قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي الفصل الثالث

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي بجميع فصولها

رواية طعنة غدر للكاتبة بتول علي الفصل الثالث

هل ستنكشف حقيقتها التي استطاعت إخفائها طوال تلك السنوات؟
نظرت إلى رضوى برجاء بينما رمقتها رضوى باشمئزاز ، فقد أقسمت أنها ستأخذ منها كل شيء ولكن ليس بهذه الطريقة... هزت رأسها نافية وأردفت قائلة:
-"لا منعرفش بعض... دي أول مره أشوف فيها المدام".

تنفست دينا الصعداء ورسمت على وجهها ابتسامة مصطنعة وهتفت قائلة بهدوء:
-"أنا استغربت جدا يا معتز لما شوفتها لأني مكنتش أعرف أنك عينت سكرتيرة جديدة بدل اللي أنت طردتها".
التقط معتز ذراع دينا بين كفيه ودلف إلى المكتب... التفتت دينا خلفها ووجدت رضوى ترمقها بنظرات مليئة بالغضب والكره.

جلست رضوى على مكتبها وأطلقت تنهيدة حارة ودعت الله أن يلهمها الصبر على هذا الابتلاء الذي يتمثل في أنها سترى دينا بشكل مستمر خلال الأيام المقبلة.

قرأ الفاتحة أمام قبر والدته وغادر المقابر وتوجه إلى منزله القديم... البيت الذي كان يعج بالفرحة والبهجة أصبح الآن مهجورا... رمق المنزل من الخارج بحسرة وكاد يدلف إليه ولكن استوقفه صوت جاره "عم محمد" وهو يناديه ويقترب منه قائلاً بعدم تصديق لما يراه أمامه:
-"سيف!! حمد الله على السلامة... أنت خرجت من السجن إمتى؟".

ابتسم سيف لهذا الرجل الطيب الذي لطالما اعتبره بمنزلة ابنه وقال:
-"أنا خرجت من السجن من كذا شهر... قولي أنت إيه أخبارك يا راجل يا طيب؟"
ابتسم محمد قائلاً بلطف:
-"أنا الحمد لله بقيت أحسن لما شوفتك".

استأذن سيف منه ودلف إلى منزله الذي اشتاق له بشدة... نظر حوله إلى صوره المعلقة برفقة والدته وشقيقته وأيضا خطيبته السابقة... وقف أمام تلك الصورة التي تجمعه بشقيقته وخطيبته في مدينة الملاهي وتذكر ذلك اليوم الذي اُلتقطت به تلك الصورة.

كان ذلك اليوم عندما ذهب برفقة جهاد وتقى إلى مدينة الملاهي وتجولوا بها لبعض الوقت قبل أن يقفوا أمام "بيت الرعب"... نظرت كلاً من جهاد وتقى إليه بذعر فهما تخشيان هذه اللعبة كثرا... رفع سيف حاجبه بمكر وهو يرى الخوف والذعر على وجه كلا منهما وأردف بعبث:
-"مالكم يا حلوين... مش معقولة تكونوا خايفين من بيت الرعب؟!".

نظرت إليه تقى شذرا ولكمته بخفة على كتفه قائلة بغيظ:
-"بطل برود واستفزاز يا سيف... أنت عارف كويس إن أنا وجهاد بنخاف من اللعبة دي وبالأخص جهاد".
نظر لها سيف بغيظ وأردف وهو يضع يده على موضع لكمتها:
-"أنتِ متأكده إن دي إيد مش شاكوش... أنا حاسس أن كتفي اتخلع".

هزت كتفها بلامبالاة فلا يوجد فائدة من الحديث معه وتوجهت إلى جهاد التي كانت على وشك البكاء فهي لا يمكنها أن تحتمل التواجد أمام كابوسها المرعب...أخذهما سيف وتوجهوا إلى لعبه أخرى وقضوا يومهم يمزحون ويمرحون ولا يعرفون ما تخبئه لهم الأيام.

زفر أنفاسه بألم وحزن فقد انقلبت حياته رأسا على عقب بعد هذا اليوم وتدمرت حياته... جلس على الأريكة ينظر حوله وهو يتذكر ما حدث له فقد كان شابا في مقتبل عمره يسعى لتحقيق طموحاته وأحلامه وكاد ينجح في هذا الأمر لولا تعرضه للخيانة من أصدقائه المقربين وتسببهم في سجنه.

