قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي الفصل الثامن عشر

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي بجميع فصولها

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي الفصل الثامن عشر

ظهرت معالم الدهشة على وجه طارق بعدما استمع إلى خطة دينا والتي ستحل له جميع مشاكله.
-"يعني أنتِ شايفة أن ده هو الحل المناسب؟"
سألها طارق بجدية لتومأ برأسها قائلة:
-"أيوة احنا لازم نخلص على لين وفي أسرع وقت وساعتها أنت هتورث فلوسها كلها".
حك ذقنه قائلاً بتساؤل:
-"طب ما ناريمان هتورث معايا وكده كده فلوس لين مش هتكفي أساسا".

أشرقت عينيها بابتسامة وهتفت دون مراوغة:
-"احنا هنخلص على ناريمان وابنها قبل ما نخلص على لين وبكده أنت هتورث جزء كبير من فلوس ناريمان لأن مش هيبقى عندها ابن يهبش الفلوس وبعدها هنخلص على لين عشان تورث فلوسها كلها لأن هي ملهاش حد يقاسمك غير جدها وده نصيبة هيبقى بسيط ومش هيأثر عليك".

استطردت بمكر وهي تحدق في عينيه بخبث:
-"وطبعا احنا هنخلص على سيف قبل ما نقتل لين عشان ميبقاش شريك ليك في فلوس لين".
أمسك كفها وطبع عليه قبلة وهو يهتف بابتسامة:
-"أنتِ بتجيبي الأفكار دي منين؟! مخك دي فعلا سم وأنا محظوظ جدا أني واقف معاكِ في نفس الجهة وإلا كان زماني خسرت من بدري بسبب دماغك الألماظة دي".

قهقهت دينا بخلاعة على حديث طارق الذي يعد مديحا بالنسبة لها ولم تعد تكترث لأي شيء فقد أعماها الجشع عن حقيقة أنه ليس غير الله دائم وأن كل شيء في تلك الحياة سيفنى ولن ينفع أي إنسان سوى العمل الصالح.

تحسس طارق الجروح التي تكسوا وجهه وتحدث بغلٍ عندما تذكر ما فعله رجال شريف به وكيف أوسعوه ضربا ثم ألقوا به كالقمامة في أحد الشوارع القذرة:
-"وبعدين هنخلص على شريف بس بعد ما أخلص من موضوع لين وناريمان".
أردفت دينا بغلٍ مماثل فهي لن تترك شريف يهنأ بحياته بعد كل ما فعله بها:
-"عندك حق... شريف لازم يدفع تمن اللي عمله فينا".

تأففت جهاد بضجر وهي تنهض من سريرها بهدوء وذهبت إلى الحمام لتغسل وجهها وتمحو أثار النوم من عينيها، ذهبت نحو المطبخ ووقفت أمام الثلاجة ثم فتحتها ببطء وانتشلت عبوة عصير برتقال وأغلقت الثلاجة ثم ذهبت إلى الصالون وجلست على الأريكة وقامت بتشغيل التلفاز وهي ترتشف العصير بشراهة.

أغلقت التلفاز ووضعت جهاز التحكم بجوارها وهي تزفر بضيق ولا تعلم لماذا تشعر وكأنه هناك حمل ثقيل موضوع على قلبها ويضغط عليه بقوة.
اهتز هاتفها يعلن عن وصول إشعارات من تطبيق الفيس بوك... أمسكت الهاتف وقلبت بين الإشعارات بملل قبل أن تضع الهاتف جانبا ولكنها أمسكته مرة أخرى ونظرت بتمعن إلى التاريخ الذي يحتل جزء ليس بالقليل من خلفية شاشة هاتفها.

أدركت جهاد الآن سر ذلك الضيق الذي تشعر به في صدرها منذ الصباح فاليوم يصادف ذكرى وفاة والدتها التي ماتت مقهورة بعدما قضت المحكمة بالسجن على سيف.
-"ربنا يرحمك يا غالية ويغفر لكِ ويسكنك فسيح جناته!! أنتِ كنتِ طيبة أوي وتستاهلي كل خير".

