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي الفصل الثاني

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي بجميع فصولها

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي الفصل الثاني

دلفت "لين" إلى الحفل وهي تمشي بخطوات واثقة وترفع رأسها بشموخ... انسلت ابتسامة ساخرة على شفتيها عندما رأت علامات الخوف والذعر على وجه دينا فهي تعلم أن دينا تخشاها وتحاول بقدر الإمكان أن تتجنبها... توجهت ناحية طارق الذي ابتسم ما إن رآها ورحب بها بحرارة وكأنه وجد كنزه الثمين!!

ابتسمت بتهكم فمن يرى طارق وهو يرحب بها بهذا الشكل سيعتقد أنه يحبها ويفعل المستحيل من أجلها ، ولكنها تدرك جيدا سبب هذه المعاملة اللطيفة وتعلم أنه يريد بيعها لهذا الثري العربي.

مسكين طارق فهو لا يعرف شيئا عن المفاجئة التي تنتظره والتي ستصدمه وتضرب بجميع مخططاته عرض الحائط.
أشار بإصبعه ناحية الشيخ فهد الذي كان يقف بالقرب منهم مع بعض رجال الأعمال وهتف قائلاً:
-"أنا مش محتاج أعرفك عليه لأنه غني عن التعريف ، بس اللي أنت متعرفهوش أنه هيبقى جوزك النهارده مهما حصل...احنا خلافتنا كتير يا لين بس في النهاية أنا أخوكي وعارف مصلحتك".

لم يحصل منها سوى على ضحكة عالية استفزته وأزعجته... هل تعتقده يمزح معها؟!
ربما تعتقد بأنها ستستطيع مغادرة الحفل دون أن يتم الزواج، لن يسمح لها بأن تفعل ما يحلو لها، سيجعلها تعود كما كانت في السابق خاضعة وذليلة ولا تجرؤ على النظر إليه... أمسكها من ذراعها بقوة وهمس بفحيح:
-"اوعي تفكري أنك هتطلعي من هنا من غير ما تعملي اللي أنا عايزه!!".

نفضت يده بغضب من على ذارعها وهمست بجوار أذنه:
-"تقدر تقولي أنا إزاي هتجوز جردل الترشي بتاعك ده وأنا أصلا متجوزه وجوزي موجود هنا وهيقطعك حتت لو فكرت تجوزني لغيره؟!"
اتسعت حدقتي عينيه بصدمة... هل قالت بأنها متزوجة؟! كيف وأين ومتى حدث هذا الأمر؟!
ابتسمت بتشفي عندما رأت ملامح وجهه التي تبدلت مائة وثمانون درجة وأردفت:
-"ثواني هعرفك على جوزي".

توجهت ناحية الباب وعادت وهي تتأبط ذراع سيف وتوجها نحو طارق الذي حاول بشتى الطرق أن يتمالك نفسه كي لا تحدث فضيحة.
يعترف بأن لين استطاعت أن تربح هذه الجولة ضده ولكنه لا يفهم كيف التقت بسيف وكيف تزوجا ولا يعرف كيف خرج سيف من السجن قبل انتهاء فترة سجنه؟

أمسكه سيف من تلابيب قميصه وقام بمعانقته وهو يبتسم بشر وتوعد قائلاً بتهكم:
-"ازيك يا نسيبي... أنا مش مصدق أني أخيرا شوفتك".
في هذه الأثناء سمعوا جميعا صوت تحطم الكأس الذي كانت تمسكه دينا... توجه سيف ناحيتها واحتضن معتز وهمس بنبرة يملؤها الغضب:
-"ازيك يا صاحبي الواطي والخاين... أخبارك إيه؟!".

رفع حاجبيه بمكر وهو يرمق دينا قائلاً:
-"مالك يا دينا وشك مصفر ليه؟! اللي يشوفك وأنتِ عاملة كده يقول أنك لا سمح الله شوفتي عفريت!!"
ليتها رأت عفريتا ولم تره... لقد تحقق أسوء كوابيسها وعاد سيف... عاد لينتقم منهم لما فعلوه به... رمقته بنظرات زائغة وهي تردد بهيستريا:
-"أنت إزاي خرجت من السجن؟! وازاي اتجوزت أنت ولين؟".

نظر لهما طارق هو الأخر وسألهما كيف تزوجا لتجيبهم لين بسخرية وهي ترمقهم بازدراء:
-"اتجوزنا عادي زي ما الناس بتتجوز يا جماعة... جبنا المأذون وفي اتنين من أصحاب سيف شهدوا على عقد الجواز وجدي والد مامتي اللي أنت بتكرهه يا طارق وهو كمان بيكرهك كان الولي بتاعي... الموضوع مش معقد ولا صعب أوي كده عشان تستغربوا بالطريقة دي!!".