لم تحتمل والدته ما حدث له وأُصيبت بنوبة قلبية أودت بحياتها... لم يكن القدر رحيم به فبعد مرور أسبوع من إصدار الحكم زاره والد خطيبته التي قام بعقد قرانه عليها قبل أن يتم القبض عليه بثلاثة أشهر وطلب منه أن يطلق ابنته وإلا سيلجأ إلى القضاء ليطلقها منه... لم يحتمل سيف تلك الإهانة وألقى أمامه يمين الطلاق ولم يقبل بعدها أن يقابل أي شخص يأتي لزيارته وحتى شقيقته لم يقابلها.

قطع شروده صوت طرقات خفيفة على الباب فتوجه لفتحه وكان الطارق هو محمد وزوجته "بدرية" وقد قاما بإحضار صندوق صغير يحتوي على أشياء خاصة بسيف... ضيق سيف عينيه بتعجب عندما ناوله محمد الصندوق وقال:
-"إيه ده يا عم محمد؟".
-"دي الأمانة اللي أختك سابتهالك قبل ما تمشي".

قالها محمد وهو يجلس على الأريكة تاركا سيف ينظر إلى الصندوق بتعجب... فتح سيف الصندوق ووجد به مجموعه من الصور العائلية ورسالة مكتوبة بخط يدها... أمسك الرسالة وشرع في قرائتها.
"لا أفهم... لماذا كنت ترفض مقابلتي عندما كنت أتي لزيارتك في السجن؟ هل أصبحنا غرباء كي تبتعد عني بهذه الطريقة؟!
أعلم أن ما حدث لك كان قاسيا ولكن أليس من المفترض أن أكون بجوارك في محنتك وأخفف عنك؟!

أردت إخبارك بأني لم يعد بإمكاني البقاء في منزلنا ، فبعد رحيلك أنت وأمي أصبحت ضعيفة ووجبة شهية أمام أعين الذئاب الجائعة... وجودك جانبي كان يحميني دائما فلقد كنت نعم الشقيق وبعد رحيلك لم يعد هناك من يحميني ولذلك لن أعود إلى هذا المنزل مرة أخرى قبل أن تعود أنت.

شقيقتك المحبة".

كان هذا هو مضمون الرسالة التي تركتها شقيقة سيف.
"بعد رحيلك أصبحت ضعيفة ووجبة شهية أمام أعين الذئاب الجائعة"
ترددت هذه الجملة في عقله وهو جالس يراقب أرجاء منزله القديم بعين زائغة تأبى أن تُسقط دموعها والتفت إلى محمد وسأله بجمود:
-"إيه اللي حصل مع أختي خلاها تسيب البيت؟"

أردف محمد بأسى وهو يضع رأسه بين كفيه:
-"بعد ما أنت اتسجنت ووالدتك ماتت أختك بقت لوحدها ومبقاش في حد معاها بس أنا كنت دايما بشقر عليها وبشوفها لو محتاجه حاجة".
سكت قليلا ليردف سيف بتساؤل:
-"وبعدين إيه اللي حصل؟"
أجابه محمد بنبرة تحمل مزيج من الحزن والحسرة:
-"حصل مشكلة عند عيلتي في البلد فسافرت هناك كام يوم ووقتها...".

لم يستطع محمد أن يخبر سيف بما حدث مع شقيقته فتابعت بدرية وأخبرته بأنه في ذلك اليوم اختطف ثلاثة شباب شقيقته وأخذوها إلى شقة واحد منهم وحاولوا الاعتداء عليها.
كانت تصرخ وتستغيث وهي تقاومهم بشراسة... صفعها أحدهم على وجهها وأحكم الأخرين قبضتهما عليها... حاولت المقاومة عندما شرعوا في تمزيق ملابسها ولكنها لم تستطع فلم يكن أمامها سوى الصراخ ولكنهم قاموا بتكميم فمها.

ابتسموا ابتسامة ماكرة وشرع أحدهم في الاقتراب منها ولكن أوقفه صوت قوات الشرطة التي اقتحمت الشقة.
اتسعت عيني الضابط بصدمة عندما رأى ما كانوا على وشك فعله بهذه المسكينة وهتف بغضب وهو يشير نحوهم:
-"هاتولي العيال دي".
أمسك بهم العساكر وألقوا القبض عليهم وقاموا بتحريرها من قيودها... عادت إلى منزلها وعندما رأتها بدرية صرخت بهلع فهيئتها كانت كافيه لإخبارها بما حدث لها.