عصفت بها أفكارها وعادت بذاكرتها إلى اليوم الذي توفت به والدتها... كانت جهاد تجلس بجوار سرير والدتها التي يتصل بجسدها بعض الأجهزة الطبية.
أخرجت جهاد مصحفها وشرعت في قراءة بعض آيات الذكر الحكيم قبل أن تسمع صفير الأجهزة بشكل أثار ذعرها فوضعت المصحف جانبا وركضت بجنون خارج الغرفة تستغيث بالطبيب الذي دلف إلى الغرفة على الفور حتى يتفقد والدتها... أمسك الطبيب بمعصم والدتها وقربه من أذنه ولكنه سرعان ما تركه و صرخ في وجه الممرضة التي كانت تقف خلفه:
-"هاتي جهاز الصدمات بسرعة!!".

أحضرت الممرضة الجهاز ليأخذه الطبيب بسرعة ويبدأ في وضعه على جسد والدة جهاد ولكنها لم تستجب للأسف... زفر الطبيب بحزن وسحب الغطاء ووضعه على وجهها تحت نظرات جهاد التي تتابع ما يحدث أمامها ببلاهة.
اقترب الطبيب منها وهتف بأسف:
-"البقاء لله!!".

نظرت له كالمغيبة وكأنها لم تنتبه لما قاله ثم بدأت تضحك بشكل هيستيري وكأنه لم يعد هناك وجود لعقلها الذي لم يستوعب بعد حقيقة ما جرى.
انتهت ضحكاتها ودمعت عيناها فجأة وأجهشت بالبكاء ثم صرخت باسم والدتها ولم تتوقف إلا عندما شعرت بشيء حاد يخترق ذراعها ثم أظلمت عيناها فجأة ولم تعد تشعر بما يحدث حولها.

فتحت عينيها لتجد نفسها في غرفة بيضاء وعندما دققت النظر حولها وجدت نفسها مستلقية على الفراش بإحدى غرف المستشفى وموصول بذراعها الأيسر محلول مغذي.
تذكرت ما حدث قبل أن تفقد وعيها وأن والدتها قد انتقلت إلى الرفيق الأعلى فأخذت تبكي بشدة على خسارتها.
خرجت جهاد من المستشفى وانقضت ساعات تم فيها تغسيل وتكفين جثة والدتها.

أقيمت صلاة الجنازة في أحد المساجد الكبرى وقام المصلون بالدعاء لتلك السيدة الفاضلة فقد كان الجميع في المسجد يعتريهم الحزن على موت تلك المرأة التي كانت تُعرف بطيبتها وأخلاقها الفاضلة... حملوا جثمانها بعدما فرغوا من الصلاة وخرجوا به من المسجد وتفاجأت جهاد بوجود شقيقها وبرفقته مجموعة من العساكر ولم تكن حالته أفضل منها فقد كانت عيناه تلمع بالدموع.

ركضت نحوه واحتضنته وهي تبكي بمرارة وهتفت من بين شهقاتها:
-"ماما راحت مننا يا سيف".
احتضنها هو الأخر وربت على ظهرها حتى تهدأ وهو لا يعلم إن كان يواسيها أم يواسي نفسه فقد خسر اليوم والدته دون أن يحظى بفرصة ليرى وجهها للمرة الأخيرة.

بدأت مراسم الدفن وكم كان مؤلما بالنسبة لجهاد أن ترى والدتها الحبيبة وهي توضع تحت التراب.
أخذ العساكر سيف وانصرفوا بعد انتهاء عملية الدفن ولم يتبق سوى جهاد التي ظلت بجوار القبر تقرأ القرآن الكريم قبل أن تقترب منها بدرية هاتفة بحزن على فقدان جارتها وصديقتها المقربة:
-"كفاية كدة يا حبيبتي... لازم نمشي دلوقتي لأن المغرب قرب يأدن ومش هينفع نفضل أكتر من كده".