تمالك طارق نفسه وتحكم جيدا في انفعالاته وأعصابه حتى انتهى الحفل وانصرف كل المدعوين ولم يبقى سواهم في الحفل.
أمسك طارق سيف من ياقة قميصه وحاول ضربه ولكن سيف أمسك يده وقام بلكمه... شهقت دينا بفزع عندما رأت الدماء التي انسلت من أنف طارق بينما ابتسمت لين بتشفي.

رمقه طارق بغضب وهتف وهو يزيل قطرات الدماء التي انسلت من أنفه وفمه:
-"خلينا نكون واضحين ونجيب من الأخر... تاخد كام وتطلقها؟ ومتحاولش تقولي أنك بتحبها ومش هتسيبها والكلام الفاضي ده لأنه مش هيدخل دماغي".
نظر له سيف بتمعن يحاول أن يستشف ما يدور في رأسه قبل أن يبتسم بمكر قائلاً وهو يشير بإصبعه نحوه ونحو دينا ومعتز:
-"أنا عندي استعداد أطلقها بس مش قبل ما أخد منكم اللي أنا عايزه".

سأله معتز باندفاع:
-"وإيه بقى اللي أنت عايزه مننا؟"
أجابه سيف بحقد ودون أن يرمش له جفن:
-"دماركم... مش عايز غير أني أدمر حياتكم أنتم التلاتة زي ما عملتوا فيا".

أجفلت دينا لوهلة وكانت ستسقط ولكن أمسك بها معتز... كانت تشعر بأن قدميها أصبحتا مثل الهلام ولا تقدران على حملها... صاح به معتز بقوة:
-"إذا كان في حد هيدمر وحياته هتخرب فهيكون أنت يا سيف وده إذا فكرت تقف في وشنا".
استهان سيف بغضبه وأمعن في استفزازه قائلاً بسخرية:
-"هنشوف يا صديقي العزيز مين فينا اللي هينفذ كلمته".

أمسك سيف بيد لين وسحبها خلفه ليغادرا منزل طارق... استقل سيف السيارة وجلست بجانبه لين وهي تبتسم قائلة:
-"أحسن حاجه حصلت قدامي النهارده هي البوكس اللي أنت اديته لطارق".
ابتسم سيف هو الأخر بدوره وأدار محرك السيارة متوجها إلى المنزل.

استيقظت "جهاد" من نومها ونظرت إلى الساعة لتجد أنها تجاوزت الخامسة صباحا... نهضت من الفراش ودلفت إلى المرحاض لتغسل وجهها وعندما خرجت وقع نظرها على زوجها الذي كانت تنام بجواره قبل أن تستيقظ... نظرت إليه وهي تتنهد بمرارة والدموع تهطل من عينيها فهو يثبت لها دائما أنه لا يستحق ما تفعله به... لم تتزوجه لأنها تحبه بل تزوجته من أجل الانتقام رغم أنها تعلم جيدا أنه ليس مذنبا ولكنها لم تجد وسيلة غيره لتنتقم لما أصابها في الماضي.
أغمضت عينيها بقوة وهي تتذكر ما حدث قبل بضع ساعات.

دلف إلى الغرفة لكي يرتدي بذلته ويستعد للذهاب إلى الحفل الذي أقامه طارق...سمع صوتها وهي تسعل بشدة في المرحاض فتوجه نحوه وطرق عدة طرقات قوية على الباب ولكنها لم تستجب.

لم يتردد في أن يكسر الباب ليتفاجأ برؤيتها ملقاة أرضا ووجهها شاحب كالأموات... هرع إليها وحملها وتوجه بها إلى السرير ودثرها جيدا... وضع يده على جبينها ليتفقد حرارتها ليجدها مرتفعة فالتقط هاتفه واتصل بصديقة والدته فهي طبيبة ماهرة وتقطن في المنزل المقابل لمنزله... لم يمضِ سوى خمس دقائق وحضرت الطبيبة وفحصتها وأردفت بهدوء بعدما انتهت:
-"هي عندها دور سخونية شديد... أنا هكتبلها أدوية وحقن وإن شاء الله هتبقى كويسة".