في صباح اليوم التالي توجهت إلى منزل بدرية وطرقت عدة طرقات على الباب قبل أن تفتح لها بدرية التي اتسعت عيناها بدهشة عندما رأت الحقيبة التي كانت تمسك بها.
اقتربت من بدرية وعانقتها قائلة بحب:
-"أشوف وشك بخير يا طنط بدرية".
حاولت بدرية مقاطعتها والاعتراض ولكنها استكملت قائلة:
-"اللي حصل معايا مكانش سهل وعشان كده أنا لازم أمشي من هنا بس أنا عندي طلب أخير وأتمنى تحققهولي".

سألتها بدرية بتوجس:
-"طلب إيه؟"
ناولتها الصندوق الصغير الذي كانت تحمله بيدها وقالت:
-"ممكن تحتفظي بالصندوق ده وتخليه معاكِ ولما سيف يخرج من السجن ويرجع البيت تبقي تديهوله".
حملت حقيبتها وغادرت المكان تاركة بدرية تنظر إلى الصندوق بحزن وأسى.

كور سيف يده بغضب... لا يتصور أن كل ذلك حدث مع شقيقته ولم يكن موجودا لحمايتها... كز على أسنانه بغيظ وهدر قائلاً:
-"قوليلي مين العيال دي يا طنط بدرية؟"
ظهر التوتر والارتباك على وجه بدرية وحاولت أن تتهرب من الإجابة ولكن سيف لم يدعها تفعل ذلك لتجيبه في النهاية:
-"مسعد وبدوي وشفيق دول نفسهم العيال الصيع اللي كانوا بيقعدوا على القهوة كتير وبيشربوا مخدرات وحشيش".

عزم سيف على الانتقام من هؤلاء الأوغاد فقام من مقعده واتجه نحو الباب ولكن أمسك به محمد ودفعه للخلف وصرخ به قائلاً:
-"أنت اتجننت ولا شكلك كده؟! أنت لسه خارج من السجن... عايز ترجع تاني؟!"
أردفت بدرية بجدية وهي تقف أمامه تمنعه هي الأخرى من الخروج:
-"العيال دول في السجن أساسا بسبب اللي حاولوا يعملوه مع أختك وبسبب المخدرات اللي بيتاجروا فيها".

أمسك به محمد وأجلسه عنوة على الأريكة وجلس أمامه وقام بتهدئته... أخبرته بدرية أن قوات الشرطة كانت ذاهبة إلى هذا المنزل لإلقاء القبض على مسعد بسبب تجارته في الحشيش والمخدرات ولم يكونوا على علم بما كان يحدث لشقيقته... كور سيف يده بغضب ولكم الحائط ، لا يصدق بأنه لولا الصدفة لكانت شقيقته ضاعت منه إلى الأبد.

صافح سيف محمد وغادر منزله القديم وذهب إلى منزل صديقه "أسر" الذي رحب به بشده... دلف سيف إلى المنزل وشعر بالصدمة عندما وجد أمامه ستة أطفال يركضون نحو أسر وزوجته الحامل التي قدمت لهم العصير... رمق صديقه بذهول وصدمة فلم يكن يتوقع أن أسر الذي لم يكن في الماضي يحتمل وجود أطفال حوله لديه الآن ستة أطفال وزوجته حامل أيضا... حاول جاهدا كبح ضحكته وهو يهتف قائلاً:
-"بسم الله ما شاء الله... إيه ده كله يا أسر؟".
اقترب منه أسر وأجابه بصوت منخفض يكاد يكون مسموعا:
-"حكم القوية المفترية حماتي".

ضحك سيف بشدة على جملة أسر... تحدثا كثيرا عن أيامهم الماضية... كان أسر يشعر بالغضب الشديد بسبب ما حدث لسيف وحاول مساعدته ولكنه لم يستطع لأنه كان خارج البلاد في هذه الفترة... حاول كثيرا طوال هذه السنوات أن يبحث عن شقيقة سيف ويعرف أين ذهبت ولكنه لم يجدها... سمع سيف رنين هاتفه فأخرجه من جيبه ونظر إلى الشاشة ليجد أن المتصل هي لين... استأذن من أسر وخرج إلى الحديقة وأجاب على الاتصال ليأتيه صوت لين الحانق وهي تقول:
-"ممكن أعرف سيادتك فين دلوقتي؟"

لم يهتم بحنقها وغضبها وأجابها ببرود وعدم اكتراث:
-"في بيت واحد صاحبي... أظن ده من حقي ولا إيه رأي حضرتك؟!"
كادت ترد عليه ولكن انعقد لسانها عندما سمعت صوت أنثوي يقول:
-"تعالى يلا يا حبيبي الغدا جاهز".