انصاعت جهاد لحديث بدرية بعد كثير من المحاولات وعادت إلى منزلها... حضرت "سماح" والدة خطيبها وغمغمت بجمود:
-"البقية في حياتك.... ربنا يجعلها أخر الأحزان".
رفعت جهاد بصرها قائلة بحزن:
-"حياتك الباقية يا طنط".
أما بالخارج فكان محمد يستقبل العزاء وبجانبه "إيهاب" خطيب جهاد... انتهى العزاء فخرجت سماح من المنزل بعدما اتصل بها ابنها.

مرت ثوان قليلة قبل أن تلاحظ جهاد أن حماتها نسيت هاتفها وتركته على الأريكة فخرجت من الشقة ولحقت بها حتى تعطيه لها وتنهدت براحة وهي تهبط الدرج عندما رأت سماح تقف عند البوابة برفقة إيهاب فكادت تقترب منهما ولكنها سرعان ما توارت خلف الحائط وهي تشعر بأن أحدهم طعنها بخنجر حاد في صدرها بعدما سمعت سماح تقول:
-"أنا زهقت من القرف ده... خد بالك أنا جيت العزا عشان أنت اتحايلت عليا وإلا أنا مكنتش عتبت البيت ده برجلي أبدا".

زفر إيهاب بضيق قائلاً:
-"خلاص بقى يا ماما مش هنقعد نتكلم كل دقيقة في الموال ده!!"
صاحت سماح بحدة:
-"هو إيه اللي خلاص يا عنيا!! أنت قولتلي أنك هتفسخ الخطوبة دي بعد ما يتحكم على أخوها بس أنت لحد دلوقتي لسة مفسختهاش!!"
هتف إيهاب بتبرير وهو ينظر في عينيها:
-"أنا كنت هفسخها زي ما وعدتك بس أنتِ شوفتي بنفسك اللي حصل... أمها تعبت وبعدين ماتت ولو احنا فشكلنا الخطوبة دلوقتي هنبان قدام الناس أننا واطيين فعشان كده أنا هضطر أستنى شوية وهشوف سبب يبان أنه مقنع وأسيبها عشانه وفي نفس الوقت تبان هي اللي غلطانة".

أشارت سماح بسبابتها في وجهه قائلة بتحذير:
-"أنت عارف لو طلعت بتاكل بعقلي حلاوة هتبقى ساعتها لا ابني ولا أعرفك... أنا مش هدخل بيتي على أخر الزمن واحدة أخوها حرامي ورد سجون... أنا مش ضامنة هي ممكن يطلع منها إيه لو اتجوزتها... دي ممكن تستغفلنا وتقلب فلوسنا".

نطقت عبارتها الأخيرة ثم وضعت يدها على فمها بخوف ليهتف إيهاب بإصرار وهو يقبل يدها:
-"أنا أصلا من غير ما تقولي مستحيل أدخل بيتي واحدة زي دي... افتكري كويس كده أني أنا اللي جيتلك الأول قبل ما تتكلمي معايا وقولتلك أني هفسخ الخطوبة أول ما سيف اتقبض عليه".

ابتسمت سماح براحة قائلة:
-"أيوة كده يا حبيبي... ربنا يكملك بعقلك وبالنسبة لفرحك فأنا هعملهولك في المعاد بس على العروسة اللي تستاهل تشيل اسمك وأهلها يستحقوا يناسبونا وطبعا مش هيكونوا زي الناس الواطيين دول".

-"تصدقوا بالله أن أنتم اللي ناس واطية ومعدومين الأصل ومعندكوش ريحة الدم... دي جهاد دي تبقى ست البنات وابنك ده لو كان راجل مكنش فكر أنه يسيبها وأنا يوم ما هجوز جهاد هجوزها لراجل بحق وحقيقي مش لواحد زي ابنك اللي هو أصلا حتة عيل دلدول مش بيتحرك خطوة من غير أمه وكأنه لسة بيرضع وعايز ياخد منها الببرونة".