أطلق "شريف" تنهيدة حارة وهو يرمقها بامتنان قائلاً:
-"متشكر جدا يا طنط سمية... أنا عارف أني أزعجتك لما اتصلت بيكِ دلوقتي".
رمقته شذرا قبل أن تشده من أذنه قائلة بحدة مصطنعة:
-"إزعاج إيه اللي أزعجتهولي يا ولد أنت؟! هو أنت شايفني واحده غريبة عشان تقولي كده؟ أنا وأمك الله يرحمها كنا أكتر من أخوات ومن يوم يومي وأنا بعتبرك أنت ومعتز زي ولادي بالظبط".

ضحكت جهاد بضعف عندما رأت "سمية" وهي تمسك شريف من أذنه... انتبه لها شريف ليردف وهو ينظر إلى سمية:
-"خلاص يا طنط سمية... أنا أسف جدا... لو سمحتِ سيبي وداني عشان أنا هيبتي كده هتضيع قدام مراتي".
تركت سمية أذنه ودونت له الأدوية التي من المفترض أن يحضرها ثم غادرت المنزل... أمسك شريف هاتفه واتصل بمعتز وأخبره بأنه لن يستطيع حضور الحفل ، ثم خرج من المنزل وذهب لإحضار الأدوية.

رجع "شريف" إلى المنزل وأعطاها أدويتها وظل بجانبها طوال الليل يطمئن عليها.
فاقت "جهاد" من شرودها عندما سمعت صوت أذان الفجر فتوضئت وصلت ودعت الله بأن يريح قلبها ويرشدها إلى الصواب.
دمعت عينيها وهي تتذكر سيف... أكثر شخص تحبه في هذه الحياة ودعت الله بأن يكون بخير وأن يفرج همه قريبا... تتمنى أن تراه وبشدة فقد اشتاقت له كثيرا ولكنها تخفي هذا الأمر حتى لا ينكشف أمرها.

نظرت "رضوى" إلى أظافرها برضا ووضعت المبرد جانبا بعدما انتهت من تقليمهم وارتشفت قهوتها وهي تنظر بغضب إلى صورتها المعلقة على الحائط برفقة معتز وتنهدت بحزن عميق.
كانت تتمنى أن تكون بجانبه في الحفل بدلا من دينا... كفكفت دموعها وهي تقسم أنها لن تكون رقم اثنين في حياته بل ستصبح لها الأولوية من الآن وصاعدا
وضعت يدها على بطنها وهي تتمتم بحنان وحب:
-"أوعدك يا حبيبي أن بابا هيكون معانا على طول وأني هبعده عن دينا ومش هخليها تاخده مننا بعد النهارده".

تنهد "سيف" بحسرة وهو يقف أمام قبر والدته وينظر إلى مجموعة الصور التي وضعها أمامه... أمسك صورة والدته وطبع عليها قبلة حانية قائلاً بمرارة:
-"وحشتيني أوي يا ست الكل... صدقيني أنا مش هرتاح ولا هيهدالي بال غير لما أنتقم منهم وأحرمهم من كل حاجه بيحبوها زي ما كانوا السبب في أني أتحرم منك".

تحررت دموعه الحبيسة داخل عينيه وهو يتأمل صورتها برفقتة وبجوارهما شقيقته وخطيبته السابقة... أمسك صورة أخرى تجمعه بأكثر شخص أحبه بعد والدته... ارتسمت على شفتيه ابتسامة حزينة وهو ينظر إلى الصورة فقد كانت ترتدي فستان خطبتها وتبتسم وهو يقف بجوارها... ابتلع غصة مؤلمة في حلقه وهو يهتف بحزن:
-"وحشتيني أوي يا جهاد... نفسي أشوفك وأتكلم معاكِ زي زمان... يا ترى أنتِ عامله إيه دلوقتي وأخبارك إيه؟"

لملم الصور ووضعها في جيبه وأعاد النظر إلى قبر والدته وبدأ يسرد عليها تفاصيل حياته طوال السنوات الماضية... تذكر عندما قالت له ذات مره منذ عدة سنوات:
-"خلي بالك كويس يا سيف من أصحابك دول لأني مش مرتاحلهم وخليك فاكر أن الدنيا دي غدارة ولو ضحكتلك يوم فممكن تخليك تبكي بداله عشرة".
نظر لها سيف بتساؤل وعدم فهم قائلاً:
-"أنا مش فاهم أنتِ تقصدي إيه بالظبط من الكلام ده؟".