رفعت حاجبيها بتعجب فقد قال لها لتوه أنه في منزل صديقه ولكنه على ما يبدو هو في منزل عشيقته.
صرت على أسنانها بغيظ وأرادت أن تفتك بهذا الكاذب اللعين فقد أثبت لها لتوه أنه لا يوجد رجل شريف وعفيف في هذا العالم.
ردد اسمها عدة مرات عندما لم يسمع صوتها... سمعته يردد اسمها فصاحت به هادرة بانفعال قبل أن تنهي المكالمة:
-"على فكرة أنت ذوقك بيئة أوي".

ألقت هاتفها على الأريكة بغضب وتمتمت بغيظ:
-"اللي يشوفه بيصلي كل يوم وماسك المصحف بيقرأ فيه يقول عليه شيخ زمانه، وهو ميه من تحت تبن... فعلا كان عنده حق اللي قال ياما تحت السواهي دواهي".

لم يفهم ما الذي كانت تقصده بقولها "ذوقك بيئة" ولكنه هز كتفه بلا مبالاة ودلف إلى المنزل وتناول الغداء وقضى وقتا ممتعا برفقه أسر وأولاده المشاغبون.
انقضى النهار وأسدل الليل ستاره وهو يجلس برفقة أسر في الحديقة يروي له ما حدث معه خلال هذه السنوات في السجن وكيف كانت حياته به... أغمض عينيه بقوه وهو يقول:
-"ده كل اللي حصل معايا يا أسر".

لاحظ أسر الحزن الذي اعترى صديقه بمجرد تذكره لهذه الأيام فأراد أن يخفف عنه... سحبه من يده حتى وصل إلى المرآب... دلف أسر إلى المرآب وتبعه سيف الذي جحظت عيناه بشده عندما رأى صديقته العزيزة "دراجته النارية" أمام عينيه... توجه نحوها على الفور وأخذ يتفحصها... لا يصدق أنها لا زالت جميلة كما هي وتحتفظ برونقها وبريقها... ابتسم أسر عندما رأى السعادة التي شعر بها سيف عندما رأى دراجته النارية وأردف بهدوء:
-"أنا عرفت أن أختك باعته عشان تجمع فلوس العملية اللي كانت أمك لازم تعملها... فضلت أدور عليه كتير لحد ما وصلتله واشتريته من صاحبه".

نظر سيف إلى أسر بامتنان حقيقي ، فقد أثبت له اليوم بأنه صديق حقيقي وليس كهؤلاء الأوغاد الخونة.

وصل أخيرا إلى المنزل وصف دراجته النارية في المرآب... أخرج مفاتيحه من جيبه وفتح الباب وأوصده خلفه... استشعر حالة الهدوء والسكينة التي تسيطر على الأجواء فأدرك على الفور أن لين ليست موجودة في المنزل... ابتسم عندما تأكد بأنها حقا ليست موجودة وهتف بسعادة:
-"يا سلام ، وأخيرا هقعد في جو هادي من غير الصداع اللي اسمها لين".

قام بتشغيل التلفاز وقلب في القنوات بملل إلى أن استقر على إحدى القنوات التي تعرض أفلام الأكشن ، ولكن قبل أن يندمج في المشاهدة جذبه صوت رنين الجرس... ابتسم بسخرية وقال:
-"الظاهر كده أن لين نسيت المفتاح بتاعها".

يريد وبشده أن يتركها تقف على عتبة المنزل طوال الليل فهي لا تكف أبدا عن إزعاجه ولكن ضميره لن يسمح له أبدا أن يفعل ذلك... قام بتكاسل من مقعده وتوجه لفتح الباب وهو يقول بابتسامة:
-"أنتِ نسيتي مفتاحك ولا إيه يا لين؟"
انعقد لسانه وتوقفت الكلمات في حلقه عندما رأى دينا تقف أمامه بشموخ وغرور... نظر لها بصدمة فهو لم يتوقع أن تأتي له بنفسها.

ابتسمت بثقة عندما لاحظت شحوب وجهه بمجرد رؤيتها وقالت:
-"أنت هتسيبني واقفه كتير على الباب؟"
أمسكها من ذراعها بقسوة ودفعها إلى الخارج وهو يحاول كبح غضبه كي لا يقتلها وقال:
-"غوري من وشي يا دينا أحسنلك".

ضحكت دينا بشدة وهي تقول:
-"إيه خايف مراتك تيجي تشوفني ولا إيه؟! أنا عارفه كويس أوي أنها مش هنا وعشان كده أنا جيت أتكلم معاك"
-"عايزة إيه؟"
سألها بنفاذ صبر لتنظر له بتمعن ليبادلها نظراتها بالتحدي فقد بدأت الآن لعبة انتقامه.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W