نطقتها بدرية التي خرجت خلف جهاد بعدما وجدت أنها تأخرت وعندما هبطت الدرج رأت جهاد تتوارى خلف الحائط ودموعها تنحدر من مقلتيها وهي تستمع إلى حديث خطيبها اللاذع.
تفاجأ إيهاب بوجود جهاد وبدرية وفهم أنهما سمعتا الحديث الذي دار بينه وبين والدته وقبل أن يهم بالحديث صاحت بدرية بغضب وهي تكبح بداخلها رغبة ملحة بضرب تلك الشمطاء التي تحدثت بالسوء عن جهاد:
احنا أصلا ميشرفناش أن جهاد تتجوز وتدخل بيت ناس زيكم مش بيفهموا في الأصول ولا عندهم ذوق".

لوحت سماح بيدها في وجه بدرية وصاحت بتبجح:
-"ده على أساس أنها حلوة ولا أصلها يشرف!!"
اقتربت منها أكثر قائلة بتبرم وسخرية:
-"بقولك إيه يا حبيبتي... قصري الكلام وهاتلنا الحاجة اللي ابني جابها للسنيورة بما أن كل حاجة بقت واضحة واشبعي أنتِ بملكة الجمال بتاعتك وشوفي مين اللي هيبقى يعبرها ويتجوزها".

التفتت بدرية لجهاد وهتفت بحزم:
-"اطلعي بسرعة هاتي هداياهم كلها ومتسبيش أي حاجة ليهم هنا عشان البيت ميتوسخش من قرف الناس اللي جابوها".
صعدت جهاد سريعا وأحضرت الشبكة وجميع الهدايا التي أحضرها إيهاب وأعطتهم لبدرية التي ألقتهم في وجه سماح وصاحت بحدة وهي تضع يدها في خصرها:
-"خدوا الزبالة بتاعتكم ويلا من هنا ومش عايزين نشوف وشكم تاني وابقي قابليني لو ابنك النحنوح ده لقى واحدة ضفر جهاد".

سحبت سماح إيهاب من ذراعه وخرجت من المنزل لتجثو جهاد أرضا تشهق بمرارة على قسوة القدر الذي لم يتركها تستوعب صدمة خسارتها لوالدتها حتى تتفاجأ بحقارة خطيبها.
اقتربت منها بدرية واحتضنتها قائلة بحنو:
-"متزعليش نفسك يا حبيبتي ده واحد ندل وميستاهلكيش يا قلبي... استني بكرة وهتشوفي... هتتجوزي سيد سيده وساعتها هتقولي خالتي بدرية قالت".

مرت الأيام بصعوبة على جهاد التي كانت تحاول أن تتأقلم مع وضعها الجديد وأن تعتاد على غياب والدتها وفي أحد الأيام ذهبت لزيارة سيف في السجن لتطمئن عليه وكما توقعت فقد كانت حالته النفسية سيئة للغاية... أمسكت كفه ونظرت له بحزن وقالت:
-"أخبارك إيه دلوقتي يا سيف؟".

صمت ولم يرد لتتنهد بمرارة قائلة:
-"رد عليا أرجوك يا سيف واتكلم معايا".
رمقها بملامح واجمة قائلاً وهو ينظر إلى أصابع يدها اليمنى:
-"دبلتك فين يا جهاد؟"
نكست جهاد رأسها ولم ترد ليستأنف قائلاً بألم تأجج في صدره:
-"إيهاب سابك عشان أنا اتسجنت زي ما تقى عملت مش كده؟".

دمعت عيناها ولكنها استطاعت أن تتحكم في دموعها التي تهدد بالسقوط حتى لا يتألم شقيقها أكثر واستمعت إليه وهو يستطرد بغصة:
-"أكيد أمه سمعتك كلام زي الزفت وكل ده بسبب غبائي لأني وثقت في طارق".
هزت جهاد رأسها بذهول:
-"هي تقى سابتك؟! أتاريها بقالها فترة مش بتيجي عندي هي وأمها زي زمان... أنا عمري ما تخيلت أنها تتخلى عنك".