ربتت على كتفه بحنو وهتفت قائلة بنبرة ذات مغزى:
-"أقصد أنك لازم تاخد بالك كويس من كل اللي حوليك سواء كانوا أصحابك أو أعدائك لأن زي ما عدوك ممكن يغدر بيك فكمان صاحبك يقدر يعملها... الفرق بين طعنة غدر العدو وطعنة غدر الصديق أن العدو ممكن يغلط وميصبش الهدف أما الصديق فطعنته بتصيب الهدف كويس وكمان بتوجع أوي".

حذرته من طعنة غدر الصديق وكأنها كانت تعرف ما سيحدث له وما سيفعله أصدقائه به... أردف والدموع تنساب من عينيه وهو يشير إلى نفسه:
-"أنتِ كان عندك حق يا غالية... أنا كان لازم أخلي بالي بس أنا كنت غبي... لو كنت سمعت كلامك كان زمانك دلوقتي هتبقى معايا... لو كنت سمعت كلامك كان زمان جهاد وتقى موجودين جنبي".
أقسم بأنه سينتقم ولن يرحم كل من تسبب في إبعاد أحبته عنه.

جلست "رضوى" على مكتبها والبسمة تزين ثغرها فقد استطاعت أخيرا بعد عناء ومشقة أن تجعل معتز يوافق على عملها.
ربما عملها كسكرتيرة في هذه الشركة لا يتناسب مع مؤهلاتها الدراسية العالية ولكنها راضيه بما قدره الله لها فهي تؤمن كثيرا بمقولة "الخير فيما اختاره الله" وطالما قدر لها الله أن تعمل كسكرتيرة فهذا خير لها من أي عمل أخر قد يوافق عليه معتز.

قاطع شرودها صوت معتز الذي طلب منها أن تجلب له ملف إحدى المناقصات الهامة... دلفت إلى مكتبه وهي تحمل الملف وتعطيه له وانصرفت دون أن تتحدث بكلمة واحدة.
أغمض معتز عينيه بقوه فهو لا يعلم ما الذي يحدث له في الآونة الأخيرة.. لا يعلم السبب الذي دفعه ليجعل "رضوى" سكرتيرته الخاصة فعندما رآها تبحث عن عمل في شركة أخرى دون أن تخبره وهو الأمر الذي جعله يغضب ويثور ويتشاجر معها.

تذكر أنه لم يهتم كثيرا عندما أعطته ملفها وتحدثت عن مؤهلاتها ودراستها فقد قام بتعيينها دون أن ينظر إلى أوراقها لأن كل ما أراده هو ألا يقترب منها أحد غيره ولكنه يشعر بالحزن كلما تذكر بأنها تتجاهله وتبتعد عنه.
رضوى... وهل هناك غيرها يحتل جزءاً كبيراً من تفكيره؟

رغم كل المصائب التي حدثت معه مؤخراً إلا أنه لا يشغل عقله سواها وهذا يثبت له أنه لم يحب دينا أبدا وأن الشيء الذي ظنه حب لم يكن سوى انبهار اختفت لمعته مع مرور الزمن... شعر بالصداع يفتك برأسه فهاتفها وعندما أجابت هتف قائلاً:
-"اتصلي بيهم يا رضوى في الكافتريا وخليهم يعملولي القهوة بتاعتي ولما يجيبوها ابقي دخليها".
صر على أسنانه بغيظ عندما سمع ردها وهي تقول ببرود:
-"أوامرك يا فندم".

لا يحتمل معاملتها له بهذه الرسمية وكأنها لا تعرفه وتمنى لو أنه يستطيع تلقينها درسا قويا لتتعامل معه كما يريد.
فعلت ما طلبه منها وعندما قام العامل بإحضار القهوة أخذتها منه ودلفت إلى المكتب ووضعتها أمامه ومن ثم خرجت لتصطدم بدينا التي نظرت لها بذهول وصدمة... لم تتفاجأ رضوى كثيرا برؤيتها فهي تعلم جيدا أنها ستصادفها كثيرا في الشركة لأنها تعمل بها.

رغم شعور الخوف الذي تسرب إلى دينا بمجرد رؤية رضوى إلا أنها اقتربت منها ومدت يدها لمصافحتها ولكن رضوى تراجعت بضع خطوات إلى الخلف.
لم تنس يوما أن دينا هي من دمرت حياتها وأهانتها ووصفتها أنها رجعية وغير متحضرة... قاطع شرودهما صوت معتز الذي خرج من مكتبه ورآهما ليهتف بتساؤل:
-"أنتم تعرفوا بعض؟"
ظهر الذعر على ملامح دينا وتصبب جبينها بالعرق وانعقد لسانها فيبدو أن حقيقتها ستنكشف اليوم أمام معتز.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W