ابتلع سيف غصة مريرة في حلقه وعيناه تفيض حزنا على ما وصل إليه حاله:
-"لا صدقي دلوقتي أي حاجة... اللي حصل معايا خلاني أعرف أن مفيش حد مضمون في الزمن ده".
أمسك كفها وهمس برجاء فهو لم يعد بإمكانه تحمل المزيد من الألم:
-"لو بتحبيني يا جهاد متجيش تزوريني مرة تانية لأني حقيقي مش قادر أبص في وشك بعد ما كنت السبب في موت ماما وفي أن الناس تبعد عنك... سامحيني يا جهاد".

تحررت دموعها الحبيسة وهمست بصوت متحشرج:
-"متقولش كده يا حبيبي اللي حصل ده أنت ملكش ذنب فيه وبالنسبة للناس اللي اتخلت عنا فأنا معنديش مشكلة أنهم يغوروا في ستين داهية... المهم عندي هو أنت وبس لأنك سندي ومش هعرف أعيش في الدنيا دي من غيرك".
أعلن العسكري انتهاء وقت الزيارة لتنصرف جهاد وهي تبكي.

مرت الأيام حتى حان موعد الزيارة التالية فذهبت جهاد لترى سيف ولكنه لم يقابلها وتكرر الأمر في كل مرة تذهب إليه حتى يأست في النهاية واقتنعت بأنه لن يقابلها.
حزمت حقيبتها وتركت المنزل بعدما كادت تتعرض للاعتداء على يد ثلاثة أوغاد لولا تدخل الشرطة وإنقاذهم لها في اللحظة الأخيرة.

ذهبت جهاد إلى منزل صديقتها شروق التي رحبت بها بشدة وحرصت على إرضائها وجعلها تشعر كما لو كانت في منزلها ولكن شعرت جهاد بالحرج منها وقررت أن تبحث عن عمل حتى تساعدها في المصروفات.
انتظرت عودة شروق من الخارج وناقشت معها الأمر لتصيح الأخرى بحماس:
-"إيه رأيك تقدمي ورقك في الشركة اللي أنا بشتغل فيها؟ احتمال كبير جدا يقبلوكي لأن مؤهلاتك كويسة جدا ومناسبة".

فكرت جهاد في حديث صديقتها ووجدته منطقي بالنسبة لها فهمست بموافقة:
-"تمام أنا هجهز السي في بتاعي وهاجي أقدم في للشركة وربنا يقدم اللي فيه الخير".
تقدمت جهاد للعمل في تلك الشركة وكما توقعت شروق فقد تم قبولها.

استمرت جهاد بالعمل لفترة قبل أن تكتشف الحقيقة التي جعلت جرح قلبها ينزف بشدة وهي أن الشركة التي تعمل بها يمتلكها معتز وشقيقه الأكبر ويوجد بعض الأسهم التابعة لطارق ودينا.
تولد بداخلها رغبة شديدة بالانتقام من هؤلاء الأوغاد الذين يعيشون حياتهم بسلام ورفاهية دون أن يكترثوا بالجريمة التي اقترفوها في حق شقيقها المسكين الذي يقضي لياليه وهو خلف جدران السجن الموحشة.

-"طب وأنتِ هتعملي إيه دلوقتي يا جهاد؟"
نطقتها شروق بحيرة بعدما أطلعتها جهاد على مكنونات صدرها وأخبرتها بكل ما تفكر به لتنظر لها شروق بقلق وهي تهتف بتعقل:
-"سيبيها على ربنا يا جهاد وبلاش تورطي نفسك في دوامة الانتقام لأنك مش قد الناس دي والله أعلم باللي ممكن طارق يعمله فيكِ لو عرف أنكِ أخت سيف".

أولتها جهاد تركيزها بالكامل لتستطرد بنبرة تحمل في طياتها الكثير من الخوف:
-"على فكرة أنا لاحظت أن طارق معجب بيكِ وعشان كده أنا بقولك حاولي متقربيش منه خالص لأنه بني أدم حقير ومش سهل".

استطردت شروق بجدية بعدما لاحظت قلق صديقتها وخوفها من هذا الحديث:
-"على فكرة في خلاف كبير بينه وبين مراته وشكلهم كده هيطلقوا قريب أوي يعني هو مش هامه حد وخصوصا أنه أصلا عينه زايغة وبتاع نسوان ومش بيجذبه غير البنت التقيلة اللي بتصدر البوز الخشب لأي راجل وده اللي أنتِ بتعمليه على طول".

أردفت جهاد بحيرة وهي تتوجه نحو غرفتها:
-"أنا هعمل زي ما بتقولي وهنفذ كلامك وربنا يسهل".
حسمت جهاد أمرها وشرعت في تنفيذ خطة صديقتها وابتعدت عن محيط طارق الذي كان يحاصرها باستمرار وازداد الأمر سوءا بالنسبة لجهاد بعدما طلق زوجته.

كانت جهاد تتجاهله وتتظاهر بأنها لا تكترث له وهذا ما كان يدفعه إلى محاولة التقرب منها أكثر وأكثر.
ضحكت شروق بشدة وقالت:
-"يا نهار أبيض عليكِ يا جهاد... ده طارق بقى عامل خلاص زي الأهطل... ده ناقص يبوس رجلك عشان تعبريه وتديله ريق حلو".
رفعت جهاد حاجبها الأيسر وتحدثت بضيق وهي تكز على أسنانها:
-"ربنا ياخده وأرتاح منه... أنا مش عارفة هو جايب البجاحة دي كلها منين!!".

ضربت شروق كفها بكف صديقتها قائلة بمزاح حتى تخفف ضيقها:
-"عاش يا جيجي... أنتِ عرفتي تعملي مع طارق اللي مفيش ولا واحدة قدرت تعمله معاه!!"
ذهبت جهاد إلى الشركة في الصباح الباكر ولكنها تفاجأت بحالة هرج ومرج تسيطر على الأجواء... اقتربت من شروق التي كانت قد سبقتها في الذهاب إلى الشركة وهتفت بتساؤل:
-"هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟! اللي يشوف البلالين دي كلها يقول أنهم هيحتفلوا بعيد قومي!!".

التفتت لها شروق وهتفت بابتسامة:
-"أصل أستاذ شريف رجع من السفر بعد ما اتعالج وخف من السرطان وكل الموظفين اللي هنا في الشركة بيحبوه جدا وعشان كده حبوا يعملوله حفلة بمناسبة رجوعه بالسلامة".
عقدت جهاد حاجبيها متسائلة:
-"هو مين أستاذ شريف ده؟".

رمقتها شروق بدهشة وأجابتها وهي تجلس بجوارها:
-"أنتِ جالك زهايمر ولا إيه يا جهاد؟! شريف ده اللي هو أخو معتز الكبير".
ضربت جهاد مقدمة رأسها بخفة قائلة:
-"تصدقي صح!! ده أنا نسيت اسمه خالص".
صمتت كلا منهما عندما وصل شريف إلى الشركة وتفاجأ كثيرا بالحفل الذي أعده الموظفون تحت إشراف شقيقه معتز الذي ابتسم له وهو يتقدم منه:
-"حمد الله على سلامتك يا حبيبي".
ربت شريف على كتفه:
-"الله يسلمك يا معتز ربنا ميحرمنيش منك".

نظرت جهاد باستغراب إلى هذا الرابط القوي الذي يجمع بين الشقيقين وتساءلت كيف يمكن لشخص حقير كمعتز أن يحب شقيقه إلى تلك الدرجة!!
نفضت تلك الأفكار من رأسها وذهبت لتنجز أعمالها ومرت الأيام واستمرت محاولات طارق في التقرب من جهاد إلى أن أتى اليوم الذي انقلبت به الموازيين رأسا على عقب...

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W